الأمالي

السيد المرتضى ج 2


[ 1 ]

(الجزء الثاني من كتاب) امالي السيد المرتضى (الشريف أبى القاسم على بن طاهر أبي احمد الحسين المتوفي سنة 436 رضي الله عنه) (في التفسير والحديث والادب) (الطبعة الاولى) (سنة 1325 ه‍ و 1907 م) (على نفقة أحمد ناجي الجمالى ومحمد أمين الخانجي وأخيه) (حقوق الطبع محفوظة) صححه وضبط ألفاظه وعلق حواشيه (السيد محمد بدر الدين النعساني الحلبي) منشور المكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي قم ايران 1403 ه‍ ق


[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم [ تأويل خبر ].. ان سأل سائل عن الخبر المروى عن عبد الله بن عمر أنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ان قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن يصرفها كيف شاء ثم يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا الى طاعتك.. وعما يرويه أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مامن قلب آدمي إلا وهو بين أصبعين من أصابع الله تعالى فإذا شاء أن يثبته ثبته وان شاء أن يقلبه قلبه.. وعما يرويه ابن حوشب قال قلت لام سلمة زوج النبي صلي الله عليه وسلم ما كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم قالت كان أكثر دعائه يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك فقالت قلت يا رسول الله ما أكثر دعائك يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك فقال يا أم سلمة مامن آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله عزوجل ما شاء أقام وما شاء أزاغ.. فقال ما تأويل هذه الأخبار على ما يطابق التوحيد وينفى التشبيه أو ليس من مذهبكم ان الأخبار التي يخالف ظاهرها الاصول ولا تطابق العقول لا يجب ردها والقطع على كذب راويها إلا بعد أن لا يكون لها في اللغة مخرج ولا تأويل وان كان لها ذلك فباستكراه أو تعسف ولستم ممن يقول ذلك في مثل هذه الأخبار فما تأويلها.. الجواب ان الذي يعول عليه من تكلم في تأويل هذه الأخبار هو أن يقول ان الأصبع في كلام العرب وان كانت الجارحة المخصوصة فهي أيضا الأثر الحسن يقال لفلان على ماله وإبله أصبع حسنة أي قيام وأثر حسن.. قال الراعى يصف راعيا حسن القيام على إبله ضعيف العصا بادي العروق ترى له عليها إذا ما أجدب الناس إصبعا.. وقال طفيل الغنوي يصف فحلا


[ 3 ]

كميت كركن الباب أحيى بناته مقاليتها فاستحشمتهن إصبع.. وقال لبيد بن ربيعة من يبسط الله عليه إصبعا بالخير والشر بأي أولعا (1) يملأ له منه ذنوبا مترعا.. وقال حميد بن ثور أغر كلون البدر في كل منكب من الناس نعمى تحتديها وإصبح.. وقال آخر وأرزنات ليس فيهن أبن ذو إصبع في مسها وذو فطن.. وقال آخر أكرم نزار أو اسقه المشعشعا فإن فيه خصلات أربعا حدا وجودا وندى وأصبعا والأصبع في كل ما أوردناه المراد بها الأثر الحسن والنعمة فيكون المعنى ما من آدمي إلا وقلبه بين نعمتين لله جليلتين حسنتين.. فان قيل هذا قد ذكر كما حكيتم إلا انه لم يفصل ما النعمتان وما وجه التثنية ههنا ونعم الله تعالى على عباده كثيرة لا تحصى.. قلنا يحتمل أن يكون الوجه في ذلك نعم الدنيا ونعم الآخرة وثاهما لانهما كالجنسين أو كالنوعين وان كان كل قبيل منهما في نفسه ذا عدد كثير لأن الله تعالى قد أنعم على عباده بان عرفهم بأدلته وبراهينه ما أنعم به عليهم من نعم الدنيا والآخرة وعرفهم مالهم في الاعتراف بذلك والشكر عليه والثناء به من الثواب الجزيل والبقاء في النعيم الطويل.. ويمكن أن يكون الوجه في تسميتهم للأثر الحسن بالأصبع هو من حيث يشار إليه


(1) أنشده في اللسان في مادة ص ب ع من يجعل الله عليه إصبعا في الخير أو الشر يلقاه معا

[ 4 ]

بالأصبع اعجابا به وتنبيها عليه وهذه عادتهم في تسمية الشئ بما يقع عنده وبما له به علقة وقد قال قوم في بيتى طفيل والراعي أنهما أرادا أن يقولا يدا في مكان الأصبع لان اليد النعمة فلم يمكنهما فعدلا عن اليد الى الأصبع لانها من اليد وفي الأصبع التى هي الجارحة ثمان لغات. أصبع بفتح الألف والباء. وأصبع بفتح الألف وكسر الباء واصبع بضم الألف والباء. واصبع بضم الألف وفتح الباء. واصبوع بضم الألف مع الواو. وإصبع بكسر الألف والباء. وإصبع بكسر الألف وفتح الباء. وإصبع بكسر الألف وضم الباء.. وفي هذه الأخبار وجه آخر وهو أوضح مما ذكر وأشبه بمذاهب العرب في ملاحن كلامها وتصرف كناياتها وهو أن يكون المعني في ذكر الأصابع الإخبار عن تيسر تصريف القلوب وتقليبها والفعل فيها عليه جلت عظمته ودخول ذلك تحت قدرته ألا ترى انهم يقولون هذا الشئ في خنصري وأصبعي وفي يدي وقبضتي كل ذلك إذا أرادوا تسهله وتيسره وارتفاع المشقة فيه والمؤنة وعلى هذا المعنى يتأول المحققون قوله تعالى (والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه) فكأنه صلى الله عليه وسلم لما أراد المبالغة في وصفه بالقدرة على تقليب القلوب وتصريفها بغير مشقة ولا كلفة وان كان غيره تعالى يعجز عن ذلك ولا يتمكن منه فقال انها بين أصبعين من أصابعه كناية عن هذا المعنى واختصارا للفظ الطويل وجريا على مذهب العرب في إخبارهم عن مثل هذا المعنى بمثل هذا اللفظ وهذا الوجه يجب أن يكون مقدما على الوجه الأول ومعتمدا عليه لانه واضح جلى.. ويمكن أن يكون (1) في الخبر وجه آخر على تسليم ما يقترحه المخالفون من ان الأصبعين هما المخلوقتان من اللحم


(1) لا يخفى ان هذه الأجوبة لا مدخلية لها في السؤال ولو كانت فليس ذلك محلا له لان البحث والسؤال ومحلهما في معني تصريفها كيف شاء وإذا شاء أن يثبته ثبته وان شاء أن يقلبه قلبه وما شاء أقام وما شاء أزاغ وأمثالها في أمثال معنى هذا الحديث الشريف مما هو صريح في الجبر ورفع التكليف فان هذا هو الداء العضال وموضع انفصام العقول لا في معنى الأصبع وجواز قراءة الاصبوع مما لا يسمن ولا يغنى من جوع اه‍ من هامش الأصل

[ 5 ]

والدم استظهارا في الحجة واقامة لها على كل وجه وهو أنه لا ينكر أن يكون القلب يشتمل عليه جسمان على شكل الأصبعين يحركه الله تعالى بهما ويقلبه بالفعل فيهما ويكون وجه تسميتهما بالأصابع من حيث كانا على شكلهما والوجه في اضافتهما الى الله تعالى وان كانت جميع أفعاله تضاف إليه بمعنى الملك والقدرة لانه لا يقدر على الفعل فيهما وتحريكهما منفردين عما جاورهما غيره تعالى فقيل انهما أصبعان له من حيث اختص بالفعل فيهما على هذا الوجه لان غيره إنما يقدر على تحريك القلب وما هو مجاور للقلب من الأعضاء بتحريك جملة الجسم ولا يقدر على تحريكه وتصريفه منفردا مما يجاوره غيره تعالى فمن أين للمبطلين المتأولين هذه الأخبار بأهوائهم وضعف آرائهم ان الأصابع ههنا إذا كانت لحما ودما فهي جوارح لله تعالى وما هذا الوجه الذي ذكرناه ببعيد.. وعلى المتأول أن يورد كلما يحتمله الكلام مما لا تدفعه حجة وان ترتب بعضه على بعض في القوة والوضوح ونحن نعود الى تفسير ما لعله أن يشتبه من الأبيات التي استشهدنا بها.. أما قوله – حدا وجودا وندى وأصبعا – فمعنى الحد المضاء والنفاذ وقول آخر – وأرزنات ليس فيهن أبن – فالأرزنات العصى والأبن العقد.. فأما قول حميد بن ثور – في كل منكب من الناس – فالمنكب الجماعة والمنكب الناحية.. وأما معني أبيات لبيد فانه أراد من يسق الله إليه خيرا أو يصرف عنه شرا فعل ذلك به وأسبغ له حتى ينتهي منتهاه.. فأما بيت طفيل الغنوى فمعناه ان هذا الفحل الذي وصفه بانه كميت وانه كركن الباب لتمامه وشدته لما ضرب في الابل التى وصفها عاشت أولادها التي هي بناته بعد ان كن مقاليت والمقلاة التي لا يعيش لها ولد فكان هذا منه أثرا جميلا عليها.. فأما بيت الراعي فمعنى قوله – ضعيف العصا – يريد انه قليل الضرب لها أما لانهن لا يحوجنه سدادا وتأودا أو لشفقته عليهن وهذه كناية في نهاية الحسن واختصار شديد لانه قد يجوز أن يكون ضعيف العصا على الحقيقة من حيث لا يحتاج الى استعمالها في الضرب فيختارها قوية ويجوز أن يكون حذف وأراد ضعيف فعل العصا.. وقوله – بادي العروق – يعني عروق رجله لفاسدها من السعي في أثر هذا الابل وأراد – بالأصبع – ان له عليها في جدب الناس أثرا جميلا لحسن قيامه وتعهده.. وقد قيل انه انما سمى الراعي لبيت قاله في


[ 6 ]

هذه القصيدة بعد بيتين من البيت الذي أنشدناه وهو لها أمرها حتى إذا ما تبوأت بأحقافها مأوى تبوأ مضجعا وهذا قول الأصمعي.. وقال السكري سمى بذلك لقوله في هذه القصيدة أيضا هدان أخو وطب وصاحب علبة يرى المجد أن يلقى خلاء ومرتعا وروى عن بعض بني نمير انه قال انما سمي بذلك لقوله تبيت مرافقهن فوق مزلة لا يستطيع بها القراد مقيلا فقال بعض بني نمير لما سمع هذا البيت والله ما هو إلا راعي إبل فبقيت عليه.. وقال محمد بن سلام انما سمي الراعي لكثرة وصفه الابل وحسن نعته لها واسمه عبيد بن حصين بن جندل وكنيته أبو جندل وقيل أبو نوح (مجلس آخر 23) [ تأويل آية ].. ان سأل سائل عن قوله تعالى (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) ما المراد بالنفس في هذه لآية وهل المعنى فيها كالمعنى في قوله (ويحذركم الله نفسه) أو يخالفه أو يطابق معنى الآيتين والمراد بالنفس فيهما ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال يقول الله عزوجل إذا أحب العبد لقائي أحببت لقاءه وإذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه وإذا تقرب الى شبرا تقربت إليه ذراعا وإذا تقرب الى ذراعا تقربت إليه باعا أو لا يطابقه.. الجواب قلنا ان النفس في اللغة لها معان مختلفة ووجوه في التصرف متباينة.. فالنفس نفس الانسان وغيره من الحيوان وهي التي إذا فقدها خرج عن كونه حيا ومنه قوله تعالى (كل نفس ذائقة الموت).. والنفس ذات الشئ الذي يخبر عنه كقولهم فعل ذلك فلان نفسه إذا تولى فعله.. والنفس الأنفة من قولهم ليس لفلان نفس أي لا أنفة له.. والنفس الارادة من قولهم نفس فلان في كذا أي ارادته.. قال الشاعر


[ 7 ]

فنفساي نفس قالت انت ابن بحدل تجد فرجا من كل غم تهابها ونفس تقول اجهد نجاك فلا تكن كخاضبة لم يغن شيئا خضابها ومنه أن رجلا قال للحسن البصري يا أبا سعيد لم أحجج قط فنفس تقول لي حج ونفس تقول لي تزوج فقال الحسن أما النفس فواحدة ولكن لك هم يقول حج وهم يقول تزوج وأمره بالحج.. وقال الممزق العبدي ويروى لمعقر بن حمار البارقى ألا من لعين قد نآها حميمها وأرقني بعد المنام همومها فباتت لها نفسان شتى همومها فنفس تعزيها ونفس تلومها.. وقال النمر بن تولب العكلي أما خليلي فإنى لست معجله حتى يؤامر نفسيه كما زعما نفس له من نفوس القوم صالحة تعطي الجزيل ونفس ترضع الغنما أراد أنه بين نفسين نفس تأمره بالجود واخرى تأمره بالبخل وكنى برضاع الغنم عن البخل لان البخيل يرضع اللبن من الشاة ولا يحلبها لئلا يسمع الضيف صوت الشخب فيهتدى إليه ومنه قيل لئيم راضع.. وقال كثير فأصبحت ذا نفسين نفس مريضة من الناس ما ينفك هم يعودها ونفس ترجي وصلها بعد صرمها تجمل كي يزداد غيظا حسودها.. والنفس العين التي تصيب الانسان يقال أصابت فلانا نفس أي عين.. وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرقي فيقول بسم الله أرقيك والله يشفيك من كل داء يؤذيك وداء هو فيك من عين عائن ونفس نافس وحسد حاسد.. وقال ابن الاعرابي النفوس التي يصيب الناس بالنفس وذكر رجلا فقال كان والله حسودا نفوسا كذوبا.. وقال عبيد الله بن قيس الرقيات وهو قرشي يتقي أهلها النفوس عليها فعلى نحرها الرقى والتميم


[ 8 ]

.. وقال مضرس الفقعسي وإذا نموا صعدا فليس عليهم منا الخيال ولا نفوس الحسد.. وقال ابن هرمة يمدح عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك فاسلم سلمت من المكاره والردى وعثارها ووقيت نفس الحسد.. والنفس أيضا من الدباغ بمقدار الدبغة يقول اعطني نفسا من دباغ أي قدر ما أدبغ به مرة.. والنفس الغيب يقول القائل إنى لا أعلم نفس فلان أي غيبه وعلى هذا تأويل قوله تعالى (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) أي تعلم غيبي وما عندي ولا أعلم غيبك .. وقيل ان النفس أيضا العقوبة من قولهم أحذرك نفسي أي عقوبتي وبعض المفسرين يحمل قوله تعالى (ويحذركم الله نفسه) على هذا المعنى كأنه يحذركم عقوبته.. وروى ذلك عن ابن عباس والحسن وآخرين قالوا معنى الآية ويحذركم الله إياه.. وقد وروى عن الحسن ومجاهد في قوله تعالى (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) ما ذكرناه من التأويل بعينه.. فان قيل ما وجه تسمية الغيب بانه نفس قلنا لا يمتنع أن يكون الوجه في ذلك ان نفس الانسان لما كانت خفية الموضع نزل ما يكتمه ويجتهد في ستره منزلتها وسمي باسمها فقيل فيه انه نفسه مبالغة في وصفه بالكتمان والخفاء وانما حسن أن يقول تعالى مخبرا عن نبيه عليه الصلاة والسلام ولا أعلم ما في نفسك من حيث تقدم قوله (تعلم ما في نفسي) ليزدوج الكلام ولهذا لا يحسن ابتداء أن يقول أنا لا أعلم ما في نفس الله تعالى وان حسن على الوجه الأول ولهذا نظائر في الاستعمال مشهورة مذكورة.. فأما الخبر الذي يرويه السائل فتأويله ظاهر وهو خارج على مذهب العرب في مثل هذا الباب معروف ومعناه ان من ذكرني في نفسه جازيته على ذكره لي وإذا تقرب الى شبرا جازيته على تقربه الي وكذلك الخبر الى آخره فسمى المجازاة على الشئ باسمه اتساعا كما قال تعالى (وجزاء سيئة سيئة مثلها. ويمكرون ويمكر الله. الله يستهزئ بهم).. وكما قال الشاعر ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهله الجاهلينا


[ 9 ]

ونظائر هذا كثير في كلام العرب ولما أراد تعالى المبالغة في وصف ما يفعله به من الثواب والمجازاة على تقربه بالكثرة والزيادة كنى عن ذلك بذكر المسافة المتضاعفة فقال باعا وذراعا اشارة الى المعنى من أبلغ الوجوه وأحسنها (مجلس آخر 24) [ تأويل آية ].. ان سأل سائل فقال ما تأويل قوله تعالى (إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا) وكيف يجوز أن تبلغ القلوب الحناجر مع كونهم أحياء ومعلوم ان القلب إذا زال عن موضعه المخلوق فيه مات صاحبه وعن أي شئ زاغت الأبصار وبأي شئ تعلقت ظنونهم بالله تعالى.. الجواب قيل له في هذه الآية وجوه.. منها أن يكون المراد بذلك انهم جبنوا وفزع أكثرهم لما أشرف المشكرون عليهم وخافوا من بوائقهم وبوادرهم ومن شأن الجبان عند العرب إذا اشتد خوفه أن تنتفخ رئته ولهذا يقولون للجبان انتفخ سجره أي رئته وليس يمتنع أن تكون الرئة إذا انتفخت رفعت القلب ونهضت به الى نحو الحنجرة وهذا التأويل قد ذكره الفراء وغيره ورواه الكلبى عن أبي صالح ابن عباس.. ومنها قيل ان القلوب توصف بالوجيب والاضطراب في أحوال الجزع والهلع.. قال الشاعر كأن قلوب أدلائها معلقة بقرون الظباء.. وقال امرؤ القيس ولا مثل يوم في قدران ظلته كأني وأصحابي علي قرن أعفرا ويروى في قدار ظللته أراد المبالغة في وصف نفسه وأصحابه بالقلق والاضطراب ومفارقة السكون والاستقرار وانما خص الظبي لأن قرنه أكثر تحركا ونشاطه واضطرابا لنشاطه ومرحه وسرعته.. وقد قال بعض الناس ان امرأ القيس لم يصف شدة أصابته في (2 – أمالي ثانى)


[ 10 ]

هذا البيت فيليق قوله على قرن أعفرا بالتأويل المذكور بل وصف أماكن كان فيها مسرورا متنعما ألا ترى الى قوله قبل هذا البيت بلا فصل ألا رب يوم صالح قد شهدته بناذق ذات التل من فوق طرطرا فيكون معنى قوله على قرن أعفرا على هذا الوجه انه كان على مكان عال مشرف شبهه لارتفاعه وطوله بقرن الظبي وهذا القول لابن الاعرابي والأول للأصمعي.. فأما قول الآخر ألا قل خير الشان كيف تغيرا فأصبح يرمي الناس عن قرن أعفرا فلا يشتمل الا الشدة والحال المذموم ويجوز أن يريد ان الناس فيه غير مطمئنين بل هم منزعجون قلقون كأنهم على قرن ظبي ويحتمل انه يطعنهم بقرن ظبي كقولك رماه بداهية ويكون معنى عن ههنا معنى الباء فقال عن قرن أعفرا وهو يريد بقرن أعفرا وقد ذكر في هذا البيت الوجهان معا فيكون معنى الآية على هذا التأويل ان القلوب لما اتصل وجيبها واضطربت بلغت الحناجر لشدة القلق.. ومنها أن يكون المعنى كادت القلوب من شدة الرعب والخوف تبلغ الحناجر وان لم تبلغ في الحقيقة فألقى ذكر كادت لوضوح الأمر فيها ولفظة كادت ههنا للمقاربة مثل قول قيس بن الحطيم أتعرف رسما كالطراز المذهب لعمرة وحشا غير موقف راكب ديار التي كادت ونحن على مني تحل بنا لولا نجاء الركائب معناه قاربت أن تحل بنا وان لم تحلل في الحقيقة.. وقوله – غير موقف راكب – فيه وجهان أحدهما انه ليس بموضع يقف فيه راكب لخلوه من الناس ووحشته والآخر أن يكون انه أراد وحش إلا أن راكبا وقف به يعني نفسه.. وقال نصيب وقد كدت يوم الحزن لما ترنمت هتوف الضحى محزونة بالترنم أموت لمبكاها أسى إن لوعتي ووجدي بسعدى شجوه غير منجم معنى – المنجم – المقلع.. وقال ذو الرمة


[ 11 ]

وقفت علي ربع لمية ناقتي فما زلت أبكي عنده وأخاطبه وأسقيه حتى كاد مما أبثه تكلمني أحجاره وملاعبه وكل هذا معنى كاد فيه المقاربة ومتى أدخلت العرب على كاد جحدا فقالوا ما كاد عبد الله يقوم ولم يكد عبد الله يقوم كان فيه وجهان أجودهما قام عبد الله بعد ابطاء ولأي ومثله قوله تعالى (فذبحوها وما كادوا يفعلون) أي بعد ابطاء وتأخر لأن وجد ان البقرة عسر عليهم.. وروى أنهم أصابوها ليتيم لا مال له غيرها فاشتروها من وليه بملء جلدها ذهبا فقال تعالى (وما كادوا يفعلون) إما لانهم لم يقفوا عليها أولغلائها وكثرة ثمنها.. والوجه الآخر في قولهم ما يكاد عبد الله يقوم أي ما يقوم عبد الله وتكون لفظة يكاد على هذا المعنى مطرحة لا حكم لها وعلى هذا يحمل أكثر المفسرين قوله تعالى (إذا أخرج يده لم يكد يراها) أي لم يرها أصلا لانه عزوجل لما قال (أو كظلمات في بحر لجى يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض) كان بعض هذه الظلمات يحول بين العيون وبين النظر الى اليد وسائر المناظر فيكد على هذا التأويل زيدت للتوكيد والمعنى إذا أخرج يده لم يرها.. وقال قوم معنى الآية إذا أخرج يده رآها بعد إبطاء وعسر لتكاثف الظلمة وترادف الموانع من الرؤية فيكد على هذا الجواب ليست بزائدة.. وقال آخرون معنى الآية إذا أخرج يده لم يرد أن يراها لان ما شاهده من تكاثف الظلمات آيسه من تأمل يده وقرر في نفسه انه لا يدركها ببصره.. وحكى عن العرب أولئك أصحابي الذين أكاد أنزل عليهم أي أريد أن أنزل عليهم.. وقال الشاعر كادت وكدت وتلك خير إرادة لو عاد من لهو الصبابة ما مضى أي أرادت وأردت.. وقال الأفوه لأ ودى فإن تجمع أوتاد وأعمدة وساكن بلغوا الأمر الذي كادوا أي أرادوا.. وقال بعضهم معنى قوله تعالى (كذلك كدنا ليوسف) أي أردنا ليوسف.. وقال الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس معناه كذلك صنعنا ليوسف.. ومما يشهد


[ 12 ]

لمن جعل لفظة يكد زائدة في الآية.. قول الشاعر سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه فما أن يكاد قرنه يتنفس أي فما ان يتنفس قرنه ويكاد مزيدة للتوكيد.. وقال حسان وتكاد تكسل أن تجئ فراشها في جسم خرعبة وحسن قوام معناه وتكسل أن تجئ فراشها.. وقال الآخر وإلا ألوم النفس فيما أصابني وإلا أكاد بالذي نلت أنجح أي لا أنجح بالذي نلت ولو لم يكن الأمر على هذا لم يكن البيت مدحا.. وروى عبد الصمد بن المعدل بن غيلان عن أبيه عن جده غيلان قال قدم علينا ذو الرمة الكوفة فأنشدنا بالكناسة وهو على راحتله قصيدته الحائية التي يقول فيها إذا غير النأي المحبين لم يكد رسيس الهوى من حب مية يبرح فقال له عبد الله بن شبرمة قد برح يا ذا الرمة ففكر ساعة ثم قال إذا غير النأي المحبين لم أجد رسيس الهوى من حب مية يبرح قال فأخبرت أبى بما كان من قول ذي الرمة واعتراض ابن شبرمة عليه فقال أخطأ ذو الرمة في رجوعه عن قوله الأول وأخطأ ابن شبرمة في اعتراضه عليه هذا كقوله عزوجل (إذا أخرج يده لم يكد يراها) أي لم يرها.. فأما قوله عزوجل (إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس) فيحتمل أن يكون المعنى أريد إخفاءها لكي تجزى كل نفس بما تسعى ويجوز أن تكون زائده ويكون المعنى ان الساعة آتية أخفيها لتجزى كل نفس.. وقد قيل فيه وجه آخر وهو أن يتم الكلام عند قوله تعالى (إن الساعة آتية أكاد) ويكون المعنى أكاد آتي بها ويقع الابتداء بقوله تعالى (أخفيها لتجزى كل نفس).. ومما يشهد لهذا الوجه قول ضابئ البرجمي هممت ولم أفعل وكدت وليتني تركت علي عثمان تبكي حلائله أراد وكدت أقتله فحذف الفعل لبيان معناه.. وروى عن سعيد بن جبير انه كان يقرأ


[ 13 ]

أكاد أخفيها فمعني أخفيها على هذا الوجه أظهرها.. قال عبدة بن الطبيب يصف ثورا يخفي التراب بأظلاف ثمانية في أربع مسهن الأرض تحليل أراد انه يظهر التراب ويستخرجه بأظلافه.. وقال امرؤ القيس فإن تدفنوا الداء لا نخفه وإن تبعثوا الحرب لا نقعد أي لا نظهره.. وقال النابغة تخفي بأظلافها حتي إذا بلغت يبس الكثيب تداعى الترب فانهدما وقد روى أهل العربية أخفيت الشئ يعني سترته وأخفيته بمعنى أظهرته وكأن القراءة بالضم تحتمل الأمرين الاظهار والستر والقراءة بالفتح لا تحتمل غير الاظهار وإذا كانت بمعنى الاظهار كان الكلام في كاد واحتمالها للوجوه الثلاثة التي ذكرناها كالكلام فيها إذا كانت بمعنى الستر والتغطية.. فان قيل فأي معنى لقوله إنى أسترها لتجزى كل نفس بما تسعى وأظهرها على الوجهين جميعا وأي فائدة في ذلك.. قلنا الوجه في هذا ظاهر لانه تعالى إذا ستر عنا وقت الساعة كانت دواعينا الي فعل الحسن والقبيح مترددة وإذا عرفنا وقتها بعينه كنا ملجئين الى التوبة بعد مقارفة الذنوب ونقض ذلك الغرض بالتكليف واستحقاق الثواب به فصار ما أريد به من المجازاة للمكلفين بسعيهم واتصال ثواب أعمالهم يمنع من اطلاعهم على وقت انقطاع التكليف عنهم فأما إذا كانت لفظة أخفيها بمعنى الاظهار فوجهه أيضا واضح لانه تعالى انما يقيم القيامة ويقطع التكليف ليجازى كلا باستحقاقه ويوفي مستحق الثواب ثوابه ويعاقب المسئ باستحقاقه فوضح وجه قوله تعالى (أكاد أخفيها لتجزي كل نفس بما تسعى) على المعنيين جميعا [ قال المرتضى رضى الله عنه ].. وجدت أبا بكر محمد بن القاسم الانباري يطعن على جواب من أجاب في قوله تعالى (وبلغت القبول الحناجر) بان معناه كادت تبلغ الجناجر ويقول كاد لا تضمر ولا بد من أن يكون منطوقا بها ولو جاز ضميرها لجاز أن يقال قام عبد الله بمعني كاد عبد الله يقوم فيكون تأويل قام عبد الله لم يقم عبد الله لان معنى كاد عبد الله يقوم لم يقم وهذا الذي ذكره غير صحيح ونظن ان الذي حمله على الطعن في هذا الوجه


[ 14 ]

حكايته له عن ابن قتيبة لان من شأنه أن يرد كل ما يأتي به ابن قتيبة وأن تعسف في الطعن عليه والذي استبعده غير بعيد لان كاد قد تضمر في مواضع يقتضيها بعض الكلام وان لم تكن في صريحه ألا ترى انهم يقولون أوردت على فلان من العتاب والتوبيخ والتقريع ما مات عنده وخرجت نفسه ولما رأى فلان فلانا لم يبق فيه روح وما أشبه ذلك ومعنى جميع ما ذكرناه المقاربة ولابد من اضمار كاد فيه.. وقال جرير إن العيون التي في طرفها مرض قتلننا ثم لم يحيين قتلانا وانما المعنى انهن كدن يقتلننا فهذا أكثر في الشعر والكلام من أن نذكره وليس يمتنع فأما قوله – يحيين قتلانا – فالأظهر في معناه انهن لم يزلن يفعلن ما قاربنا عنده الموت والقتل من الصدود والهجر وما أشبه ذلك وسمى هذه الأمور حياة كما سمى اضدادها قتلا وقد قيل ان معنى يحيين قتلانا انهن لم يدين قتلانا من الدية لان دية القتيل عند العرب كالحياة له وقد روى ثم لم يحيين قتلانا وهذه رواية شاذة لم تسمع من عالم ولا محصل ومعناها ضعيف ركيك وإذا كان الأمر على ما ذكرناه لم يمتنع أن يقال قام فلان بمعنى كاد يقوم إذا دلت الحال على ذلك كما يقال مات بمعنى كاد يموت.. فأما قوله فيكون تأويل قوله قام عبد الله لم يقم عبد الله فخطأ لانه ليس معنى كاد يقوم انه لم يقم كما ظن بل معناه انه قارب القيام ودنا منه فمن قال قام عبد الله وأراد كاد يقوم فقد أفاد ما لا يفيده لم يقم.. وأما قوله تعالى (زاغت الأبصار) فمعناه زاغت عن النظر الى كل شئ فلم تلتفت إلا الى عدوها ويجوز أن يكون المراد بزاغت أي جارت ومالت عن القصد في النظر دهشا وتحيرا.. فأما قوله تعالى (وتظنون بالله الظنونا) معناه انكم تظنون مرة انكم تنصرون وتظهرون على عدوكم ومرة انكم تبتلون وتمتحنون بالتخلية بينكم وبينهم ويجوز أيضا أن يريد الله تعالى ان ظنونكم اختلفت فظن المنافقون منكم خلاف ما وعدكم الله تعالى به من النصرة وشكوا في خبره عزوجل كما قال تعالى حكاية عنهم (ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا) وظن المؤمنون ما طابق وعد الله تعالى لهم كما حكى عزوجل عنهم في قوله (هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله) وكلما ذكرناه واضح في تأويل الآية وما تعلق بها


[ 15 ]

(مجلس آخر 25) [ تأويل آية ].. ان سأل سائل عن قوله تعالى (وجعلنا نومكم سباتا) فقال إذا كان السبات هو النوم فكأنه قال وجعلنا نومكم نوما وهذا مما لا فائدة فيه.. الجواب قيل له في هذه الآية وجوه.. منها أن يكون المراد بالسبات الراحة والدعة.. وقد قال قوم ان اجتماع الخلق كلهم كان في يوم الجمعة والفراغ منه في يوم السبت فسمى اليوم بالسبت للفراغ الذي كان فيه ولان الله تعالى أمر بني اسرائيل فيه بالاستراحة من الأعمال قيل وأصل السبات التمدد يقال سبتت المرأة شعرها إذا حلته من العقص وأرستله.. قال الشاعر وإن سبتته مال جثلا كأنه سدا واهلات من نواسج خثعما أراد إن أرسلته.. ومنها أن يكون المراد بذلك القطع لان السبت القطع والسبت أيضا الحلق يقال سبت شعره سبتا إذا حلقه وهو يرجع الى معني القطع والنعال السبتية التي لا شعر عليها.. قال عنترة بطل كأن ثيابه في سرحة يحذى نعال السبت ليس بتوأم ويقال لكل أرض مرتفعة منقطعة مما حولها سبتاء وجمعها سباتي فيكون المعنى على هذا الجواب جعلنا نومكم سباتا أي قطعا لأعمالكم وتصرفكم.. ومن أجاب بهذا الجواب يقول انما سمى يوم السبت بذلك لان بدء الخلق كان يوم الأحد وجمع يوم الجمعة وقطع يوم السبت فترجع التسمية الى معنى القطع.. وقد اختلف الناس في ابتداء الخلق فقال أهل التوراة ان الله ابتدأه في يوم الأحد وكان الخلق في يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة ثم فرغ في يوم السبت وهذا قول أهل التوراة.. وقال آخرون ان الابتداء كان في يوم الاثنين الى السبت وفرغ في يوم الأحد وهذا قول أهل الانجيل.. فأما قول أهل الاسلام فهو ان ابتداء الخلق كان يوم السبت واتصل الى يوم الخميس وجعلت الجمعة عيدا فعلى هذا القول الآخر يمكن


[ 16 ]

أن يسمي اليوم بالسبت من حيث قطع فيه بعض خلق الأرض.. فقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال ان الله تعالى خلق البرية يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد.. ومنها أن يكون المراد بذلك إنا جعلنا نومكم سباتا ليس بموت لان النائم قد يفقد من علومه وقصوده وأحواله أشياء كثيرة يفقدها الميت فأراد تعالى أن يمتن علينا بان جعل نومنا الذي يضاهي فيه بعض أحوالنا أحوال الميت ليس بموت على الحقيقة ولا بمخرج لنا عن الحياة والادراك فجعل التأكيد بذكر المصدر قائما مقام نفى الموت وسادا مسد قوله تعالى وجعلنا نومكم ليس بموت.. ويمكن أن يكون في الآية وجه آخر لم يذكر فيها وهو أن السبات ليس هو كل نوم وانما هو من صفات النوم إذا وقع على بعض الوجوه والسبات هو النوم الممتد الطويل السكون ولهذا يقال فيمن وصف بكثرة النوم انه مسبوت وبه سبات ولا يقال ذلك في كل نائم وإذا كان الأمر على هذا لم يجر قوله (وجعلنا نومكم سباتا) مجرى أن يقول وجعلنا نومكم نوما.. والوجه في الامتنان علينا بان جعل نومنا ممتدا طويلا ظاهر وهو لما في ذلك لنا من المنفعة والراحة لان التهويم والنوم الغرار لا يكسبان شيئا من الراحة بل يصحبهما في الأكثر القلق والانزعاج والهموم وهي التي تقلل النوم وتنزره وفراغ القلب ورخاء البال يكون معهما غزارة النوم وامتداده وهذا واضح.. [ قال المرتضي ] رضى الله عنه ووجدت أبا بكر محمد بن القاسم الانباري يطعن على الجواب الذي ذكرناه أولا ويقول إن ابن قتيبة أخطأ في اعتماده لان الراحة لا يقال لها سبات ولا يقال سبت الرجل بمعنى استراح وأراح ويعتمد على الجواب الذي ثنينا بذكره ويقول فيما استشهد به ابن قتيبة من قولهم سبتت المرأة شعرها ان معناه أيضا القطع لان ذلك انما يكون بازالة الشداد الذي كان مجموعا به وقطعه.. والمقدار الذي ذكره ابن الانباري لا يقدح في جواب ابن قتيبة لانه لا ينكر أن يكون السبات هو الراحة والدعة إذا كانتا عن نوم وان لم توصف كل راحة بانها سبات ويكون هذا الاسم يختص الراحة إذا كانت على هذا الوجه ولهذا نظائر كثيرة في الأسماء وإذا أمكن ذلك لم يكن في امتناع قولهم سبت الرجل بمعنى استراح في كل موضع دلالة على أن السبات لا يكون إسما للراحة عند النوم


[ 17 ]

والذي يبقى على ابن قتيبة أن يبين أن السبات هو الراحة والدعة ويستشهد على ذلك بشعر أو لغة فان البيت الذي ذكره يمكن أن يكون المراد به القطع دون التمدد والاسترسال.. فان قيل فما الفرق بين جواب ابن قتيبة وجوابكم الذي ذكرتموه أخيرا قلنا الفرق بينهما بين لان ابن قتيبة جعل السبات نفسه راحة وجعله عبارة عنها وأخذ يستشهد على ذلك بالتمدد وغيره ونحن جعلنا السبات من صفات النوم والراحة واقعة عنده للامتداد وطول السكون فيه فلا يلزمنا أن يقال سبت الرجل بمعنى استراح لان الشئ لا يسمى بما يقع عليه حقيقة والاستراحة تقع على جوابنا عند السبات وليس السبات إياها بعينها على ان في الجواب الذي اختاره ابن الانباري ضربا من الكلام لان السبت وان كان القطع على ما ذكره فلم يسمع فيه البناء الذي ذكره وهو السبات ويحتاج في اثبات مثل هذا البناء الى سمع عن أهل اللغة وقد كان يجب أن يورد من أي وجه إذا كان السبت هو القطع جاز أن يقال سبات على هذا المعنى ولم نره فعل ذلك [ تأويل خبر ].. ان قال قائل ما تأويل الخبر الذي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ان الميت ليعذب ببكاء الحي عليه.. وفي رواية اخرى ان الميت يعذب في قبره بالنياحة عليه.. وقد روى هذا المعنى المغيرة بن شعبة أيضا فقال سمعت النبي صلى عليه وسلم يقول من نيح عليه فانه يعذب بما نيح عليه.. الجواب أنا إذا كنا قد علمنا بأدلة العقل التي لا يدخلها الاحتمال ولا الاتساع والمجاز قبح من أخذه أحد بذنب غيره وعلمنا أيضا ذلك بأدلة السمع مثل قوله تعالى (ولا تزر وازرة وزر اخرى) فلا بد أن نصرف ما ظاهره بخلاف هذه الأدلة الى ما يطابقها.. والمعنى في الأخبار التي سئلنا عنها ان صحت روايتها انه إذا أوصى موص بان يناح عليه ففعل ذلك بأمره وعن إذنه فانه يعذب بالنياحة عليه وليس معنى يعذب بها انه يؤاخذ بفعل النواح وانما معناه أن يؤاخذ بأمره بها ووصيته بفعلها وانما قال صلى الله عليه وسلم ذلك لان الجاهلية كانوا يرون البكاء عليهم والنوح فيأمرون به ويؤكدون الوصية بفعله وهذا مشهور عنهم.. قال طرفة بن العبد (3 – أمالي ثاني)


[ 18 ]

فإن مت فانعينى بما أنا أهله وشقي علي الجيب يا أم معبد.. وقال بشر بن أبي خازم لابنته عميرة فمن يك سائلا عن بيت بشر فإن له بجنب الردم بابا ثوى في ملحد لا بد منه كفى بالموت نأيا واغترابا رهين بلى وكل فتي سيبلى فأذري الدمع وانتحبي انتحابا وقد روى عن ابن عباس في هذا الخبر انه قال وهل ابن عمر انما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على يهودى فقال انكم لتبكون عليه وانه ليعذب في قبره.. وقد روى ابن بكار هذا الخبر أيضا عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قلت لما أخبرت بروايته وهل أبو عبد الرحمن كما وهل يوم قليب بدر إنما قال عليه الصلاة والسلام ان أهل الميت ليبكون عليه وانه ليعذب بجرمه.. [ قال المرتضى ] رضى الله عنه يعنى – وهل – أي ذهب وهمه الى غير الصواب يقال وهلت الى الشئ فأنا أهل وهلا إذا ذهب وهمك إليه ووهلت عنه أهل وهلا أي نسبته وغلطت فيه ووهل الرجل يوهل وهلا إذا فزع والوهل الفزع.. فأما – القليب – فهي البئر والجمع القلب.. قال حسان بن ثابت يذكر قتلى بدر من المشركين يناديهم رسول الله لما قذفناهم كباكب في القليب ألم تجدوا حديثي كان حقا وأمر الله يأخذ بالقلوب.. وقال آخر يبكي على قتلى بدر من المشركين فماذا بالقليب قليب بدر من الفتيان والشرب الكرام وماذا بالقليب قليب بدر من الشيزى يكلل بالسنام وموضع وهله في ذكر القليب انه روى أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على قليب بدر فقال هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ثم قال انهم ليسمعون ما أقول فأنكر ذلك عليه وقيل انما قال عليه الصلاة والسلام انهم الآن ليعلمون ان الذي كنت أقوله لهم هو


[ 19 ]

الحق واستشهد بقول الله عزوجل (إنك لا تسمع الموتى) وأهل القليب جماعة من قريش منهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة وغيرهم.. وروى عن عبد الله ابن مسعود أنه قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم قائما يصلي بمكة واناس من قريش في حلقة فيهم أبو جهل بن هشام فقال ما يمنع أحدكم أن يأتي الجزور التي نحرها آل فلان فيأخذ سلاها ثم يأتي به حتى إذا سجد وضعه على ظهره قال عبد الله فانبعث أشقى القوم وأنا أنظر إليه فجاء به حتى وضعه على ظهره قال عبد الله لو كانت لي يومئذ منعة لمنعته وجاءت فاطمة رضوان الله عليها عليه وهي يومئذ صبية حتى أماطته عن ظهر أبيها ثم جاءت حتى قامت على رؤسهم فأوسعتهم شتما قال فوالله لقد رأيت بعضهم يضحك حتى انه ليطرح نفسه على صاحبه من الضحك فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم أقبل على القوم فقال اللهم عليك بفلان وفلان فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم قد دعا عليهم أسقط في أيديهم قال فوالله الذي لا إله غيره ما سمى النبي صلى الله عليه وسلم أحدا إلا وقدر رأيته يوم بدر وقد أخذ برجله يجر الى القليب مقتولا وقوله – فيأخذ سلاها – أي جلدتها التي فيها ولدها ما دام في بطنها والجمع الأسلاء.. وقال ابن حبيب الأسلاء التي فيها الأولاد.. قال الأخطل ويطرحن بالثغر السخال كأنما يشققن بالأسلاء أردية العصب.. وقال الشماخ والعيس دامية المناسم ضمر يقذفن بالأسلاء تحت الأركب .. قال الفراء سقط في أيديهم من الندامة وأسقط لغتان وهو بغير ألف أكثر وأجود.. ويمكن أن يكون في قوله يعذب ببكاء أهله وجه آخر وهو أن يكون المعنى ان الله تعالى إذا أعلمه ببكاء أهله وأعزته عليه وما لحقهم بعده من الحزن والهم تألم بذلك فكان عذابا له والعذاب ليس بجار مجرى العقاب الذي لا يكون إلا على ذنب متقدم بل قد يستعمل كثيرا بحيث يستعمل الألم والضرر ألا ترى ان القائل قد يقول لمن ابتدأه بالضرر والألم قد عذبتني بكذا وكذا كما يقول أضررت بي وآلمتني وانما لم يستعمل


[ 20 ]

العقاب حقيقة في الايلام المتبدأ من حيث كان اشتقاق لفظه من المعاقبة التي لا بد من تقدم سبب لها وليس هذا في العذاب [ تأويل خبر ].. ان سأل سائل عن الخبر الذي يرويه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من أحد يدخله عمله الجنة وينجيه من النار قيل ولا أنت يارسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل يقولها ثلاثا.. فقال أليس في هذا دلالة على ان الله تعالى يتفضل بالثواب وانه غير مستحق عليه ومذهبكم بخلاف ذلك.. الجواب قلنا فائدة الخبر ومعناه بيان فقر المكلفين الى الله تعالى وحاجتهم الى ألطافه وتوفيقاته ومعوناته وان العبد لو أخرج الى نفسه وقطع الله تعالى مواد المعونة واللطف عنه لم يدخل بعمله الجنة ولا نجا من النار فكأنه عليه الصلاة والسلام أراد ان أحدا لا يدخل الجنة بعمله الذي لم يعنه الله تعالى عليه ولا لطف له فيه ولا أرشده إليه وهذا هو الحق الذي لا شبهة فيه.. فأما الثواب فما نأبى القول بأنه تفضل بمعنى ان الله تعالى تفضل بسببه الذي هو التكليف ولهذا نقول انه لا يجب على الله تعالى شئ ابتداء وانما يجب عليه ما أوجبه على نفسه فالثواب مما كان أوجبه على نفسه بالتكليف وكذلك التمكين والإلطاف وكلما يجلبه ويوجبه التكليف ولولا إيجابه له على نفسه بالتكليف لما وجب.. فان قيل فقد سمى الرسول عليه الصلاة والسلام ما يفعل به فضلا فقال إلا أن يتغمدني الله برحمة منه.. وفضل قلنا هذا يطابق ما ذكرناه لان الرحمة النعمة والثواب نعمة وهو تفضل من الوجه الذي ذكرناه وان حملنا قوله عليه الصلاة والسلام برحمة منه وفضل على ما يفعل به من الالطاف والمعونات فهي أيضا فضل وتفضل لان سببها غير واجب.. فأما قوله عليه الصلاة والسلام يتغمدني الله فمعناه يسترني يقال غمدت السيف في غمده إذا سترته.. قال الشاعر نصبنا رمحا فوقها جد عامر كظل السماء كل أرض تغمدا – فالجد – هنا البخت والحظ وشبه ما قسم لعامر من الغلبة والظفر بظل السماء الذي يستر كل شئ ويظهر عليه.. أخبرنا أبو القاسم عبيدالله بن عثمان بن يحيى بن حنيفاء قال أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد الحكيمي قراءة عليه قال أملى علينا أبو العباس أحمد


[ 21 ]

ابن يحيى ثعلب النحوي قال أخبرنا ابن الاعرابي قال يقال للقوم إذا دعوت عليهم بهرهم الله والمبهور هو المكروب وأنشدنا أبرزوها مثل المهاة تهادى بين خمس كواعب أتراب ثم قالوا تحبها قلت بهرا عدد القطر والحصى والتراب [ قال المرتضى ].. رضى الله عنه وقد قيل في معنى قوله بهرا غير هذا الوجه.. أخبرنا أبو عبيدالله محمد بن عمران المرزباني قال أخبرني أحمد بن يحيى الصولي قال حدثنا القاسم بن اسماعيل قال حدثنا الثوري عن أبي عمر الأسدي قال سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول عمر بن ربيعة حجة في العربية وما أخذ عليه شئ الا قوله – ثم قالوا تحبها قلت بهرا – وله فيه عذر ان أراد الخبر لا الاستفهام كأنهم قالوا أنت تحبها على جهة الاخبار منهم لا الاستفهام فوكد هو إخبارهم بجوابه فهذا حسن وبهرا يجوز أن يكون أراد نعم حبا بهرنى بهرا ويكون أيضا بمعنى عقرا وتعسا ودعا عليهم إذ جهلوا من حبه لها مالا يجهل مثله.. وأنشد أبو عمرو بن العلاء لحا الله قومي إذ يبيعون مهجتي بجارية بهرا لهم بعدها بهرا.. قال أبو عمرو يكون بهرا بمعنى ظاهرا يريد حبا ظاهرا من قولهم قمر باهر.. وقد روى بعض الرواة انه قال – قيل لي هل تحبها قلت بهرا – والرواية الاولى هي المشهورة ولعل من روى ذلك فر بهذه الرواية من اللحن وهذان البيتان لعمر بن عبد الله بن أبي ريبعة المخزومي من جملة أبيات منها من رسولي الى الثريا بأنى ضقت ذر علبهجرها والكتاب وهي مكنونة تحير منها في أديم الخدين ماء الشباب سلبتني عجاجة المسك عقلي فسلوها بما يحل اغتصابي أزهقت أم نوفل إذ رعتها مهجتي ما لقاتلي من متاب


[ 22 ]

حين قالت لها أجيبي فقالت من دعاني قالت أبو الخطاب أبرزوها مثل المهاة تهادى بين خمس كواعب أتراب ثم قالوا تحبها قلت بهرا عدد القطر والحصى والتراب والثريا هي التي عناها عمر أموية وقد اختلف في نسبها فقيل انها الثريا بنت عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر أبو عبد شمس وقيل انها الثريا بنت علي بن عبد الله بن الحارث ابن أمية الأصغر وذكر الزبير بن بكار ان الثريا هي بنت عبد الله بن محمد بن عبد الله ابن الحارث بن امية الأصغر وانها أخت محمد بن عبد الله المعروف بأبي جراب العبلي الذي قتله داود بن علي.. وأخبرنا أبو عبد الله المرزبانى قال حدثني محمد بن ابراهيم قال حدثنا أحمد بن يحيى عن الزبير بن بكار قال حدثني موسى بن عمر بن الأفلح قال خبرني بلال بن أبي عتيق في حديث طويل لعمر بن أبي ربيعة مع الثريا اختصرناه وأوردنا بعضه قال لما سمع ابن أبي عتيق قول عمر – من رسولي الى الثريا باني – قال إياي أراد وبي نوة لا جرم والله لا أذوق أكلا حتى أشخص إليه لاصلح بينهما فنهض ونهضت معه فجاء قوما من بني الدئل بن أبي بكر لم تكن النجائب تفارقهم يكرونها فاكترى منهم راحتلين وأغلى لهم بهما فقلت له استوضعهم شيئا أو دعني أماكسهم فقد استطولوا فقال لي ويحك أما علمت ان المكاس ليس من خلق الله الكرام وركب إحداهما وركبت الاخرى فسار سيرا شديدا فقلت له ارفق على نفسك فان ما تريد لا يفوتك فقال ويحك – أبادر حبل الود أن يتقضبا – ومن ملح الدنيا أن يلتم الصدع بين عمر والثريا فقدمنا مكة ليلا غير محرمين فدق على عمر بابه فخرج إليه فسلم عليه فما نزل ابن أبي عتيق عن راحلته وقال لعمر اركب أصلح بينك وبين الثريا فاني رسولك الذي سألت عنه فركب معه فقدمنا الطائف فقال ابن أبي عتيق للثريا هذا عمر قد جشمنى السفر من المدينة اليك فجئتك به معترفا بذنب لم يجنه معتذرا من اساءتك إليه فدعيني من التعداد والترداد فانه من الشعراء الذين يقولون مالا يفعلون فصالحته أحسن صلح وكررنا راجعين الى المدينة ولم يقم ابن أبي عتيق بمكة ساعة واحدة.. وفي الثريا يقول عمر


[ 23 ]

ابن أبى ربيعة أيضا لما تزوجها سهيل بن عبد الرحمن بن عوف المكنى بأبي الأبيض وقيل بل تزوجها سهيل بن عبد العزيز بن مروان أيها المنكح الثريا سهيلا عمرك الله كيف يلتقيان هي شامية إذا ما استقلت وسهيل إذا استقل يماني (مجلس آخر 26) [ تأويل آية ].. ان سأل سائل عن قوله تعالى (فغشيهم من اليم ما غشيهم) فقال ما الفائدة في قوله تعالى ما غشيهم وقوله غشيهم يدل عليه ويستغنى به عنه لان غشيتهم لا يكون إلا الذي غشيهم وما الوجه في ذلك.. الجواب قد ذكر في هذا أجوبة.. أحدها أن يكون المعنى فغشيهم من اليم البعض الذي غشيهم لانه لم يغشهم جميع مائه بل غشيهم بعضه فقال ما غشيهم ليدل على ان الذي غرقهم بعض الماء وانهم لم يغرقوا بجميعه وهذا الوجه حكي عن الفراء وذكره أبو بكر الانباري واعتمده وغيره أوضح منه – واليم – هو البحر.. قال الشاعر وبني تبع علي اليم قصرا عاليا مشرفا على البنيان.. وثانيها أن يكون المعني فغشيهم من اليم ما غشى موسى وأصحابه وذلك ان موسى عليه الصلاة والسلام وأصحابه وفرعون وأصحابه سلكوا جميعا البحر وغشيهم كلهم إلا أن فرعون وقومه لما غشيهم غرقهم وموسى عليه الصلاة والسلام وقومه جعل لهم في البحر طريق يبس فقال تعالى فغشى فرعون وقومه من ماء اليم ما غشى موسى وقومه فنجا هؤلاء وهلك هؤلاء وعلى هذا الوجه والتأويل تكون الهاء في قوله ما غشيهم كناية عن غير من كني عنه بقوله فغشيهم لان الأولى كناية عن فرعون وقومه والثانية كناية عن موسى وقومه.. وثالثها انه غشيهم من عذاب اليم وإهلاكه لهم ما غشى الامم السالفة من العذاب والهلاك عند تكذيبهم أنبياءهم وإقامتهم على رد أقوالهم


[ 24 ]

والعدول عن ارشادهم والامم السالفة وان لم يغشهم الهلاك والعذاب من قبل البحر فقد غشيهم عذاب واهلاك استحقوهما بكفرهم وتكذيبهم أنبياءهم فشبه بينه وبين هؤلاء من حيث اشتمال العذاب على جميعهم عقوبة على التكذيب.. ورابعها أن يكون المعنى فغشيهم من قبل اليم ما غشيهم من العطب والهلاك فتكون لفظة غشيهم الاولى للبحر والثانية للهلاك والعطب اللذين لحقاهم من قبل البحر.. ويمكن في الآية وجه آخر لم يذكر فيها وهو واضح يليق بمذاهب العرب في استعمال مثل هذا اللفظ وهو أن تكون الفائدة في قوله تعالى (ما غشيهم) تعظيم الأمر وتفخيمه كما يقول القائل فعل فلان ما فعل وأقدم على ما أقدم إذا أراد التفخيم وكما قال تعالى (وفعلت فعلتك التي فعلت) وما يجري هذا المجرى ويدخل في هذا الباب قولهم للرجل هذا هذا وأنت أنت وفي القوم هم هم.. قال الهذلي رقوني وقالوا يا خويلد لا ترع فقلت وأنكرت الوجوه هم هم.. وقال أبو النجم أنا أبو النجم وشعري شعري كل ذلك أرادوا تعظيم الأمر وتكبيره (مجلس آخر 27) [ تأويل آية ].. ان سأل سائل عن قوله تعالى (فخر عليهم السقف من فوقهم) فقال ما الفائدة في قوله من فوقهم يفيده قوله فخر عليهم السقف لان مع الاقتصار على القول الأول لا يذهب وهم أحد الى أن السقف يخر من تحتهم.. الجواب قيل له في ذلك أجوبة.. أولها أن يكون من بمعنى عن فيكون المعنى فخر عنهم السقف من فوقهم أي خر عن كفرهم وجحودهم بالله تعالى وآياته كما يقول القائل اشتكى فلان عن دواء شربه فيكون من وعن بمعني واحد أي من أجل الدواء وكذلك يكون معنى الآية


[ 25 ]

فخر من أجل كفرهم السقف من فوقهم.. قال الشاعر أرمى عليها وهي فرع أجمع وهي ثلاث أذرع وإصبع أراد أرمي عنها لأن كلام العرب رميت عن القوس فأقام على مقام عن ولو أنه قال تعالى على هذا المعنى فخر عليهم السقف ولم يقل من فوقهم جاز أن يتوهم متوهم ان السقف خر وليس هم تحته.. وثانيها أن يكون على بمعنى اللام والمراد فخر السقف فان على قد تقام مقام اللام.. وحكي عن العرب ما أغيظك على وما أغمك على يريدون ما أغيظك لي وما أغمك لي.. قال الطرماح يصف ناقة كأن مجراها علي ثفناتها معرس خمس وقعت للجناجن (1) اراد وقعت على الجناجن وهي عظام الصدر فأقام اللام مقام على.. وقد يقول القائل أيضا تداعت على فلان داره واستهدم عليه حائطه ولا يريد انه كان تحته فأخبر تعالى بقوله (من فوقهم) عن فائدة لولاه ما فهمت ولجاز أن يتوهم متوهم في قوله فخر عليهم السقف ما يتوهمه من قوله خرب عليه ربعه ووقعت عليه دابته وأشباه ذلك.. وللعرب في هذا مذهب طريف لطيف لانهم لا يستعملون لفظه على في مثل هذا الموضع إلا في الشر والأمر المكروه الضار ويستعملون اللام وغيرها في خلاف ذلك ألا تري أنهم لا يقولون عمرت على فلان ضيعته بدلا من قولهم خربت عليه ضيعته ولا ولدت عليه


(1) – الثفنات – جمع ثفنة بفتح فكسر وهو من البعير ركبته وما مس الارض من كركرته وسعداناته وأصول أفخاذه – والمعرس – محل التعريس وهو النزول آخر الليل يريد محل مبيتها وبعده وقعن اثنتين واثنتين وفردة يبادرون تغليسا سمال المداهن – السمال – جمع سملة وهي بقية الماء في الحوض – والمداهن – جمع مدهن وهي نقر في رؤس الجبال يستنقع فيها الماء وقد سبق الى هذا المعنى ذو الرمة فقال كان مجراها على ثفناتها معرس خمس من قطا متجاور وقعن اثنتين واثنتين وفردة جريدا هي الوسطى بصحراء حائر(4 – أمالى ثاني)

[ 26 ]

جاريته بل يقولون عمرت له ضيعته وولدت له جاريته وهكذا من شأنهم إذا قالوا قال على وروى على فانه يقال في الشر والكذب وفي الخير والحق يقولون قال عني وروي عنى ومثل ذلك قوله تعالى (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان) لانهم لما أضافوا الشر والكفر الى ملك سليمان حسن أن يقال نتلو عليه ولو كان خيرا لقيل عنه ومثله (ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون) وقوله (أتقولون على الله ما لا تعلمون).. وقال الشاعر عرضت نصيحة مني ليحيى فقال غششتني والنصح ضر ومالي لا أكون أعيب يحيى ويحيي طاهر الأخلاق بر ولكن قد أتاني أن يحيي يقال عليه في نفعاء شر فقلت له تجنب كل شئ يعاب عليك إن الحر حر ومثله قول الفرزدق في عنبسة بن سعدان المعروف بعنبسة الفيل وقد كان يتبع شعره وبخطئه ويلحنه (1)


(1) – قلت – كان عنبسة يعيب على الفرزدق مثل قوله وعض زمان يابن مروان لم يدع من المال الا مسحتا أو مجلف – المسحت – المبدد – والمجلف – الذي ذهبت به السنون وكان الفرزدق لحانة على جودة شعره وكان فحاشا لا يعترض عليه أحد الا هجاه وقد سأله بعضهم عن رفع مجلف في البيت فغضب وقال على أن أقول وعليكم أن تحتجوا وأنكر عليه عبد الله بن أبى اسحاق الحضرمي قوله مستقبلين شمال الشام تضربنا بحاصب من نديف القطن منثور على عمائمنا نلقى وأرحلنا على زواحف نزجى مخها رير فقال الا قلت (على زواحف نزجيها محاسير) فغضب وقال فلو كان عبد الله مولى هجوته ولكن عبد الله مولي مواليا

[ 27 ]

لقد كان في معدان والفيل زاجر لعنبسة الراوي على القصائدا فقال على ولم يقل عني للمعنى الذي ذكرناه.. وثالث الوجوه في الآية أن يكون من فوقهم تأكيد للكلام وزيادة في البيان كما قال تعالى (ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) والقلب لا يكون إلا في الصدر ونظائر ذلك في الكتاب كثير وفى كلام الأدب أيضا والله أعلم [ تأويل خبر آخر أيضا ].. إن سأل سائل عن الخبر الذي يرويه نافع عن أبي اسحاق الهجرى عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ان هذا القرآن مأدبة لله تعالى فتعمدوا مأدبته ما استطعتم وان أصفر البيوت لبيتا أصفر من كتاب الله فقال ما تأويله وكيف بيان غريبه.. الجواب قلنا – المأدبة – في كلام العرب هي الطعام يصنعه الرجل ويدعو إليه الناس فشبه النبي صلى الله عليه وسلم ما يكتسبه الانسان من خير القرآن ونفعه وعائدته إذا قرأه وحفظه بما يناله المدعو من طعام الداعي وانتفاعه به يقال قد أدب الرجل يأدب فهو آدب إذا دعا الناس الى طعامه وشرابه ويقال للمأدبة المدعاة وذكر خلف الأحمر انه يقال فيه أيضا مأدبة بفتح الدال.. قال طرفة العبدى نحن في المشتاة ندعو الجفلى لا ترى الآدب فينا ينتقر ومعنى – الجفلى – أنه عم بدعوته ولم يخص بها قوما دون قوم.. والنقرى إذا خص بها بعضا دون بعض ومعنى – ينتقر – من النقرى.. قال بعض هذيل وليلة يصطلي بالفرث جازرها يختص بالنقرى المثرين داعيها لا ينبح الكلب فيها غير واحدة عند الصباح ولا تسري أفاعيها معنى – يصطلى بالفرث جازرها – أن الجازر إذا شق فيها الكرش أدخل يده لشدة البرد في الفرث مستدفئا به ومعنى – يختص – بالنقرى المثرين داعيها – أنه يخص بدعائه الى طعامه الأغنياء الذين يطمع من جهتهم في المكافأة.. وقال الآخر


[ 28 ]

قالوا ثلاثاؤه خصب ومأدبة وكل أيامه يوم الثلاثاء.. وقال الهذلي يصف عقابا كأن قلوب الطير في جوف وكرها نوى القسب ملقى عند بعض المآدب (1) أراد جمع مأدبة.. وقد روى هذا الحديث بفتح المأدبة.. وقال الأحمر المراد بهذه اللفظة مع الفتح هو المراد بها مع الضم.. وقال غيره المأدبة بفتح الدال مفعلة من الأدب معناه ان الله تعالى أنزل القرآن أدبا للخلق وتقويما لهم وانما دخلت الهاء في مأدبة ومأدبة والقرآن مذكر لمعني المبالغة كما قالوا هذا شراب مطيبة للنفس.. وكما قال عنترة والكفر مخبثة لنفس المنعم وجرى ذلك مجرى قولهم رجل علامة ونسابة في باب المدح على جهة التشبيه بالهداية ورجل هلباجة في باب الذم على جهة التشبيه بالبهيمة.. ويقال لطعام الاملاك ولمية ولطعام الختان العذيرة ولطعام الزفاف العرس ولطعام بناء الدار الوكيرة ولطعام حلق الشعر العقيقة ولطعام القادم من السفر النقيعة ولطعام النفاس الخرس والذي تطعمه النفساء نفسها الخرسة.. قال الشاعر إذا النفساء لم تخرس ببكرها غلاما ولم تسكت بحتر فطيمها – الحتر – الشئ القليل.. وقال آخر كل الطعام تشتهي ربيعه العرس والإعذار والنقيعه ويروي الخرس.. وينشد أيضا في النقيعة قول الشاعر إنا لنضرب بالسيوف رؤسهم ضرب القدار نقيعة القدام – القدار – الجزار – والقدام – جمع قادم.. وقال أبو زيد يقال لطعام الاملاك النقيعه ولطعام بناء الدار الوكيرة ولطعام الختان الاعذار والعذيرة.. وقال الفراء


(1) – القسب – بفتح فسكون اليابس من التمر

[ 29 ]

الشيدخي طعام الاملاك والوليمة طعام العرس.. وقال أبو زيد يقال من النقيعة نقعت.. وقال الفراء منها أنقعت.. وقال ابن السكيت يقال للطعام الذي يتعلل به قدام الغداء السلفة واللهنة لهنوا ضيفكم أي أطعموه اللهنة.. قال الشاعر عجيز عارضها منفل طعامها اللهنة أو أقل.. وقال ابن السكيت يقال فلان يأكل الوجبة إذا كان يأكل في اليوم والليلة أكلة.. قال بشار فاستغن بالوجبات عن ذهب لم يبق فيه لامرئ ذهبة.. وقال ابن السكيت قال الأصمعي لرجل أسرع في سيره كيف كان سيرك قال كنت آكل الوجبة وأنجو الوقعة وأعرس إذا فجرت وأرتحل إذا أسفرت وأسير الوضع وأجتنب اللمع فجئتكم لمسى سبع.. قوله – أنجو الوقعة – معناه أقضي حاجتي مرة في اليوم وهو من النجو.. وقوله – أسير الوضع – فالوضع سير فيه بعض الاسراع واللمع سير أشد منه وأراد انه يجتنب الشديد من السير كراهة أن يقف ظهره قبل أن يبلغ الأرض التي يقصدها ويقال شر السير الحقحقة أي السير الشديد الذي يقطع صاحبه عن بلوغ بغيته.. قال الشاعر إذا ما أردت الأرض ثم تباعدت عليك فضع رحل المطي وأنزل أي استرح حتى تقوى على السير فان جهدت نفسك لم تقطع أرضا ولم تبق ظهرا وهذا من أبيات المعاني التي يسأل عنها والذي قيل فيه ما ذكرناه.. ويمكن أن يكون معنى البيت إذا بعدت عليك الأرض فدعها واسل عنها كما يقال دواء ما عز مطلبه الصبر وما جرى مجرى ذلك من ألفاظ التسلية والأمر بالعدول عن تتبع ما صعب من الأمور.. وقال الآخر في معنى البيت الأول يقطع بالنزول الأرض عنها وبعد الأرض يقطعه النزول وقوله – لمسى سبع – أي لمساء سبع ليال.. ويقال للذي يحضر طعام القوم من غير أن يدعا إليه الوارش والوروش وقوله العامة طفيلى مولد لا يوجد في العتيق من كلام


[ 30 ]

العرب وأصل ذلك أن رجلا يقال له طفيل كان بالكوفة لا يفقد وليمة من غير أن يدعى إليها فقيل للوارش طفيلى تشبيها بطفيل هذا في وقته.. ويقال للذي يحضر الشراب من غير أن يدعى إليه واغل.. قال امرؤ القيس فاليوم فاشرب غير مستحقب إثما من الله ولا واغل ويقال لما يشربه الوغل.. قال الشاعر إن أك سكيرا فلا أشرب الوغل ولا يسلم مني البعير إن نشزا وقوله صلى الله عليه وسلم ان أصفر البيوت لبيتا صفر من كتاب الله معناه أخلا البيوت – والصفر – عند العرب الخالي من الآنية وغيرها.. ويمكن في قوله مأدبة وجه آخر وهو أن يكون وجه التشبيه للقرآن بالمأدبة وتسميته بها من حيث دعاء الخلق إليه وأمرهم بالاجتماع عليه فسماه عليه الصلاة والسلام مأدبة لهذا الوجه لأن المأدبة هي التي يدعى الناس إليها ويجتمعون عليها وهذا الوجه يخالف الأول لأن الأول تضمن ان وجه التشبيه من حيث النفع العائد على الحافظ للقرآن كما ينتفع المدعو الى المأدبة بما يصيبه من الطعام وهذا الوجه الآخر تضمن ان التشبيه وقع لاجتماع الناس في الدعاء إليه والارشاد الى اصابته وليس يبعد أن يريد عليه الصلاة والسلام بالخبر المعنيين معا فلا تنافي بينهما.. أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد الكاتب قال أخبرنا ابن دريد قال أخبرنا أبو حاتم قال كنا في مجلس الأصمعي إذ أقبل اعرابي فقال أين عهدتكم فأشرنا الى الأصمعي فقال له ما معنى قول الشاعر لا مال إلا العطاف تؤزره أم ثلاثين وابنة الجبل لا يرتقي النز في ذلاذله ولا يعدى نعليه من بلل.. فقال الأصمعي عصرته نطفة تضمنها لصب تلقى مواضع السبل أو وجبة من جناة أشكلة إن لم يرعها بالقوس لم تنل


[ 31 ]

قال فأدبر الاعرابي وهو يقول لم أر كاليوم رجلا.. قال ابن دريد انما وصف رجلا خائفا في رأس جبل يقول لا مال له إلا العطاف وهو السيف تؤزره أم ثلاثين يعني كنانة فيها ثلاثون سهما وابنة الجبل يعني القوس لأنها تعمل من شجر الجبال مثل النبع وغيره.. وقوله – لا يرتقى النز في ذلاذله – لأنه في رأس جبل فلا نزهناك يتعلق بما يفضل من ثيابه ولا بلل يعدى نعليه عنهما – والعصرة – الملجأ – والنطفة – الماء – المجتمع في صخر أو غيره من بقية ماء المطر – واللصب – الشق في الجبل أضيق من اللهب وأوسع من الثقب – والسبل – المطر – والوجبة – أن يأكل كل يوم مرة – والأشكل – السدر الجبلي واحده أشكلة.. يقول فهذه النطفة والوجبة من الأشكلة عصرتاه.. وقوله – ان لم يرعها بالقوس – يعني انها لا تنال باليد حتى تحرك بالقوس.. [ قال المرتضي ] رضى الله عنه وانما جعل الأصمعي انشاد باقي الأبيات دلالة على معرفة معناه لأنه يبعد أن يعرفها ولا يعرف معناها والأعرابي انما سأل عن المعنى فأقام انشاده لها مقام تفسيرها واستغنى الأعرابي بذلك وعلم بتمامه للأبيات معرفته بمعناها وكان الأصمعي كثيرا إذا أنشد شيئا من الشعر ينشد في معناه في الحال.. فمن ذلك أن اسحاق بن ابراهيم الموصلي أنشده يوما لنفسه إذا كانت الأحرار أصلي ومنصبي وقام بنصري حازم وابن حازم عطست بأنف شامخ وتناولت يداي الثريا قاعدا غير قائم.. قال فلما فرغت من انشادهما أنشدني بعقب ذلك ألا أيها السائلي جاهلا لتعرفني أنا أنف الكرم نمت في الكرام بني عامر فروعي وأصلي قريش العجم قال فجاء والله بالشعر الذي نحوته عملت بيتي عليه.. وأخبرنا أبو عبيدالله المرزباني قال حدثنا محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا عون بن محمد قال حدثنا اسحاق بن ابراهيم قال ما أنشدت الأصمعي شيئا قط إلا أنشدني مثله كأنه أعده لي فأنشدته يوما للأعشى


[ 32 ]

علقتها عرضا وعلقت رجلا غيرى وعلق أخرى غيرها الرجل فأنشدني من وقته قتلتك أخت بني لؤي إذ رمت وأصاب نبلك إذ رميت سواها وأعارها الحدثان منك مودة وأعار غيرك ودها وهواها وذكر أبو العيناء قال كان الأصمعي إذا سمع انسانا ينشد شعرا في معنى أنشد في ذلك المعنى من غير أن يريه أنه أراده فأنشده رجل قول القطامى والناس من يلق خيرا قائلون له ما يشتهي ولأم المخطئ الهبل فأنشد هو قول قعنب الفزارى فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ومن يغو لا يعدم على الغي لائما (1) وروى ميمون بن هارون قال سمعت اسحاق بن ابراهيم يقول أنشدت الأصمعي قول الأعشى طلبا أن ينشدني مثله وكان مع بخله بالعلم لا يضن بمثل هذا إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا أو تنزلون فإنا معشر نزل فأنشدني لربيعة بن مقروم الضبى ولقد شهدت الخيل يوم طرادها بسليم أو ظفة القوائم هيكل (2) فدعوا نزال فكنت أول نازل وعلام أركبه إذا لم أنزل وروى عن اسحاق بن ابراهيم أيضا أنه قال دخل على يوما الأصمعي وعندي أخ للعماني الراجز حافظ رواية فلما دخل عبث به أخو العماني فقال له من هذا قال هو


(1) نسبه هنا الى قعنب الفزاري ونسبة غيره من أهل الادب الى المرقش الاصفر وهو عمرو بن حرملة أو ربيعة بن سفيان على اختلاف فيه (2) – أوظفة – جمع وظيف ككريم وهو مستدق الذراع والساق من الخيل والابل – والهيكل – الضخم المشرف – ونزال – اسم فعل أمر بمعنى انزل

[ 33 ]

الباهلى الذي يقول فما صحفة مأدومة بإهالة بأطيب من فيها ولا أقط رطب (1) فقال له قبل أن يستتم الكلام هو على كل حال أصلح من قول أخيك العماني يا رب جارية حوراء ناعمة كأنها عومة في جوف راقود (2) قال اسحاق فقلت له أكنت أعددت هذا الجواب قال لا ولكن ما مر بي شئ إلا وأنا أعرف منه طرفا [ تأويل آية أخرى ].. ان سأل سائل عن قوله تعالى (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم) ومعلوم أن القول لا يكون إلا بالأفواه.. الجواب قلنا القول يحتمل معنيين في لغة العرب.. أحدهما القول باللسان.. والآخر بالقلب فالقول الذي يضاف الى القلب هو الظن والاعتقاد ولهذا المعنى ذهبت العرب بالقول مذهب الظن فقالوا أتقول عبد الله خارجا ومتى تقول محمدا منطلقا يريدون متى تظن.. قال الشاعر أما الرحيل فدون بعد غد فمتى تقول الدار تجمعنا أراد فمتى تظن الدار.. وقال الآخر أجهالا تقول بني لؤي لعمر أبيك أم متجاهلينا


(1) – الصحفة – قصعة دون الجفنة وفوق المثقلة – والاهالة – الشحم أو ما أذيب منه أو الزيت أو كل ما ائتدم به – والاقط – بفتح فكسر وقد يسكن شئ يتخذ من المخيض الغنمى.. يريد بهذا التعريض ببنى باهلة قوم الاصمعي وانهم إذا استحسنوا شيئا شبهوه بشئ من المأكولات (2) – العومة – دويبة – والراقود – دن كبير أو طويل الاسفل مطلى داخله بالقار.. يريد به ان رهط العماني يستطيبون حتى الخبائث والحشرات ويشبهون بها ما يستحسن

[ 34 ]

أراد تظن بنى لؤى.. وقال توبة بن الحمير ألا يا صفي النفس كيف تقولها لوان طريدا خائفا يستجيرها تخبر إن شطت بها غربة النوى ستنعم ليلى أن يفك أسيرها (1) أراد كيف تظنها فلما كان القول يستعمل في الأمرين معا أفاد قوله تعالى (بأفواههم) قصر المعنى على ما يكون باللسان دون القلب ولو أطلق القول ولم يأت بذكر الأفواه لجاز أن يتوهم المعنى الآخر.. ومما يشهد لذلك قوله تعالى (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون) فلم يكذب تعالى قول ألسنتهم لانهم لم يخبروا بأفواههم إلا بالحق بل كذب ما يرجع الى قلوبهم من الاعتقادات.. ووجه آخر وهو أن تكون الفائدة في قوله تعالى بأفواههم ان القول لا برهان عليه وانه باطل كذب لا يرجع فيه إلا الى مجرد القول باللسان لان الانسان قد يقول بلسانه الحق والباطل وانما يكون قوله حقا إذا كان راجعا الى برهان فيكون اضافة القول الى اللسان تقتضي ما ذكرناه من الفائدة وهذا كما يقول القائل لمن يشك في قوله أو يكذبه هكذا تقول وليس الشأن فيما تقوله وتتفوه به وتقلب به لسانك فكأنهم أرادوا أن يقولوا هذا قول لا برهان عليه فأقاموا قولهم هكذا تقول بلسانك وانما يقولون كذا بأفواههم مقام ذلك والمعنى انه قول لا تعضده حجة ولا برهان ولا يرجع فيه إلا الى اللسان.. ووجه آخر وهو أن تكون الفائدة في


(1) هكذا أنشد البيت هنا وفى غيره من كتب الادب اطن به اخيرا وأعلم أنها ستنعم يوما أو يفك أسيرها وهذه الرواية أنسب وأقرب الى المعنى ومنها يعلم ان قوله في البيت الذى قبله – الا يا صفى النفس – انما هو خطاب لنفسه على سبيل التجريد وتلك عادة لهم مشهورة في لظمهم ونثرهم – والبيتان من قصيدة له طويلة حسنة أولها نأتك بليلى دارها لا تزورها وشطت نواها واستمر مريرها يقول رجال لا يضرك نأيها بلى كل ما شف النفوس يضيرها

[ 35 ]

ذلك التأكيد فقد جرت به عادة العرب في كلامها وما تقدم من الوجهين أولى لأن حمل كلامه تعالى على الفائدة أولى من حمله على ما تسقطه معه الفائدة [ تأويل آية أخرى ].. ان سأل سائل عن قوله تعالى (ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم) فقال أي معنى لرد الأيدي في الأفواه وأي مدخل لذلك في التكذيب بالرسل عليهم السلام.. الجواب قلنا في ذلك وجوه.. أولها أن يكون إخبارا عن القوم بانهم ردوا أيديهم في أفواههم عاضين عليها غيظا وحنقا على الأنبياء عليهم السلام كما يفعل المتوعد لغيره المبالغ في معاندته ومكايدته وهذه عادة معروفة في المغيظ المحنق انه يعض على أصابعه ويفرك أنامله ويضرب باحدى يديه على الأخرى وما شاكل ذلك من الأفعال.. وثانيها أن تكون الهاء في الأيدي للكفار المكذبين والهاء التي في الأفواه للرسل عليهم السلام فكأنهم لما سمعوا وعظ الرسل ودعاءهم وإنذارهم أشاروا بأيديهم الى أفواه الرسل فيضعونها على أفواههم ليسكتونهم ويقطعوا كلامهم.. وثالثها أن تكون الهاآن جميعا يرجعان الى الكفار لا الى الرسل فيكون المعنى انهم إذا سمعوا وعظهم وأنذارهم وضعوا أيدى أنفسهم على أفهواههم مشيرين إليهم بذلك الى الكف عن الكلام والامساك عنه كما يفعل من يريد منا أن يسكت غيره ويمنعه عن الكلام من وضع أصبعه على في نفسه.. ورابعها أن يكون المعنى فردوا القول بأيدي أنفسهم الى أفواه الرسل أي انهم كذبوهم ولم يصغوا الى أقوالهم فالهاء الأولى للقوم والثانية للرسل والأيدي انما ذكرت مثلا وتأكيدا كما يقول القائل أهلك فلان نفسه بيده أي وقع الهلاك به من جهته لا من جهة غيره.. وخامسها أن المراد بالأيدي النعم والهاء الثانية للقوم المكذبين والتي قبلها للرسل والتقدير فردوا بأفهواههم نعم الرسل أي ردوا وعظهم وإنذارهم وتنبيههم على مصالحهم الذي لو قبلوه لكان نعما عليهم.. ويجوز أيضا أن تكون الهاء التي في الأيدي للقوم الكفار لانها نعم من الله تعالى عليهم فيجوز اضافتها إليهم وحمل لفظة في على معنى الباء جائز لقيام بعض الصفات مقام بعض يقولون رضيت عنك ورضيت عليك.. وحكي في لغة طئ أدخلك الله بالجنة يريدون في


[ 36 ]

الجنة فيعبرون بالباء عن معنى في كذلك أيضا يصح أن يعبروا بفى عن الباء.. قال الشاعر وأرغب فيها عن لقيط ورهطه ولكننى عن سنبس لست أرغب أراد وارغب بها فحمل في على الباء.. وسادسها وهو جواب اختاره أبو مسلم بن بحر وزعم انه أولى من غيره قال المضمرون في قوله أيديهم الرسل وكذلك المضمرون في أفواههم والمراد باليد ههنا ما نطق به الرسل من الحجج والبينات التي ذكر الله تعالى انهم جاءوا بها قومهم واليد في كلام العرب قد تقع على النعمة وعلى السلطان أيضا وعلى الملك وعلى العهد والعقد ولكل ذلك شاهد من كلامهم والذي أتى به الأنبياء قومهم هو الحجة والسلطان وهو النعمة وهو العهد وكل ذلك يقع على اسم اليد ولما كان ما تعظ به الأنبياء قومهم وينذرونهم به انما يخرج من أفواههم فردوه وكذبوه قيل انهم ردوا أيديهم في أفواههم أي انهم ردوا القول من حيث جاء قال ولا يجوز أن يكون الضمير في ذلك للرسل إليهم كما تأوله بعض المفسرين وذكر ان معناه انهم عضوا عليهم أناملهم غيظا لأن رافع يده الى فيه والعاض عليها لا يسمى رادا ليده الي فيه إلا إذا كانت يده في فيه فيخرجها ثم يردها.. [ قال المرتضي ] رضى الله عنه وليس ما استنكره أبو مسلم من رد الأيدى الى الأفواه بمستنكر ولا بعيد لانه قد يقال رد يده الى فيه والى وجهه وعاد فلان يقول كذا ورجع يفعل كذا وان لم يتقدم ذلك الفعل منه ولو لم يسغ هذا القول تحقيقا لساغ تجوزا واتساعا وليس يجب أن تؤخذ العرب بالتحقيق في كلامها فان تجوزها واستعاراتها أكثر على انه يمكن أن يكون المراد بذلك انهم فعلوا ذلك الفعل شيئا بعد شئ وتكرر منهم فلهذا جاز أن يقول ردوا أيديهم في أفواههم لأنه قد تقدم منهم مثل هذا الفعل فلما تكرر جازت العبارة عنه بالرد وهذا يبطل استضعافه للجواب إذا صرنا الى مراده [ تأويل خبر ].. روى أن مسلما الخزاعى ثم المصطلقى قال شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أنشده منشد قول سويد بن عامر المصطلقى لا تأمنن وإن أمسيت في حرم إن المنايا توافي كل إنسان


[ 37 ]

واسلك طريقك فيها غير مختشع حتى تبين ما يمنى لك الماني (1) فكل ذي صاحب يوما يفارقه وكل زاد وإن أبقيته فاني والخير والشر مقرونان في قرن بكل ذلك يأتيك الجديدان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أدركته لأسلم فبكى مسلم فقال ابنه يا أبت ما يبكيك من مشرك مات في الجاهلية فقال يا بني لا تفعل فما رأيت مشركة تلقفت من مشرك خيرا من سويد.. قوله – ما يمنى لك الماني – معناه ما يقدر لك القادر.. قال الفراء يقال منى الله عليه الموت أي قدر الله عليه الموت.. وقال يعقوب مناك الله بما يسرك أي قدر الله لك ما يسرك وأنشد لعمر أبي عمرو لقد ساقه المنى إلي جدث يوزي له بالأهاضب (2).. قال ابن الاعرابي ساقه المنى أي ساقه القدر.. وأنشد ابن الاعرابي منت لك أن تلاقيني المنايا أحاد أحاد في الشهر الحلال (3) معناه قدرت لك.. وقال أبو عبيدة في قوله تعالى (من نطفة إذا تمنى) معناه إذا تخلق وتقدر.. وقال بعض أهل اللغة انما سمى منى لما يمنى من ثواب الله أي يقدر فيه وقيل أيضا لما يمنى من الدم.. وقيل انما سمى بذلك لأن ابراهيم عليه الصلاة والسلام لما انتهى قال له الملك تمن قال أتمنى الجنة فسمى منى لذلك ومني يذكر ويؤنث والتذكير أجود.. قال الشاعر في التذكير سقى منى ثم رواه وساكنه ومن ثوي فيه واهي الوذق معتبق


(1) – مختشع – من الخشوع وهو الذل والمسكنة يقول إن من سلك طريقه الذى يليق به سلوكه ولم يتجاوزه الى مالا يليق به قضى عمره في عز ورفعة حتى يوافي أجله (2) – الجدث – القبر – ويوزى يحتفر ويعمل من أوزى داره إذا جعل حول حيطانها الطين – والاهاضب – جمع هضبة وهي المشرف من الارض (3) – أحاد أحاد – يعنى واحدا واحدا وهما ممنوعان من الصرف للعدل

[ 38 ]

.. وقال آخر في التأنيث ليومنا بمنى إذ نحن ننزلها أسر من يومنا بالعرج أو ملل فأما قوله – فالخير والشر مقرونان في قرن – فالقرن الحبل وأراد انهما مجموعان لا يفترقان من حيث لا يكاد يصيب الانسان في الدنيا خيرا صرفا لاشر فيه فلهذا قال انهما مقرونان في قرن ويجوز أيضا أن يريد أن لسرعة تقلب الدنيا وإبدالها الخير بالشر كأن الخير والشر مقرونان مجتمعان معا لتقارب ما بينهما.. فأما – الجديدان – فهما الليل والنهار وهما أيضا الأجدان والملوان والفتيان والردفان والعصران.. قال الشاعر إن الجديدين في طول اختلافهما لا يفسدان ولكن تفسد الناس.. وقال آخر وانطله العصرين حتى يملني ويرضى بنصف الدين والأنف راغم (1) وقال أبو عبيدة ويقال الليل والنهار إبنا سبات.. وأنشد ابن الاعرابي وكنا وهم كابنى سبات تفرقا سوى ثم كانا منجدا وتهاميا ويقال للغداة والعشي القرنان والبركان والصرعان.. أخبرنا أبو القاسم عبيد الله بن عثمان بن يحيى قال أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد الحكيمي قال أملى علينا أبو العباس أحمد بن يحيى النحوي قال أنشدنا ابن الاعرابي لرفيع الوالبى كذبتك ما وعدتك أمس صلاح وعسى يكون لما وعدت نجاح برؤ من السقم الطويل ضمانه لا يستوي سقم بكم وصحاح أصلاح إنك قد رميت نوافذا وجوائفا ليست لهن جراح


(1) – أنطله – بالنون أي أمطله وقد روى بالميم أيضا والمعنى انه لا يزال يسوفه من يوم الى يوم ومن وقت الى آخر حتى يرضى بنصف ماله عليه من الدين وأنفه راغم

[ 39 ]

ولقد رأيتك بالقوادم لمحة وعلى من سدف العشي رياح معنا رياح ههنا أي على وقت من العشى ومثله رواح وقوم يروونه بالكسر وليس بشئ ما كان أبصرني بغرات الصبا واليوم قد شفعت لي الأشباح ومشي بجنب الشخص شخص مثله والأرض نائية الشخوص براح حلق الحوادث لمتي فتركن لي رأسا يصل كأنه جماح وذكا بأصداغي وقرن ذؤابتي قبس المشيب كأنه مصباح قال كأنه جماح من املاسه – وجماح – سهم أو قصبة يجعل عليه الطين ثم يرمى به الطير وبهذا الاسناد لبعضهم أرى الناس للصعلوك حزبا ولا أرى لذي نشب إلا خليلا مصافيا أرى المال يغشى ذا الوصوم فلا يرى ويدعى من الأشراف من كان غابيا – الصعلوك – الفقير وهو أيضا القرضوب والسبروت – والصوم – العيوب.. وبهذا الاسناد لعقيل بن علفة إني ليحمدني الخليل إذا اجتدى مالي ويكرهني ذوو الأضغان وأبيت تحلجنى الهموم كأنني دلو السقاة تمد بالأشطان (1) وأعيش بالبلل القليل وقد أرى أن الرموس مصارع الفتيان وأخبرنا أبو عبيدالله المرزبانى قال حدثني علي بن منصور قال أخبرني محمد بن موسى عن دعبل بن علي قال قال لي عقيل بن علفة وذكر الأبيات الثلاثة وزاد فيها


(1) – تحلجني – من حلجت القطن إذا ميزت حبه عن شعره ورواه ابن الاعرابي بالخاء من خلجه الهم شغله – وتمد – ترفع – والاشطان – جمع شطن وهو حبل البئر – والرموس – جمع رمس وهو القبر يقول إن الموت كائن لا محالة فالقليل من العيش والكثير سمان

[ 40 ]

ولقد علمت لئن هلكت ليذكرن قومي إذا علن النجي مكاني [ قال المرتضى ] رضى الله عنه وكان عقيل بن علفة مع قوة شعره جيد الكلام حكيم الألفاظ.. وروى المدائني قال قال عبد الملك بن مروان لعقيل بن علفة المرى ما أحسن أموالكم فقال ما ناله أحدنا عن أصحابه تفضلا قال ثم أيها قال مواريثنا قال فأيها أشرف قال ما استفدناه لوقعة خولت نعما وأفادت عزا قال فما مبلغ عزكم قال ما لم يطمع فينا ولم نؤمن قال فما مبلغ جودكم قال ما عقدنا به مننا وأبقينا به ذكرا قال فما مبلغ حفاظكم قال يدفع كل رجل منا عن المستجير به كدفاعه عن نفسه قال عبد الملك هكذا فليصف الرجل قومه.. وروى انه قيل لعقيل بن علفة قد عنست بناتك أفما تخشى عليهن الفساد قال كلا إنى خلفت عندهن الحافظين قيل وما هما قال الجوع والعرى أجيعهن فلا يأشرن وأعريهن فلا يظهرن.. وقال له عبد الملك يوما مالك تهجو قومك قال لأنهم أشباه الغنم إذا صيح بها رفعت وإذا سكت عنها رتعت قال انما تقول البيت والبيتين قال حسبي من القلادة ما أحاط بالعنق.. فأما معنى – علفة – اسم أبيه.. قال ابن الاعرابي قال العلفة مثل الباقلاء الرطبة تكون تحت الرهز من البقل وغيره.. وقال أبو سعيد السكرى العلفة ضرب من أوعية بزر بعض النبات مثل قشرة الباقلاء واللوبيا وهو الغلاف الذي يجمع عدة حب.. وقيل ان عقيلا كان يكنى بأبي الوليد وكان عقيل غيورا موصوفا بشدة الغيرة.. وروى أبو عمرو بن العلاء انه حمل يوما ابنة له وأنشأ يقول إني وإن سيق إلي المهر ألف وعبدان وذود عشر أحب أصهاري إلي القبر وذكر الأصمعي ان عقيلا كان لغيرته إذا رأى الرجل يتحدث الى النساء أخذه ودهن ارفاغه ومغابنه بزبد وربطه وطرحه في قرية النمل فلا يعود الى محادثتهن.. وروى الأصمعي قال كان عقيل بن علفة في بعض سفره ومعه ابنه العلمس وابنته الجرباء فأنشأ يقول


[ 41 ]

قضت وطرا من دير سعد وربما علي عجل ناطحنه بالجماجم (1) ثم أقبل على ابنه فقال أجز يا علمس فقال وأصبحن بالموماة يحملن فتية نشاوى من إلادلاج ميل العمائم ثم أقبل على ابنته فقال أجيزى يا جرباء فقالت


(1) – دير سعد – بين بلاد غطفان والشام وقد أخرج الضحاك هذه الحكاية بابسط مما ذكر هنا ونحن نذكرها تتميما للفائدة.. قال خرج عقيل بن علفة وجثامة وابنته الجرباء حتي أتوا بنتا له ناكحا في بني مروان بالشامات ثم انهم قفلوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال عقيل بن علفة قضت وطرا من دير سعد وطالما على عرض ناطحنه بالحجاجم إذا هبطت أرضا يموت غرابها بها عطشا أعطينهم بالخزائم ثم قال أنفذ يا جثامة فقال جثامة فأصبحن بالمواماة يحملن فتية نشاوى من الادلاج ميل العمائم إذا علم غادرنه بتنوفة تذارعن بالايدي لآخر طاسم ثم قال أنفذي يا جرباء فقالت كأن الكرى سقاهم صرخدية عقارا تمطى في المطا والقوائم فقال عقيل شربتيها ورب الكعبة لولا الامان لضربت بالسيف تحت قرطك أما وجدت من الكلام غير هذا فقال جثامة وهل اساءت انما أجادت وليس غيري وغيرك فرماه عقيل بسهم فاصاب ساقه وأنفذ السهم ساقه والرجل ثم شد على الجرباء فعقر ناقتها ثم حملها على ناقة جثامة وتركه عقيرا مع ناقة الجرباء ثم قال لولا أن تسبنى بنو مرة لما عشت ثم خرج متوجها الى أهله وقال لئن أخبرت أهلك بشأن جثامة أو قلت لهم انه اصابه غير الطاعون لا قتلتك فلما قدموا على أهل أبير وهم بنو القين ندم عقيل على فعله بجثامة فقال لهم هل لكم في جزور انكسرت قالوا نعم قال فالزموا أثر هذه الراحلة حتى تجدوا الجزور فخرج القوم حتى انتهوا الى جثامة فوجدوه قد أنزفه الدم فاحتملوه وتقسموا الجزور وأنزلوه(6 – أمالى)

[ 42 ]

كان الكرى سقاهم صرخدية عقارا تمشت في المطا والقوائم قال فأقبل على ابنته يضربها ويقول والله ما وصفتيها بهذه الصفة حتى شربتيها فوثب عليه إخوتها فقاتلوه دونها ثم رماه أحدهم بسهم فانتظم فخذه.. فقال عقيل إن بنى زملوني بالدم من يلق أبطال الرجال يكلم ومن يكن ذا أود يقوم شنشنة أعرافها من أخزم – الشنشنة – الطبيعة والسجية وقيل الشبه وهذا مثل اجتلبه عقيل وقد قيل قبله ولعقيل وللدهر أثواب فكن في لباسه كلبسته يوما أجد وأخلقا وكن أكيس الكيسى إذا كنت فيهم وإن كنت في الحمقى فكن أنت أحمقا (مجلس آخر 27) [ تأويل آية ].. ان سأل سائل عن قوله تعالى (والى الله ترجع الامور) فقال كيف يصح القول بانها رجعت وهي لم تخرج عن يده.. الجواب قلنا قد ذكر في ذلك وجوه.. أولها ان الناس في دار المحنة والتكليف قد يغتر بعضهم ببعض ويعتقدون فيهم انهم يملكون جر المنافع إليهم وصرف المضار عنهم وقد يدخل عليهم الشبه لتقصيرهم في النظر وعدولهم عن وجهه وطريقه فيعبد قوم الأصنام وغيرها من


عليهم وعالجوه حتى برئ والحقوه بقومه فلما كان قريبا منهم تغني أيعذر لا حينا ويلحين في الصبا وما هن والفتيان الا شقائق فقال له القوم انما أفلت من الجراحة التى جرحك أبوك آنفا وقد عاودت ما يكرهه فامسك عن هذا ونحوه إذا لقيته لا يلحقك منه شر وعر فقال انما هي خطرة خطرت والراكب إذا سار تغنى

[ 43 ]

المعبودات الجامدة الهامدة التي لا تسمع ولا تبصر ويعبد آخرون البشر ويجعلونهم شركاء لله تعالى في استحقاق العبادة ويضيف كل هؤلاء أفعال الله عزوجل فيهم الى غيره فإذا جاءت الآخرة وانكشف الغطاء واضطروا الى المعارف زال ما كانوا عليه في الدنيا من الضلال واعتقاد الباطل وأيقن الكل انه لا خالق ولا رزاق ولا ضار ولا نافع غير الله فردوا إليه أمورهم وانقطعت آمالهم من غيره وعلموا ان الذي كانوا عليه من عبادة غيره وتأميله للضر والنفع غرور وزور فقال الله تعالى (والى الله ترجع الامور) لهذا المعنى.. والوجه الثاني أن يكون معنى الآية في الامور أن الامور كلها لله تعالى وفي يده وقبضته من غير خروج وروجوع حقيقي وقد تقول العرب قد رجع على من فلان مكروه بمعنى صار الى منه ولم يكن سبق الي قبل هذا الوقت وكذلك يقولون قد عاد على من زيد كذا وكذا وان وقع منه على سبيل الابتداء.. قال الشاعر وإن تكن الأيام أحسن مرة إلي فقد عادت لهن ذنوب أي صارت لها ذنوب لم تكن من قبل بل كان قبلها إحسان فحمل الآية على هذا المعنى شائع جائز تشهد له اللغة.. والوجه الثالث إنا قد علمنا ان الله تعالى قد ملك العباد في دار التكليف أمورا تنقطع بانقطاع التكليف وإفضاء الأمر الى الدار الآخرة مثل ما ملكه الموالي من العبيد وما ملكه الحكام من الحكم وغير ذلك فيجوز أن يريد الله تعالى برجوع الأمر إليه انهاء ما ذكرناه من الامور التي يملكها غيره بتمليكه الى أن يكون هو وحده مالكها ومدبرها.. ويمكن في الآية وجه آخر وهو أن يكون المراد بها أن الأمر ينتهي الى أن لا يكون موجود قادر غيره ويفضي الأمر في الانتهاء الى ما كان عليه في الابتداء لأن قبل انشاء الخلق هكذا كانت الصورة وبعد إفنائهم هكذا يصير وتكون الكناية برجوع الأمر إليه عن هذا المعنى وهو رجوع حقيقي لأنه عاد الى ما كان عليه متقدما.. ويحتمل أيضا أن المراد بذلك ان الى قدرته تعود المقدورات لأن ما أفناه من مقدوراته الباقية كالجواهر والاعراض ترجع الى قدرته ويصح منه تعالى إيجاده لعوده الى ما كان عليه وان كان ذلك لا يصح في مقدورات البشر وان كانت


[ 44 ]

باقية لما دل عليه الدليل من اختصاص مقدور القدر باستحالة العود إليها من حيث لم يجر فيها التقديم والتأخير وهذا أيضا حكمه تعالى المتفرد به دون غيره من سائر القادرين والله أعلم بما أراد (مجلس آخر 28) [ تأويل آية ].. ان سأل سائل عن قوله تعالى (ليس البر أن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها) فقال أي معنى لذكر البيوت وظهورها وأبوابها وهل المراد بذلك البيوت المسكونة على الحقيقة أو كنى بهذه اللفظة عن غيرها فان كان الأول فما الفائدة في إتيانها من أبوابها دون ظهورها وان كانت كناية فبينوا وجهها ومعناها.. الجواب قيل له في الآية وجوه.. أولها ما ذكر من أن الرجل من العرب كان إذا قصد حاجة فلم تقض له ولم ينجح فيها رجع فدخل من مؤخر البيت ولم يدخل من بابه تطيرا فدلهم الله تعالى على أن هذا من فعلهم لا بر فيه وأمرهم من التقى بما ينفعهم ويقربهم إليه وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التطير وقال لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر أي لا يعدى شئ شيئا.. وقال عليه الصلاة والسلام لا يورد ذو عاهة على مصح ومعنى هذا الكلام ان من لحقت إبله آفة أو مرض فلا ينبغي أن يوردها على إبل لغيره صحاح لأنه متى يلحق الصحاح مثل هذه العاهة اتفاقا لا لأجل العدوى ولم يؤمن من صاحب الصحاح أن يقول انما لحق إبلي هذه الآفة من تلك الابل وهي أعدت إبلي فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا ليزول المأثم بين الفريقين والظن القبيح.. وثانيها ان العرب (1) إلا قريشا ومن ولدته


(1) قوله ان العرب الا قريشا الخ قلت ليس كذلك وانما الذين كانوا يتحامون دخول البيوت من أبوابها وهم محرمون الاحامس وهم قريش وكنانة وجديلة ومن تابعهم في الجاهلية وانما سموا بذلك لتحمسهم في دينهم أي تشددهم وقد صح ان النبي صلى الله عليه وسلم أقبل ليدخل بيت بعض نسائه وهو محرم ومعه بعض أصحابه فلما دخل النبي صلى

[ 45 ]

قريش كانوا إذا أحرموا في غير الأشهر الحرم لم يدخلوا بيوتهم من أبوابها ودخلوها من ظهورها إذا كانوا من أهل الوبر وإذا كانوا من أهل المدر نقبوا في بيوتهم ما يدخلون ويخرجون منه ولم يدخلوا ولم يخرجوا من أبواب البيوت فنهاهم الله تعالى عن ذلك وأعلمهم انه لا معنى له وانه ليس من البر وان البر غيره.. وثالثها وهو جواب أبي عبيدة معمر بن المثنى ان المعنى ليس البر بان تطلبوا من غير أهله وتلتمسوه من غير بابه وأتوا البيوت من أبوابها معناه اطلبوا الخير من وجهه ومن عند أهله.. ورابعها وهو جواب أبى على الجبائى أن يكون الفائدة في هذا الكلام ضرب المثل وأراد ليس البر أن يأتي الرجل الشئ من خلاف جهته لأن إتيانه من خلاف جهته يخرج الفعل عن حد الصواب والبر الى الاثم والخطأ وبين البر والتقوى وأمر باتيان الامور من وجوهها وان تفعل على الوجوه التي لها وجبت وحسنت وجعل تعالى ذكر البيوت وظهورها وأبوابها مثلا لأن العادل عن الأمر عن وجهه كالعادل في البيت عن بابه.. وخامسها أن تكون البيوت كناية عن النساء ويكون المعني وأتو النساء من حيث أمركم الله والعرب تسمي المرأة بيتا.. قال الشاعر مالي إذا أنزعها صأيت أكبر غيرني أم بيت أراد بالبيت المرأة.. ومما يمكن أن يكون شاهدا للجواب الذي حكيناه عن أبي على الجبائى والجواب عن أبي عبيدة أيضا ما أخبرنا به أبو القاسم أحمد بن يحيى النحوي قال أنشدنا ابن الاعرابي إني عجبت لأم العمر إذ هربت من شيب رأسي وما بالشيب من عار ما شقوة المرء بالإقتار يقتره ولا سعادته يوما بإكثار إن الشقي الذي في النار منزله والفوز فوز الذي ينجو من النار


الله عليه وسلم تأخر الرجل فقاله له عليه الصلاة والسلام مالك لا تدخل فقال أنا أحمسي فقال وأنا كذلك فنسخ بفعله وقوله ما كانت عليه قريش ومن أخذ مأخذها

[ 46 ]

أعوذ بالله من أمر يزين لي شتم العشيرة أو يدني من العار وخير دنيا ينسي المرء آخرة وسوف تبدو الي الجبار أسراري لا أدخل البيت أحبو من مؤخره ولا أكسر في ابن العم أظفاري فقوله – لا أدخل البيت أحبو من مؤخره – يحتمل أن يريد به إنني لا آتى الامور من غير وجهها على أحد الأجوبة في الآية.. ويحتمل أيضا إني لا أطلب الخير إلا من أهله على جواب أبي عبيدة.. ويحتمل وجها آخر وهو أن يريد إنني لاأقصد البيت للريبة والفساد لأن من شأن من يسعي الى أفساد الحرم ويقصد البيوت للريبة أن يعدل عن أبوابها طلبا لاخفاء أمره فكأنه نفى عن نفسه بهذا القول القبيح وتنزه عنه كما تنزه بقوله – ولا أكسر في ابن العم أظفاري – عن مثله وأراد انه لا يبدأ ابن العم مني السوء ولا يتألم بشئ من جهتى فأكون كأنني قد جرحته بأظفاري وكسرتها في لحمه وهذه كنايات بليغة مشهورة للعرب.. ويجرى مجرى هذه الأبيات ويقاربها في المعني وحسن الكناية قول هلال بن خثعم وإني لعف عن زيارة جارتي وإني لمشنوء الي اغتيابها إذا غاب عنها بعلها لم أكن لها زؤرا ولم تنبح علي كلابها وما أنا بالداري أحاديث بيتها ولا عالما من أي حوك ثيابها وأن قراب البطن يكفيك مللأه ويكفيك عورات الامور اجتنابها قال المرتضي ] رضى الله عنه وقد جمعت هذه الأبيات فقرا عجيبة وكنايات بليغة لأنه نفى عن نفسه زيارة جارته عند غيبة بعلها وخص حال الغيبة لأنها أدنى الى الريبة وأخص بالتهمة فقال – ولم تنبح على كلابها – أراد إنى لا أطرقها ليلا مستخفيا متنكرا فتنكرني كلابها وتنبحني وهذه الكناية تجرى مجرى قول الشاعر المتقدم.. لا أدخل البيت أحبو من مؤخره وقد روى ولم تأنس الى كلابها وهذا معني آخر كأنه أراد انه ليس يكثر الطروق لها والغشيان لمنزلها فتأنس به كلابها لأن الانس لا يكون إلا


[ 47 ]

مع المواصلة والمواترة.. وقوله – وما أنا بالدارى أحاديث بيتها – أراد به أيضا التأكيد في نفى زيارتها وطروقها عن نفسه لأنه إذا أدمن الزيارة عرف أحاديث بيتها فإذا لم يزرها وصارمها لم يعرف.. ويحتمل أن يريد إنني لا أسأل عن أحوالها وأحاديثها كما يفعل أهل الفضول فنزه نفسه عن ذلك.. وقوله – ولا عالم من أي حوك ثيابها – كناية مليحة عن انه لا يجتمع معها ولا يقرب منها فيعرف صفة ثيابها.. وبالاسناد المتقدم لحارثة ابن بدر الغدانى إذا الهم أمسي وهو داء فأمضه ولست بممضيه وأنت تعادله ولا تنزلن أمر الشديدة بأمرئ إذا هم أمرا عوقته عواذله فما كل ما حاولته الموت دونه ولا دونه أرصاده وحبائله ولا الفتك ما آمرت فيه ولا الذي تحدث من لاقيت أنك فاعله وما الفتك إلا لامرئ ذي حفيظة إذا مال لم ترعد عليه خصائله ولا تجعلن سرا الي غير أهله فتقعد إن أفشي عليك تجادله ولا تسأل المال البخيل ترى له غنى بعد ضر أورثته أوائله أرى المال أفياء الظلال فتارة يؤوب وأخرى يختل المال خاتله معنى – آمرت – شاورت – والخصائل – كل لحم مجتمع وقد روينا في هذه الأبيات زيادة على القدر الذي ذكرناه.. أخبرنا أبو عبيدالله المرزباني قال حدثني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن العباس قال حدثني الفضل بن محمد عن أبى المنهال المهلبي قال من الأبيات السائرة قول حارثة بن بدر الغدانى لعمرك ما أبقى لي الدهر من أخ حفي ولا ذي خلة لى أواصله ولا من خليل ليس فيه غوائل فشر الأخلاء الكثير غوائله


[ 48 ]

وقل لفؤاد إن نزى بك نزوة من الروع أفرخ أكثر الروع باطله معنى – أفرخ – أي أسكن يقال أفرخ روعه إذا سكن وما كل ما حاولته الموت دونه وذكر البيتين اللذين بعده وزاد وكن أنت ترعى سر نفسك واعلمن بأن أقل الناس للسر حامله إذا ما قتلت الشئ فبح به ولا تقل الشئ الذي أنت جاهله ومما يستحسن لحارثة بن بدر الغدانى قوله لنا نبعة كانت تقينا فروعها وقد بلغت إلا قليلا عروقها وإنا لتستحلي المنايا نفوسنا ونترك أخرى مرة لا نذوقها وشيب رأسي قبل حين مشيبه رعود المنايا بيننا وبروقها قوله – لنا نبعة كانت تقينا فروعها – مثل ضربه وانما أراد عشيرته وأهل بيته.. وقد روى هذه الأبيات على بن سليمان الأخفش عن أبي العباس ثعلب وزاد فيها رأيت المنايا باديات وعودا إلى دارنا سهلا الينا طريقها وقد قسمت نفسي فريقين منهما فريق مع الموتي وعندي فريقها وبينا نرجي النفس ما هو نازح من الأمر لاقت دونها ما يعوقها.. وروى أبو العيناء قال أنشد الشعبى عبد الله بن جعفر الأبيات الثلاثة الأول فقال عبد الله لمن هذا يا شعبى قال لحارثة بن بدر فقال نحن أحق بهذا ثم أمر للعشبي بأربعمائة دينار.. ومن مستحسن قول حارثة ولقد وليت إمارة فرجعتها في المال سالمة ولم أتمول ولقد منعت النصح من متقبل ولقد رفدت النصح من لم يقبل


[ 49 ]

فبأى لمسة لامس لم ألتمس وبأي حيلة حائل لم أحتل يا طالب الحاجات يرجو نجحها ليس النجاح مع الأخف الأعجل فاصدق إذا حدثت تكتب صادقا وإذا حلفت مماريا فتحلل معنى – تكتب صادقا – أي تكون عند الله صادقا.. وقوله – فتحلل – أي استثن وإذا رايت الباهشين الي العلى غبرا أكفهم بريث فاعجل معنى – الباهشين – المادين أيديهم الى الشئ المهتشين له واحذر مكان السوء لا تحلل به وإذا نبا بك منزل فتحول وإذا ابن عمك لج بعض لجاجة فانظر به عدة ولا تستعجل (1) وإذا افتقرت فلا تكن متخشعا ترجو الفواضل عند غير المفضل واستغن ما أغناك ربك بالغنى وإذا تكون خصاصة فتجمل.. وأخبرنا أبو عبيدالله المرزباني قال أخبرنا محمد بن أبي الأزهر قال حدثنا محمد بن يزيد النحوي قال كان حارثة بن بدر الغداني رجل تميم في وقته وكان قد غلب على زياد وكان الشراب قد غلب عليه فقيل لزياد ان هذا قد غلب عليك وهو مشتهر بالشراب فقال زياد كيف لي باطراح رجل هو يسايرني مذ دخلت العراق لم تصطك ركابي ركاباه ولا تقدمني فنظرت الي قفاه ولا تأخر عني فلويت عنقي إليه ولا أخذ على الشمس في شتاء قط ولا الروح في صيف قط ولا سألته عن علم إلا ظننته لا يحسن غيره فلما مات زياد جفاه عبيدالله ابنه فقال له حارثه أيها الأمير ما هذا الجفاء مع معرفتك بالحال عند أبي المغيرة فقال له عبيدالله ان أبا المغيرة قد كان برع بروعا لا يلحقه معه عيب


(1) – اللجاجة – الخصومة – وانظر – انتظر – يقول إذا خاصمك قريبك ولج في خصومتك فانتظر رجوعه اليك وإقلاعه عن خصومتك ولا تستعجل عليه في مقابلته بمثل ما بدأك به أو فانتظر به نازلة تشغله عنك وتكف عنك غائلته(7 – أمالى)

[ 50 ]

وأنا حدث وانما أنسب الى من يغلب على وأنت رجل تديم الشراب فمتى قربتك وظهرت منك رائحة الشراب لم آمن أن يظن بى فدع الشراب وكن أول داخل على وآخر خارج فقال له حارثة أنا لا أدعه لمن يملك ضرى ونفعي أفأدعه للحال عندك قال فاختر من عملي ما شئت قال توليني رام هرمز فانها أرض عدات وشرف فان بها شرابا وصف لي فولاه إياها فلما شيعه الناس.. قال أنس بن أبي أنس وقيل ابن أبى إياس الدئلى أحار بن بدر قد وليت إمارة فكن جرذا فيها تخون وتسرق ولا تحقرون يا حار شيئا وجدته فحظك من ملك العراقين سرق (1) وباه تميما بالغنى إن للغني لسانا به العي الهيوبة ينطق فإن جميع الناس إما مكذب يقول بما تهوى وإما مصدق يقولون أقوالا ولا يعلمونها فإن قيل هاتوا حققوا لم يحققوا وهذه الأبيات تروى لأبى الأسود الدئلى وانه كتب بها الى حارثة لما ردت إليه سرق ويزاد فيها وكن حازما في اليوم إن الذي به يجئ غد يوم علي الناس مطبق ولا تعجزن فالعجز أوطأ مركب وما كل من يدعو الى الخير يرزق إذا ما دعاك القوم عدوك آكلا وكل حار أوجع لست ممن يحمق ويقال ان حارثة بن بدر أجاب عن هذه الأبيات بقوله جزاك إله العرش خير جزائه فقد قلت معروفا وأوصيت كافيا


(1) – سرق – بضم أوله وتشديد ثانيه كورة من كور الاهواز ومدينتها دورق

[ 51 ]

أشرت بأمر لو أشرت بغيره لألفيتني ني فيه لأمرك عاصيا (1).. ويقال ان حارثة بن بدر والأحنف بن قيس قد دخلا على ابن زياد فقال لحارثة أي الشراب أطيب وكان يتهم فقال برة طاساريه واقطة عنوية وسمنة عنزية وسكرة سوسية ونطفة مسرقانية فقال للأحنف يا أبا بحر ما أطيب الشراب قال الخمر قال وما يدريك ولست من أهلها قال رأيت فيها خصلتين عرفت انها أطيب الشراب.. ولحارثة بن بدر يخاطب عبيدالله بن زياد لما تغير عليه بعد اختصاصه كان بأبيه أهان وأقصى ثم تنتصحونني وأي إمرئ يعطي نصيحته قسرا رأيت الأكف المصلتين عليكم ملاء وكفى من عطاياكم صفرا وإنى مع الساعي اليكم بسيفه إذا أحدث الأيام في عظمكم كسرا متى تسألوني ما علي وتمنعوا الذي لي لم أسطع كم صبرا.. وقال يعاتبه وكم من أمير قد تجبر بعدما مريت له الدنيا بسيفي فدرت إذا زبنته عن فواق أتت به دعاني ولم أدع إذا ما أقرت إذا ما هي ما احلوت محاحق مقسمي ويقسم لي منها إذا ما أمرت – زبنته – أي دفعته عن ان يحلبها – والفواق – اجتماع اللبن في الضرع بين الحلبتين.. ومعنى – أقرت – تركته يحلبها.. ويشبه أبيات حارثة هذه قول عبد الله بن الزبير يعاتب معاوية ومروان وأهل بيته من جملة قصيدة وهي أبيات قوية جدا


(1) – قلت – أورد هذه الحكاية ياقوت الحموى في كتابه معجم البلدان وذكر بيتى بدر المذكورين هنا وزاد بعدهما بيتا واحدا وهو ستلقى أخا يصفيك بالود حاضرا ويوليك حفظ الغيب ما كان نائيا (*)

[ 52 ]

عطاؤكم للظاربين رقابكم وندعى إذا ما كان جزالكراكر (1) أنحن أخوكم في المضيق وسهمنا إذا ما قسمتم في الخطاء الأصاغر الخطاء – سهام صغار – وثديكم الأدنى إذا ما قسمتم ونلقى بثدي حين نسأل باسر (2) وإن كان فينا الذنب للناس مثله أخذنا به من قبل ناه وآمر أي من قبل أن ننهي عنه أو نؤمر باجتنابه وإن جاءكم منا غريب بأرضكم لويتم له يوما جنوب المناخر فهل يفعل الأعداء إلا كفعلكم هوان السراة وابتغاء العواثر وغير نفسي عنكم ما فعلتم وذكر هوان منكم متظاهر جفاؤكم من عالج الحرب عنكم وأعداؤكم من بين جاب وعاشر فلا تسألونى عن هواي وودكم وقل في فؤاد قد توجه نافر ولحارث يرثي زيادا لهفي عليك للهفة من خائف يبغى جوارك حين ليس مجير أما القبور فإنهن أوانس بجوار قبرك والديار قبور عمت فواضله فعم مصابه فالناس فيه كلهم مأجور ردت صنائعه إليه حياته فكأنه من نشرها منشور


(1) – جز – قطع – والكراكر – جمع كركرة بالكسر وهي رحى زور البعير أو صدر كل ذي خف أو الجماعة من الناس كنى بذلك عن الحرب (2) – باسر – أي جاف لا لبن فيه.. ومنه بسر الحاجة أي طلبها قبل أوانها

[ 53 ]

.. [ قال المرتضى ] رضى الله عنه وأظن أبا تمام الطائى نظر الى قول حارثة بن بدر * ردت صنائعه إليه حياته * في قوله ألم تمت يا شقيق النفس مذ زمن فقال لي لم يمت من لم يمت كرمه وأخبرنا علي بن محمد الكاتب قال أخبرنا ابن دريد قال أخبرنا عبد الرحمن يعني ابن أخي الأصمعي عن عمه قال مر حارثة بن بدر الغداني ومعه كعب مولاه فجعل لا يمر بمجلس من مجالس تميم إلا قالوا مرحبا بسيدنا فقال كعب ما سمعت كلاما قط هو أقر لعيني وألذ في سمعي مما سمعته اليوم فقال حارثة ولكني ما سمعت كلاما قط هو أكره الي منه ثم قال ذهب الرجال فسدت غير مسود ومن الشقاء تفرد ى بالسؤدد وهذا البيت يقال انه لحارثة لا انه تمثل به.. وأخبرنا أبو عبيدالله المرزباني قال حدثني عبد الله بن جعفر قال حدثنا محمد بن زيد قال قال الكناني مر حارثة بن بدر بالأحنف ابن قيس فقال لولا انك مستعجل لشاورتك قال له أجل كانوا يكرهون أن يشاور الجائع حتى يشبع والظمآن حتى ينقع والمضل حتى يجد والغضبان حتى يرضى والمحزون حتى يفيق (مجلس آخر 29) [ تأويل آية ].. ان سأل سائل عن قوله تعالى (أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب) فقال أي تمدح في سرعة الحساب وليس بظاهر وجه المدحة فيه.. الجواب قلنا في ذلك وجوه.. أولها أن يكون المعني أنه سريع الحساب للعباد على أعمالهم وان وقت الجزاء قريب وان تأخر ويجري مجرى قوله تعالى (وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب) وإنما جاز أن يعبر عن المجازاة أو الجزاء بالحساب لأن


[ 54 ]

ما يجازى به العبد هو كفؤ لفعله وبمقداره فهو حساب له إذا كان مماثلا مكافئا.. ومما يشهد بان في الحساب معنى المكافأة قوله تعالى (جزاء من ربك عطاء حسابا) أي عطاء كافيا ويقال أحسبنى الطعام يحسبني إحسابا إذا كفاني.. قال الشاعر وإذ لا ترى في الناس حسنا يفوتها وفي الناس حسنا لو تأملت محسب معناه كاف.. وثانيها أن يكون المراد أنه عزوجل يحاسب الخلق جمعيا في أوقات يسيرة ويقال ان مقدار ذلك حلب شاة لأنه تعالى لا يشغله محاسبة بعضهم عن محاسبة غيره بل يكلمهم جميعا ويحاسب كلهم على أعمالهم في وقت واحد وهذا أحد ما يدل على انه تعالى ليس بجسم وانه لا يحتاج في فعل الكلام الى آلة لأنه لو كان بهذه الصفات تعالى عنها لما جاز أن يخاطب اثنين في وقت واحد بمخاطبتين مختلفتين ولكان خطاب بعض الناس يشغله عن خطاب غيره ولكانت مدة محاسبته للخلق على أعمالهم طويلة غير قصيرة كما ان جميع ذلك واجب في المحدثين الذين يفتقرون في الكلام الى الآلات.. وثالثها ما ذكره بعضهم من ان المراد بالآية انه سريع العلم بكل محسوب وانه لما كانت عادة بني الدنيا أن يستعملوا الحساب والاحصاء في أكثر أمورهم أعلمهم الله تعالى انه يعلم ما يحسبون بغير حساب وانما سمى العلم حسابا لأن الحساب انما يراد به العلم وهذا جواب ضعيف لأن العلم بالحساب أو المحسوب لا يسمى حسابا ولو سمى بذلك لما جاز أيضا أن يقال انه سريع العلم بكذا لأن علمه بالاشياء مما لا يتجدد فيوصف بالسرعة.. ورابعها ان الله تعالى سريع القبول لدعاء عباده والاجابة لهم وذلك انه يسأل في وقت واحد سؤالات مختلفة من أمور الدنيا والآخرة فيجزى كل عبد بمقدار استحقاقه ومصلحته فيوصل إليه عند دعائه ومسئلته ما يستوجبه بحد ومقدار فلو كان الأمر على ما يتعارفه الناس لطال العدد واتصل الحساب فأعلمنا تعالى انه سريع الحساب أي سريع القبول للدعاء بغير احساس وبحث عن المقدار الذي يستحقه الداعي كما يبحث المخلوقون للحساب والاحصاء وهذا جواب مبني أيضا على دعوى أن قبول الدعاء لا يسمى حسابا في لغة ولا عرف ولا شرع وقد كان يجب على من أجاب بهذا الجواب أن يستشهد على


[ 55 ]

ذلك بما يكون حجة فيه وإلا فلا طائل فيما ذكره.. ويمكن في الآية وجه آخر وهو أن يكون المراد بالحساب محاسبة الخلق على أعمالهم يوم القيامة وموافقتهم عليها وتكون الفائدة في الاخبار بسرعته الاخبار عن قرب الساعة كما قال تعالى (سريع العقاب) وليس لأحد أن يقول فهذا هو الجواب الأول الذي حكيتموه وذلك ان بينهما فرقا لأن الأول مبنى على أن الحساب في الآية هو الجزاء والمكافأة على الأعمال وفي هذا الجواب لم يخرج الحساب عن بابه وعن معنى المحاسبة المعروفة والمقابلة بالأعمال وترجيحها وذلك غير الجزاء الذي يفضي الحساب إليه.. وقد طعن بعضهم في الجواب الثاني معترضا على أبي على الجبائى في اعتماده إياه بان قال مخرج الكلام في الآية على وجه الوعيد وليس في خفة الحساب وسرعة زمانه ما يقتضى زجرا ولاهو مما يتوعد بمثله فيجب أن يكون المراد الاخبار عن قرب أمر الآخرة والمجازاة على الأعمال.. وهذا الجواب ليس أبو علي المبتدي به بل قد حكي عن الحسن البصري واعتمده أيضا قطرب ابن المستنير النحوي وذكره المفضل بن سلمة وليس الطعن الذي حكيناه عن هذا الطاعن بمبطل له لأنه اعتمد على ان مخرج الآية مخرج الوعيد وليس كذلك لانه قال تعالى (فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وما له في الآخرة من خلاق ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب) فالأشبه بالظاهر أن يكون الكلام وعدا بالثواب وراجعا الى الذين يقولون ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أو يكون راجعا الى الجميع فيكون المعنى ان للجميع نصيبا مما كسبوا فلا يكون وعيدا خالصا بل إما أن يكون وعدا خالصا أو وعدا ووعيدا على أنه لو كان وعيدا خالصا على ماذ كر الطاعن لكان لقوله تعالى (والله سريع الحساب) على تأويل من أراد قصر الزمان وسرعة الموافقة وجه وتعلق بالوعد والوعيد لأن الكلام على كل حال متضمن لوقوع المحاسبة على أعمال العباد والاحاطة بخيرها وشرها وان وصف الحساب مع ذلك بالسرعة وفي هذا ترغيب وترهيب لا محالة لأن من علم بانه يحاسب بأعماله ويوقف على جميلها وقبيحها الزجر عن القبيح وعمل ورغب في فعل الواجب


[ 56 ]

فهذا ينصر الجواب وان كنا لا ندفع ان في حمل الحساب على قرب المجازاة وقرب المحاسبة على الأعمال ترغيبا في الطاعات وزجرا عن المقبحات فالتأويل الأول أشبه بالظاهر ونسق الآية إلا أن التأويل الآخر غير مدفوع أيضا ولا مردود (مجلس آخر 30) [ تأويل آية ].. ان سأل سائل عن قوله تعالى (والله يرزق من يشاء بغير حساب) فقال أي تمدح في الاعطاء بغير حساب وقد يكون المعطي بحساب أجزل عطية من المعطى بغير حساب.. الجواب قلنا في هذه الآية وجوه.. أولها أن تكون الفائدة انه تعالى يرزق من يشاء بغير تقدير من المرزوق ولا احتساب منه فالحساب ههنا راجع الى المرزوق لا إليه تعالى كما يقول القائل ماكان كذا وكذا في حسابى أي لم أؤمله ولم أقدرانه يكون وهذا وصف للرزق بأحسن الأوصاف لان الرزق إذا لم يكن محتسبا كان أهنأ له وأحلا.. وقد روى عن ابن عباس رضى الله عنه في تفسير هذه الآية انه قال عنى بها أموال بني قريظة والنضير فانها تصير اليكم بغير حساب ولا قتال على أسهل الامور وأقربها وأيسرها.. وثانيها انه تعالى يرزق من يشاء رزقا غير مضيق ولا مقتر بل يزيد في السعة والكثرة على كل عطاء للمخلوقين فيكون نفى الحساب فيه نفيا للتضييق ومبالغة في وصفه بالسعة والعرب تسمى العطاء القليل محسوبا.. قال قيس بن الخطيم أني سريت وكنت غير سروب وتقرب الأحلام غير قريب ما تمنعي يقظي فقد تؤتينه في النوم غير مصرد محسوب.. وثالثها أن يكون المعنى انه يرزق من يشاء من غير حساب أي من غير طلب للمكافأة أو اراغة فائدة تعود إليه أو منفعة ترجع عليه لان من شأن أهل الدنيا أن يعطوا ليتكافئوا ولينتفعوا ولهذا يقال فيمن يقصد بالعطية الى هذه الامور فلان يحاسب الناس


[ 57 ]

فيما يعطيهم ويناقشهم فيما يوصله إليهم وما أشبه ذلك فلما انتفت هذه الامور من عطاياه سبحانه جاز أن يقول انه يرزق من يشاء بغير حساب.. ورابعها ما أجاب به قطرب قال معنى الآية يعطى العدد الكثير لا ما يضبطه الحساب أو يأتي عليه العدد لأن مقدروه تعالى لا يتناهي وخزائنه لا تنحصر ولا يصح عليه النفاد وليس كالمعطي منا الألف من الألفين والعشرة من المائة لان مقدار ما يتسع له ويتمكن منه محدود متناه ولا تناهي ولا انقطاع لما يقدر سبحانه عليه.. وخامسها أن يعطى عباده في الجنة من النعيم واللذات أكثر مما استحقوا وأزيد مما وجب لهم بمحاسبته إياهم على طاعتهم كما قال تعالى (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة) وكما قال عزوجل (إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم) وكما قال تعالى (ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله).. وسادسها أن يكون المعطي منا غيره شيئا والرازق سواه رزقا قد يكون له ذلك فيكون فعله حسنا لا يسأل عنه ولا يؤاخذ به ولا يحاسب عليه وربما لم يكن له ذلك فيكون فعله قبيحا يؤاخذ به ويحاسب عليه فنفى الله تعالى عن نفسه أن يفعل من الرزق القبيح وما ليس له أن يفعله بنفى الحساب عنه وأنبأ أنه لا يرزق ولا يعطى إلا على أفضل الوجوه وأحسنها وأبعدها من الذم وتجرى الآية مجرى قوله تعالى (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) وانما أراد انه تعالى من حيث وقعت أفعاله كلها حسنة غير قبيحة لم يجز أن يسأل عنها وان سئل العباد عن أفعالهم لانهم يفعلون الحسن والقبيح معا.. وسابعها ان الله تعالى إذا رزق العبد واعطاه من فضله كان الحساب عن العبد ساقطا من جهة الناس فليس لأحد أن يقول له لم رزقت ولا يقول لربه لم رزقته ولا يسأله ربه عن الرزق وانما يسأله عن انفاقه في الوجوه التي ينفقه فيها فسقط الحساب من هذه الوجوه عما يرزقه الله تعالى ولذلك قال تعالى (بغير حساب).. وثامنها أن يكون المراد بمن يشاء أن يرزقه من أهل الجنة لانه يرزقهم رزقا لا يصح أن يتناول جميعه الحساب ولا العدد والاحصاء من حيث لا نهاية له ولا انقطاع للمستحق منه ويطابق هذه الآية قوله تعالى في موضع آخر (فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب) (8 – أمالى)


[ 58 ]

[ تأويل خبر ].. ان سأل سائل عن الخبر الذي يروي عن زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال توضؤا مما غيرت النار.. فقال ما المراد بالوضوء ههنا ومذهبكم ان مس ما غيرته النار لا يوجب الوضوء.. جواب ان معنى توضؤا أي نظفوا أيديكم من الزهومة لانه روى ان جماعة من الأعراب كانوا لا يغسلون أيديهم من الزهومة ويقولون فقدها أشد علينا من ريحها فأمر عليه الصلاة السلام بتنظيف الأيدى.. فان قيل كيف يصح أن تحملوا الخبر على اللفظ اللغوى مع انتقاله بالعرف الشرعي الى الافعال المخصومة بدلالة ان من غسل يده أو وجهه لا يقول بالاطلاق توضأت ومتى سلم لكم أن الوضوء أصله من النظافة لم ينفعكم مع الانتقال الذي ذكرناه وكلامه عليه الصلاة والسلام خص بالعرف الشرعي وحمله عليه أولى من حمله على اللغة.. قلنا ليس ننكر أن يكون اطلاق الوضوء هو المنتقل من اللغة الى عرف الشرع والمختص بالأفعال المعينة وكذلك المضاف منه الى الحدث أو الصلاة وما أشبههما.. فأما المضاف الى الطعام وما جرى مجراه فباق على أصله ألا ترى انهم لو قالوا توضأت من الطعام ومن الغمرة أو توضأت للطعام لا يفهم منه إلا الغسل والتنظيف وإذا قولوا توضأت اطلاقا أو توضأت من الحدث أو للصلاة فهم منه الأفعال الشرعية فليس ينكر ما ذكرناه من اختصاص النقل لانه كما يجوز انتقال اللفظة من فائدة في اللغة الي فائدة في الشرع على كل وجه كذلك يجوز أن ينتقل على وجه دون وجه ويبقى من الوجه الذي لم ينتقل منه على ما كان عليه في اللغة وقد ذهب كثير من الناس الي أن اطلاق لفظة مؤمن منتقل من اللغة الى عرف الدين ومختص باستحقاق الثواب وان كان مقيدها باقيا على ما كان عليه في اللغة.. ويبين ذلك أيضا ما روى عن الحسن انه قال الوضوء قبل الطعام ينفى الفقر وبعده ينفى اللمم وانما أراد غسل اليدين بغير شك.. وروى عن قتادة أنه قال غسل اليد وضوء.. وروى عكرش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل وغسل يده ومسح ببلل يده وجهه وذراعيه ورأسه وقال هكذا الوضوء مما مست النار على أنه لو كانت هذه اللفظة منتقلة على كل حال الى الأفعال الشرعية المخصوصة لصح أن نحملها في الخبر على خلاف ذلك ونردها الى أصلها بالأدلة وان كان الأولى لولا الأدلة أن تحمل على


[ 59 ]

مقتضى الشرع فمن الأدله على ما ذكرناه ما رواه ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل كتف شاة وقام فصلى ولم يتوضأ.. وروى عطاء عن أم سلمة قالت قربت جنبا مشويا الى النبي صلى الله عليه وسلم فأكل منه وصلى ولم يتوضأ.. وروى محمد بن المنكدر عن جابر أنه قال كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار وكل هذه الأخبار توجب العدول عن ظاهر الخبر الأول (1) لو كان له ظاهر فيكف وقد بينا انه لا ظاهر له.. فأما اشتقاق الوضوء فهو من الوضاءة التي هي الحسن فلما كان من غسل يده ونظفها قد حسنها قيل وضأها ويقال فلان وضئ الوجه وقوم وضاء.. قال الشاعر مساميح الفعال ذوو أناة مراجيح وأوجههم وضاء (2) والوضوء بضم الواو المصدر وكذلك أيضا التوضأ.. والوضوء بفتح الواو اسم ما يتوضأ به وكذلك الوقود اسم لما توقد به النار والوقود بالضم المصدر ومثله التوقد وقد يجوز أن يكون الوقود بفتح الواو المصدر وكذلك الوضوء بفتح الواو كما قالوا حسن القبول فجعلوا القبول مصدرا وهو مفتوح الأول ولا يجوز في الوقود والوضوء بالضم إلا معنى


(1) – قلت – الخبر الاخير وهو ما رواه جابر انه كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار يدل دلالة صريحة على ان المراد بالوضوء في الحديث السابق وهو توضؤا مما غيرت النار الوضوء الشرعي الذى هو عبارة عن غسل الاعضاء المعلومة وان الوضوء مما مست النار كان مشروعا ثم نسخ وكل ما ذكر من كونه صلى الله عليه وسلم أكل مما نالته النار ولم يتوضأ محمول على ما بعد النسخ وهذا هو الصحيح ولا حاجة لنمحل السيد رحمه الله ولا يناقض هذا مذهب أحد ممن يقول بعدم مشروعية الوضوء مما مست النار (2) – الفعال – بكسر الفاء جمع فعل خيرا كان أو شرا فان فتحوا الفاء أرادوا ما هو من أفعال الخير فقط – والأناة – السكينة والتؤدة – ومراجيح – ثقال يريد أنهم لا يطيشون في كل ما ينزل بهم

[ 60 ]

المصدر وحده.. قال جرير أهوى أراك برامتين وقودا أم بالجنينة من مدافع أودا (1).. وقال آخر إذا سهيل لاح كالوقود فردا كشاة البقر المطرود.. وقال آخر وأججنا بكل يفاع أرض وقود النار للمتنورينا أخبرنا أبو عبيدالله المرزباني قال حدثنى محمد بن ابراهيم قال حدثنا أحمد بن يحيى قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا ابراهيم بن المنذر قال حدثني ابراهيم بن محمد عن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن ابن شهاب قال أتيت عبيدالله ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود يوما في منزله فإذا هو مغيظ ينفخ فقلت له مالي أراك هكذا قال دخلت على عاملكم هذا يعني عمر بن عبد العزيز ومعه عبد الله بن عمرو ابن عثمان فسملت فلم يردا على السلام فقلت ألا فابلغنا عني عراك بن مالك فإن أنت لم تفعل فأبلغ أبا بكر فقد جعلت تبدو شواكل منكما فإنكما بي موقران من الصخر وطا وعتمابى غادرا ذا معاكة لعمري لقد أورى وما مثله يورى يقال – معك – به وسدل به إذا تعرض به لشر فلولا اتقا الله اتقائي فيكما للمتكما لوما أحر من الجمر فمسا تراب الأرض منها خلقتما وفيها المعاد والمقام الي الحشر ولا تانفا أن تغشيا فتكلما فما حشى الأقوام شرا من الكبر


(1) – الجنينة – تصغير جنة وهي البستان روضة نجدية – وأود – بضم فسكون أحد منازل تميم بنجد – ومدافع – جمع مدفع وهو مسيل الماء الى الوادي

[ 61 ]

ولو شئت أدلى فيكما غير واحد علانية أو قال عندي في السر (1) معناه لو شئت اغتابكما عندي غير واحد فإن أنا لم آمر ولم أنه عنكما ضحكت له حتى يلج يستشرى (2) وكيف تريدان ابن سبعين حجة علي ما أتى وهو ابن عشرين أو عشر لقد علقت دلوا كما دلو حول من القوم لارخو المراس ولا نزر (3) قال ابن شهاب فقلت له مثلك يرحمك الله مع نسكك وفضلك وفهمك يقول الشعر فقال ان المصدور إذا نفث برى وانما ذكر عراك بن مالك وأبا بكر بن عمرو بن جرم وكانا صديقيه كناية بذكرهما عن ذكر غيرهما.. وقد جاءت رواية اخرى ان أبا بكر بن عمر بن جرم وعراك بن مالك كانا يجتازان على عبيدالله فلا يسلمان عليه فقال الأبيات يخاطبهما بها.. وروى محمد بن سلام لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة إذا كان لي سر فحدثته العدى وضاق به صدري فللناس أعذر هو السرما استودعته وكتمته وليس بسر حين يفشو ويظهر.. وأنشد مصعب الزبيري لعبيد الله بن عتبة بن مسعود أواخي رجالا لست مطلع بعضهم على سر بعض إن صدري واسعه إذا هي حلت وسط عود ابن غالب فذلك ود نازح لا اطالعه


(1) – أدلى – يقال أدلى فلان في فلان إذا قال فيه قولا قبيحا.. يقول لو شئت لسلطت عليكما الناس فسبوكما سرا وعلانية ولكني امسك عنكما اتقاء لله فيكما (2) – يستشرى – بمعنى يلج أي يتوغل في الأمر ويغرق فيه.. ومنه قيل للخوارج الشراة لتوغلهم في المروق من الطاعة ومخالفة الجماعة (3) – حول – شديد الاحتيال ومثله حول كصرد وحوله كهمزة وحوالي بفتح الحاء وضمها.. يقول انكما وقعتما مع من لا تطيقان دفعه عن أنفسكما

[ 62 ]

تلاقت حيازيمي على قلب حازم كتوم لما ضمت عليه أضالعه بني لي عبد الله في سورة العلى وعتبة مجدا لا تنال مصانعه والبيت الأول يشبه قول مسكين الدارمي وفتيان صدق لست مطلع بعضهم علي سر بعض غير أني جماعها ومما يستحسن لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة قوله تغلغل حب عتمة في فؤادي فباديه مع الخافي يسير تغلغل حيث لم يبلغ شراب ولا حزن ولم يبلغ سرور شققت القلب ثم ذررت فيه هواك فليم فالتأم الفطور أكاد إذا ذكرت العهد منها أطير لو ان إنسانا يطير غنى النفس أن أزداد حبا ولكني إلى وصل فقير وأخذ هذا المعنى أبو نواس فقال أحللت في قلبى هواك محلة ما حلها المأكول والمشروب وأخذه المتنبي في قوله وللسر منى موضع لا يناله نديم ولا يفضى إليه شراب وكأن العباس بن الأحنف ألم به في قوله لو شق قلبي لرأى وسطه اسمك والتوحيد في سطر.. وقال الصاحب اسماعيل بن عباد لو شق قلبي لرأوا وسطه سطرين قد خطا بلا كاتب العدل والتوحيد في جانب وحب اهل البيت في جانب وقول عبيدالله بن عبد الله بن عتبة أحسن من الجميع وبعده بيت المتنبي ولعبيد


[ 63 ]

الله بن عبد الله بن عتبة لعمر أبي المحصين أيام نلتقي لمالا نلاقيها من الدهر أكثر يعدون يوما واحدا إن أتيتها وينسون ما كانت علي الدهر تهجر فإن يكن الواشون أغروا بهجرها فإنا بتجديد المودة أجدر ومن مستحسن قوله من غزله لعمري لئن شطت بعتمة دارها لقد كنت من وشك الفراق أليح (1) أروح بهم ثم أغدوا بمثله ويحسب أنى في الثياب صحيح أخذ هذا المعنى بشار فقصر عنه في قوله ويصبح محزونا ويمسى به وليس يدري ماله عندك (مجلس آخر 31) [ تأويل آية ].. إن سأل سائل عن قوله تعالى حاكيا عن شعيب عليه الصلاة والسلام (قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا).. فقال (2) أليس هذا صريحا منه بان الله تعالى يجوز أن


(1) – شطت – بعدت – ووشك – قرب – وأليح – أخاف وأحذر.. يقول ان ارتحلت عنا وفارقتنا فقد كنت أنتظر ذلك وأتوقعه وأتخوف منه قبل أن يقع (2) – قلت – أصل الاشكال في الآية ينبنى على مذهب المعتزلة ان الله جل شأنه لا يريد الا الحسن وان غير الحسن لا يشاؤه ولا يريده ومذهب أهل السنة ان كل ما يقع في السكون من خير أو شر فهو مراد لله تعالى وعلى هذا المذهب فلا اشكال في الآية بل هي شاهدة له

[ 64 ]

يفعل الكفر والقبيح لأن ملة قومه كانت كفرا وضلالا وقد أخبر انه لا يعود فيها إلا أن يشاء الله.. الجواب قيل له في هذه الآية وجوه.. أو لها أن يكون الملة التي عناها الله انما هي العبادات الشرعيات التي كان قوم شعيب متمسكين بها وهي منسوخة عنهم ولم يعن بها ما يرجع الى الاعتقادات في الله وصفاته مما لا يجوز أن تختلف العبادة فيه والشرعيات يجوز فيها اختلاف العبادة من حيث تبعت المصالح والألطاف والمعلوم من أحوال المكلفين فكأنه قال ان ملتكم لا نعود فيها مع علمنا بان الله قد نسخها وأزال حكمها إلا أن يشاء الله أن يتعبدنا بمثلها فنعود إليها وتلك الأفعال التي كانوا متمسكين بها مع نسخها عنهم ونهيهم عنها وان كانت ضلالا وكفرا فقد كان يجوز فيما هو مثلها أن يكون إيمانا وهدى بل فيها أنفسها قد كان يجوز ذلك وليس تجرى هذه الأفعال مجرى الجهل بالله تعالى الذي لا يجوز أن يكون إلا قبيحا.. وقد طعن بعضهم على هذا الجواب فقال كيف يجوز أن يتعبدهم الله تعالى بتلك الملة مع قوله (قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها).. فيقال له لم ينف عودهم إليها على كل حال وانما نفى العود إليها مع كونها منسوخة منهيا عنها والذي علقه بمشيئة الله تعالى من العود إليها هو بشرط أن يأمر بها ويتعبد بمثلها والجواب مستقيم لا خلل فيه.. وثانيها انه أراد ان ذلك لا يكون أبدا من حيث علقه بمشيئة الله تعالى لما كان معلوما انه لا يشاؤه وكل أمر علق بما لا يكون فقد نفى كونه على أبعد الوجوه وتجري الآية مجرى قوله تعالى (لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) وكما يقول القائل أنا لا أفعل كذا حتى يبيض القار أو يشيب الغراب.. وكما قال الشاعر وحتى يؤب القارظان كلاهما وينشر في القتلى كليب لوائل (1)


(1) – القارظان – يذكر بن عنزة وعامر بن رهم وكلاهما من عنزة خرجا في طلب القرظ وهو ثمر السنط فلم يرجعا فضربت العرب بغيبتهما المثل ويقال انهما مرا بواد عميق فيه عسل فقال أحدهما لصاحبه لو نزلت فأتيتنا منه بشئ فربط نفسه بحبل وتدلى حتى بلغ اسفل الوادي فلما اخذ من العسل حاجته قال لصاحبه ارفعني فقال له لا ارفعك (*)

[ 65 ]

والقارظان لا يووبان أبدا وكليب لا ينشر أبدا فكأنه قال ان هذا لا يكون أبدا.. وثالثها ما ذكره قطرب بن المستنير من أن في الكلام تقديما وتأخيرا وان الاستثناء من الكفار وقع لا من شعيب فكأنه تعالى قال حاكيا عن الكفار (لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا إلا أن يشاء الله أن تعودوا في ملتنا) ثم قال حاكيا عن شعيب عليه الصلاة والسلام وما يكون لنا أن نعود فيها على كل حال.. ورابعها أن تكون الهاء التي في قوله فيها الى القرية لا الى الملة لأن ذكر القرية قد تقدم كما تقدم ذكر الملة ويكون تلخيص الكلام إنا سنخرج من قريتكم ولا نعود فيها إلا أن يشاء الله بما ينجزه لنا من الوعد في الاظهار عليكم والظفر بكم فنعود إليها.. وخامسها أن يكون المعنى إلا أن يشاء الله أن يردكم الى الحق فنكون جميعا على ملة واحدة غير مختلفة لانه لما قال تعالى حاكيا عنهم أو لتعودن في ملتنا كان معناه أو لنكونن على ملة واحدة غير مختلفة فحسن أن يكون من بعد إلا أن يشاء الله أن يجمعكم معنا على ملة واحدة.. فان قيل الاستثناء بالمشيئة انما كان بعد قوله (وما يكون لنا أن نعود فيها) فكأنه قال ليس نعود فيها إلا أن يشاء الله فكيف يصح هذا الجواب.. قلنا هو كذلك إلا أنه لما كان معنى أن نعود فيها هو أن تصير ملتنا واحدة غير مختلفة جاز أن يوقع الاستثناء على المعنى فيقول إلا أن يشاء الله أن نتفق في الملة بان ترجعوا أنتم الى الحق.. فان قيل فكان الله تعالى ما شاء أن ترجع الكفار الى الحق.. قلنا بلى قد شاء ذلك إلا أنه ما شاءه على كل حال بل من وجه دون وجه وهو أن يؤمنوا ويصيروا الى الحق مختارين ليستحقوا الثواب الدى أجرى بالتكليف إليه ولو شاءه على كل حال لما جاز أن لا يقع منهم فكان شعيبا عليه الصلاة والسلام قال ان ملتنا لا تكون واحدة أبدا الا أن يشاء الله أن يلجئكم الى الاجتماع معنا على ديننا وموافقتنا في ملتنا والفائدة في ذلك واضحة لانه لو أطاق


أو تزوجني أختك وكان له أخت يهواها فقال له ليس هذا وقته فتركه ومضى ثم هلك في منصرفه الي أهله ولم يوقف لهما على خبر – وكليب – هو الذى قتله جساس فهاجت بمقتله الحرب التي تسمى حرب البسوس(9 – أمالى ني)

[ 66 ]

أنا لا نتفق أبدا ولا تصير ملتنا واحدة لتوهم متوهم ان ذلك مما لا يمكن على حال من الأحوال فأفاد بتعليقه له بالمشيئة هذا الوجه ويجري قوله تعالى (إلا أن يشاء الله) مجرى قوله تعالى (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا).. وسادسها أن يكون المعنى إلا أن يشاء الله أن يمكنكم من إكراهنا ويخلي بينكم وبينه فنعود الى إظهارها مكرهين ويقوى هذا الوجه قوله تعالى (أو لو كنا كارهين).. وسابعها أن يكون المعنى إلا أن يشاء الله أن يتعبدنا باظهار ملتكم مع الاكراه لان اظهار كلمة الكفر قد تحسن في بعض الأحوال إذا تعبد الله تعالى باظهارها وقوله (أو لو كنا كارهين) يقوي هذا الوجه أيضا.. فان قيل فكيف يجوز من نبي من أنبياء الله أن يتعبد باظهار الكفر وخلاف ما جاء به من الشرع.. قلنا يجوز أن يكون لم يرد بالاستثناء نفسه بل قومه فكأنه قال وما يكون لي ولا لامتي أن نعود فيها إلا أن يشاء الله أن يتعبد أمتي باظهار ملتكم على سبيل الاكراه وهو جائز غير ممتنع [ تأويل خبر ].. روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال خير الصدقة ما أبقت غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول.. الجواب قد قيل في قوله خير الصدقة ما أبقت غنى قولان.. أحدهما ان خير ما تصدقت به ما فضل عن قوت عيالك وكفايتهم فإذا خرجت صدقتك عنك الى من أعطيت خرجت عن استغناء منك ومن عيالك عنها ومثله في الحديث الآخر انما الصدقة عن ظهر غنى.. وقال ابن عباس في قوله تعالى (ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو) قال ما فضل عن أهلك.. والجواب الآخر أن يكون أراد خير الصدقة ما أغنيت به من أعطيت عن المسألة أي تجزل له في العطية فيستغنى بها ويكف عن المسألة وذلك مثل أن يريد الرجل أن يتصدق بمائة درهم فيدفعها الى رجل واحد محتاج فيستغنى بها ويكف عن المسألة فذلك أفضل من أن يدفعها الى مائة رجل لا تبين عليهم.. والتأويل الأول يشهد له آخر الخبر وهو قوله وابدأ بمن تعول ويشهد له الحديث الآخر أيضا انما الصدقة عن ظهر غني.. وقوله اليد العليا خير من اليد السفلى.. قال قوم يريدان اليد المعطية خير من الآخذة وقال آخرون ان العليا هي الآخذة والسفلى هي المعطية.. قال ابن قتيبة ولا أرى


[ 67 ]

هؤلاء إلا قوما استطابوا السؤال فهم يحتجون للدناءة ولو كان هذا يجوز لقيل ان المولى من فوق هو الذي أعتق والمولى من أسفل هو الذي أعتق والناس انما يعلون بالعطايا لا بالسؤال.. [ قال المرتضى ] رضى الله عنه وعندي (1) ان معنى قوله عليه الصلاة والسلام اليد العليا خير من اليد السفلى غير ما ذكر من الوجهين جميعا وهو أن تكون اليد ههنا هي العطية والنعمة لان النعمة قد تسمى يدا في مذهب أهل اللسان بغير شك فكأنه صلى الله عليه وسلم أراد ان العطية الجزيلة خير من العطية القليلة وهذا حث منه صلى الله عليه وسلم على المكارم وتحضيض على اصطناع المعروف بأوجز الكلام وأحسنه مخرجا.. ويشهد لهذا التأويل أحد التأويلين المتقدمين في قوله ما أبقت غنى وهذا أشبه وأولى من أن تحمل على الجارحة لان من ذهب الى ذلك وجعل المعطية خيرا من الآخذه لا يستمر قوله لان فيمن يأخذ من هو خير عند الله تعالى ممن يعطي ولفظة خير لا تحمل إلا على الفضل في الدين واستحقاق الثواب.. وأما من جعل الآخذة خيرا من المعطية فيدخل عليه هذا الطعن أيضا مع انه قد قال قولا شنيعا وعكس الأمر على ما قال ابن قتيبة.. فان قيل كيف يصح تأويلكم مع قوله عليه الصلاة والسلام خير الصدقة ما أبقت غنى وهي لا تبقى غنى إلا بعد أن تنقص من غيرها وإذا كانت العطية التي هي أجزل أفضل فتلك لا تبقى غنى والتي تبقى غني ليست


(1) – قوله وعندي أن معني قوله عليه الصلاة والسلام الخ هذا التأويل بعيد جدا فان قوله في الحديث العليا خير من السفلي لا يدل على أن المراد باليد النعمة ولو كان المراد هذا لوصفها بكونها حقيرة وجليلة أو كبيرة وصغيرة والظاهر أن المراد باليد الجارحة وأما قوله بعد في دفع هذا ان هذا لا يستمر لان فيمن يأخذ من هو خير عند الله ممن يعطى فبعد تسليم صحته لا يسلم على عمومه وليس المراد في الحديث بكون اليد العليا خيرا من السفلى انها كذلك من جميع الوجوه حتى يلزم ما قال وانما المراد أفضليتها من حيث كونها معطية ومفضولية الآخذة من حيث كونها آخذة فلا ينافي هذا أن تكون الآخذة خيرا من المعطية من وجه آخر

[ 68 ]

الجزيلة وهذا تناقض.. قلنا أما تأويلنا فمطابق للوجهين المذكورين في قوله ما أبقت غنى لان من تأول ذلك على أن المراد بها المعطي وان خير العطية ما أغنته عن المسألة فالمطابقة ظاهرة ومن تأوله على الوجه الآخر وحمل ما أبقى الغنى على المعطي وأهله وأقاربه فتأويلنا أيضا مطابق له لانه قد يكون في العطايا التي تبقى بعدها الغنى على الأهل والأقارب جزيل وغير جزيل فقال عليه الصلاة والسلام خير الصدقة ما أبقت غنى بعد إخراجها والعطية الجزيلة التي يبقى بعدها غني خير من القليلة فمدح عليه الصلاة والسلام بعد ابقاء الغنى جزيل العطية وحث على الكرم والفضل.. أخبرنا أبو القاسم عبيدالله بن عثمان بن يحيى قال أخبرنا أبو عبيدالله الحكيمي قال أملى علينا أبو العباس أحمد بن يحي النحوي قال أنشدنا ابن الاعرابي لثابت قطنة العتكي يا هند كيف بنصب بات يبكيني وعائر في سواد العين يؤذيني (1) كأن ليلي والأضداد هاجدة ليل السليم وأعيى من يداويني لما حني الدهر من قوسى وعذرني شيبي وقاسيت أمر الغلظ واللين إذا ذكرت أبا غسان أرقني هم إذا عرس السارون يشجيني كان المفضل عزا في ذوى يمن وعصمة وثمالا للمساكين غيثا لذى أزمة غبراء شاتية من السنين ومأوى كل مسكين إني تذكرت قتلى لو شهدتهم في حومة الحرب لم يصلوا بها دوني لا خير في العيش إذ لم يجن بعدهم حربا تنئ بهم قتلي فتشفيني


(1) – النصب – الهم والتعب وانما سكنه لضرورة الشعر – والعائر كل ما أعل العين من رمد أو قذي

[ 69 ]

لاخير في طمع يدني إلي طبع وعفة من قوام العيش تكفيني (1) وأنظر الأمر يعنينى الجواب به ولست أنظر فيما ليس يعنيني لا أركب الامر تزرى بي عواقبه ولا يعاب به عرضي ولا ديني لا يغلب الجهل حلمي بعد مقدرة ولا العضيهة من ذى الضغن تكبينى كم من عدو رماني لو قصدت له لم يأخذ النصف مني حين يرميني.. [ قال المرتضى ] أدام الله علوه وهذه الأبيات يروي بعضها لعروة بن أذينة ويداخل أبياتا له على هذا الوزن وهى التي يقول فيها لقد علمت وما الإشراف من خلقي إن الذي هو رزقي سوف يأتيني أسعى إليه فيعنينى تطلبه ولو قعدت أتاني لا يعنينى (2) كم قد أفدت وكم أتلفت من نشب ومن معاريض رزق غير ممنون (هامش) * (1) – الطبع – الذل وفي الحديث أعوذ بالله من طمع يفضي الى طبع – والعفة – بالضم بقية اللبن في الضرع بعدما امتص أكثره.. يقول ان القليل يغني عن الكثير فلا خير في طمع يفضي الى ذل (2) يقول ان الرزق مقسوم لن يفوت الانسان منه ما قسم له – ويحكى أن عروة هذا وفد على عبد الملك بن مروان مسترفدا فلما دخل عليه قال له من أنت فتسمي له فقال عبد الملك ألست القائل (لقد علمت وما الاشراف من خلقي) الابيات فأطرق مليا ثم خرج من فوره ذلك فركب ناقته وخرج الى الحجاز ثم ان عبد الملك سال عنه فقيل انه سافر فندم على ما كان منه وقال انه شاعر ولسانا من أن ينالنا من لسانه شئ فأرسل إليه بصلة جزيلة فوافاه الرسول بها حين وافى منزله بالمدينة فقال للرسول قل لامير المؤمنين كيف رأيت صدقه في قوله


[ 70 ]

فما أشرت علي يسر وما ضرعت نفسي لخلة عسر جاء يبلوني (1) خيمي كريم ونفسي لا تحدثني أن الإله بلا رزق يخليني وما اشتريت بمالي قط مكرمة إلا تيقنت أنى غير مغبون ولا دعيت إلى مجد ومحمدة إلا أجبت إليه من يناديني لا أبتغى وصل من يبغي مفارقتي ولا ألين لمن لا يبتغي لينى إني سيعرفني من لست أعرفه ولو كرهت وأبدو حين يخفينى فغطنى جاهدا واجهد علي إذا لاقيت قومك فانظر هل تغطيني (2) وقوم يخطبون فيروون قوله – لقد علمت وما الاشراف من خلقي – بالسين غير المعجمة وذلك خطأ وانما أراد بالاشراف أنى لا أستشرف وأتطلع على ما فاتني من أمور الدنيا ومكاسبها ولا تتبعها نفسي.. [ قال المرتضي ] رضى الله عنه ولي أبيات في معنى بعض أبيات لطنة وعروة بن اذينة التي تقدمت وهى من جملة قصيدة طويلة خرجت عنى منذ اثنتى عشرة سنة والأبيات تعاقبني بؤس الزمان وخفضه وأدبني حرب الزمان وسلمه وقد علم المغرور بالدهر أنه وراء سرور المرء في الدهر غمه


(1) – أشرت – من الاشر وهو البطر – وضرعت – من الضراعة وهي الذل (2) وذكر الأصفهاني في الأغاني لعروة زيادة عما ذكره السيد رحمه الله في هذه الأبيات وهى كم من فقير غنى النفس تعرفه وكم غنى فقير النفس مسكين وكم أخ لي طوي كشحا فقلت له ان الطواءك عني سوف يطويني اني لأبصر فيما كان من أربى وأكثر الصمت فيما ليس يعنينى

[ 71 ]

وما المرء إلا نهب يوم وليلة تخب به شهب الفناء ودهمه يعلله برد الحياة يمسه ويغتره روح النسيم يشمه وكان بعيدا عن منازعة الردى فألقته في كف المنية أمه ألا إن خير الزاد ماسد فاقة وخير تلادى الذي لا أجمه (1) وإن الطوي بالعز أحسن بالفتى إذا كان من كسب المذلة طعمه وإني لأنهى النفس عن كل لذة إذا ما ارتقي منها الى العرض وصمه وأعرض عن نيل الثريا إذا بدا وفي نيله سوء المقال وذمه أعف وما الفحشاء عنى بعيدة وحسبي في صد عن الأمر إثمه وما العف من ولى عن الضرب سيفه ولكن من ولى عن السوء حزمه ولي في معنى قوله وما الاشراف من خلقي ما خامر الرزق قلبي قبل فجأته ولا بسطت له في النائبات يدى كم قد ترادف لم أحفل زيادته ولو تجاوزني ما فت من عضدي إن أسخط الأمر أدرك عنه مضطربا وإن أرد بدلا من مذهب أجد ومعنى ما خامر الرزق قلبي – أي لم أتمنه ولا تطلعت الى حضوره ولا خطر لي ببال


(1) – الفاقة – الحاجة – والتليدان – التالد من المال وهو ما ورثه الانسان من آبائه والطارف وهو ما اكتسبه واستحدثه بسعيه غلب أحدهما على الاخر فثناهما به يقول خير المال ماسد الفاقة وما زاد على ذلك فهو فضل وزيادة وهذا كقولهم خير الزاد ما بلغك المحل وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق وقوله وخير تلادي يريد به ان خير مال الانسان ما أنفق منه وأعطي لا ما ادخر وجمع

[ 72 ]

تنزها وتقنعا والوجه في تخصيص نفى بسط اليد بالنوائب لانها يضرع عندها في الأكثر المتنزه ويطلب المتعفف فمن لزم النزاهة مع الحاجة وشدة الضرورة فهو الكامل المروة ومعنى البيت الثاني ظاهر.. فأما الثالث فالمراد به إنني ممن إذا كره شيئا تمكن من مفارقته والنزوع عنه ولست ممن تضيق حيلته وتقصر قدرته عن استدراك ما يحب بما يكره.. وفيه فائدة أخرى وهي أنني ممن لا تملكه العادات وتقتاده الأهواء بل متى أردت مفارقة خلق الى غيره وعادة الى سواها لم يكن ذلك على متعذرا من حيث كان لرأيي على هواي السلطان والرجحان.. أخبرنا أبو عبيدالله المرزباني قال حدثني محمد بن ابراهيم قال حدثنا أحمد بن يحيى النحوي قال أخبرنا الزبير بن بكار قال حدثنى عروة بن عبيد الله بن عروة بن الزبير قال كان عروة ابن اذينة نازلا مع أبي في قصر عروة بالعقيق فسمعته ينشد لنفسه إن التى زعمت فؤادك ملها خلقت هواك كما خلقت هوى لها فيك الذي زعمت بها فكلاكما أبدى لصاحبه الصبابة كلها ولعمرها لو كان حبك فوقها يوما وقد ضحيت إذا لأظلها (1) وإذا وجدت لها وساوس ساوة شفع الضمير الى الفؤاد فسلها بيضاء باكرها النعيم فصاغها بلباقة فأدقها وأجلها (2)


(1) هكذا هو هنا وقد نسب هذه الابيات بعض أهل الادب الى المجنون وأنشد البيت هكذا اني لاكتم في الحشا من حبها وجدا لو أصبح فوقها لاظلها وأنشد بعده وببيت نحت جوانحي حب لها لو كان تحت فراشها لاقلها (2) – اللبقة – الحسنة الدل – وادقها – أي أدق خصرها – وأجلها – أي أجل عجيزتها أي جعلها عظيمة فالكلام على التوزيع وارجاع كل شئ الى ما يناسبه

[ 73 ]

لما عرضت مسلما لي حاجة أخشى صعوبتها وأرجو ذلها منعت تحيتها فقلت لصاحبي ما كان أكثرها لنا وأقلها فدنا فقال لعلها معذورة في بعض رقبتنا فقلت لعلها.. قال عروة بن عبيدالله فجاءني أبو السائب المخزومي يوما فسلم على وجلس الى فقلت له بعد الرحب به ألك حاجة يا أبا السائب فقال أو كما تكون الحاجة أبيات لعروة ابن اذينة بلغني أنك سمعتها منه قلت أي أبيات قال وهل يخفى القمر * ان التي زعمت فؤادك ملها * فأنشدته فقال ما يروى هذا إلا أهل المعرفة والفضل هذا والله الصادق الود الدائم العهد لا الهذلي الذي يقول إن كان أهلك يمنعونك رغبة عني فأهلي بي اضن وأرغب لقد عدا الأعرابي طوره وإنى لارجو أن يغفر الله لابن اذينة في حسن الظن بها وطلب العذر لها فدعوت له بطعام فقال لا والله حتى أروى هذه الأبيات فلما رواها وثب فقلت له كما أنت يغفر الله لك حتى تأكل فقال والله ما كنت لأخلط بمحبتي لها وأخذي إياها غيرها وانصرف.. [ قال المرتضى ] رضى الله عنه والهذلى الذي عابه وأنشد له هذا البيت هو عبد الله بن مسلم بن جندل الهذلى.. وقول عروة – باكرها النعيم – أراد انها لم تعش إلا في النعيم ولم تعرف الا الخفض وانها لم تلاق بؤسا فتخشع وتضرع ويؤثر ذلك في جمالها وتمامها والبكور هو التقديم في كل وقت.. وكان عروة بن اذينة مع تغزله يوصف بالعفاف والنزاهة.. وروى أن سكينة بنت الحسين عليهما السلام مرت به فقالت يا أبا عامر أنت الذي تقول إذا وجدت اوار الحب في كبدي أقبلت نحو سقاء القوم أتبرد هبني بردت ببرد الماء ظاهره فمن لنار علي الأحشاء تتقد.. وأنت القائل قالت وابثثتها وجدي فبحت به قد كنت عندي تحب الستر فاستتر (10 – أمالى ني)


[ 74 ]

ألست تبصر من حولي فقلت لها غطى هواك وما ألقى علي بصرى قال نعم قالت هن حرائر وأشارت الى جواريها ان كان هذا خرج من قلب سليم.. وأنشد أبو الحسن أحمد بن يحيى لعروة كأن خزامى طلة صابها الندى وفارة مسك ضمنتها ثيابها إذا اقتربت سعدى لهجت بحبها وإن تغترب يوما يرعك اغترابها وكدت لذكراها أطير صبابة وغالبت نفسا زاد شوقا غلابها ففي أي هذا راحة لك عندها سواء لعمري نأيها واقترابها وعاد الهوى منها كظل سحابة ألاحت ببرق ثم مر سحابها [ قال المرتضي ] رضى الله عنه وهيهات هذا البيت الأخير من قول كثير وإني وتهيامي بعزة بعدما تخليت مما بيننا وتخلت لكالمرتجي ظل الغمامة كلما تبوأ منها للمقيل اضمحلت كأنى وإياها سحائب ممحل رجاها فلما جاوزته استهلت.. وروى يحيى بن على قال حدثنا أبو هفان قال أشعر أبيات قيلت في الحسدة والدعاء لهم بالكثرة أربعة.. فأولها قول الكميت بن زيد إن يحسدوني فإني لا ألومهم قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا فدام لى ولهم مابي وما بهم ومات أكثرنا غيظا بما يجد أنا الذي يجدوني في حلوقهم لا أرتقي صدرا عنها ولا أرد لا ينقص الله حسادي فإنهم أسر عندي من اللائي له الودد.. وقال عروة بن اذينة لا يبعد الله حسادي وزادهم حتى يموتوا بداء في مكنون


[ 75 ]

إني رأيتهم في كل منزلة أجل قدرا من اللائي يحبوني.. وقال نصر بن سيار إن يحسدوني علي ما بي وما بهم فمثل ما بي لعمري جر لي الحسدا.. وقال معن بن زائدة إني حسدت فزاد الله في حسدي لا عاش من عاش يوما غير محسود ما يحسد المرء إلا من فضائله بالعلم والظرف أو بالبأس والجود [ قال المرتضي ] رضى الله عنه وقد لحظ البحتري هذا المعني في قوله محسد بخلال فيه فاضلة وليس يفترق النعماء والحسد وأظن أبا العتاهية أخذ قوله كم عائب لك لم أسمع مقالته ولم يزدك لدينا غير تزيين كأن عائبكم يبدى محاسنكم وصفا فيمد حكم عندي ويغريني ما فوق حبك حبا لست اعلمه فلا يضرك أن لا تستزيدينى من قول عروة بن اذينة لا بعد سعدى مريحى من جوى سقم يوما ولا قربها إن حم يشفينى إذا الوشاة لحوا فيها عصيتهم وخلت أن بسعدى اليوم يغريني وقد أخذ أبو نواس هذا المعنى في قوله ما حطك الواشون من رتبة عندي ولا ضرك مغتاب كأنهم اثنوا ولم يعلموا عليك عندي بالذي عابوا ولعروة بن أذينة تروعنا الجنائز مقبلات ونسهو حين تخفى ذاهبات


[ 76 ]

كروعة الألمغار ذئب فلما غاب عادت راتعات – الثلة – القطعة من الضأن.. وهذا المعنى قد سبق إليه بعض الاعراب فقال ونحدث روعات لدى كل فزعة ونسرع نسيانا وما جاءنا أمن وإنا ولا كفران لله ربنا لكالبدن لا تدرى متي يومها البدن أخذه أبو العتاهية في قوله إذا ما رأيتم ميتين فزعتم وإن غيبوا ملتم إلي صبواتها وأخذ عروة بن أذينة قوله إن الفتى مثل الهلال له نور ليال ثم يمتحق يبلي وتفنيه الدهور كما يبلى وينضى الجدة الخلق من قول بعض شعراء طيئ مهما يكن ريب الزمان فإنني أرى قمر الليل المعذب كالفتى يهل صغيرا ثم يعظم ضوءه وصورته حتى إذا ما هوى استوى تقارب يخبو ضوءه وشعاعه ويمصح حتى يستسر فلا يرى كذلك زيد المرء عند انتقاصه يعود إلى مثل الذي كان قد بدى أخذه محمد بن يزيد الكاتب فقال المرء مثل هلال عند مطلعه يبدو ضئيلا ضعيفا تم يتسق يزداد حتى إذا ما تم أعقبه كر الجديدين نقصانا فيمتحق (مجلس آخر 32) [ تأويل آية ].. إن سأل سائل عن قوله تعالى (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك


[ 77 ]

سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا باذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق ولبئسما ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون).. فقال كيف ينزل الله تعالى السحر على الملائكة أم كيف تعلم الملائكة الناس السحر والتفريق بين المرء وزوجه وكيف نسب الضرر الواقع عند ذلك الى انه باذنه وهو تعالى قد نهى عنه وحذر من فعله وكيف أثبت العلم لهم ونفاه عنهم بقوله (ولقد علموا لمن اشتراه) ثم قوله (لو كانوا يعلمون).. الجواب قلنا في الآية وجوه كل منها يزيل الشبهة الداخلة على من لا ينعم النظر فيها.. أولها أن يكون ما في قوله (وما أنزل على الملكين) بمعنى الذى فكأنه تعالى اخبر عن طائفة من أهل الكتاب بانهم اتبعوا ما تكذب به الشياطين على ملك سليمان وتضيفه إليه من السحر فبرأه الله تعالى من قذفهم وأكذبهم في قولهم فقال وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا باستعمال السحر والتمويه على الناس ثم قال يعلمون الناس السحر وما أنزل عل الملكين وأراد انهم يعلمونهم السحر والذي أنزل على الملكين وما أنزل على الملكين وصف السحر وما هيته وكيفية الاحتيال فيه ليعرفا ذلك ويعرفاه للناس فيجتنبوه ويحذروا منه كما انه تعالى قد أعلمنا ضروب المعاصي ووصف لنا أعمال القبائح لنجتنها لا لنوا قعها لأن الشياطين كانوا إذا علموا ذلك وعرفوه استعملوه واقدموا على فعله وان كان غيرهم من المؤمنين لما عرفه اجتنبه وحاذره وانتفع باطلاعه على كيفيته ثم قال وما يعلمان من أحد حتى يقولا انما نحن فتنة يعنى الملكين ومعنى يعلمان يعلمان والعرب تستعمل لفظة علمه بمعني أعلمه.. قال القطامي تعلم أن بعد الغي رشدا وأن لشابك الغير انقشاعا.. وقال كعب بن زهير تعلم رسول الله أنك مدركي وأن وعيدا منك كالأخذ باليد


[ 78 ]

ومعني تعلم في البيتين معنى اعلم والذي يدل ان المراد ههنا الاعلام لا التعليم قوله وما يعلمان من أحد حتى يقولا انما نحن فتنة فلا تكفر أي انهما لا يعرفانه صفات السحر وكيفيته إلا بعد أن يقولا انما نحن محنة لان الفتنة بمعنى المحنة وانما كان محنة بحيث ألقيا الى المكلفين أمرا لينزجروا عنه وليمتنعوا من مواقعته وهم إذا عرفوه أمكن أن يستعملوه ويرتكبوه فقالا لمن يطلعانه على ذلك لا تكفر باستعماله ولا تعدل عن الغرض في إلقاء هذا اليك فانه انما ألقى اليك واطلعت عليه لتجتنبه لا لتفعله ثم قال فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه أي فيعرفون من جهتهما ما يستعملونه في هذا الباب وان كان الملكان ما ألقياه إليهم لذلك ولهذا قال ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم لانهم لما قصدوا بتعلمه أن يفعلوه ويرتكبوه لا أن يجتنبوه صار ذلك لسوء اختيارهم ضررا عليهم.. وثانيها أن يكون ما أنزل موضعه موضع جر فيكون معطوفا بالواو على ملك سليمان والمعنى واتبعوا ما كذب به الشياطين على ملك سليمان وعلى ما أنزل على الملكين ومعنى ما أنزل على الملكين أي معهما وعلى ألسنتهما كما قال تعالى (ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك) أي على ألسنتهم ومعهم وليس بمنكر أن يكون ما أنزل معطوفا علي ملك سليمان وان اعترض بينهما من الكلام ما اعترض لأن رد الشئ الى نظيره وعطفه على ما هو أولى هو الواجب وان اعترض بينهما ما ليس منهما ولهذا نظائر من القرآن وكلام العرب كثيرة قال الله تعالى (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما) وقيم من صفات الكتاب حال منه لا من صفة عوج وان تباعد ما بينهما ومثله (يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام) فالحرام ههنا معطوف علي الشهر أي يسئلونك عن الشهر الحرام وعن المسجد الحرام.. وحكي عن بعض علماء أهل اللغة انه قال العرب تلف الحرفين المختلفين ثم ترمي بتفسيرهما جملة ثقة بان السامع يرد الى كل خبره كقوله تعالى (ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله) وهذا واضح في مذهب العرب كثير التطابق ثم قال (وما يعلمان من أحد حتى يقولا انما نحن فتنة) والمعنى انهما لا يعلمان أحدا بل ينهيان عنه ويبلغ من نهيهما وصدهما عن فعله واستعماله


[ 79 ]

أن يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر باستعمال السحر والاقدام على فعله وهذا كما يقول الرجل ما أمرت فلانا بكذا ولقد بالغت في نهيه حتى قلت له انك ان فعلته أصابك كذا وكذا وهذا هو نهاية البلاغة في الكلام والاختصار الدال مع اللفظ القليل على المعاني الكثيرة لانه استغنى بقوله (وما يعلمان من أحد حتى يقولا انما نحن فتنة) عن بسط الكلام الذي ذكرناه ولذلك نظائر في القرآن قال الله تعالى (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض) فلولا الاختصار لكان شرح الكلام بقوله ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله ولو كان معه إله إذا لذهب كل إله بما خلق ومثله قوله تعالى (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب) أي فيقال للذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم وأمثاله أكثر من أن تورد.. ثم قال تعالى (فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه) وليس يجوز أن يرجع الضمير في هذا الجواب الى الملكين وكيف يرجع اليهما وقد نفى عنها التعليم بل يرجع الي الكفر والسحر وقد تقدم ذكر السحر وتقدم أيضا ذكر ما يدل على الكفر ويقتضيه في قوله ولكن الشياطين كفروا فدل كفروا على الكفر والعطف عليه مع السحر جائز وان كان التصريح قد وقع بذكر السحر دونه ومثل ذلك قوله تعالى (سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى) أي يتجنب الذكرى الأشقى ولم يتقدم تصريح بالذكرى لكن دل عليها قوله سيذكر.. ويجوز أيضا أن يكون المعنى فيتعلمون منهما أي بدلا مما علمهم الملكان ويكون المعنى انهم يعدلون عما علمهم ووقفهم عليه الملكان من النهي عن السحر الى تعلمه واستعماله كما يقول القائل ليت لنا من كذا كذا وكذا أي بدلا منه.. وكما قال الشاعر جمعت من الخيرات وطبا وعلبة وصر الأخلاف المزهمة البزل (1)


(1) – الصر – شد خلف الناقة بالخيط لئلا تحلب والناقة صرورة – والاخلاف – جمع خلف وهو للناقة كالثدي للمرأة – والمزهمة – السمان الكثيرة الشحم ومثله الزهم.. قال زهير القائد الخيل منكوبا دوابرها منها الشنون ومنها الزاهق الزهم – والبزل – جمع بازل وهو البعير إذا انشق نابه وذلك إنما يكون في السنة التاسعة

[ 80 ]

ومن كل أخلاق الكرام نميمة وسعيا على الجار المجاور بالمحل يريد جمعت مكان الخيرات ومكان أخلاق الكرام هذه الخصال الذميمة.. وقوله ما يفرقون به بين المرء وزوجه فيه وجهان.. أحدهما أن يكونوا يغوون أحد الزوجين ويحملونه على الكفر والشرك بالله تعالى فيكون بذلك قد فارق زوجه الآخر المؤمن المقيم على دينه فيفارق بينهما اختلاف النحلة والملة.. والوجه الآخر أن يسعون بين الزوجين بالنميمة والوشاية والاغراء والتمويه بالباطل حتى يؤول أمرهما الى الفرقة والمباينة.. وثالث الوجوه أن تحمل ما في قوله وما أنزل على الجحد والنفى فكأنه تعالى قال واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولا أنزل الله السحر على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت ويكون قوله ببابل هاروت وماروت من المؤخر الذي معناه التقديم ويكون على هذا التأويل هاروت وماروت رجلين من جملة الناس هذان أسماؤهما وانما ذكرا بعد ذكر الناس تمييزا وتبيينا ويكون الملكان المذكور ان اللذان نفى عنهما السحر جبرائيل وميكائيل عليهما السلام الى سليمان بن داود عليه السلام فأكذبهما الله تعالى بذلك ويجوز أن يكون هاروت وماروت يرجعان الى الشياطين كأنه قال ولكن الشياطين هاروت وماروت كفروا ويسوغ ذلك كما ساغ في قوله تعالى (وكنا لحكمهم شاهدين) يعنى حكم داود وسليمان ويكون قوله على هذا التأويل وما يعلمان من أحد حتى يقولا انما نحن فتنة راجعا الى هاروت وماروت اللذين هما من الشياطين أو من الانس المتعلمين للسحر من الشياطين والعاملين به ومعنى قولهما انما نحن فتنة فلا تكفر يكون على طريق الاستهزاء والنماجن والتخالع كما يقول الماجن من الناس إذا فعل قبيحا أو قال باطلا هذا فعل من لا يفلح وقول من لاينجب والله لا حصلت إلا على الخسران وليس ذلك منه على سبيل النصح للناس وتحذيرهم من مثل فعله بل على جهة المجون والتهالك ويجوز أيضا على هذا التأويل الذى يتضمن النفي والجحد أن يكون هاروت وماروت اسمين لملكين ونفى عنهما انزال السحر بقوله وما أنزل على الملكين ويكون قوله وما يعلمان من أحد يرجع


[ 81 ]

الى قبيلتين من الجن أو الى شياطين الجن والانس فتحسن التثنية لهذا.. وقد روى هذا التأويل الأخير في حمل ما على النفى عن ابن عباس وغيره من المفسرين.. وروى عنه أيضا انه كان يقرأ وما أنزل على الملكين بكسر اللام ويقول متى كان العلجان ملكين بل كانا ملكين.. وعلى هذه القراءة في الآية وجه آخر وان لم يحمل قوله وما أنزل على الملكين على الجحد والنفى وهو أن يكون هؤلاء الذين أخبر عنهم اتبعوا ما تتلو الشياطين وتدعيه على ملك سليمان واتبعوا ما أنزل على هذين الملكين من السحر ولا يكون الانزال مضافا الى الله تعالى وان أطلق لأنه جل وعز لا ينزل السحر بل يكون منزله اليهما بعض الضلال العصاة ويكون معنى أنزل وان كان من الأرض حمل اليهما لا من السماء انه أتي به من نجود البلاد وأعاليها فان من هبط من نجد البلاد الى غورها يقال نزل وهبط وما جرى هذا المجرى.. فأما قوله تعالى (وما هم بضارين به من أحد إلا باذن الله) فيحتمل وجوها.. منها أن يريد بالاذن العلم من قولهم أذنت فلانا بكذا إذا أعلمته وأذنت لكذا إذا سمعته وعلمته.. قال الشاعر في سماع يأذن الشيخ له وحديث مثل ماذي مشار (1).. ومنها أن تكون إلا زائدة فيكون المعنى وما هم بضارين به من أحد باذن الله ويجرى مجرى قول أحدنا لقيت زيدا إلا أني أكرمته أي لقيت زيدا فأكرمته.. ومنها أن يكون أراد بالاذن التخلية وترك المنع فكأنه أفاد بذلك ان العباد لن يعجزوه وماهم بضارين أحدا إلا بأن يخلي الله تعالى بينهم وبينه ولو شاء لمنعهم بالقهر والقسر زائدا على منعهم بالزجر والنهي.. ومنها أن يكون الضرر الذى عنى انه لا يكون إلا باذنه وأضافه إليه هو ما يلحق المسحور من الأدوية والأغذية التي تطعمه إياها السحرة ويدعون أنها موجبة لما يقصدونه فيه من الأمور ومعلوم ان الضرر الحاصل عن ذلك من فعل


(1) – الماذي – العسل الأبيض – ومشار – مجني.. يقول ان غناءها لطيبه وحسنه يستمع الشيخ الهرم له ويصغى إليه وحديثها لطلاوته ورقته كأنه العسل الجيد والاصمعي يروى هذا البيت مثل ماذى مشار بالاضافة وفتح الميم قال والمشار الخلية(11 – أمالى ني)

[ 82 ]

الله تعالى بالعادة لأن الأغذية لا توجب ضررا ولا نفعا وان كان المعرض للضرر من حيث كان الفاعل له هو المستحق للذم وعليه يجب العوض.. ومنها أن يكون الضرر المذكور انما هو يحصل عن التفريق بين الأزواج لانه أقرب إليه في ترتيب الكلام والمعنى انهم إذا أغووا أحد الزوجين فكفر فبانت منه زوجته فاستضر بذلك كانوا ضارين له بما حسنوه له من الكفر لان الفرقة لم تكن إلا باذن الله وحكمه لانه تعالى هو الذي حكم وأمر بالتفريق بين المختلفى الأديان فلهذا قال وماهم بضارين به من أحد إلا باذن الله والمعنى انه لولا حكم الله وإذنه في الفرقة بين هذين الزوجين باختلاف الملة لم يكونوا ضارين له هذا الضرب من الضرر الحاصل عند الفرقة ويقوى هذا الوجه ما روي انه كان من دين سليمان عليه السلام انه من سحر بانت امرأته.. فأما قوله تعالى (ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق) ثم قوله (لو كانوا يعلمون) ففيه وجوه.. أولها أن يكون الذين علموا غير الذين لم يعلموا ويكون الذين علموا الشياطين أو الذين خبر عنهم بانهم نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان والذين لم يعلموا هم الذين تعلموا السحر وشروا به أنفسهم.. وثانيها أن يكون الذين علموا هم الذين لم يعلموا إلا انهم علموا شيئا ولم يعلموا غيره فكأنه تعالى وصفهم بانهم عالمون بانه لا نصيب لمن اشترى ذلك ورضيه لنفسه على الجملة ولم يعلمه كنه ما يصير إليه من عقاب الله الذي لا نفاد له ولا انقطاع.. وثالثها أن تكون الفائدة في نفى العلم بعد اثباته انهم لم يعملوا بما علموا فكأنهم لم يعلموا وهذا كما يقول أحدنا لغيره ما أدعوك إليه خير لك وأعود عليك ولو كنت تعقل وتنظر في العواقب وهو يعقل وينظر في العواقب إلا انه لا يعمل بموجب علمه فحسن أن يقال له مثل هذا القول.. قال كعب بن زهير يصف ذئبا وغرابا تبعاه ليصيبا من زاده إذا حضراني قلت لو تعلمانه ألم تعلما أني من الزاد مرمل فنفى عنهما العلم ثم أثبته بقوله ألم تعلما وانما المعنى في نفيه العلم عنهما انهما لم يعملا بما علماه


[ 83 ]

فكأنهما لم يعلماه.. ورابعها أن يكون المعنى ان هؤلاء القوم الذين قد علموا ان الآخرة لا حظ لهم فيها مع عملهم القبيح إلا انهم ارتكبوه طمعا في حطام الدنيا وزخرفها فقال تعالى (ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون) ان الذي آثروه وجعلوه عوضا من الآخرة لا يتم لهم ولا يبقى عليهم وانه منقطع زائل ومضمحل باطل وانما الملك الى المستحق في الآخرة وكل ذلك واضح بحمد الله والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم [ تأويل خبر ].. روى عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال لو كان القرآن في إهاب ما مسته النار.. وقد ذكر متأولوا حديث النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الخبر وجوها كثيرة كلها غير صحيح ولا شاف وأنا أذكر ما اعتمدوه وأبين ما فيه ثم أذكر الوجه الصحيح.. قال ابن قتيبة ذهب الأصمعي الى أن من تعلم القرآن من المسلمين لو ألقى في النار لم تحرقه وكنى بالاهاب وهو الجلد عن الشخص والجسم واحتج على تأويله هذا الحديث عن سليمان بن محمد قال سمعت أبا امامة يقول اقرؤا القرآن ولا تغرنكم هذه المصاحف المعلقة فان الله لا يعذب قلبا وعى القرآن.. قال ابن قتيبة وفي الحديث تأويل آخر وهو ان القرآن لو كتب في جلد ثم ألقى في النار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تحرقه النار على جه الدلالة على صحة أمر النبي صلى الله عليه وسلم ثم انقطع ذلك بعده قال وجرى هذا مجرى كلام الذئب وشكاية البعير وغير ذلك من آياته صلى الله عليه وسلم.. قال وفيه تأويل ثالث وهو أن يكون الاحراق انما نفى عن القرآن لا عن الاهاب ويكون معنى الحديث لو جعل القرآن في إهاب ثم ألقى في النار ما احترق القرآن فكأن النار تحرق الجلد والمداد ولا تحرق القرآن لأن الله ينسخه ويرفعه من الجلد صيانة له عن الاحراق.. وقال أبو بكر محمد بن القاسم الانباري رادا على ابن قتيبة معترضا عليه اعتبرت ما قاله ابن قتيبة من ذلك كله فما وجدت فيه شيئا صحيحا.. أما قوله الأول فيرده ما روي عنه عليه الصلاة والسلام من قوله يخرج من النار قوم بعد ما يحرقون فيها فيقال هؤلاء الجهنميون طلقاء الله عزوجل.. قال وقد روى أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا دخل أهل الجنة


[ 84 ]

الجنة وأهل النار النار قال الله عزوجل انظروا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجوه منها.. قال أبو بكر وكيف يصح قول ابن قتيبة في زعمه ان النار لا تحرق من قرأ القرآن ولا خلاف بين المسلمين ان الخوارج وغيرهم ممن يلحد في دين الله ويقرأ القرآن أن تحرقهم النار بغير شك واحتجاجه بخبر أبي امامة ان الله لا يعذب قلبا وعى القرآن معناه قرأ القرآن وعمل به فأما من حفظ ألفاظه وضيع حدوده فانه غير واع له.. قال أما قوله انه من دلائل النبوة التي انقطعت بعده فما روى هذا الحديث أحد انه كان في دلائله عليه الصلاة والسلام ولو أراد ذلك دليلا لكان صلى الله عليه وسلم يجعل القرآن في إهاب ثم يلقيه في النار فلا يحترق.. قال وقول ابن قتيبة الثالث لاحترق الجلد والمداد ولم يحترق القرآن غير صحيح لان الذي يصحح هذا القول يوجب أن القرآن غير المكتوب وهذا محال لان المكتوب في المصحف هو القرآن والدليل على هذا قوله تعالى (إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون) ومنه الحديث لا تسافروا بالقرآن الى أرض العدو وانما يريد المصحف.. قال أبو بكر والقول عندنا في تأويل هذا الحديث انه أراد لو كان القرآن في جلد ثم ألقى في النار ما أبطلته لانها وان أحرقته فانها لا تدرسه إذ كان الله قد ضمنه قلوب الأخيار من عباده والدليل على هذا قول الله عزوجل للنبي صلى الله عليه وسلم فيما روى إنى منزل عليك كتابا لا يغسله الماء تقرأه نائما ويقظان فلم يرد تعالى ان القرآن لو كتب في شئ ثم غسل بالماء لم ينغسل وانما أراد ان الماء لا يبطله ولا يدرسه إذ كانت القلوب تعيه وتحفظه.. قال ومثل هذا كثير في كتاب الله وفي لغة العرب قال الله تعالى (يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا) فهم قد كتموا الله تعالى لما قالوا والله ربنا ما كنا مشركين وانما أراد تعالى ولا يكتمون الله حديثا في حقيقة الأمر لانهم وان كتموه في الظاهر فالذي كتموه غير مستتر عنه.. [ قال المرتضي ] رضى الله عنه والوجه الصحيح في تأويل الخبر غير ما توهمه ابن قتيبة وابن الانباري جميعا وهو ان هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم على طريق المثل والمبالغة في تعظيم شأن القرآن والاخبار عن جلالة قدره وعظم


[ 85 ]

خطره والمعنى انه لو كتب في إهاب وألقى في النار وكانت النار مما لا تحرق شيئا لعلو شأنه وجلالة قدره لم تحرقه النار.. ولهذا نظائر في القرآن وكلام العرب وأمثالهم كثيرة ظاهرة على من له أدنى أنس بمذاهبهم وتصرف كلامهم فمن ذلك قوله تعالى (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون) ومعنى الكلام إنا لو أنزلنا القرآن على جبل وكان الجبل مما يتصدع إشفاقا من شئ أو خشية لأمر لتصدع مع صلابته وقوته فكيف بكم معاشر المكلفين مع ضعفكم وقلتكم فأنتم أولى بالخشية والاشفاق وقد صرح الله تعالى بان الكلام خرج مخرج المثل بقوله تعالى (وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون) ومثله قوله تعالى (تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا).. ومثله قول الشاعر أما وجلال الله لو تذكرينني كذكراك ما نهنهت للعين مدمعا فقالت بلى والله ذكرا لو انه تضمنه صم الصفا لتصدعا.. ومثله فلو أن ما بى بالحصى فلق الحصى وبالريح لم يسمع لهن هبوب.. ومثله وقفت علي ربع لمية ناقتي فما زلت أبكي عنده وأخاطبه وأسقيه حتى كاد مما أبثه تكلمني أحجاره وملاعبه وهذه طريقة للعرب مشهورة في المبالغة يقولون هذا كلام يفلق الصخر ويهد الجبال ويصرع الطير ويستنزل الوعول وليس ذلك بكذب منهم بل المعنى انه لحسنه وحلاوته وبلاغته يفعل مثل هذه الأمور لو تأتت ولو كانت مما يسهل ويتيسر لشئ من الأشياء لتسهلت به من أجله.. فأما الجواب الأول المحكى عن ابن قتيبة فالذي يفسده زائدا على ما رده ابن الانباري انه لو كان الأمر على ما ذكره ابن قتيبة وحكاه عن الأصمعي


[ 86 ]

لكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أغرانا بالذنوب لانه إذا أمن حافظ القرآن ومتعلمه من النار والعذاب فيها ركن المكلفون الى تعلم القرآن والاقدام على القبائح آمنين غير خائفين وهذا لا يجوز عليه صلى الله عليه وسلم والمعني في قول أبي امامة ان الله عزوجل لا يعذب قلبا وعى القرآن على نحو ما ذكره ابن الانباري.. فأما جواب ابن قتيبة الثاني فمن أين له ان ذلك مختص بزمانه صلى الله عليه وسلم وليس في اللفظ ولا غيره دلالة عليه وأقوى ما يبطله انه لو كان كما ذكر لما جاز أن يخفى على جماعة المسلمين الذين رووا جميع معجزاته وضبطوها وفي وجداننا من روى ذلك وجمعه وعنى به غير عارف بهذه الدلالة آية إبطال ما توهمه.. فأما جوابه الثالث فباطل لأن القرآن في الحقيقة ليس يحل الجلد ولا يكون فيه حتى ينسب الاحتراق الى الجلد دونه وإذا كان الأمر على هذا لم يكن في قوله ان الاهاب هو المحترق دون القرآن فائدة لأن هذه سبيل كل كلام كتب في اهاب أو غيره إذا احترق الاهاب لم يضف الاحتراق الى الكلام لاستحالة هذه الصفة عليه.. ومن أعجب الامور قول ابن الانباري وهذا يوجب أن القرآن غير المكتوب لان كلام ابن قتيبة ليس يوجب ما ظنه بل يوجب ضده من ان لفظ المكتوب هو القرآن ولهذا علق الاحتراق بالكتابة والجلد دون المكتوب الذي هو القرآن فإذا كان المكتوب في المصحف هو القرآن على ما اقترح ابن الانباري فما المانع من قول ابن قتيبة ان الجلد يحترق دونه لان أحدا لا يقول ان الجلد هو القرآن وانما يقول قوم انه مكتوب فيه وإذا كان غيره لم يمتنع اضافة الاحتراق الي أحدهما دون الآخر وهذا كله تخليط من الرجلين لأن القرآن غير حال في الجلد على الحقيقة وليست الكتابة عين المكتوب وانما الكتابة أمارة للحروف فاما أن تكون هي الكلام على الحقيقة أو يوجد معها الكلام مكتوبا فيحال.. فأما استشهاده على ذلك بالآية وبقوله لا تسافروا بالقرآن فذلك تجوز وتوسع وليس يجب أن يجعل اطلاق الألفاظ المحتملة دليلا على اثبات الأحكام والمعاني ومعترضة على أدلة العقول وقد تجوز القوم بأكثر من هذا فقالوا في هذا الكتاب شعر امرئ القيس وعلم الشافعي وفقه فلان فلم يقتض ذلك أن يكون العلم والكلام على الحقيقة موجودين في الدفتر وقد بين الكلام في هذا


[ 87 ]

الباب في مواضع هي أولى به.. فأما جواب ابن الانباري الذي ارتضاه لنفسه فلا طائل أيضا فيه لانه لا مزية للقرآن فيما ذكره على كلام وشعر في العالم لانا نعلم ان الشعر والكلام المحفوظ في صدور الرجال إذا كتب في جلد ثم أحرق أو غسل لم يذهب ما في الصدور ومنه بل يكون ثابتا بحاله فأى مزية للقرآن في هذا على غيره وأي فضيلة.. فان قال وجه المزية ان غير القرآن من الشعر وغيره يمكن أن يندرس ويبطل باحراق النار والقرآن إذا كان تعالى هو المتولي لايداعه الصدور لا يتم ذلك فيه.. قلنا الكل سواء لأن غير القرآن انما يبطل باحتراق الاهاب المكتوب فيه متى لم يكن محفوظا مودعا للصدور ومتى كان بهذا الصفة لم يبطل باحتراق الجلد وهكذا القرآن لو لم يحفظ في الصدور لبطل بالاحتراق ولكنه لا يبطل بهذا الشرط فصار الشرط في بطلان غير القرآن وثباته كالشرط في بطلان القرآن وثباته فلا مزية على هذا الجواب للقرآن فيما خص به من ان النار لا تمسه وهذا يبين انه لا وجه غير ما ذكرناه في الخبر وهو أشبه بمذاهب العرب وأولى بتفضيل القرآن وتعظيمه.. أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد الكاتب قال أخبرنا ابن دريد قال أنشدنا أبو حاتم قال ابن دريد وأنشدنا عبد الرحمن يعني ابن أخي الأصمعي عن عمه للحسين بن مطير الأسدى وقال عبد الرحمن قال عمي لو كان شعر العرب هكذا ما اثم منشده ألا حبذا البيت الذي أنت هاجره وأنت بتلماح من الطرف ناظره لأنك من بيت لعيني معجب وأملح في عينى من البيت عامره أصد حياء أن يلم بي الهوى وفيك المنى لولا عدو أحاذره وفيك حبيب النفس لو تستطيعه لمات الهوى والشوق حين تجاوره فإن آته لم أنج إلا بظنة وإن يأته غيري تنط بي جرائره (1)


(1) – تنط – تربط وتعلق أي تسند – والجرائر – جمع جريرة وهي الذنب.. يقول ان آت هذا البيت رماني الناس بظنونهم وان أتاه غيرى أضيف الي أي قال

[ 88 ]

وكان حبيب النفس للقلب واترا وكيف يحب القلب من هو واتره فإن تكن الأعداء أحموا كلامه علينا فلن تحمى علينا مناظره أحبك يا سلمى علي غير ريبة ولا بأس في حب تعف سرائره (1) ويا عاذلي لولا نفاسة حبها عليك لما باليت أنك خائره بنفسي من لابد أني هاجره ومن أنا في الميسور والعسر ذاكره ومن قد لحاه الناس حتي اتقاهم ببغضي إلا ما تجن ضمائره (2) أحبك حبا لن أعنف بعده محبا ولكني إذا ليم عاذره لقد مات قبلي أول الحب فانقضي ولو مت أضحى الحب قد مات آخره (3) كلامك يا سلمى وإن قل نافعي فلا تحسبي أني وإن قل حاقره ألا لا أبالي أي حي تحملوا إذا إثمد البرقاء لم يخل حاضره (4)


الناس إنه مرسل من قبلي لمراسلة من فيه (1) – الريبة – الظنة والتهمة.. يقول أحبك حبا لا يخالطه سوء ولا يظن فيه شر.. قوله – ولا بأس في حب تعف سرائره – أي تعف سرائر صاحبه فاضاف السرائر للحب توسيعا وانما هي للمحب ومثله في القرآن الكريم عيشة راضية أي راض صاحبها (2) – لحاه – لامه واللاحي اللائم في الشئ المعنف عليه.. وقوله – الا ما تجن ضمائره – يريد به أنه يظهر للناس كراهتي وبغضي لكف ألسنتهم عنه وليس في قلبه الا محبتي (3) يريد أن محبته لها ذهبت بسيرة من تقدمه من المحبين وانه لن يأتي بعده من يذكر بالمحبة وان حبه لن يضارعه حب من تقدمه ومن يأتي بعده (4) – تحملوا – يروى بدله تفرقوا – والبرقاء – اسم موضع في بادية الجزيرة.. يقول انه لا يبالي رحيل من رحل من الناس إذا كان هذا الموضع عامرا بأهله لم يرحلوا

[ 89 ]

وأنشد ابن الاعرابي لابن مطير لعمرك بالبيت الذي لا نطوره أحب إلينا من بلاد نطورها (1) تقلبت في الإخوان حتى عرفتهم ولا يعرف الإخوان إلا خبيرها فلا أصرم الخلان حتى يصارموا وحتى يسيروا سيرة لا أسيرها فإنك بعد الشر ما أنت واجد خليلا مديما سيرة لا يديرها معني – يديرها – يقلبها مرة ههنا ومرة ههنا وإنك في عين الأخلاء عالم بأن الذي يخفى عليك ضميرها فلاتك مغرورا بمسحة صاحب من الود لا تدري علام مصيرها وما الجود عن فقر الرجال ولا الغنى ولكنه خيم الرجال وخيرها وقد تغدر الدنيا فيضحى غنيها فقيرا ويغنى بعد بؤس فقيرها وكائن ترى من حال دنيا تغيرت وحال صفا بعد اكدرار غديرها ومن طامع في حاجة لن ينالها ومن يائس منها أتاه يسيرها


لأنهم هم الذين يحبهم ويشفق من رحيلهم.. وفى بعض كتب الأدب بعد هذه الابيات وبالبرق أطلال كأن رسومها قراطيس خط الحبر فيهن ساطره أبت سرحة الاثماد الاملاحة وطيبا إذا ما نبتها اهتز ناضره (1) – نطوره – نحوم حوله.. يقول ان البيت الذى نتجنبه ونتحاماه خوف الوشاة أحب الينا من البلاد التى نأتيها إذا لم يكن من نهوى فيها.. ومثل هذا قول الاحوص يا بيت عاتكة الذى اتعزل حذر العدا وبه الفؤاد موكل انى لامنحك الصدود وإنني قسما اليك مع الصدود لأميل(12 – أمالى ني)

[ 90 ]

ومن يتبع ما يعجب النفس لم يزل مطيعا لها في فعل شئ يضيرها فنفسك أكرم عن امور كثيرة فمالك نفس بعدها تستعيرها (1) [ قال المرتضي ] رضى الله عنه ولى في معني قول ابن مطير – وقد تغدر الدنيا – والبيت الذي بعده من جملة قصيدة وكيف آنس بالدنيا ولست أرى إلا امرأ قد تعرى من عواريها نصبو إليها بآمال مخيبة كأننا ما نري عقبى أمانيها في وحشة الدار ممن كان يسكنها كل اعتبار لمن قد ظل يأويها لا تكذبن فما قلبي لها وطن وقد رأيت طلولا من مغانيها.. وأخبرنا أبو عبيدالله المرزباني قال أنشدنا على بن سليمان الأخفش قال أنشدنا أحمد ابن يحيى ثعلب للحسين بن مطير لقد كنت جلد قبل أن توقد النوى علي كبدي نارا بطيئا خمودها ولو تركت نار الهوى لتصرمت ولكن شوقا كل يوم يزيدها وقد كنت أرجو أن تموت صبابتي إذا قدمت أحزانها وعهودها فقد جعلت في حبة القلب والحشا عهاد الهوى تولي بشوق يعيدها بمرتجة الأرداف هيف خصورها عذاب ثناياها عجاف قيودها (2)


(1) – يقول ان النفس لا تميل بطبعها الا الى الشرور فمن اطاع نفسه وانالها مشتهاها وقع في شرور كثيرة وقادته الى ما يضره (2) – مرتجة الارداف – يريدان أردافها ضحمة فهي إذا تحركت اضطربت اردافها – وهيف – جمع هيفاء وهي الدقيقة الخصر الضامرة البطن – وعجاف – جمع عجفاء وهي النحيفة وهذا الجمع شاذ فان افعل وفعلاء لا يجمع على فعال الا انهم بنوه على سمان

[ 91 ]

يعنى انها عجاف اللثات وأصول الاسنان وهي قيودها.. قال أبو العباس ثعلب عجاف بالخفض لحن لانه ليس من صفة النساء وسبيله أن يكون نصبا لانه حال من الثنايا مخصرة الأوساط زانت عهودها بأحسن مما زينتها عقودها وصفر تراقيها وحمر أكفها وسود نواصيها وبيض خدودها وصف التراقي بالصفرة من الطيب وحمرة أكفها من الخضاب يمنيننا حتى ترف قلوبنا رفيف الخزامى بات طل يجودها أخذ.. قوله مخصرة الأوساط البيت من قول مالك بن أسماء بن خارجة وتزيدين طيب الطيب طيبا إن تمسيه أين مثلك أينا وإذا الدر زان حسن وجوه كان للدر حسن وجهك زينا وروى أبو تمام الطائى في الحماسة بعض الأبيات الذي ذكرناها للحسين بن مطير وروى له أيضا ويشبه أن يكون الجميع من قصيدة واحدة وكنت اذود العين أن ترد البكا فقد وردت ما كنت عنه أذودها هل الله عاف عن ذنوب تسلفت أم الله إن لم يعف عنها معيدها وأنشد أبو محكم لابن مطير قضى الله يا أسماء أن لست بارحا أحبك حتى يغمض العين مغمض وحبك بلوى غير أن لا يسرني وإن كان بلوى أننى لك مبغض إذا أنا رضت النفس في حب غيرها أتي حبها من دونها يتعرض فيا ليتنى أقرضت جلدا صبابتي وأقرضني صبرا على الشوق مقرض


لانهم قد يبنون الشئ على ضده كقولهم عدوة بالهاء لمكان صديقة وعجاف لا مانع من جعله صفة للمرأة وان انكره ثعلب

[ 92 ]

ويشبه أن يكون أخذ قوله إذا أنا رضت النفس في حب غيرها من قول رجل من فزارة وأعرض حتي يحسب الناس أنما بي الهجر لا والله مابي لك الهجر ولكن أروض النفس أنظر هل لها إذا فارقت يوما أحبتها صبر أو من قول نصيب وإني لأستحيى كثيرا وأتقي عدوا وأستبقي المودة بالهجر وأنذر بالهجران نفسي أروضها لأعلم عند الهجر هل لي من صبر ويشبه أن يكون أخذ.. قوله فياليتني أقرضت جلدا صبابتي البيت من قول بعض العرب رمى قلبه البرق الملالي رمية بجنب الحما وهنا فكاد يهيم فهل من معين طرف عين خلية فإنسان عين العامري كليم (1) وللحسين في هذا المعنى ما رواه المبرد ولي كبد مقروحة من يبيعني بها كبدا ليست بذات قروح أبا الناس ويب الناس لا يشترونها ومن يشتري ذا علة بصحيح وأخذ العباس بن الأحنف هذا المعنى فقال من ذا يعيرك عينه تبكي بها أرأيت عينا للبكاء تعار وأخبرنا المرزباني قال حدثنا أبو عبد الله الحكيمي قال حدثني يموت بن المزرع قال حدثنا محمد بن حميد قال كنا عند الأصمعي فأنشده رجل أبيات دعبل أين الشباب وأية سلكا لا أين يطلب طل بل هلكا لا تعجبي يا سلم من رجل ضحك المشيب برأسه فبكى


(1) – يقول انه يريد عينا غير عاشقة لينظر بها الى ديار أحبته فان طرفه مجروح مقيم من العشق لا يستطيع أن ينظر به

[ 93 ]

أسلم ما بالشيب منقصة لا سوقة تبقى ولا ملكا قصر الغواية عن هوى قمر وجد السبيل اليك مشتركا يا ليت شعرى كيف يومكما يا صاحبي إذا دمي سفكا لا تأخذا بظلامتي أحدا قلبى وطرفي في دمى اشتركا قال فاستحسنها كل من في المجلس وأكثر التعجب من قوله – ضحك المشيب برأسه فبكى – فقال الأصمعي انما أخذ قوله هذا من ابن مطير في قوله أين أهل القباب بالدهناء أين جيراننا على الأحساء جاورونا والأرض ملبسة نور الأقاحي تجاد بالأنواء (1) كل يوم بأقحوان جديد تضحك الأرض من بكاء السماء وقد أخذه أيضا مسلم صريع الغوانى في قوله مستعبر يبكي علي دمنة ورأسه يضحك في الشيب.. [ قال المرتضي ] رضى الله عنه ولأبي الحجناء نصيب الأصغر مثل هذا المعنى وهو قوله فبكى الغمام به فأصبح روضه جذلان يضحك بالحميم ويزهر ولابن المعتز مثله ألحت عليه كل طحياء ديمة إذا ما بكت أجفانها ضحك الزهر ولابن دريد مثله تبسم المزن وانهلت مدامعه فأضحك الروض جفن الضاحك الباكي


(1) – الدهناء – أرض من منازل تميم بنجد متسعة إذا أخصبت ربعت العرب جميعا لسعتها – والاحساء – ماء لغنى ويروى البيت الاول أين جيراننا على الاحساء أين جيراننا على الاطواء (*)

[ 94 ]

وغازل الشمس نور ظل يلحظها بعين مستعبر بالدمع ضحاك وروى عن أبي العباس المبرد انه قال أخذ ابن مطير.. تضحك الأرض من بكاء السماء من قول دكين الزاجر جن النبات في ذراها وزكى وضحك المزن به حتى بكى (مجلس آخر 33) [ تأويل آية ].. إن سأل سائل عن قوله تعالى (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب).. الجواب قلنا قد ذكر وجهان مطابقان للحق.. أحدهما أن يكون الراسخون في العلم معطوف على اسم الله تعالى فكأنه قال وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم وانهم مع علمهم به يقولون آمنا به فوقع قوله يقوقون آمنا به في موقع الحال والمعنى أنهم يعلمونه قائلين آمنا به كل من عند ربنا وهذا في غاية المدح لهم لانهم إذا علموا ذلك بقلوبهم وأظهروا التصديق به على ألسنتهم فقد تكاملت مدحتهم ووصفهم بأداء الواجب عليهم.. والحجة لمن ذهب الى ما بيناه والرد على من استبعد عطفه على الأول وتقديره أن يكون قوله يقولون آمنا بالله على هذا التأويل لا ابتداء له مثل قوله (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى) الى قوله (شديد العقاب) فذكر جملة ثم تلاها بالتفصيل وتسمية من يستحق هذ الفئ فقال (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا) الي قوله الصادقون وقال فما الذين تبوءوا الدار والايمان فهم الأنصار يحبون من هاجر إليهم ويؤثرون على أنفسهم وقال فيمن جاء بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان فهذه الآيات تدل على أنه لا ينكر في آية الراسخون في العلم أن يكون قوله يقولون آمنا به حالا مع العلم بتأويل


[ 95 ]

المتشابه فلو أشكل شئ من ذلك لما أشكل قوله والذين هاجروا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا في انه موافق لقوله والراسخون في العلم يقولون آمنا به فان الصورتين واحدة.. ومما يستشهد به على ذلك من الشعر قول يزيد بن مفرغ في عبد له كان يسمي بردا باعه (1) ثم ندم عليه


(1) قلت كان من حديث يزيد في بيعه غلامه بردا انه كان صحب زياد بن أبى سفيان فلم يحمده وأتى ابنه عبادا فرأى منه ما يكره وكان عباد طويل اللحية عريضها فركب ذات يوم وابن مفرغ معه في موكبه فهبت ريح فنفشت لحيته فقال ابن مفرغ ألا ليت اللحي كانت حشيشا فترعاها خيول المسلمينا فبلغ ذلك عبادا فحقد عليه وجفاه فقال ابن مفرغ ان تركي ندى سعيد بن عثما ن فتى الجود ناصري وعديدي واتباعي اخا الرضاعة واللؤ م لنقص وفوت شأو بعيد قلت والليل مطبق بعراه ليتنى مت قبل ترك سعيد يريد سعيد بن عثمان بن عفان فانه استصحب يزيدا هذا حين ولى خراسان فلم يصحبه وعدل عنه الى زياد فلما قال ذلك أخذه عبيدالله بن زياد فحبسه وعذبه وسقاء الزبد في النبيذ وحمله على بعير وقرن به خنزيرة وأمشاه بطنه مشيا شديدا فكان يسيل ما يخرج منه على الخنزيرة فتصى فكلما صاءت قال ابن مفرغ ضجت سمية لما مسها القرن لا تجزعي إن شر الشيمة الجزع وسمية أم زياد.. ثم ان عبيدالله بن زياد دس إليه قوما يقتضونه ويستعدون عليه فأمر ببيع ما وجد له في اعطاء غرمائه فكان فيما بيع له غلام يقال له برد يعدل عنده ولده وجارية يقال لها الاراكة فقال في برد الابيات التى ذكرها صاحب الكتاب وقال في الاراكة وفيه يا برد ما مسنا دهر أضربنا من قبل هذا ولا بعناله ولدا أما الاراك فكانت من محارمنا عيشا لذيذا وكانت جنة رغدا لولا الدعى ولولا ما تعرض لى من الحوادث ما فارقتها أبدا

[ 96 ]

وشريت بردا ليتنى من بعد برد كنت هامه أو بومة تدعو صدا بين المشقر فاليمامه الريح تبكى شجوها والبرق يلمع في الغمامه فعطف البرق على الريح ثم اتبعه بقوله يلمع فكأنه قال والبرق أيضا يبكيه لامعا في غمامه أي في حال لمعانه ولو لم يكن البرق معطوفا على الريح في البكاء لم يكن للكلام معنى ولا فائدة.. ويمكن أيضا على هذا الوجه مع عطف الراسخين على ما تقدم واثبات العلم بالمتشابه لهم ان قوله يكون يقولون آمنا به استئناف جملة استغنى فيها عن حرف العطف كما استغنى في قوله يقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ونحو ذلك مما للجملة الثانية فيه التباس في الجملة الاولى فيستغنى به عن حرف العطف ولو عطف بحرف العطف كان حسنا ينزل الملتبس منزلة غير الملتبس.. والوجه الثاني في الآية أن يكون قوله والراسخون في العلم مستأنفا غير معطوف على ما تقدم ثم أخبر عنهم بانهم يقولون آمنا ويكون المراد بالتأويل على هذا الجواب المتأول لانه قد يسمى تأولا قال تعالى (هل ينظرون الا تأويله يوم يأتي تأويله) المراد بذلك لا محالة المتأول والمتأول الذي لا تعلمه العلماء وان كان تعالى عالما به كنحو وقت قيام الساعة ومقادير الثواب والعقاب وصفة الحساب وتعيين الصغائر الى غير ذلك فكأنه قال وما يعلم تأويل جمعه على المعنى الذي ذكرناه إلا الله والعلماء يقولون آمنا به وقد اختار أبو على الجبائى هذا الوجه وقواه وضعف الأول بان قال قول الراسخين في العلم آمنا به كل من عند ربنا دلالة على استسلامهم لانهم لا يعرفون تأويل المتشابه كما يعرفون تأويل المحكم ولأن ما ذكره من وقت القيامة ومن التمييز بين الصغائر والكبائر هو من تأويل القرآن إذ كان داخلا في خبر الله والراسخون في العلم لا يعلمون ذلك.. وليس الذي ذكره بشئ لانه لا يمتنع أن يقول العلماء مع علمهم بالمتشابه آمنا به على الوجه الذي قدمنا ذكره فكيف يظن انهم لا يقولون ذلك إلا مع فقد العلم به وما المنكر من أن يظهر الانسان بلسانه الايمان بما يعلمه ويتحققه فأما قوله ولأن ما ذكرناه من تأويل القرآن فذلك انما يكون تأويلا للقرأن إذا حملت هذا اللفظة على المتأول


[ 97 ]

لا على الفائدة والمعنى وأما إذا حملت على انه وما يعلم معنى المتشابه وفائدته إلا الله فلابد من دخول العلماء فيه وليس يمكنه أن يقول ان حمل التأويل على المتأول أظهر من حمله على المعنى والفائدة لأن الأمر بالعكس من ذلك بل حمله على المعنى أظهر وأكثر في الاستعمال وأشبه بالحقيقة على أنه لو قيل ان الجواب الأول أقوى من الثاني لكان أولى من قوله من قبل انه لو كان المراد بالتأويل المتأول لا الفائدة والمعنى لم يكن لتخصيص المتشابه بذلك دون المحكم معنى لان في متأول المحكم كاخباره عن الثواب والعقاب والحساب مما لا شبهة في كونه محكما ما لا يعرف تفصيله وكنهه الا الله تعالى فأى معنى لتخصيص المتشابه والكلام يقتضى توجهه نحو المتشابه ألا ترى الى قوله (وأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) فخص المتشابه بالذكر والأولى أيضا أن يكون المراد بلفظة تأويله الثانية هو المراد بلفظة تأويله الأولى وقد علمنا ان الذين في قلوبهم زيغ انما اتبعوا تأويله على خلاف معناه ولم يطلبوا لتأويله الذى هي متأوله والوجه الأول أقوى وأرجح.. ويمكن في الآية وجه ثالث لم نجدهم ذكروه على أن يكون قوله والراسخون في العلم مستأنفا غير معطوف ويكون المعنى وما يعلم تأويل المتشابه بعينه وعلى سبيل التفصيل الا الله وهذا صحيح لان أكثر المتشابه قد يحتمل الوجوه الكثيرة المطابقة للحق الموافقة لأدلة العقول فيذكر المتأول جميعا ولا يقطع على مراد الله منها بعينه لان الذى يلزم مثل ذلك أن يعلم في الجملة أن لا يرد من المعني ما يخالف الأدلة وان قد أراد بعض الوجوه المذكورة المتساوية في الجواز والموافقة للحق وليس في تكليفنا أن نعلم المراد بعينه وهذا مثل الضلال والهدى الذين تبين احتمالهما لوجوه كثيرة منها ما يخالف الحق فنقطع على أنه تعالى لم يرده ومنها وجوه تطابق الحق فنعلم في الجملة انه قد أراد أحدها ولا نعلم المراد منها بعينه وغير هذا من الآى المتشابه فان أكثرها يحتمل وجوها والقليل منها يختص بوجه واحد صحيح ولا يحتمل سواه ويكون قوله تعالى من بعد والراسخون في العلم يقولون آمنا به أي صدقنا بما نعلمه مجملا ومفصلا من المحكم والمتشابه وان الكل من عند ربنا وهذا وجه واضح.. أخبرنا أبو عبيدالله المرزباني قال أخبرنا محمد بن أبى الأزهر قال (13 – أمالي نى)


[ 98 ]

أنشدنا محمد بن يزيد لأبى حية النميري وهى أبيات مختارة وخبرك الواشون أن لا أحبكم بلى وستور الله ذات المحارم أصد وما الصد الذي تعرفينه عزاء بنا إلا اجتراع العلاقم حياء وبغيا أن تشيع نميمة بنا وبكم أف لأهل النمائم وإن دما لو تعلمين جنيته على الحي جاني مثله غير سالم أما إنه لو كان غيرك أرفلت صعاد القنا بالراعفات اللهاذم ولكنه والله ما طل مسلما كبيض الثنايا واضحات الملاغم قال ثعلب – الملاغم – ما حول الفم.. وقال المبرد واضحات الملاغم يريد العوارض.. وقوله – ما طل مسلما – أي أبطل دمه إذا هن ساقطن الحديث حسبته سقوط حصى المرجان من سلك ناظم ويروى ساقطن الأحاديث للفتي.. ويروى أيضا ساقطن الحديث كأنه رمين فأقصدن القلوب فلا ترى دما مائرا إلا جوى في الحيازم [ قال سيدنا رضى الله عنه ].. ومن مستحسن ما مضى في هذه القصيدة قوله كأن لم ابرح بالعيون وأقتتل بتفتير أبصار الصحاح السقائم (1) ولم أله بالحدث الألف الذي له غدائر لم يحر من فار اللطائم (2)


(1) – أبرح – من برح به الأمر إذا لقى منه شدة والبرح الشدة – وتفتير – من الفتور وهو انكسار العين – والسقائم – جمع سقيمة وهي المريضة ولم يرد انها سقيمة من مرض وانما أراد ان بها من الضعف والفتور ما بالمريض وان لم تكن مريضة (2) – الحدث – الصغير السن – والألف – العظيم الفخذين – والغدائر – جمع غديرة وهي الخصلة من الشعر – والفار – جمع فأرة يريد فأرة المسك – واللطائم – جمع لطيمة وهي المسك

[ 99 ]

إذا اللهو يطبينى وإذ أستميله بمحلولك الفودين وحف المقادم (1) وإذ أنا منقاد لكل مقود إلى اللهو حلاف البطالات آثم وروى ابن حبيب مفود ومعنى – حلاف البطالات – أي حلاف في البطالات مهين المطايا متلف غير أنني على هلك ما أتلفته غير نادم أرى خير يومي الخسيس وإن علا بي اللوم لم أحفل ملامة لائم – خير يومى الخسيس – أي أحب يومي الى الذي هو أخس عند أهل الرأى والعقل.. وأنشد أبو اسحاق ابراهيم بن سيف بن الزيادي لأبى حية واسمه هيثم (2) بن الربيع ترحل بالشباب الشيب عنا فليت الشيب كان به الرحيل وقد كان الشباب لنا خليلا فقد قضى مآربه الخليل لعمر أبي الشباب لقد تولى حميدا ما يراد به بديل


(1) – يطبينى – يستميلنى – والمحلولك – الحالك اللون أي الذى لونه أسود – والفودان – تثنية فود وهو معظم شعر الرأس مما يلى الاذن وناحية الرأس – والوحف – الشعر الكثير الأسود – والمقادم – جمع قادمة وهو الناصية (2) قلت ذكره بعض الادباء فقال كان أبو حية يروي عن الفرزدق وكان كذابا قال يوما رميت ظبية فلما خرج السهم ذكرت بالظبية حبيبة لى فشددت خلف السهم حتى أخذت بقذذه.. وكان جبانا قال جار له اطلعت عليه يوما وبيده سيف له قد انتضاه يسمى لعاب المنية ليس بينه وبين الخشب فرق وهو واقف على باب داره يقول إيها أيها المغتر بنا والمجترئ علينا بئس والله ما اخترت لنفسك خير قليل وسيف صقيل لعاب المنية الذي سمعت به ضربته لا تخاف نبوتها أخرج بالعفو عنك لا أدخل بالعقوبة عليك اني والله ان أدع قيما تملأ الأرض خيلا ورجلا يا سبحان الله ما أكثرها وأطيبها ثم فتح الباب فإذا كلب قد خرج فقال الحمد لله الذى مسخك كلبا وكفانا حربا

[ 100 ]

إذ الأيام مقبلة علينا وظل أراكة الدنيا ظليل وأنشد المبرد قال أنشدنا أبو عثمان المازني لأبي حية زمان الصبا ليت أيامنا رجعن لنا الصالحات القصارا زمان على غراب غداف فطيره الدهر عنى فطارا فلا يبعد الله ذاك الغراب وإن هو لم يبق إلا ادكارا كأن الشباب ولذاته وريق الصبا كان ثوبا معارا وهازئة أن رأت لمتى تلفع شيب بها فاستدارا وقلدنى منه بعد الخطام عذارا فما أستطيع اعتذارا أجارتنا إن ريب الزمان قبلي نال الرجال الخيارا فإما تري لمتى هكذا فأسرعت فيها لشيبي النفارا فقد ارتدى وحفة طلة وقد أبرز والفتيات الخفارا أما قوله – على غراب غداف – فأراد به الشباب والشعر الأسود.. ويشبه أن يكون مأخوذا من قول الأعشى وما طلابك شيئا لست تدركه إن كان عنك غراب الجهل قد وقعا ولأبي حية من قصيدة أولها ألا يا اسلمي أطلال خنسا وأنعمي وخنساء مخماص الوشاحين مشيها إلى الدوح أقتار خطى المتجشم (1)


(1) قوله – مخماص الوشاحين – أي هيفاء والوشاح تثنية وشاح وهو أديم عريض ترصعه المرأة بالجواهر فتشده بين عاتقيها وكشحيها فإذا قالوا مخماص الوشاح أو غرثى الوشاح أرادوا أنها

[ 101 ]

ألما بسلمى قبل أن ترمي النوى بنافذة نبض الفؤاد المتيم يقف عاشقالم يبق من روح نفسه ولا عقله المسلوب غير التوهم فقلن لها سرا فديناك لا يرح صحيحا فإن لم تقتليه فألممي فألقت قناعا دونه الشمس واتقت بأحسن موصولين كف ومعصم وهذا البيت الأخير مأخوذ من قول النابغة سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليد (1) ولقوله – وقلن لها سرا فديناك لا يرح – خبر وهو ما أخبرنا به أبو الحسن علي بن محمد الكاتب قال حدثني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني الباقطانى قال أتصل بعبيد الله بن سليمان بن وهب أمر على بن العباس الرومي وكثرة مجالسته لأبى الحسين القاسم ابنه وسمع شيئا من أهاجيه فقال لأبى الحسين قد أحببت ان أرى ابن روميك هذا فدخل يوما عبيدالله الى أبي الحسين وابن الرومي عنده فاستنشده من شعره فأنشده وخاطبه فرآه مضطرب العقل جاهلا فقال لأبي الحسين بينه وبينه ان لسان هذا أطول من عقله ومن هذه صورته لا تأمن عقاربه عند أول عتب ولا يفكر في عاقبة فأخرجه عنك فقال أخاف حينئذ أن يعلن ما يكتمه في دولتنا ويذيعه في تمكننا فقال يا بني إنى لم أرد باخراجك له طرده فاستعمل فيه بيت أبي حية النميري


هيفاء محل الوشاح – وأقتار – من أقتر في النفقة إذا ضيق فيها – والمتجشم – المتكلف للشئ.. يقول انها تمشي مشى إدلال كما يمشى من لا يستطيع المشى (1) – النصيف – المئزر – واتقتنا باليد – أي حالت بيننا وبين النظر إليها بوضعها معصمها على وجهها يصف بذلك المتجردة امرأة النعمان بن المنذر وكان النابغة يجلس الى النعمان وينادمه فدخلت المتجردة يوما على النعمان وعنده النابغة وهى لا تعلم بمكانه فلما وقع بصرها عليه اضطربت واستحيت وسقط مئزرها فتناولته بيدها وسترت وجهها باليد الاخرى ويقال انها وضعت معصمها على وجهها فستره فلم يستبن منه شئ

[ 102 ]

فقلنا لها سرا فديناك لا يرخ سليما وإن لم تقتليه فألممي فحدث القاسم ابن فراس بما جرى وكان أعدى الناس لابن الرومي وقد هجاه باهاج قبيحة فقال له الوزير أعزه الله أشار بان يغتال حتى يستراح منه وأنا أكفيك ذلك فسمه في الخشكنانج فمات.. قال الباقطانى والناس يقولون ما قتله ابن فراس وانما قتله عبيدالله.. قال ابن الرومي لما رجع الى داره وقد دب السم في أعضائه شعرا أشرب الماء إذا ما تلتهب نار أحشائي لإطفاء اللهب فأراه زائدا في حرقتي فكان الماء للنار حطب وذكر محمد بن يزيد المبرد قال مما يفضل لتخلصه من التكليف وسلامته من التزيد وبعده من الاستعانة قول أبي حية رمتني وستر الله بينى وبينها عشية آرام الكناس رميم ألا رب يوم لو رمتني رميتها ولكن عهدي بالنضال قديم [ قال المرتضي ] رضى الله عنه وقد روى هذان البيتان لنصيب في غير رواية المبرد قال المبرد يقول رمتني وأصابتني بمحاسنها ولو كنت شابا لرميت كما رمت وفتنت كما فتنت ولكن عهدي قد تطاول بالشباب وهذا كلام واضح.. وأما الاستعانة فهى أن يدخل في الكلام ما لا حاجة بالمستمع إليه ليصحح وزنا أو نظما.. قال ومما يختار من قول أبى حية أيضا ألاحي من أجل الحبيب المغانيا لبسن البلى مما لبسن اللياليا (1) إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة تقاضاه شئ لا يمل التقاضيا


(1) قوله – من أجل الحبيب – روى بدله من بعد الحبيب – والمغانى – جمع مغنى وهو المنزل الذي غنى به أهله ثم ظعنوا عنه وقوله – لبسن البلى – يريد ان طول العهد واختلاف العصرين عليها أخلق جدتها وطمس رسومها

[ 103 ]

ويقال إن أحسن ما وصف به المسواك قول أبى حية لقد طال ما أعييت راحلة الصبا وعللت شيطان الغوى المشوق وداويت قرح القلب منهن بالمنا وباللحظ لو يبذلنه المتسرق وساقيننى كأس الهوى وسقيتها رقاق الثنايا عذبة المتريق وخمصانة تفتر عن متنضد كنور الأقاحي طيب المتذوق ويروي عن متنسق يعنى ثغرا على نسق واحد لا اختلاف فيه إذا مضغت بعد امتتاع من الضحى أنابيب من عودا لأراك المخلق سقت شعث المسواك ماء غمامة فضيضا بخرطوم المدام المروق – الامتتاع – الارتفاع يقال متع النهار وأمتع إذا طال – والمخلق – الذي علق به الخلوق والطيب من يدها.. وقال بعضهم عنى بالمخلق المملس – والفضيض – الذي سال من الغمامة أي كماء فض – والخرطوم – سلاف الخمر وهو أول ما يخرج من غير عصر ولا دوس وإن ذقت فاها بعد ما سقط الندى بعطفي بخنداة رداح المنطق – البخندة – الضخمة – والرداح – العظيمة الأرداف شممت العرار الطل غب هميمة ونور الخزامى في الندى المترقرق – العرار – بهار البر – والطل – الغض الطري – والهميمة – مطر لين.. وأخبرنا المرزباني قال حدثني علي بن هارون بن علي قال سمعت أبي وقد ذكر قول أبي حية نظرت كأني من وراء زجاجة الى الدار من فرط الصبابة أنظر بعينين طورا يغرقان من البكا فأعشى وطورا يحسران فأبصر فقال لو اعترضني ملك تجب طاعته ويلزم الانقياد لأمره فقال أي شعر أجود وأولى بايستحسن ولم يفسح لي في أن أميز المدح من الفخر والهجاء من التشبيب وسائر أصناف الشعر ومذاهب الشعراء فيه لما عدلت عن هذين البيتين.. ويقال ان أبا أحمد عبيد


[ 104 ]

الله بن عبد الله بن طاهر أجاز بيتى أبي حية هذين بقوله فلامقلتى من غامر الماء تنجلي ولا دمعتي من مكمد الوجد تقطر ولأبي حية من المبكيات الجلد حتى كأنما يسح بعينيه الدموع شعيب – الشعيب – مزادة من أدمين شعب أحدهما بالآخر ليالي أهلانا جميعا وحولنا سوائم منها رائح وغريب وإذ يتجنين الذنوب ومالنا إليهن لولا ودهن ذنوب ولأبي حية أصد عن البيت الحبيب وإنني لأصغي إلى البيت الذي أتجنب أزور بيوتا غيره ولأهله علي ما عدا عنهم أعز وأقرب وقطع أسباب المودة معشر غضاب وهل في أحسن القول مغضب وإن لاثنى يا ام عمرو نميمة يدب بها بيني وبينك عقرب وما بيننا لو أنه كان عالما بذاك الألى يولون ما يترتب حديثا إذا لم يخش عيبا كأنه إذا ساقطته الشهد بل هو أطيب لو أنك تستشفي به بعد سكرة من الموت كادت سكرة الموت تذهب وقلت لها ما تأمرين فإنني ارى البين أذنى روعة يترقب قال محمد بن يحيى الصولى ولا أحسبه في قوله لو انك تستشفى به بعد سكرة إلا تبع قوله توبة بن الحمير ولو أن ليلى الأخيلية سلمت علي ودوني جندل وصفائح لسمت تسليم البشاشة أو زقى إليها صدى من جانب القبر صائح


[ 105 ]

[ قال المرتضي ] رضى الله عنه وأول من سبق الى هذا المعنى فأحسن الأعشى في قوله عهدي بها في الحي قددرعت صفراء مثل المهرة الضامر لو أسندت ميتا الى نحرها عاش ولم ينقل الى قابر حتى يقول الناس مما رأوا واعجبا للميت الناشر ومعنى – الناشر – المنشور يقال أنشر الله الميت فنشر وهو ناشر بمعنى منشور مثل ماء دافق فهو مدفوق.. وقال بعض أصحاب المعاني ان الجارية التى وصفها أيضا هي ميتة بمعنى أنها ستموت فيكون المعنى ان الناس عجبوا من أن يكون من يموت كيف ينشر الموتى ومن قال هذا أجاز نشر الله الموتى بمعنى أنشر والقول الأول أظهر وما نظن الأعشى عنى غيره (مجلس آخر 34) [ تأويل آية ].. ان سأل سائل عن قوله تعالى حاكيا عن يوسف عليه السلام (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين).. فقال لم خص اليوم بالقول وانما أراد العفو عنهم في جميع مستقبل أوقاتهم.. الجواب قلنا في هذه الآية وجوه أربعة.. أولها انه لما كان هذا الوقت الذي أشار إليه هو أول أوقاته التي كشف فيها نفسه لهم وأطلعهم على ما كان يستره عنهم من أمره أشار الى الوقت الذي لو أراد الانتقام لابتدأ به فيه والذى عفى فيه عنهم لم يراجع الانتقام.. وثانيها أن يوسف عليه السلام لما قدم توبيخهم وعدد عليهم قبيح ما فعلوه وعظيم ما ارتكبوه وهو مع ذلك يستر عنهم نفسه ولا يفصح لهم بحاله قال لهم عند تبين أمرهم (لا تثريب عليكم اليوم) أي قد انقطع عنكم توبيخي ومضى عذلي ولائمتي عند اعترافكم بالذنب وكان ذكر اليوم دلالة على انقطاع المعاقبة والتوبيخ وعلى أن الأوقات المتصلة باليوم تجري مجراه في زوال الغضب وتمام (14 – امالي نى)


[ 106 ]

العفو وسقوط المواقفة لهم على ما سلف منهم.. وثالثها (1) ان ذكر اليوم المراد به الزمان والحين فوضع اليوم موضع الزمان كله المشتمل على الليالى والأيام والشهور والسنين كما يقول العربي لغيره قد كنت تستحسن شرب الخمر فاليوم وفقت لتركها ومقتها يريد في هذا الزمان ولا يريد يوما واحدا بعينه ومثله قد كنت تقصر في الجواب عن فنون العلم فاليوم ما يعجزك مسألة ولا تتوقف عن جواب بريد باليوم باقي الزمان كله.. وقال امرؤ القيس حلت لي الخمر وكنت امرأ عن شربها في شغل شاغل فاليوم فاشرب غير مستحقب إثما من الله ولا واغل (2) لم يقصد يوما بعينه.. ومثله اليوم يرحمنا من كان يغبطنا واليوم نتبع من كانوا لنا تبعا


(1) – قلت هذا هو الجواب الصحيح وايضاح ذلك ان العرب إذا اطلقت الليل فانما يريدون به سواد الليل من حين تغرب الشمس الى طلوع الفجر الثاني وإذا أطلقت اليوم فقد تريد به بياض النهار كما إذا قالوا جالست فلانا يوما وقد تريد به مطلق الوقت أي ساعة من ليل أو نهار كما قى قوله صلى الله عليه وسلم تلك أيام الهرج أي وقته وفرقان ما بين ذلك انهم إذا قرنوا به من الافعال ما له استمرار أرادوا منه بياض النهار كالمجلسة والمحادثة ونحوهما مما يستوعب وقتا طويلا وإذا قرنوا به من الافعال ما ليس له استمرار بل هو من الافعال الآنية أراودا به مطلق الوقت وعلى هذا الآية وما استشهد به المصنف من الشواهد الشعرية (2) – الواغل – الذي يدخل على القوم وهم يشربون فيشرب معهم من غير دعوة فأما الذى يأتي الولائم من غير دعوة ليأكل فيسمى وارشا وراشنا والناس يسمونه طفيليا نسبة الى طفيل وهو رجل من أهل الكوفة من بني عبد الله بن غطفان كان يأتي الولائم من غير ان يدعى إليها وكان يقول وددت ان الكوفة كلها بركة مصهرجة فلا يخفى علي منها شئ

[ 107 ]

.. وقال لبيد وما الناس إلا كالديار وأهلها بها يوم حلوها وغدوا بلاقع كل ذلك لا يراد بذكر اليوم والغد فيه الا جميع الأوقات المستقبلة.. ورابعها أن يكون المراد لا تثريب عليكم البتة ثم قال اليوم يغفر الله لكم فتعلق اليوم بالغفران وكان المعنى غفر الله لكم اليوم.. وقد ضعف قوم هذا الجواب من جهة ان الدعاء لا ينصب ما قبله.. فأما معنى التثريب فان أبا عبيدة قال معناه لا شغب ولا معاقبة ولا إفساد.. وقال الشاعر فعفوت عنهم عفو غير مثرب وتركتهم لعقاب يوم سرمد.. وقال أبو العباس ثعلب يقال ثرب فلان على فلان إذا عدد عليه ذنوبه.. وقال بعضهم وهو ابن مسلم التثريب مأخوذ من لفظ الثرب وهو شحم الجوف فكأنه موضوع للمبالغة في اللوم والتعنيف والتقصى الى أبعد غاياتها [ تأويل خبر ].. روى أبو عبيدالله القاسم بن سلام عن حجاج عن حماد بن سلمة عن هشام بن حسان وحبيب بن الشهيد عن ابن سيرين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كسب الرمازة.. وقال أبو عبيد قال حجاج الزمارة الزانية وقال مثل هذا مثل حديثه الآخر انه نهى عن كسب البغي.. وقال أبو عبيد وقال غير حجاج هي الرمازة بتقديم الراء قال وقول حجاج أثبت عندنا لانهم كانوا يكرهون إماءهم على البغاء فأنزل الله (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ان أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا) قال فالعرض هو كسب البغي الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه.. قال أبو عبيد ولا أعلم مم أخذت الرمازة غير أني وجدتها مفسرة في الحديث.. وقال ابن قتيبة الأمر على ما ذكر أبو عبيد إلا ما أنكره على من زعم انها الرمازة لأن الرمازة هي الفاجرة سميت بذلك لانها ترمز أي تومئ بعينيها وحاجبيها وشفتيها…. قال الفراء وأكثر الرمز بالشفتين ومنه قوله تعالى (أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا) فالرمازة صفة من صفات الفاجرة ثم صار إسما لها أو كالاسم ولذلك قيل لها


[ 108 ]

هلوك لانها تتهالك على الفراش أو على الرجل ثم صار إسما لها دون غيرها من النساء وإن تهالكت على زوجها وقيل لها خرنع للينها وتثنيها ثم صار ذلك إسما لها دون غيرها من النساء وان لانت وتثنت ونحوه قولهم للبعير أعلم لشق في مشفرة الأعلى ثم صار كالاسم له وكذلك قولهم للذثب أزل للرسخ ثم صار كالاسم له والمرمزة لا تكاد تعلن بالكلام انما تومض أو ترمز أو تصفر.. قال الشاعر رمزت إلي مخافة من بعلها من غير أن يبدو هناك كلامها.. وقال الأخطل أحاديث سداها ابن حدراء فرقد ورمازة مالت لمن يستميلها.. وقال الراجز يومئن بالأعين والحواجب إيماض برق في عماء ناضب (1) – والعماء – السحاب – والناضب – البعيد.. وقال بعضهم انما قيل للفاجرة قجة من القحاب وهو السعال قال وأحسبه أراد أنها تتنحنح أو تسعل ترمز بذلك.. قال وبلغني عن المفضل انه كان يقول في قول الناس أجبن من صافر انه الرجل يصفر للفاجرة فهو يخاف كل شئ.. وأما الأصمعي فانه كان يقول الصافر ما يصفر من الطير وانما وصف بالجبن لانه ليس من الجوارح.. وقال ابن قتيبة ولا أرى القول الا قول المفضل والدليل على ذلك قول الكميت بن زيد الأسدي أرجو لكم أن تكونوا في إخائكم كلبا كورهاء تقلي كل صفار (2) لما أجابت صفيرا كان آيتها من قابس شيط الوجعاء بالنار


(1) أنشده في اللسان في مادة زم ريومضن بالاعين والحواجب – والمعنى واحد – (2) – الورهاء – المرأة الحمقاء – وتقلى – تكره وتبغض – وآيتها – أي علامتها يريد ان ذلك كان علامة بينها وبين خليلها إذا جاء يريدها – والوجعاء – الاست – – وشيط – يقولون شيط فلان اللحم إذا دخنه بالنار ولم ينضجه وشيط الطاهي الرأس والكراع

[ 109 ]

وهذه امرأه كان يصفر لها رجل فتجيبه فتمثل زوجها به وصفر لها فأتته فشيطها بميسم فلما أعاد الصفير قالت قد قلينا كل صفار تريد انا قد عففنا وأطرحنا كل فاجر.. قال ابو بكر بن القاسم الانباري والاختيار عندي الزمارة معجمة الزاي على ما قال أبو عبيد لحجج ثلاث.. احداهن اجماع أصحاب الحديث على الزمارة.. والحجة الثانية ان الفاجرة سميت زمارة لانها تحسن نفسها وكلامها والزمر عند العرب الحسن.. قال عمرو ابن أحمر الباهلي يصف شرابا وغناء دنان حنانان بينهما رجل أجش غناؤه زمر.. قال الأصمعي معناه غناؤه حسن كأنه مزامير داود.. والحجة الثالثة انهم سموا الفاجرة زمارة لمهانتها وقلة ما فيها من الخير من قولهم نعجة زمرة إذا كانت قليلة الصوف ويقال رجل زمر المرؤة إذا كان قليلها.. قال ابن أحمر مطلنفئا لون الحصى لونه يحجر عنه الذر ريش زمر – المطلنفى – اللصوق بالأرض – والذر – النمل – والزمر – القليل.. فسمى البغي زمارة على وجه الذم لها والتصغير لشأنها كما قيل لها فاجرة لميلها عن القصد يقال فجر الرجل إذا مال.. قال لبيد فإن تتقدم تغش منها مقدما غليظا وإن أخرت فالكفل فاجر (1) أي مائل – والكفل – كساء يوضع على ظهر البعير يوقى من العرق.. [ قال المرتضى ]


إذا أشعل فيهما النار حتى يتشيط ما عليهما من الشعر والصوف ومنهم من يقول شوط (1) قلت قال لبيد ذلك يخاطب عمه أبا مالك وكان وقع بينهما ما يوجب العتب وقبل هذا البيت فقلت ازدجر أحناء طيرك واعلمن بانك إن قدمت رجلك عاثر فاصبحت أنى تأتها تلتبس بها كلامر كبيها تحت رجليك شاجر – ازدجر – أزجر – وأحناء طيرك – أي جوانب طيشك – والشاجر – المختلف

[ 110 ]

رضى الله عنه ولا أرى لاحدي الروايتين على الاخرى رجحانا لأن كل واحدة منهما قد أتت من جهة من يسكن الى مثله ولكل منهما مخرج في اللغة وتأويل يرجع الى معنى واحد لان الرمازة بالراء غير معجمة يرجع معناها على ما ذكر ابن قتيبة الى معنى الفجور ومن رواها بالزاي المعجمة فالمرجع في معناها الى ذلك ايضا على الوجهين اللذين ذكرهما ابن الانباري فالأولي أن يثبتا متساويين ويكون الراوى مخيرا بينهما.. أخبرنا أبو عبيدالله محمد بن عمران المرزبانى قال أنشدني محمد بن أحمد الكاتب قال أنشدنا أحمد بن يحيى ثعلب عن ابن الاعرابي للمضرب وهو عقبة بن كعب بن زهير بن أبى سلمي وما زلت أرجو نفع سلمى وودها وتبعد حتى ابيض منى المسائح وحتى رأيت الشخص يزداد مثله إليه وحتى نصف رأسي واضح علا حاجبي الشيب حتى كأنه ظباء جرت منها سنيح وبارح (1)


(1) يقول ان الشيب انتشر في حواجبه فكأنه الظباء البيض انتشرت في الصحراء في كل صوب – والسانح – ما ولاك ميامنه – والبارح – ما ولاك مياسره.. قال ابن برى والعرب تختلف في العيافة يعنى في التيمن بالسانح والتشائم بالبارح فأهل نجد يتيمنون بالسانح قال ذو الرمة خليلي لا لا قيتما ما حييتما من الطير الا السانحات وأسعدا وقال النابغة زعم البوارح ان رحلتنا غدا وبذاك تنعاب الغراب الاسود وقال كثير وهو حجازى يتشاءم بالسانح أقول إذا ما الطير مرت مخيفة سوانحها تجرى ولا أستثيرها هذا هو الاصل ثم قد يستعمل النجدي لغة الحجازي فمن ذلك قول عمرو بن قميئة وهو نجدى فبين على طير سنيح نحوسه واشأم طير الزاجرين سنيحها

[ 111 ]

وهزة أظعان عليهن بهجة طلبت وريعان الصبا بي جامح فلما قضينا من منى كل حاجة ومسح بالأركان من هو ماسح أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا وسالت بأعناق المطي الأباطح وشدت علي حدب المهارى رحالنا ولا ينظر الغادي الذي هو رائح قفلنا على الخوص المراسيل وارتمت بهن الصحارى والصفاح الصحاصح وأنشد ابن الاعرابي قصدت بعيني شادن وتبسمت بحماء عن غر لهن غروب جرى الإسحل الأحوى عليهن أو جرى عليهن من فرع الأراك قضيب.. أخبرنا أبو الحسن على بن محمد الكاتب قال أخبرني محمد بن يحيي الصولي قال حدثنا محمد بن الحسن البلغي قال حدثنا أبو حاتم قال سمعت الأصمعي يقول سمعت الرشيد يقول قلب العاشق عليه مع معشوقه فقلت له هذا والله يا أمير المؤمنين قول عروة بن حزام العذري لعفراء وإنى ليعروني لذكراك روعة لها بين جلدي والعظام دبيب وما هو إلا أن اراها فجاءة فأبهت حتى لا أكاد أجيب وأصرف عن داري الذي كنت عارفا ويعزب عني علمه ويغيب ويضمر قلبي غدرها ويعينها علي فما لي في الفؤاد نصيب فقال الرشيد من قال هذا وهما فانى أقوله علما ولله درك يا أصمعي فانى أجد عندك ما تضل عنه العلماء.. قال الصولى فأخذه العباس ابن الأحنف فقال يهيم بحران الجزيرة قلبه وفيها غزال فاتر الطرف ساحر يؤازره قلبى علي وليس لي يدان بمن قلبي على يوازره


[ 112 ]

وأشار إليه أيضا في قوله قلبى الي ما ضرني داعى بكثر أحزاني وأوجاعي كيف احتراسي من عدوي إذا كان عدوي بين أضلاعي وأخذه سهل بن هرون الكاتب فقال أعان طرفي على جسمي وأعضائي بنظرة وقفت جسمي علي داء وكنت غرا بما تجنى على يدي لا علم لي أن بعضي بعض أعدائي.. وقال البحتري ولست أعجب من عصيان قلبك لي يوما إذا كان قلبي فيك يعصيني وروى أبو عكرمة الضبى عن مسعود بن بشر المازني قال قال لنا الأصمعي يوما ما أحسن ما قيل في صفة امرأة عجزاء خمصانة فأنشده قول الأعشى صفر الوشاحين ملء الدرع بهكنة إذا تأتت يكاد الخصر ينخزل وأنشد قول علقمة بن عبدة صفر الوشاحين ملء الدرع خرعبة كأنها رشأ في البيت ملزوم وأنشد قول ذي الرمة ترى خلفها نصفا قناة قويمة ونصفا نقا يرتج أو يترمرم فقال أحسن ما قيل فيه قول أبي وجزة السعدى أدماء عيطلة يكاد رداؤها يقوى ويشبع ما أخب إزارها قال عكرمة ومثله قول الحارث بن خالد المخزومي غرثان سمط وشاحها قلق ريان من أردافها المرط.. وأخبرنا المرزبانى قال حدثنا محمد بن ابراهيم قال حدثنا أبو العيناء قال حدثني الأصمعي قال لما مات محمد بن سليمان بن على الهاشمي دخلت على أخيه جعفر بن سليمان وقد حزن


[ 113 ]

عليه حزنا شديدا ولم يطعم ثلاثا فأنشدته لابن اراكة الثقفى لعمري لئن أتبعت طرفك ما مضي من الدهر أو ساق الحمام الى القبر لتستنفدن ماء الشؤن بأسره وإن كنت تمريهن من ثبج البحر فقلت لعبد الله إذ حن باكيا تعز وماء العين منهمر يجري تبين فإن كان البكا رد هالكا على أحد فاجهد بكاك على عمرو ولا تبك ميتا بعد ميت أحبه علي وعباس وآل أبى بكر قال فأمر فجئ بالطعام فأكل من ساعته.. قوله – حن باكيا – معناه رفع صوته بالبكاء وقال قوم الخنين بالخاء معجمة من الأنف والحنين من الصدر وهو صوت يخرج من كل واحد منهما.. وأخبرنا المرزبانى قال حدثنا محمد بن العباس قال حدثنا محمد بن يزيد النحوي قال سمعت الثوري يقول دخلنا مع الأصمعي الى اسماعيل بن جعفر ليلة في حاجة فأنشده الأصمعي أبيات ابن هرمة أتيناك نرجو حاجة ووسيلة لديك وقد تحظى لديك الوسائل ونذكر ودا شده الله بيننا على الدهر لم تدبب إليه الغوائل فاقسم ما أكبا زنادك قادح ولا أكذبت فيك الرجاء القوابل ولا أرجعت ذا حاجة عنك علة ولا عاق حرا عاجلا منك آجل ولا لام فيك الباذل الوجه نفسه ولا احتكمت في الجود منك المباخل لم يزد على هذه الأبيات فقضي حاجته وأجاب مسئلته.. [ قال المرتضى ] رضي الله عنه ويشبه أن يكون ابن هرمة أخذ قوله * ولا كذبت فيك الرجاء القوابل * من قول الحزين الكنانى في زيد بن على بن الحسين عليه السلام فلما تردى بالحمائل وانثنى يصول بأطراف القنا والذوابل (15 – أمالي نى)


[ 114 ]

تبينت الأعداء أن سنانه يطيل حنين الأمهات الثواكل تبين فيه ميسم العز والتقى وليدا يفدى بين أيدي القوابل.. وأخبرنا على بن محمد الكاتب قال حدثنا محمد بن يحيي الصولى قال حدثني محمد بن الحسن البلغي قال حدثني أبو حاتم عن الأصمعي قال قال الرشيد يوما يا أصمعي أتعرف للعرب اعتذارا وندما ودع النابغة فانه يحتج ويعتذر فقلت ما أعرف ذلك إلا لبشر بن أبي خازم الأسدى فانه هجا أوس بن حارثة بن لام فأسره بعد ذلك فأراد قتله فقالت له أمه وكانت ذات رأى والله لا محا هجاءه لك إلا مدحه إياك فعفى عنه.. فقال بشر وإني علي ما كان منى لنادم وإني إلى أوس بن لام لتائب فهب لي حياتي والحياة لقائم يسرك فيها حين ما أنت واهب وإني إلي أوس ليقبل توبتي ويعرف ودى ما حييت لراغب سأمحو بمدح فيك إذ أنا صادق كتاب هجاء سار إذ أنا كاذب فقال الرشيد للأصمعي ان دولتي لتحسن ببقائك فيها.. وأخبرنا على بن محمد الكاتب قال حدثنا ابن دريد قال حدثنا عبد الرحمن بن أخي الأصمعي عن عمه قال سعمت بيتين لم أحفل بهما ثم قال قلت هما على كل حال خير من موضعهما من الكتاب قال فاني عند الرشيد يوما وعنده عيسى بن جعفر فأقبل على مسرور الكبير فقال يا مسرور كم في بيت مال السرور فقال ما فيه شئ قال عيسى هذا بيت مال الحزن فاغتم لذلك الرشيد وأقبل على عيسى وقال والله لتعطين الأصمعي سلفا على بيت مال السرور ألف دينار فوجم عيسي وأنكر فقلت في نفسي جاء موضع البيتين وأنشدت الرشيد إذا شئت أن تلقى أخاك معبسا وجداه في الماضين كعب وحاتم فكشفه عما في يديه فإنما يكشف أخبار الرجال الدراهم قال فتجلى عن الرشيد وقال لمسرور أعطه على بيت مال السرور ألفى دينار فأخذت


[ 115 ]

بالبيتين ألفى دينار وما كانا يساويان عندي درهمين (مجلس آخر 35) [ تأويل آية ].. إن سأل سائل عن قوله تعالى (خلق الانسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون).. الجواب قيل له قد ذكر في هذه الآية وجوه من التأويل نحن نذكرها ونرجح الأرجح منها.. أولها أن يكون معنى القول المبالغة في وصف الانسان بكثرة العجلة وانه شديد الاستعجال لما يؤثره من الأمور لهج باستدناء ما يجلب إليه نفعا أو يدفع عنه ضررا ولهم عادة في استعمال مثل هذه اللفظة عند المبالغة كقولهم لمن يصفونه بكثرة النوم ما خلقت إلا من نوم وما خلق فلان إلا من شر أرادوا كثرة وقوع الشر منه وربما قالوا ما أنت إلا أكل وشرب وما أشبه ذلك.. قالت الخنساء تصف بقرة ترتع ما غفلت حتى إذا ادكرت فإنما هي إقبال وإدبار وانما أرادت ما ذكرناه من كثرة وقوع الاقبال والادبار منها ويشهد لهذا التأويل قوله تعالى في موضع آخر (وكان الانسان عجولا) ويطابقه أيضا قوله تعالى (فلا تستعجلون) لانه وصفهم بكثرة العجلة وان من شأنهم فعلها توبيخا لهم وتقريعا ثم نهاهم عن الاستعجال باستدعاء الآيات من حيث كانوا متمكنين من مفارقة طريقتهم في الاستعجال وقادرين على التثبت والتأيد.. وثانيها ما أجاب به أبو عبيدة وقطرب بن المستنير وغيرهما من ان في الكلام قلبا والمعنى خلق العجل من الانسان واستشهد على ذلك بقوله تعالى (وقد بلغني الكبر) أي قد بلغت الكبر وبقوله تعالى (ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة) والمعنى ان العصبة تنوء بها وتقول العرب عرضت الناقة على الحوض وانما هو عرضت الحوض على الناقة وقولهم إذا طلعت الشعرى استوى العود على الحرباء يريدون استوى الحرباء على العود وبقول الأعشى لمحقوقة أن تستجيبي لصوته وأن تعلمي أن المعان موفق


[ 116 ]

يريد أن الموفق لمعان.. وبقول الآخر على العباآت هداجون قد بلغت نجران أو بلغت سوآتهم هجر والمعنى أن السوآت هي التى بلغت هجر.. وبقول خداش بن زهير وتركب خيل لا هوادة بينها وتشقى الرماح بالظياطرة الحمر (1) يريد تشفى الضياطرة بالرماح.. وبقول الآخر يمشي به عوذ النعاج كأنها عذارى ملوك في بياض ثياب (2) يريد في ثياب بيض.. وبقول الآخر حسرت كفي عن السرابل آخذه فردا يحز علي أيدي المفيدينا يريد حسرت السربال عن كفي.. وبقول الآخر وهو ابن أحمر وجرد طار باطلها نسيلا وأحدث قومها شعرا قصارا أراد نسيلها باطلا.. وبقول الآخر وقسورة أكتافهم في قسيهم إذا مامشوا لا يعمرون من النسا أراد قسيهم في أكتافهم.. وبقول الآخر وهن من الإخلاف والولعان (3) أي الاخلاف والولعان منهن.. ويبقى على صاحب هذا الجواب مع التقاضى له عن حمل كلامه تعالى على القلب أن يقال له وما المعنى والفائدة في قوله تعالى (خلق العجل من


(1) – الهوادة – اللين وما يرجي به صلاح الأمر – والضياطرة – جمع ضيطر وضوطر وهو الضخم العظيم (2) – عوذ – جمع عائذ وهي الحديثة النتاج من الظباء وكل أنثى – والنعاج – جمع نعجة وهي البقرة الوحشية (3) صدره * لخلابة العينين كذابة المنى * – والإخلاف – خلف الوعد – والولعان – الكذب يقال ولع يلع ولعا وولعانا إذا كذب

[ 117 ]

الانسان) أتريدون بذلك ان الله تعالى خلق في الانسان العجلة وهذا لا يجوز لان العجلة فعل من أفعال الانسان فكيف يكون مخلوقة فيه لغيره ولو كان كذلك ما جاز أن ينهاهم عن الاستعجال في الآية فيقول (سأريكم آياتي فلا تستعجلون) لانه لا ينهاهم عما خلقه فيهم.. فان قالوا لم يرد انه تعالى خلقها لكنه أراد كثرة فعل الانسان لها وانه لا يزال يستعملها.. قيل لهم هذا هو الجواب الذي قدمناه من غير حاجة الى القلب والتقديم والتأخير وإذا كان هذا المعنى يتم وينتظم على ما ذكرناه من غير قلب فلا حاجة بنا إليه.. وقد ذكر أبو القاسم البلخى هذا الجواب في تفسيره واختاره وقواه وسأل نفسه عليه فقال كيف جاز أن يقول فلا تستعجلون وهو خلق العجلة فيهم وأجاب بانه قد اعطاهم قدرة على مغالبة طبائعهم وكفها وقد يكون الانسان مطبوعا عليها وهو مع ذلك مأمور بالتثبت قادر على أن يجانب العجلة وذلك كخلقه في البشر لشهوة النكاح وأمرهم في كثير من الأوقات بالامتناع منه وهذا الذي ذكره البلخى تصريح بان المراد بالعجل غيره وهو الطبع الداعي إليه والشهوة المتناولة له ويجب أيضا أن يكون المراد بمن ههنا في لان شهوة العجل لا تكون مخلوقة من الانسان وانما تكون مخلوقه فيه وهذا تجوز على تجوز وتوسع على توسع لان القلب أولا مجاز ثم هو من بعيد المجاز وذكر العجل والمراد به غيره مجاز آخر واقامة من قام في كذلك على انه تعالى إذا نهاهم عن العجلة بقوله عزوجل (فلا تستعجلون) أي معنى لتقديم قوله خلقت شهوة العجلة فيهم أو الطبع الداعي إليها فيهم على ما عبر به البلخى وهذا الى أن يكون عذرا لهم أقرب منه الى أن يكون حجة عليم وأيسر الأحوال أن لا يكون عذرا ولا احتجاجا فلا يكون لتقديمه معنى وفي الجواب الأول حسن تقديم ذلك على طريق الذم والتوبيخ والتقريع من غير اضافة إليه عزوجل والجواب الأول أوضح وأصح.. وثالثها جواب روى عن الحسن قال يعني بقوله من عجل أي من ضعف وهي النطفة المهينة الضعيفة وهذا قريب ان كان في اللغة شاهد على ان العجل عبارة عن الضعف أو معناه.. ورابعها ما حكى ان أبا الحسن الأخفش أجاب به وهو أن يكون المراد ان الانسان خلق من تعجيل الأمر لانه تعالى قال (إنما أمرنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون)


[ 118 ]

.. فان قيل كيف يطابق هذا الجواب قوله من بعد فلا تستعجلون.. قلنا يمكن أن يكون وجه المطابقة انهم لما استعجلوا بالآيات واستبطؤها أعلمهم تعالى انه ممن لا يعجزه شئ إذا أراده ولا يمتنع عليه وان من خلق الانسان بلا كلفة ولا مئونة بان قال له كن فكان مع ما فيه من بدائع الصنعة وعجائب الحكمة التي يعجز عنها كل قادر ويحار فيها كل ناظر لا يعجزه اظهار ما استعجلوه من الآيات.. وخامسها ما أجاب به بعضهم من أن العجل الطين فكأنه تعالى قال خلق الانسان من طين كما قال تعالى في موضع آخر (وبدأ خلق الانسان من طين) واستشهد بقول الشاعر والنبع ينبت بين الصخر ضاحية والنخل ينبت بين الماء والعجل ووجدنا قوما يطعنون في هذا الجواب ويقولون ليس بمعروف ان العجل هو الطين وقد حكي صاحب كتاب العين عن بعضهم ان العجل الحمأة ولم يستشهد عليه إلا أن البيت الذي أوردناه يمكن أن يكون شاهدا له وقد رواه ثعلب عن ابن الاعرابي وخالف في شئ من ألفاظه فرواه والنبع في الصخرة الصماء منبته والنخل ينبت بين الماء والعجل وإذا صح هذا الجواب فوجه المطابقة بين ذلك وبين قوله تعالى (فلا تستعجلون) على نحو ما ذكرناه وهو ان من خلق الانسان مع الحكمة الظاهرة فيه من الطين لا يعجزه إظهار ما استعجلوه من الآيات أو يكون المعنى انه لا يجب لمن خلق من الطين المهين وكان أصله هذا الأصل الحقير الضعيف أن يهزأ برسل الله وآياته وشرائعه لانه تعالى قال قبل هذه الآية (وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم).. وسادسها أن يكون المراد بالانسان آدم عليه السلام ومعنى من عجل أي من سرعة من خلقه لانه لم يخلقه من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة كما خلق غيره وانما ابتدأه الله تعالى ابتداء وأنشأه انشاء فكأنه تعالى نبه بذلك على الآية العجيبة في خلقه له وانه عزوجل يرى عباده من آياته وبيناته أولا أولا ما تقتضيه مصالحهم وتستدعيه أحوالهم.. وسابعها ما روى عن مجاهد وغيره ان الله تعالى خلق آدم


[ 119 ]

بعد خلق كل شئ آخر نهار يوم الجمعة على سرعة معاجلا به غروب الشمس.. وروى ان آدم عليه السلام لما نفخت فيه الروح وبلغت الى أعالي جسده ولم يبلغ أسافله قال يا رب استعجل بخلقي قبل غروب الشمس.. وثامنها ما روى عن ابن عباس والسدي ان آدم عليه السلام لما خلق وجعلت الروح في أكثر جسده وثب عجلان مبادرا الى أثمار الجنة.. وقال قوم قد هم بالوثوب فهذا معنى قوله تعالى (خلق الانسان عجولا) وهذه الأجوبة الثلاثة مبنية على ان المراد بالانسان فيها آدم عليه السلام دون غيره.. [ قال المرتضي ] رضى الله عنه وإني لأستحسن لمسكين الدرامى قوله ورب أمور قد بريت لحاءها وقومت من أصلابها ثم رعتها أقيم بدار الحزم ما لم أهن بها فإن خفت من دار هوانا تركتها واصلح جل المال حتي تخالنى شحيحا وإن حق عراني أهنتها ولست بولاج البيوت لفاقة ولكن إذا استغنيت عنها ولجتها أبيت عن الإدلاج في الحي نائما وأرض بإدلاج وهم قطعتها ألا أيها الجارى سنيحا وبارحا تعرض نفسا لو أشاء قتلتها تعارض فخر الفاخرين بعصبة ولو وضعت لي في إناء أكلتها وإن لنا ربعية المجد كلها موارث آباء كرام ورثتها إذا قصرت أيدى الرجال عن العلا مددت لها باعا عليها فنلتها وداع دعاني للعلا فأجبته ودعوة داع للصديق خذلتها ومكرمة كانت رعاية والدي فعلمنيها والدى ففعلتها وعوراء من قيل امرئ ذى قرابة تصاممت عنها بعد ما قد سمعتها رجاء غد أن يعطف الرحم بيننا ومظلمة منه بجنبي عركتها


[ 120 ]

إذا ما أمور الناس رثت وضيعت وجدت أموري كلها قد زممتها وإنى سألقى الله لم أرم حرة ولم تأتمني يوم سر فخنتها ولا قاذف نفسي ونفسي بريئة وكيف اعتذاري بعد ما قد قذفتها أخبرنا أبو عبيدالله المرزباني قال أخبرنا أبو ذر القراطيسى قال حدثنا عبيد الله بن محمد ابن أبي الدنيا قال حدثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي ان رجلا من الأنصار حدثه قال قال مسكين الدرامى ولست إذا ما سرني الدهر ضاحكا ولا خاشعا ما عشت من حادث الدهر ولا جاعلا عرضي لمالي وقاية ولكن أقي عرضي فيحرزه وفرى أعف لدى عسرى وأبدى تجملا ولا خير فيمن لا يعف لدى العسر وإني لأستحيى إذا كنت معسرا صديقي واخواني بأن يعلموا فقري وأقطع إخوانى وما حال عهدهم حياء وإعراضا وما بي من كبر فإن يك عارا ما أتيت فربما أتى المرء يوم السوء من حيث لا يدرى ومن يفتقر يعلم مكان صديقه ومن يحي لا يعدم بلاء من الدهر ومن مستحسن قوله إن ادع مسكينا فما قصرت قدري بيوت الحي والخدر قيل ان مسكينا ليس باسمه وانما اسمه ربيعة وانما سمى بذلك لقوله وسميت مسكينا وكانت لجاجة وإني لمسكين إلى الله راغب (1)


(1) سماه في كتاب الشعراء ربيعة بن عامر بن أنيف من بني دارم وقال كان في زمن معاوية رضى الله عنه وهو القائل فيه اليك أمير المؤمنين رحلتها تثير القطا ليلا وهن هجود

[ 121 ]

ومعنى – قصرت قدري – أي سترت يريد انها بارزة لا تحجبها السواتر والحيطان ما مس رحلي العنكبوت ولا جدياته من وضعه غبر وهذه كناية مليحة عن مواصلة السير وهجر الوطن لأن العنكبوت انما تنسج على ما لا تناله الأيدى ولا يكثر استعماله – والجديات – جمع جدية وهي باطن دفة الرحل لا آخذ الصبيان ألثمهم والأمر قد يغري به الأمر يقول لا أقبل الصبي وأنا أريد التعرض بأمه ومثله لغيره ولا ألقي لذي الودعات صوتي لألهيه وريبته أريد (1) وأنشد ابن الاعرابي مثله إذا رأيت صبي القوم يلثمه ضخم المناكب لا عم ولا خال


على الطائر الميمون والجد صاعد لكل اناس طائر وجدود إذا المنبر الغربي خلى مكانه فان أمير المؤمنين يزيد.. وأنشد له وإذا الفاحش لاقي فاحشا فهنا كم وافق الشن الطبق انما الفحش ومن يعتاده كغراب السوء ما شاء نعق أو حمار السوء ان أشبعته رمح الناس وان جاع نهق أو غلام السوء ان جوعته سرق الجار وان يشبع فسق أو كغيري رفعت من ذيلها ثم أرخته ضرارا فانمزق أيها السائل عما قد مضى هل جديد مثل ملبوس خلق (1) قوله لذي الودعات الخ: ذو الودعات الطفل لانهم يعلقون عليه الودع: ومعنى وريبته أريد أي لا أريد ريبة أمه فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ومثل هذا يحفظ ولا يقاس عليه لتخلف الشرط: والبيت من جملة أبيات لعقيل بن علفة المرى الجافي المشهور(16 – أمالى ثانى)

[ 122 ]

فاحفظ صبيك منه أن يدنسه ولا يغرنك يوما كثرة المال رجع الى تمام القصيدة ولرب يوم قد تركت وما بينى وبين لقائه ستر ومخاصم قاومت في كبد مثل الدهان فكان لي العذر وأعابني قومي بنو عدس وهم الملوك وخالي البشر (1) عمي زرارة غير منتحل وأبي الذي حدثته عمرو في المجد غرتنا مبينة للناظرين كأنها البدر لا يرهب الجيران غدرتنا حتي يوارى ذكرنا القبر لسنا كأقوام إذا كحلت إحدى السنين فجارهم تمر أي يستحلي الغدر به كما يستحلى التمر مولاهم لحم على وضم تنتابه العقبان والنسر نارى ونار الجار واحدة واليه قبلي ينزل القدر يقال كان له امرأة تماظه فلما قال ذلك قالت له أجل انما نارك وناره واحدة لانه أوقد ولم توقد والقدر ينزل إليه قبلك لانه طبخ ولم تطبخ وأنت تستطعمه (2)


(1) قوله قومي بنو عدس: كل عدس في العرب بضم العين وفتح الدال إلا عدس ابن زيد هذا فانه مضموم العين والدال (2) ويروى من غير هذا الوجه انه كانت لمسكين امرأة وكانت فاركا كثيرة الخصومة والمماظة له فوقفت عليه وهو ينشد حتى إذا بلغ نارى ونار الجار البيت: قالت له صدقت والله يجلس جارك فيطبخ قدره فتصطلى بناره ثم ينزلها فيجلس يأكل وأنت بحذائه كالكلب فإذا شبع أطعمك أجل والله ان القدر لتنزل إليه قبلك فاعرض عنها فلما بلغ

[ 123 ]

ما ضر جاري إذ أجاوره أن لا يكون لبيته ستر قال ويقال انها قالت له في هذا البيت أيضا أجل ان كان له ستر هتكته أعمى إذا ما جارتي خرجت حتي يواري جارتي الخدر ويصم عما كان بينهما سمعي وما بي غيره وقر وأنشد عمر بن شبة لمسكين أيضا لا تجعلني كأقوام علمتهم لا يظلموا لبة يوما ولاودجا اني لأغلاهم باللحم قد علموا نيا وأرخصهم باللحم إذ نضجا أنا ابن قاتل جوع القوم قد علموا إذا السماء كست آفاقها رهجا يا رب أمرين قد فرجت بينهما إذا هما نشبا في الصدر واعتلجا أديم خلقي لمن دامت خليقته فأمزج الحلو أحيانا لمن مزجا وأقطع الخرق بالخرقاء لاهية إذا الكواكب كانت في الدجا سرجا ما أنزل الله من أمر فأكرهه إلا سيجعل لي من بعده فرجا ما مد قوم بأيديهم إلي شرف إلا رأونا قياما فوقهم درجا وأنشد أبو العباس ثعلب له أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله ويخصب عندي والمكان جديب وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ولكنما وجه الكريم خصيب


الى قوله: ماضر جارى الخ البيت فلما قالت له هتكته وثب إليها يضربها وجعل قومه يضحكون منهما: المماظة شدة الخلق وفظاظته

[ 124 ]

وروي ثعلب أيضا لحافي لحاف الضيف والبيت بيته ولم يلهني عنه غزال مقنع أحدثه أن الحديث من القرى وتعلم نفسي أنه سوف يهجع ومعني – أحدثه ان الحديث من القرى – أي اصبر على حديثه واعلم انه سوف ينام ولا أعرض بمحادثته فأكون قد محقت قراي والحديث الحسن من تمام القرى.. وقال الأصمعي أحسن ما قيل في الغيرة قول مسكين الدارمي ألا أيها الغائر المستشيط علام تغار إذا لم تغر فما خير عرس إذا خفتها وما خير بيت إذا لم يزر تغار علي الناس أن ينظروا وهل يفتن الصالحات النظر فإني سأخلي لها بيتها فتحفظ لي نفسها أو تذر إذا الله لم يعطه ودها فلن يعطي الود سوط ممر ومن ذا يراعي له عرسه إذا ضمه والمطى السفر [ قال رضى الله عنه ] وكان مسكين كثير اللهج بالقول في هذ المعنى فمن ذلك قوله وإني امرؤ لا آلف البيت قاعدا الى جنب عرسي لا أفرطها شبرا ولا مقسم لا أبرح الدهر بيتها لأجعله قبل الممات لها قبرا إذا هي لم تحصن أمام قبابها فليس بمنجيها بنائي لها قصرا ولا حاملي ظنى ولا قيل قائل علي حائط حتى أحيط بها خبرا فهبني امرأ راعيت ما دمت شاهدا فكيف إذا ما سرت من بيتها شهرا وأنشد أبو العيناء عن أبي العالية لمسكين


[ 125 ]

ما أحسن الغيرة في حينها وأقبح الغيرة في غير حين من لم يزل متهما عرسه مناصبا فيها لوهم الظنون يوشك أن يغريها بالذي يخاف أو ينصبها للعيون حسبك من تحصينها ضمها منك إلى خلق كريم ودين لا تظهرن منك على عورة فيتبع المقرون حبل القرين (مجلس آخر 36) [ تأويل آية ]: إن سأل سائل عن قوله تعالى في قصة يوسف عليه السلام (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين) فقال هل يسوغ ما تأول بعضهم هذه الآية عليه من أن يوسف عليه السلام عزم على المعصية وأرادها وانه جلس مجلس الرجل من المرأة ثم انصرف عن ذلك بأن رأى صورة أبيه يعقوب عاضا على إصبعه متوعدا له على مواقعة المعصية أو بأن نودى له بالنهي والزجر في الحال على ما ورد به الحديث.. الجواب قلنا إذا ثبت بأدلة العقول التي لا يدخلها الاحتمال والمجاز ووجوه التأويلات ان المعاصي لا تجوز على الأنبياء عليهم السلام صرفنا كل ما ورد ظاهره بخلاف ذلك من كتاب أو سنة الى ما يطابق الأدلة ويوافقها كما يفعل مثل ذلك فيما يرد ظاهره مخالفا لما تدل عليه العقول من صفاته تعالى وما يجوز عليه أو لا يجوز ولهذه الآية وجوه من التأويل كل واحد منها يقتضى براءة نبي الله من العزم على فاحشة وارادة المعصية.. أولها ان الهم في ظاهر الآية متعلق بما لا يصح أن يعلق به العزم أو الارادة على الحقيقة لانه تعالى قال (ولقد همت به وهم بها) فعلق الهم بهما وذاتا هما لا يجوز أن يراد أو يعزم عليهما لان الموجود الباقي لا يصح ذلك فيه فلا بد من تقدير محذوف يتعلق العزم به وقد يمكن أن يكون ما تعلق به همه عليه السلام


[ 126 ]

انما هو ضربها أو دفعها عن نفسه كما يقول القائل كنت هممت بفلان وقد هم فلان بفلان أي بان يوقع به ضربا أو مكروها.. فان قيل فأى معنى لقوله تعالى (لولا أن رأى برهان ربه) والدفع لها عن نفسه طاعة لا يصرف البرهان عنها.. قلنا يمكن أن يكون الوجه في ذلك انه لما هم بدفعها وضربها أراه الله برهانا على انه ان أقدم على ما هم به أهلكه أهلها أي قتلوه أو انها تدعي عليه المراودة عن القبيح وتقذفه بانه دعاها إليه وان ضربه لها كان لامتناعها فيظن به ذلك من لا تأمل له ولا علم بان مثله لا يجوز عليه فأخبر الله تعالى بانه صرف بالبرهان عنه السوء والفحشاء يعنى بذلك القتل والمكروه الذين كانا يوقعان به لانهما يستحقان الوصف بذلك من حيث القبح أو يعنى بالسوء والفحشاء ظنهم بذلك.. فان قيل هذا الجواب يقتضي ان جواب لو لا يتقدمها ويكون التقدير لولا أن رأى برهان ربه لهم بضربها ودفعها وتقديم جواب لولا قبيح غير مستعمل أو يقتضى أن تكون لولا بغير جواب.. قلنا أما تقدم جواب لولا فجائز وسنذكر ما فيه عند الجواب المختص بذلك غير أنا لا نحتاج إليه في هذا الجواب لأن العزم على الضرب والهم بالضرب قد وقع إلا أنه انصرف عنه بالبرهان والتقدير ولقد همت به وهم بدفعها لولا أن رأى برهان ربه لفعل ذلك فالجواب في الحقيقة محذوف والكلام يقتضيه كما حذف الجواب في قوله تعالى (ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤف رحيم) معناه لولا فضل الله عليكم ورحمته لهلكتم ومثله (كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم) معناه لو تعلمون علم اليقين لم تتنافسوا في الدنيا وتتفاخروا بها.. وقال امرؤ القيس فلو أنها نفس تموت سوية ولكنها نفس تساقط أنفسا أراد فلو أنها نفس تموت سوية لانقضت وفنيت فحذف الجواب على ان من تأول هذه الآية على الوجه الذي لا يليق بنبي الله وأضاف العزم على المعصية إليه لابد له من تقدير جواب محذوف ويكون التقدير عنده ولقد همت بالزنا وهم به لولا أن رأى برهان ربه لفعله.. فان قيل قوله هم بها كقوله همت به فلم جعلتم همها متعلقا بالقبيح وهمه بها متعلقا بما ذكرتم من الضرب وغيره.. قلنا أما الظاهر فلا يدل على ما تعلق الهم به


[ 127 ]

والعزم فيهما جميعا وانما أثبتنا همها به بأن يكون متعلقا بالقبيح لشهادة الكتاب والآثار به وهي ممن يجوز عليها فعل القبيح ولم يؤثر دليل في امتناعه عليها كما أثر ذلك فيه عليه السلام والموضع الذي يشهد بذلك من الكتاب قوله تعالى (وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه الى قوله في ضلال مبين) قوله تعالى (وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب) وقوله (الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين) وفي موضع آخر (فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين) وفى موضع آخر (فذلكن الذى لمتننى فيه ولقد راودته عن نفسه فأستعصم) والآثار واردة باطباق مفسري القرآن ومتأوليه على انها همت بالفاحشة والمعصية.. والوجه الثاني في تأويل الآية أن يحمل الكلام على التقديم والتأخير ويكون تلخيصه ولقد همت به ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها ويجرى ذلك مجرى قولهم قد كنت هلكت لولا أنى تداركتك وقتلت لولا أنى خلصتك والمعنى لولا تداركي لهلكت ولولا تخليصي لقتلت وان لم يكن وقع هلاك ولا قتل.. قال الشاعر فلا تدعني قومي صريحا لحرة لأن كنت مقتولا ويسلم عامر.. وقال آخر فلا تدعني قومي ليوم كريهة لئن لم أعجل ضربة أو أعجل فقدم جواب الشرط في البيتين جميعا (1) وقد استشهد عليه أيضا بقوله تعالى (ولولا فضل الله عليكم ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك) والهم لم يقع لمكان فضل الله ورحمته ومما يشهد لهذا التأويل ان في الكلام شرطا وهو قوله تعالى (لولا أن رأى برهان ربه) فكيف يحمل على الاطلاق مع حصول الشرط وليس لهم أن يجعلوا جواب لولا محذوفا


(1) هذا الذي اعتمده يخالف مذهب جمهور البصريين فان جواب الشرط عندهم لا يتقدم فإذا تقدم ما هو جواب في المعنى فهو دال عليه وليس إياه وهو محذوف: وذهب الكوفيين والمبرد وأبو زيد الي جواز تقديمه ولا حذف عندهم في مثل ذلك

[ 128 ]

مقدرا لأن جعل جوابها موجودا أولا: وقد استبعد قوم تقديم جواب لولا عليها قالوا ولو جاز ذلك لجاز قام زيد لولا عمرو وقصدتك لولا بكر وقد بينا بما أوردناه من الأمثلة والشواهد جواز تقديم جواب لولا والذي ذكروه لا يشبه بما أجزناه وقد يجوز أن يقول القائل قد كان زيد قام لولا كذا وكذا وقد كنت قصدتك لو لا أن صدني فلان وان لم يقع قيام ولا قصد وهذا الذي يشبه الآية وليس تقديم جواب لو لا بأبعد من حذف جواب لولا جملة من الكلام وإذا جاز عندهم الحذف لئلا يلزمهم تقديم الجواب جاز لغيرهم تقديم الجواب حتى لا يلزم الحذف.. والجواب الثالث ما اختاره أبو على الجبائي وان كان غيره قد تقدمه الى معناه وهو أن يكون معنى هم بها اشتهاها ومال طبعه الى ما دعته إليه وقد يجوز أن يسمي الشهوة في مجاز اللغة هما كما يقول القائل فيما لا يشتهيه ليس هذا من همى وهذا أهم الأشياء الى ولا قبح في الشهوة لانها من فعل الله تعالى فيه وانما يتعلق القبيح بتناول المشتهى.. وقد روى هذا الجواب عن الحسن البصري قال أما همها فكان أخبث الهم وأما همه فما طبع عليه الرجال من شهوة النساء ويجب على هذا الوجه أن يكون قوله تعالى (لولا أن رأى برهان ربه) متعلق بمحذوف كأنه قال لولا أن رأى برهان ربه لعزم أو فعل.. والجواب الرابع ان من عادة العرب أن يسموا الشئ باسم ما يقع فيه في الأكثر عنده وعلى هذا لا ينكر أن يكون المراد بهم بها أي خطر بباله أمرها ووسوس إليه الشيطان بالدعاء إليها من غير أن يكون هناك هم أو عزم فسمى الخطور بالبال هما من حيث كان الهم يقع في الأكثر عنده والعزم في الأغلب يتبعه وانما أنكرنا ما ادعاه جهلة المفسرين ومحرفوا القصاص وقذفوا به نبي الله عليه السلام لما ثبت في العقول من الأدلة على أن مثل ذلك لا يجوز على الأنبياء عليهم السلام من حيث كان منفرا عنهم وقادحا في الغرض المجري إليه بارسالهم والقصة تشهد بذلك لانه تعالى قال (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء) ومن أكبر السوء والفحشاء العزم على الزنا ثم الأخذ فيه والشروع في مقدماته وقوله تعالى أيضا (انه من عبادنا المخلصين) يقتضي تنزيهه عن الهم بالزنا والعزم عليه وحكايته عن النسوة قولهن (حاش لله ما علمنا عليه من سوء) يدل أيضا على أنه برئ من القبحين


[ 129 ]

.. فأما البرهان الذي رآه فيحتمل أن يكون لطفا لطف الله تعالى له به في تلك الحال أو قبلها اختار عنده الانصراف عن المعاصي والتنزه عنها ويحتمل أيضا ما ذكره أبو على وهو أن يكون البرهان دلالة الله تعالى له على تحريم ذلك وعلى أن من فعله يستحق العقاب وليس يجوز أن يكون البرهان ما ظنه الجهال من رؤية صورة أبيه يعقوب عليه السلام متوعدا له أو النداء له بالزجر والتخويف لأن ذلك ينافي المحنة وينقض الغرض بالتكليف ويقتضى أن لا يستحق على امتناعه وانزجاره مدحا ولا ثوابا وهذا سوء ثناء على الأنبياء واقدام على قرفهم بما لم يكن منهم والحمد الله على حسن التوفيق.. روى أحمد ابن عبد الله بن العباس الصولى الملقب بطماس قال كنت يوما عند عمى ابراهيم بن العباس فدخل إليه رجل فقربه حتى جلس الى جانبه أو قريبا منه ثم حادثه الى ان قال له عمى يا أبا تمام ومن بقى ممن يعتصم به ويلجأ إليه فقال أنت لا عدمت وكان ابراهيم طويلا أنت والله كما قيل يمد نجاد السيف حتى كأنه بأعلى سنامي فالج يتطوح ويندلج في حاجات من هو نائم ويورى كريمات الندى حين يقدح إذا اعتم بالبرد اليماني خلته هلالا بدا في جانب الافق يلمح يزيد على فضل الرجال فضيلة ويقصر عنه مدح من يتمدح فقال له ابراهيم أنت تحسن قائلا وراويا ومتمثلا فلما خرج تبعته وقلت له أكتبني الأبيات فقال هي لأبي الجويرية العبدى فاخذها من شعره.. وروى عن يحيى بن البحتري قال رأيت أبى يذاكر جماعة من أمراء أهل الشام بمعان من الشعر فمر فيها ذكر قلة نوم العاشق وما قيل فيه فأنشدوا انشادات كثيرة فقال لهم أبي قد فرغ من هذا كاتب كان بالعراق فقال أحسب النوم حكاكا إذ رأى منك جفاكا مني الصبر ومنك الهجر فابلغ بي مداكا (17 – أمالى ني)


[ 130 ]

بعدت همة عين طمعت في أن تراكا أو ما خط لعيني أن ترى من قد رأكا ليت حظي منك أن تعلم ما بى من هواكا قال أبي انه تصرف في معان من الشعر في هذه الأبيات قال فكتبها عنه جماعة من حضروا والأبيات لابراهيم بن العباس الصولى.. وأخبرنا على بن محمد الكاتب قال أخبرنا محمد بن يحيى الصولى قال لما بايع المأمون لعلى بن موسى الرضا عليهما السلام بالعهد وأمر الناس بلبس الخضرة صار إليه دعبل بن علي الخزاعى وابراهيم بن العباس الصولى وكانا صديقين لا يفترقان فأنشده دعبل مدارس آيات خلت من تلاوة ومنزل وحي مقفر العرصات وأنشده ابراهيم بن العباس الصولى على مذهبهما قصيدة أولها أزالت عراء القلب بعد التجلد مصارع أولاد النبي محمد قال فوهب لهما عشرين ألف درهم من الدراهم التي عليها اسمه وكان المأمون أمر بضربها في ذلك الوقت فأما دعبل بن على فصار بالشطر منها الى قم فاشترى أهلها منه كل درهم بعشرة دراهم فباع حصته بمائة ألف درهم.. وأما ابراهيم بن العباس فلم يزل عنده بعضها الى ان مات قال الصولى ولم أقف من قصيدة ابراهيم على أكثر من هذا البيت.. قال وكان السبب في ذهاب هذا الفن من شعره ما حدثني أبو العباس أحمد ابن محمد بن الفرات والحسين بن على الباقطانى قالا كان ابراهيم بن العباس صديقا لاسحاق بن ابراهيم أخى زيدان الكاتب المعروف بالزمن فأنسخه شعره في علي بن موسى الرضا عليهما السلام وقد انصرف من خراسان ودفع إليه شيئا بخطه منه وكانت النسخة عنده الى ان ولى المتوكل وولى ابراهيم بن العباس ديوان الضياع وقد كان تباعد ما بينه وبين أخى زيدان فعزله عن ضياع كانت في يده بحلوان وغيرها وطالبه بمال وألح عليه وأساء مطالبته فدعا اسحاق بعض من يثق به من اخوانه وقال له امض


[ 131 ]

الى ابراهيم بن العباس فاعلمه ان شعره في على بن موسى بخطه عندي وبغير خطه والله لئن استمر على ظلمي ولم يزل عنى المطالبة لأوصلن الشعر الى المتوكل قال فصار الرجل الى ابراهيم بن العباس فأخبره بذلك فاضطرب اضطرابا شديدا وجعل الأمر الى الواسطة في ذلك حتى أسقط جميع ما كان طالبه به وأخذ الشعر منه وأحلفه انه لم يبق عنده منه شئ فلما حصل عنده أحرقه بحضرته.. وذكر أبو أحمد بن يحيى بن على المنجم ان أباه على بن يحيى كان الواسطة بينهما.. قال الصولى وما عرفت من شعر ابراهيم في هذا المعنى شيئا إلا أبياتا وجدتها بخط أبي قال أنشدني أخي لعمه في على ابن موسى الرضا عليهما السلام من قصيدة كفى بفعال امرئ عالم على أهله عادلا شاهدا أرى لهم طارفا مؤنقا ولا يشبه الطارف التالدا يمن عليكم بأموالكم ويعطون من مئة واحدا فلا حمد الله مستبصرا يكون لاعداءكم حامدا فضلت قسيمك في قعدد كما فضل الوالد الوالدا قال الصولي فنظرت فوجدت على بن موسى الرضا عليهما السلام والمأمون متساويين في قعدد النسب وهاشم التاسع من آبائهما جميعا.. وروى الصولى ان منشدا أنشد ابراهيم بن العباس وهو في مجلسه في ديوان الضياع ربما تكره النفوس من الأمر له فرجة كحل العقال قال فنكت بقلمه ساعة ثم قال ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعا وعند الله منها مخرج كملت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكان يظنها لا تفرج فعجب من جودة بديهته.. وأخبرنا أبو الحسن على بن محمد الكاتب قال أخبرني محمد بن يحيى الصولى قال حدثني القاسم بن اسمعيل أبو ذكوان الرواية قال كنت


[ 132 ]

بالاهواز أيام الواثق وابراهيم بن العباس يلى معونتها وخراجها فوصفت له بالأدب فأمر باحضارى فلما دخلت عليه قرب مجلسي وقال تسلف أنس المطاولة فان الاستمتاع لا يتم إلا به فأنبسطت وتساءلنا عن الأشعار فما رأيت أحدا قط أعلم بالشعر منه فقال لي ما عندك في قول النابغة ألم تر أن الله اعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب فانك شمس والملوك كواكب إذا طلعت لم يبد منهن كوكب فقلت أراد تفضيله على الملوك فقال صدقت ولكن في الشعر خب وهو انه اعتذر الى النعمان من ذهابه الى آل جفنة الى الشام ومدحه لهم وقال انما فعلت هذا لجفائك بي فإذا صلحت بى لم أرد غيرك كما ان من أضاءت له الشمس لم يحتج الي ضوء الكواكب فأتى بمعنيين بهذا وبتفضيله قال فاستحسنت ذلك منه.. وكان ابراهيم بن العباس من أصدق الناس لأحمد بن أبى داود فعتب على ابنه أبى الوليد من شئ قدمه ومدح أباه وأحسن في التخلص كل الاحسان فقال عفت مساو تبدت منك واضحة على محاسن بقاها أبوك لكا لئن تقدم أبناء الكرام به لقد تقدم أبناء اللئام بكا.. ولابراهيم تمر الصبا صفحا بساكن ذي الغضا ويصدع قلبي أن يهب هبوبها قريبة عهد بالحبيب وإنما هوى كل نفس حيث كان حبيبها تطلع من نفسي اليك نوازع عوارف أن اليأس منك نصيبها وأخذ هذا من قول ذى الرمة إذا هبت الأرواح من كل جانب به آل مي هاج شوقي هبوبها هوي تذرف العينان منه وإنما هوي كل نفس حيث كان حبيبها


[ 133 ]

.. ولابراهيم دنت باناس عن تناء زيارة وشط بليلي عن دنو مزارها وإن مقيمات بمنقطع اللوى لأقرب من ليلى وهاتيك دارها وأخذ ذلك من قول النظار الفقعسى يقولون هذي أم عمرو قريبة دنت بك أرض نحوها وسماء ألا إنما بعد الحبيب وقربه إذا هو لم يوصل إليه سواء ووجدت بعض أهل الأدب يظن ان ابراهيم بن العباس سبق الى هذا المعنى في قوله كن كيف شئت وأني تشا وأبرق يمينا وأرعد شمالا نجابك لؤمك منجي الذباب حمته مقاذيره أن ينالا حتى رأيت مسلم بن الوليد قد سبق الى هذا المعنى فأحسن غاية الاحسان فقال أما الهجاء فدق عرضك دونه والمدح عنك كما علمت جليل فاذهب فأنت طليق عرضك إنه عرض عززت به وأنت ذليل (مجلس آخر 37) [ تأويل آية ].. إن سأل سائل عن قوله تعالى حاكيا عن يوسف عليه السلام (قال رب السجن أحب الى مما يدعونني إليه وإلا تصرف عنى كيدهن أصب اليهن وأكن من الجاهلين).. فقال إذا كانت المحبة عندكم هي الارادة فهذا تصريح من يوسف عليه السلام بارادة المعصية لأن حبسه في السجن وقطعه عن التصرف معصية من فاعله وقبيح من المقدم عليه وهو في القبح يجرى مجرى ما دعى إليه من الزنا وقوله من بعد (وإلا تصرف عني كيدهن) يدل على ان امتناعه من القبيح مشروط بمنعهن وصرفهن عن كيده وهذا بخلاف مذهبكم لانكم تذهبون الى ان ذلك لا يقع منه صرف النسوة


[ 134 ]

عن كيدهن أو لم يصرفهن.. الجواب قلنا أما قوله عليه السلام (رب السجن أحب الي) ففيه وجهان من التأويل.. أولهما ان المحبة متعلقة في ظاهر الكلام بما لا يصح على الحقيقة أن يكون محبوبا مرادا لأن السجن انما هو الجسم والأجسام لا يجوز أن يريدها وانما يريد الفعل فيها والمتعلق بها والسجن نفسه ليس بطاعة ولا معصية وانما الأفعال فيه قد تكون طاعات ومعاصي بحسب الوجوه التي يقع عليها فادخال القوم يوسف عليه السلام الحبس أو اكراههم له على دخوله معصية منهم وكونه فيه وصبره على ملازمته والمشاق التي تناله باستيطانه كان طاعة منه وقربة وقد علمنا ان ظالما لو أكره مؤمنا على ملازمة لبعض المواضع وترك التصرف في غيره لكان فعل المكره حسنا وان كان فعل المكوره قبيحا وهذه الجملة تبين أن لا ظاهر في الآية يقتضى ما ظنوه وانه لابد من تقدير محذوف يتعلق بالسجن وليس لهم أن يقدروا ما يرجع الى الحابس من الأفعال إلا ولنا أن نقدر ما يرجع الى المحبوس وإذا احتمل الكلام الأمرين ودل الدليل على أن النبي لا يجوز أن يريد المعاصي والقبائح اختص المحذوف المقدر بما يرجع إليه مما ذكرناه وذلك طاعة لا لوم على مريده ومحبه.. فان قيل كيف يجوز أن يقول السجن أحب الى وهو لا يحب ما دعوه إليه ومن شأن مثل هذه اللفظة أن تدخل بين ما وقع فيه اشتراك في معناها وان فضل البعض على البعض.. قلنا قد تستعمل هذه اللفظة في مثل هذا الموضع وان لم يكن في معناها اشتراك على الحقيقة ألا ترى ان من خير بين ما يحبه وما يكرهه جائز أن يقول هذا أحب الى من هذا وان لم يجز مبتدئا أن يقول من غير أن يخير هذا أحب الى من هذا إذا كان لا يحب أحدهما جملة وانما سوغ ذلك على أحد الوجهين دون الآخر من حيث كان المخير بين الشيئين لا يخير بينهما إلا وهما مرادان له ومما يصح أن يريدهما فموضوع التخيير يقتضي ذلك وان حصل فيما ليس هذه صورته والمجيب على هذا متى قال كذا أحب الى من كذا مجيبا على ما يقتضيه موضوع التخيير وان لم يكن الأمران على الحقيقة يشتركان في تناول محبته ومما يقارب ذلك قوله تعالى (قل أذلك خير أم جنة الخلد) ونحن نعلم أن لا خير في العقاب وانما حسن ذلك لوقوعه موقع التوبيخ والتقريع على اختيار


[ 135 ]

المعاصي على الطاعات وانهم ما ركبوا المعاصي وآثروها على الطاعات إلا لاعتقادهم أن فيها خيرا ونفعا فقيل أذلك خير على ما تظنونه وتعتقدونه أم كذا وكذا وقد قال قوم في قوله تعالى (أذلك خير أم جنة الخلد) انما حسن ذلك لاشتراك الحالين في باب المنزلة وان لم يشتركا في الخير والنفع كما قال تعالى (خير مستقرا وأحسن مقيلا) ومثل هذا يأتي في قوله تعالى (رب السجن أحب الى) لأن الأمرين يعني المعصية ودخول السجن مشتركان في ان لكل منهما داعيا وعليه باعثا وان لم يشتركا في تناول المحبة فجعل اشتراكهما في داعى المحبة اشتراكا في المحبة نفسها وأجرى اللفظ على ذلك ومن قرأ هذه الآية بفتح السين فالتأويل أيضا ما ذكرناه لأن السجن المصدر فيحتمل أن يريد ان سجني لهم نفسي وصبري على حبسهم أحب الى من مواقعة المعصية ولا يرجع بالسجن الى فعلهم بل الى فعله.. والوجه الثاني أن يكون معنى أحب الى أي أهون عندي وأسهل على وهذا كما يقال لأحدنا في الأمرين يكرههما معا ان فعلت كذا وإلا فعل بك كذا وكذا فيقول بل كذا أحب الى أي اهون عندي بمعنى أسهل وأخف وان كان لا يريد واحدا منهما وعلى هذا الجواب لا يمتنع أن يكون انما عنى فعلهم به دون فعله لانه لم يخبر عن نفسه بالمحبة التي هي الارادة وانما وضع أحب موضع أخف والمعصية قد تكون أهون وأخف من أخرى.. وأما قوله تعالى (وإلا تصرف عنى كيدهن أصب اليهن) فليس المعنى فيه على ما ظنه السائل بل المراد متي لم تلطف لي بما يدعوني الي مجانبة المعصية وثبتنى الى تركها ومفارقتها صبوت وهذا منه عليه السلام على سبيل الانقطاع الى الله تعالى والتسليم لاموره وأنه لولا معونته ولطفه ما نجا من كيدهن ولا شبهة في ان النبي انما يكون معصوما عن القبائح بعصمة الله تعالى ولطفه وتوفيقه.. فان قيل الظاهر خلاف ذلك لأنه قال (وإلا تصرف عنى كيدهن) فيجب أن يكون المراد ما يمنعهن من الكيد ويدفعه والذي ذكرتموه من انصرافه عن المعصية يقتضى ارتفاع الكيد والانصراف عنه.. قلنا معني الكلام وإلا تصرف عني ضرر كيدهن والغرض به لانهن إنما أجرين بكيدهن الى مساعدته لهن على المعصية فإذا عصم منها ولطف له في الانصراف عنها فكأن الكيد قد انصرف


[ 136 ]

عنه ولم يقع به من حيث لم يقع ضرره وما أجرى به إليه ولهذا يقال لمن أجرى بكلامه الى غرض لم يقع ما قلت شيئا ولمن فعل ما لا تأثير له ما فعل شيئا وهذا بين بحمد الله ومنه [ تأويل خبر ].. إن سأل سائل عن تأويل الخبر الذي يرويه عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبة طويلة خطبها من يتبع المشمعة يشمع به.. الجواب ان المشمعة هي الضحك والمزاح واللعب يقال شمع الرجل يشمع شموعا وامرأة شموع إذا كانت كثيرة المزاح والضحك.. قال أبو ذؤيب يصف الحمير بقرار قيعان سقاها وابل واه فأثجم برهة لا يقلع (1) فلبثن حينا يعتلجن بروضة فيجد حينا في العلاج ويشمع أراد أن هذا الحمار الذي وصف حاله مع الاتن وانه معهن في بعض القيعان يعارك هذه الاتن ومعنى – يعتلجن – يعاض بعضهن بعضا ويترامحن من النشاط فيجد الفحل معهن مرة واخرى يأخذ معهن في اللعب فيشمع وفي جد لغتان يجد ويجد والمفتوح لغة هذيل ويقال فلان جاد مجد على اللغتين معا.. وقيل ان معنى يشمع في الحمار انه يتشم ثم يرفع رأسه فيكشر عن أضراسه فجعل ذلك بمنزلة الضحك.. قال الشماخ ولو أني أشاء كننت نفسي إلى لبات بهكنة شموع (2)


(1) – القرار – جمع قرارة وهو حيث يستقر الماء – والقيعان – جمع قاع وهو القطعة من الارض الصلبة الطيبة – والوابل – المطر العظيم القطر.. ويروى سقاها صيف وهو مطر الصيف – والواهي – كأنه منشق من شدة انصبابه وكثرة مائه – وانجم – أقام وثبت – والبرهة – الحين والزمان – والروضة – البقعة يجتمع فيها الماء ينبت فيها البقل والعشب ولا تسمى روضة الا إذا كان بها شجر وماء (2) يروى هيكلة مكان بهكنة والهيكلة من النساء العظيمة وتهيكلها اختيالها – والشموع – المزاحة – والبهكنة – التارة الغضة وقيل هي الجارية الخفيفة الطيبة الرائحة المليحة الحلوة

[ 137 ]

.. وقال المتنخل الهذلي ولا والله نادى الحي ضيفي هدؤا بالمساءة والعلاط سأبدأهم بمشمعة وأثنى بجهدي من طعام أو بساط أراد بقوله – نادى الحي ضيفي – أي لا ينادونه من النداء بالسوء والمكروه ولا يتلقونه بما يؤثر – والعلاط – من علطه واعتلط به إذا خاصمه وشاغبه ووسمه بالشر وأصله من علاط البعير وهو وسم في عنقه.. وقيل ان معنى نادى الحي ضيفي من النادي أي لا يجالسونه بالمكروه والسوء.. ومعنى – سأبدأهم بشمعة – أي بلعب وضحك لأن ذلك من علامات الكرم والسرور بالضيف والقصد الى إيناسه وبسطه.. ومنه قول الآخر ورب ضيف طرق الحي سرى صادف زادا وحديثا ما اشتهي (1) إن الحديث طرف من القري وروى الأصمعي عن خلف الأحمر قال سنة الاعراب انهم إذا حدثوا الرجل الغريب وهشوا إليه ومازحوه أيقن بالقري وإذا أعرضوا عنه عرف الحرمان.. ومعنى – أثنى بجهد من طعام أو بساط – أي اتبع ذلك بهذا.. ومعنى الخبر على هذا أن من كان من شأنه العبث بالناس والاستهزاء بهم والضحك منهم أصاره الله تعالى الى حالة يعبث به فيها ويستهزأ منه.. ويقارب هذا الحديث من وجه حديث آخر وهو ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من يشمع الناس بعمله يشمع الله به والمعنى من يرائى بأعماله ويظهرها تقربا الى الناس واتخاذا للمنازل عندهم يشهره الله بالرياء ويفضحه ويهتكه.. ويمكن أيضا في الخبر الأول وجه آخر لم يذكر فيه وهو ان من عادة العرب أن يسموا الجزاء على الشئ


(1) قوله ورب ضيف الخ.. البيتان للشماخ يمدح بهما عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما وقبلهما انك يابن جعفر نعم الفتى ونعم مأوى طارق إذا أتي ورب ضيف الخ(18 – أمالى ني)

[ 138 ]

باسمه ولذلك نظائر في القرآن وأشعار العرب كثيرة مشهورة فلا ينكر أن يكون المعنى من يتبع اللهو بالناس والاستهزاء بهم يعاقبه الله تعالى على ذلك ويجازيه فسمى الجزاء على الفعل باسمه وهذا الوجه أيضا ممكن في الخبر الثاني.. أخبرنا عبيدالله المرزباني قال أخبرنا ابن دريد قال أخبرنا عبد الرحمن بن أخي الأصمعي عن عمه قال إني لفي سوق ضرية وقد نزلت على رجل من بني كلاب كان متزوجا بالبصرة وكان له ابن فضرية إذ أقبلت عجوز على ناقة لها حسنة البزة فيها باقي جمال فأناخت وعقلت ناقتها وأقبلت تتوكأ على محجن لها فجلست قريبا منا وقالت هل من منشد فقلت للكالابي أيحضرك شئ قال لا فأنشدتها شعر للبشر بن عبد الرحمن الأنصاري وقصيرة الأيام ود جليسها لو باع مجلسها بفقد حميم من محذيات أخي الهوى غصص الجوى بدلال غانية ومقلة ريم صفراء من بقر الجواء كأنما خفر الحياء بها وردع سقيم قال فجثت على ركبتيها وأقبلت تحرش الأرض بمحجنها وأنشأت تقول قفي يا أميم القلب نقرأ تحية ونشكوا الهوى ثم افعلي ما بدا لك فلو قلت طأ في النار اعلم أنه هوى لك أو مدن لنا من وصالك لقدمت رجلي نحوها فوطئتها هدي منك لى أو ضلة من ضلالك سلى البانة العلياء بالاجرع الذي به البان هل حييت أطلال دارك وهل قمت في أطلالهن عشية مقام أخي البأساء واخترت ذالك ليهنئك إمساكي بكفي على الحشا ورقراق عينى خشية من زيالك قال الأصمعي فأظلمت والله على الدنيا بحلاوة منطقها وفصاحة لهجتها فدنوت منها فقلت أنشدتك الله لما زدتيني من هذا فرأيت الضحك في عينها وأنشدت


[ 139 ]

ومستخفيات ليس يخفين زرننا يسحبن أذيال الصبابة والشكل جمعن الهوى حتى إذا ما ملكنه نزعن وقد أكثرن فينا من القتل مريضات رجع الطرف خرس عن الخنا تألفن أهواء القلوب بلا بذل موارق من ختل المحب عواطف بختل ذوي الألباب بالجد والهزل يعنفنى العذال فيهن والهوى يحذرني من أن أطيع ذوي العذل [ قال المرتضي ] رضى الله عنه أما قول الأنصاري – وقصيرة الأيام – فأراد بذلك ان السرور يتكامل بحضورها لحسنها وطيب حديثها فتقصر أيام جليسها لأن أيام السرور موصوفة بالقصر.. ويمكن أن يريد بقصيرة الأيام أيضا حداثة سنها وقرب عهد مولدها وان كان الأول أشبه بما أتى في آخر البيت.. ومعنى – لو باع مجلسها بفقد حميم – أي ابتاعه وهذا اللفظ من الاضداد لأنه يستعمل في البائع والمشتري معا.. قال الفراء سمعت اعرابيا يقول بع لي تمرا بدرهم أي اشتر لي تمر.. وقال كثير فياليت عز النأى إذ حال بيننا وبينك باع الودلى منك تاجر (1) أي ابتاع.. وقوله – من محذيات أخي الهوى – أي معطيات يقال أحذيت الرجل من


(1) وقبله بليلى وجارات لليلي كأنها نعاج الملا تحدى بهن الاباعر أمنقطع ياعز ما كان بيننا وشاجرنى يا عز فيك الشواجر إذا قيل هذا بيت عزة قادني إليه الهوى واستعجلتني البوادر أصد وبى مثل الجنون لكى يرى رواة الخنا أنى لبيتك هاجر ألا ليت حظي منك ياعز انني إذا بنت باع الصبر لي عنك تاجر وهذه الرواية في البيت الأخير أشهر من تلك

[ 140 ]

الغنيمة أحذيه إحذاء إذا اعطيته والاسم الحذوة والحذيا والحذية كل ذلك العطية.. وقوله – كأنما خفر الحياء بها رداع سقيم – فالرداع هو الوجع في الجسد فكأنه أراد انها منقبضة منكسرة من الحياء كما يتغير لون السقيم أو يريد تغير لونها وصفرته من الحياء كما يتغير لون السقيم ويجري مجرى قول ليلى الأخيلية ومخرق عنه القميص تخاله بين البيوت من الحياء سقيما حتى إذا خفق اللواء رأيته تحت اللواء علي الخميس زعيما أخبرنا المرزبانى قال حدثني أبو عبد الله الحكيمي قال حدثنى ميمون بن هارون الكاتب قال حدثنا ابن أخي الأصمعي عن عمه قال لقيت اعرابيا بالبادية فاسترشدته الى مكان فأرشدني وأنشدني ليس العمى طول السؤال وإنما تمام العمى طول السكوت علي الجهل (1) فرجعت الى البصرة فمكثت بها حينا ثم قدمت البادية فإذا بالاعرابي جالسا بين ظهراني قوم وهو يقضى بينهم فما رأيت قضية أخطأت قضية الصالحين من أقضيته فجلست إليه فقلت يرحمك الله أما من رشوة أما من هدية أما من صلة فقال لا إذا جاء هذا ذهب التوفيق فشكوت إليه ما ألقى من عذل حليلة لي إياي في طلب المعيشة فقال لست فيها بأوحد وإني لشريكك ولقد قلت في ذلك شعرا فقلت أنشدنيه فأنشدني باتت تعيرني الإقتار والعد ما لما رأت لأخيها المال والخدما عنف لرأيك ما الأرزاق من جلد ولا من العجز بل مقسومة قسما


(1) وروي شفاء العمي حسن السؤال وإنما يطيل العمى طول السكوت على الجهل فكن سائلا عما عناك فانما خلقت أخا عقل لتسأل بالعقل وهما للرياشى النحوي

[ 141 ]

يا أمة الله إني لم أدع طلبا للرزق قد تعلمين الشرق والشأما فكل ذلك بالإجمال في طلب لم ارز عرضا ولم أسفك لذاك دما لو كان من جلد ذا المال أو أدب لكنت أكثر من نمل القرى نعما إرضي من العيش ما لم تحوجي معه أن تفتحي لسؤال الأغنياء فما واستشعري الصبر عل الله خالقنا يوما سيكشف عنا الضر والعد ما لا تحوجيني الي ما لو بذلت له نفسي لا عقبك التهمام والندما بالله سرك أن الله خولني ما كان خوله الاعراب والعجما ما سرنى أننى خولت ذاك ولا أن لا أقول لباغي حاجة نعما وأنني لم أفد عقلا ولا أدبا ولا أرث والدي مجدا ولا كرما فعسرة المرء أحرى في معاشك من أمر يجر عليك الهم والألما قال فوالله ما أنشدتها حتى حلفت أن لا تعذلنى أبدا.. أخبرنا على بن محمد الكاتب قال أخبرنا ابن دريد قال أخبرنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه قال رأيت بقباء شابا من بني عامر ما رأيت بدويا أفصح منه ولا أظرف فوالله كأنه شواظ يتلظي فاستنشدته فأنشدني فلم أنسكم يوم اللوى إذ تعرضت لنا أم طفل خاذل قد تجلت وقالت سأنسيك العشية ما مضى وأصرف منك النفس عما أحبت فما فعلت لا والذي أنا عبده على ما بدا من حسنها إذ أدلت أبت سابقات الحب إلا مقرها إليك وما يثنى إذا ما استقرت هواك الذي في النفس أمسى دخيلها عليه انطوت احشاؤها واستمرت


[ 142 ]

وأنشدني أيضا ديار للتى طرقتك وهنا بريا روضة وذكاء رند تسائلني وأصحابي هجود وتثنى عطفها من غير صد فلما أن شكوت الحب قالت فإني فوق وجدك كان وجدى ولكن حال دونك ذو شذاة أسر بفقده ويهر فقدي معنى – يهر – يكره.. وبهذا الاسناد عن قال الأصمعي قعدت الى اعرابي يقال له اسمعيل ابن عمار وإذا هو يفتل أصابعه ويتلهف فقلت له علام تتلهف فأنشأ يقول عيناي مشئومتان ويحهما والقلب حران مبتلى بهما عرفتانى الهوى بظلمهما يا ليتنى قبله عدمتهما هما إلى الحين قادتا وهما دل على ما أجن دمعهما سأعذر القلب في هواه فما سبب هذا البلاء غيرهما وبهذا الاسناد عن الأصمعي قال نزلت ليلة في وادي بني العنبر وهو إذ ذاك غان باهله أي آهل فإذا فتية يريدون البصرة فأحببت صحبتهم فأقمت ليلتي تلك عليهم وإني لو صب محموم أخاف أن لا أستمسك على راحلتي فلما أقاموا ليرحلوا أيقظوني فلما رأوا حالى رحلوا لى وحملوني وركب أحدهم ورائي يمسكني فلما أمعنوا السير تنادوا الا فتي يحدو بنا أو ينشدنا فإذا منشد في سواد الليل بصوت ند حزين ينشد لعمرك إني يوم بانوا فلم أمت خفاتا على آثارهم لصبور غداة المنقى إذ رميت بنظرة ونحن على متن الطريق نسير فقلت لقلبي حين خف به الهوى وكاد من الوجد المبر يطير فهذا ولما تمض للبين ليلة فكيف إذا مرت عليك شهور


[ 143 ]

وأصبح أعلام الأحبة دونها من الأرض غول نازح ومسير وأصبحت نجدي الهوى متهم الثوى أزيد اشتياقا أن يحن بعير عسى الله بعد النأي أن يسعف النوى ويجمع شمل بعدها وسرور قال فسكنت والله عني الحمى حتى ما أحس بها فقلت لرفيقى انزل يرحمك الله الى راحلتك فاني متماسك وجزاك الله عن الصبحة خيرا.. أخبرنا المرزباني قال أخبرنا محمد بن العباس قال حدثنا محمد بن يزيد النحوي قال حدثنا بعض أصحابنا عن الأصمعي قال كان بالبصرة اعرابي من بني تميم يتطفل على الناس فعاتبته على ذلك فقال والله ما بنيت المنازل إلا لتدخل ولاوضع الطعام إلا ليؤكل وما قدمت هدية فأتوقع رسولا وما أكره أن أكون ثقلا ثقيلا على من أراه شحيحا بخيلا أتقحم عليه مستأنسا وأضحك إذا رأيته عابسا فآكل برغمه وأدعه بهمه وما اخترق اللهوات طعام أطيب من طعام لم ينفق فيه درهم ولا يعنى إليه خادم (1) وأنشأ يقول كل يوم أدور في عرصة الحي أشم القتار شم الذباب


(1) وروى من غير هذا الوجه عن المبرد قال كان بالبصرة طفيلى مشهور وكان ذا أدب وظرف فمر بسكة النخع بالبصرة على قوم عندهم وليمة فاقتحم عليهم وأخذ مجلسه مع من دعى فانكره صاحب المنزل فقالوا له لو تأنيت أو صبرت يا هذا قبل الدخول حتى يؤذن لك كان أحسن لادبك وأعظم لقدرك وأجمل لمروءتك فقال إنما اتخذت البيوت ليدخل فيها ووضعت الموائد ليؤكل عليها والحشمة قطيعة واطراحها صلة وجاء في الآثار صل من قطعك واعط من منعك وأحسن الي من أساء اليك

[ 144 ]

فإذا ما رأيت آثار عرس أو ختان أو مجمع الأصحاب لا أروع دون التقحم لا أر هب دفعا ولكزة البواب مستهينا مما هجمت عليه غير مستأذن ولا هياب فتراني ألف ما قدم القو م علي رغمهم كلف العقاب ذاك أدني من التكلف والغر م وغيظ البقال والقصاب (مجلس آخر 38) [ تأويل آية ].. إن سأل سائل عن قوله تعالى (ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي) الى قوله (أن تكون من الجاهلين).. فقال ظاهر قوله تعالى (إنه ليس من أهلك) يقتضى تكذيب قوله عليه السلام انه من أهلى فالنبي لا يجوز عليه الكذب فما الوجه في ذلك وكيف يصح أن يخبر عن ابنه انه عمل غير صالح وما المراد به.. الجواب قلنا في هذه الآية وجوه.. أحدها أن نفيه لان يكون من أهله لم يتناول نفى النسب وانما نفى أن يكون من أهله الذين وعد بنجاتهم لانه عزوجل كان وعد نوحا عليه السلام بان ينجي أهله ألا ترى الى قوله تعالى (قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول) فاستثنى تعالى من أهله من أراد اهلاكه بالغرق ويدل عليه أيضا قول نوح عليه السلام (ان ابني من أهلى وان وعدك الحق) وعلى هذا الوجه يتطابق الخبران ولا يتنافيان وقد روى هذا التأويل بعينه عن ابن عباس وجماعة من المفسرين.. والجواب الثاني أن يكون المراد بقوله تعالى (ليس من أهلك) اي انه ليس على دينك وأراد انه كان كافرا مخالفا لأبيه وكأن كفره أخرجه من أن يكون له أحكام أهله ويشهد لهذا التأويل قوله تعالى طريق التعليل انه عمل


[ 145 ]

غير صالح فبين تعالى انه انما خرج من أحكام أهله لكفره وسوء عمله وقد روي هذا التأويل أيضا عن جماعة من المفسرين وحكى عن ابن جريج انه سئل عن ابن نوح فسبح طويلا ثم قال لا اله الا الله يقول الله ونادى نوح ابنه ويقول ليس منه ولكنه خالفه في العمل فليس منه من لم يؤمن.. وروى عن عكرمة انه قال كان ابنه ولكنه كان مخالفا له في النية والعمل فمن ثم قيل انه ليس من أهلك.. والوجه الثالث انه لم يكن ابنه على الحقيقة وانما ولد على فراشه فقال عليه السلام ان ابني على ظاهر الأمر فأعلمه الله تعالى ان الأمر بخلاف الظاهر ونبه على خيانة امرأته وليس في ذلك تكذيب خبره لانه انما خبر عن ظنه وعما يقتضيه الحكم الشرعي فأخبره الله تعالى بالغيب الذي لا يعلمه غيره وقد روى هذا الوجه عن الحسن وغيره.. وروى قتادة عن الحسن قال كنت عنده فقال ونادى نوح ابنه فقال لعمر الله ما هو ابنه قال فقلت يا أبا سعيد يقول الله تعالى ونادى نوح ابنه وتقول ليس بابنه قال أفرأيت قوله ليس من أهلك قال قلت معناه انه ليس من أهلك الذين وعدتك ان أنجيهم معك ولا يختلف أهل الكتاب انه ابنه فقال أهل الكتاب يكذبون.. وروى عن مجاهد وابن جريج مثل ذلك.. وهذا الوجه يبعد إذ فيه منافاة للقرآن لانه قال تعالى (ونادى نوح ابنه) فأطلق عليه اسم البنوة ولأنه أيضا استثناه من جملة أهله بقوله تعالى (وأهلك إلا من سبق عليه القول) ولان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يجب أن ينزهوا عن مثل هذه الحال لانها تعر وتشين وتغض من القدر وقد جنب الله تعالى أنبيائه عليهم الصلاة والسلام ما هو دون ذلك تعظيما لهم وتوقيرا ونفيا لكل ما ينفر عن القبول منهم وقد حمل ابن عباس ظهور ما ذكرناه من الدلالة على ان تأول قوله تعالى في امرأة نوح وامرأة لوط فخانتاهما على ان الخيانة لم تكن منهما بالزنا بل كانت احداهما تخبر الناس بانه مجنون والاخرى تدل على الأضياف والمعتمد في تأويل الآية هو الوجهان المتقدمان.. فأما قوله تعالى (انه عمل غير صالح) فالقراءه المشهورة بالرفع.. وقد روى عن جماعة من المتقدمين انهم قرؤا انه عمل غير صالح بنصب اللام وكسر الميم ونصب غير ولكل وجه.. فأما الوجه في الرفع فيكون على تقدير ان ابنك ذو عمل غير صالح وما يستعمل غير صالح فحذف (19 – أمالى)


[ 146 ]

المضاف وأقام المضاف إليه مقامه وقد استشهد على ذلك بقول الخنساء ما أم سقب علي بو تطيف به قد ساعدتها على التحنان أظآر ترتع ما رتعت حتى إذا ذكرت فإنما هي إقبال وإدبار أرادت انما هي ذات اقبال وادبار.. وقال قوم ان المعنى أصل ابنك هذا الذي ولد على فراشك وليس بابنك على الحقيقة والذى اخترناه خلاف ذلك.. وقال آخرون الهاء في قوله تعالى (انه عمل غير صالح) راجعة الى السؤال والمعنى ان سؤالك إباى ما ليس لك به علم عمل انه غير صالح لانه قد وقع من نوح ذلك السؤال والرغبة في قوله عليه الصلاة والسلام (رب ان ابني من أهلي وان وعدك الحق) ومعنى ذلك نجه كما نجيتهم ومن يجيب بهذا الجواب يقول ان ذلك صغيرة من النبي لأن الصغيره جائزه عليهم ومن يمنع أن يقع من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام شئ من القبائح يدفع هذا الجواب ولا يجعل الهاء راجعة الى السؤال بل الى الابن ويكون تقدير الكلام ما تقدم.. فإذا قيل له لم قال تعالى (لا تسألني ما ليس لك به علم) فكيف قال نوح عليه الصلاة والسلام من بعد (رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين).. قال لا يمتنع أن يكون نهيه عن سؤال ما ليس له به علم وان لم يقع منه لم يكن يعوذ عليه الصلاة والسلام من ذلك وان لم يواقعه الا ترى ان الله تعالى قد نهى نبيه عليه الصلاة والسلام عن الشرك والكفر وان لم يكن ذلك وقع منه فقال تعالى (لئن أشركت ليحبطن عملك) وكذلك لا يمتنع أن يكون نهاه في هذا الموضع عما لم يقع ويكون عليه السلام انما سأل نجاة ابنه باشتراط المصلحة لا على سبيل القطع وهكذا يجب في مثل هذا الدعاء.. فأما القراءة بلنصب فقد ضعفها قوم وقالوا كان يجب أن يقال انه عمل عملا غير صالح لأن العرب لا تكاد تقول هو يعمل غير حسن حتى تقول عمل عملا غير حسن وليس وجهها بضعيف في العربية لأن من مذهبهم الظاهر اقامة الصفة مقام الموصوف عند انكشاف المعنى وزوال اللبس فيقول القائل قد فعلت صوابا وقلت حسنا بمعنى فعلت فعلا صوابا وقلت قولا حسنا.. وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي


[ 147 ]

أيها القائل غير الصواب أخر النصح وأقللن عتابي وقال أيضا وكم من قتيل ما يباء به دم ومن غلق رهنا إذا ظمه مني ومن مالئ عينيه من شئ غيره إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى (1) وأنشدنا أبو عبد الله لرجل من بجيله كم من ضعيف العقل منتكث القوى ما إن له نقض ولا إبرام مالت له الدنيا عليه بأسرها فعليه من رزق الإله ركام ومشيع جلد أمين حازم مرس له فيما يروم مرام أعمى عليه سبيله فكأنه فيما يحاوله عليه حرام أخبرنا أبو عبيدالله المرزباني قال أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا ميمون بن


(1) وقبل البيتين فلم أر كالتجمير منظر ناظر ولا كليال الحج أفتن ذاهوى وبعدهما يسحبن اذيال المروط بأسؤق خدال وأعجاز مآكمها روي وسبب هذه الابيات ان أم عمرو بنت مروان حجت فلما قضت نسكها أتت عمر ابن أبى ربيعة وقد أخفت نفسها في نساء فحادثته ثم انصرفت وعادت إليه منصرفها من عرفات وقد أثبتها فقالت له لا تذكرني في شعرك وبعثت إليه بألف دينار فقبلها واشتري بها ثيابا من ثياب اليمن وطيبا فأهداه إليها فردته فقال إذا والله انهبه الناس فيكون مشهورا فقبلته

[ 148 ]

هرون قال حدثنا اسحق بن ابراهيم الموصلي قال كان محمد بن منصور بن زياد الملقب بفتي العسكر يميل الى الأصمعي ويفضله ويقوم بأمره قال فجئته يوما بعد موت محمد وعنده عبد كان لمحمد أسود وقد ترك الناس وأقبل عليه وسائله وتحفى به وحادثه فلما خرج لمته على ذلك وقلت من هذا حتى أفنيت عمر يومك به فقال هذا غلام ابن منصور ثم أنشدني وقالوا يا جميل أتى أخوها فقلت أتى الحبيب أخو الحبيب احبك والقريب بنا بعيد لإن ناسبت بثنة من قريب فقلت له وكنت أفعل هذا كثيرا به لاستجر كلامه وعلمه يا أبا سعيد ذلك أخوها وهذا غلامها فضحك وقال أنشد أبو عمرو أو قال غيره أري كل ارض أوطنتها وإن خلت لها حجج تندى بمسك ترابها حلفت بأنى لو أرى تبعا لها ذئاب الفضى حنت إلي ذئابها قال فجعلت أعجب من قرب لسانه من قلبه واجادة حفظه له متى أراده.. وبهذا الاسناد عن اسحاق الموصلي قال قرأت على الأصمعي شعر امرئ القيس فلما بلغت الى هذا البيت أمن أجل أعرابية حل أهلها بروض الشرى عيناك تبتدران فقال لي أتعرف في هذا البيت خبئا باطنا غير ظاهر قلت لا فسكت عنى فقلت ان كان فيه شئ فأفدينه قال نعم أما يدلك البيت على انه لفظ ملك مستهين ذي قدرة على ما يريد قال اسحق وما رأيت قط مثل الأصمعي في العلم بالشعر.. وروى عن اسحاق أيضا انه قال قال لي الأصمعي ما يعنى امرؤ القيس بقوله فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع فألهيتها عن ذي تمائم محول فقلت تخبرني فقال كان مفركا فيقول ألهيت هؤلاء عن كراهتهن للرجال فيكف انا عند المحبات لهم.. وروى ان السبب الذي هاج التنافر بين الأصمعي وابن الاعرابي ان


[ 149 ]

الأصمعي دخل يوما على سعيد بن سلم وابن الاعرابي حينئذ يؤدب ولده فقال لبعضهم أنشد أبا سعيد فأنشد الغلام أبياتا لرجل من بني كلاب رواه إياها ابن الاعرابي رأت نضو أسفار أميمة شاحبا على نضو أسفار فجن جنونها فقالت من اي الناس أنت ومن تكن فإنك راعى صرمة لا يزينها فقلت لها ليس الشحوب علي الفتي بعار ولا خير الرجال سمينها عليك براعي ثلة مسلحبة يروح عليها مخضها وحقينها سمين الضواحي لم تؤرقه ليلة وأنعم أبكار الهموم وعونها ورفع ليلة فقال له الأصمعي من رواك هذا فقال مؤدبي فأحضره فاستنشده فأنشده ورفع ليلة فأخذ ذلك عليه وفسر البيت فقال انما أراد انه لم تؤرقه ليلة أبكار الهموم وعونها وأنعم أي زاد على هذه الصفة.. وقوله – سمين الضواحى – أي ما ظهر منه وبدا سمين ثم قال الأصمعي لابن سلم من لم يحسن هذا المقدار فليس بموضع لتأديب ولد الملوك.. وأخبرنا المرزبانى قال حدثنا أحمد بن محمد المكى قال حدثنا أبو العيناء قال حدثنا الأصمعي قال ولد بشار بن برد أكمه لم ينظر الى الدنيا قط وكان ذا فطنة وذكاء فقلت له يوما من أين لك هذا الذكاء قال من قدم العمى وعدم المناظر يمنع من كثير من الخواطر المذهلة فيكسب فراغ الذهن وصحة الذكاء وأنشد لنفسه يفخر بالعمى عميت جنينا والذكاء من العمى فجئت عجيب الظن للعلم موئلا وغاض ضياء العين للعقل رافدا بقلب إذا ما ضيع الناس حصلا وشعر كنور الروض لا أمت بينه بقول إذا ما أحزن الشعر أسهلا وأخبرنا المرزباني قال أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا أبو العيناء قال حدثنا


[ 150 ]

الأصمعي قال أنشد رجل وأنا حاضر بشارا قول الشاعر وقد جعل الاعداء ينتقصوننا وتطمع فينا ألسن وعيون ألا إنما ليلي عصي خيز رانة إذا غمزوها بالأكف تلين فقال بشار والله لو جعلها عصى مخ أو زبد لما كان إلا مخطئا مع ذكر العصى ألا قال كما قلت وحوراء المدامع من معد كأن حديثها قطع الجمان إذا قامت لسبحتها تثنت كأن قوامها من خيزران ينسيك المني نظر إليها ويصرف وجهها وجه الزمان.. وأخبرنا المرزباني قال حدثنا على بن أبي عبد الله الفارسي قال حدثني أبي عن عمر بن شبة قال قال لي أبو عبيدة رحل بشار الى الشام فمدح سليمان بن هشام بن عبد الملك وكان مقيما بحران فقال فيه قصيدة طويلة أولها نأتك على طول التجاور زينب وما علمت ان النوى سوف يشعب وكان سليمان بخيلا فأعطاه خمسة آلاف درهم ولم يصب غيرها بعد ان طال مقامه فقال إن أمس منشنج اليدين عن الندى وعن العدو محبس الشيطان فلقد أروح علي اللئام مسلطا ثلج المقام منعم الندمان في ظل عيش عشيرة محمودة تندى يدى ويخاف فرط لساني أزمان سربال الشباب مذيل وإذ الأمير علي من حران رئم بأحوية العراق إذا بدا برقت عليه أكلة المرجان فاكحل بعبدة مقلتيك من القذى وبوشك رؤيتها من الهملان


[ 151 ]

فلقرب من تهوى وأنت متيم اشفى لدائك من بنى مروان فلما رجع الى العراق بره ابن هبيرة ووصله وكان ابن هبيرة يقدمه ويؤثره لمدحه قيسا وافتخاره بها فلما جاءت دولة أهل خراسان عظم شأنه.. وأخبرنا المرزباني قال حدثنا محمد بن أحمد الكاتب قال حدثنا أحمد بن يحيى النحوي قال قال الأصمعي ما وصف أحد الثغر إلا احتاج الى قول بشر بن أبي خازم يفلجن الشفاه عن اقحوان جلاه غب سارية قطار ولا وصف أحد اللون بأحسن من قول عمر بن أبي ربيعة وهي مكنونة تحير منها في أديم الخدين ماء الشباب شف عنها محقق جندبى فهى كالشمس من خلال السحاب ولا وصف أحد عينى امرأة إلا احتاج الى قول ابن الرقاع لولا الحياء وأن رأسي قد بدا فيه المشيب لزرت أم القاسم فكأنها وسط النساء اعارها عينيه أحور من جآذر جاسم وسنان اقصده النعاس فرنقت في عينه سنه وليس بنائم ولا وصف أحد نجيبا إلا احتاج الى قول حميد بن ثور محلى باطواق عتاق يبينها على الضر راعى الضأن لو يتقوف ولا وصف أحد ظليما إلا احتاج الى قول علقمة بن عبدة هيق كأن جناحيه وجؤجؤه بيت أطافت به خرقاء مهجوم ولا اعتذر أحد إلا احتاج الى قول النابغة فانك كالليل الذي هو مدركى وإن خلت أن المنتأى عنك واسع [ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه.. أما قول حميد – محلى بأطواق عتاق – فانه يريد أن عليه نجار الكرم والعتق فصارت دلالتهما وسماتهما حلية من حيث كان موسوما


[ 152 ]

بهما.. ومعنى – يبينها على الضراء – يتبينها ويعرفها هذا الراعى فيعلم انه كريم – والتقوف – من القيافة.. فأما قول علقمة هيق – فالهيق – ذكر النعام.. ومعنى – أطافت به خرقاء – أي عملته وابتنته وقيل ان خرقاء ههنا هي الحاذقة وان هذه اللفظة تستعمل على طريق الاضداد في الحاذقة وغير الحاذقه.. ومعنى – مهجوم – أي مهدوم.. وقال الأصمعي معنى أطافت به عملته فخرقت في عمله يقول قد أرسل جناحيه كأنه خباء امرأة خرقاء كلما رفعت ناحية استرخت ناحية اخرى والوجه الثاني أشبه وأملح.. فأما قول بشر بن أبى خازم في وصف الثغر فأحسن منه أكشف وأشد استيفاء للمعنى قول النابغة كالأقحوان غداة غب سمائه جفت أعاليه وأسفله ند فانما وصف أعاليه بالجفوف ليكون متفرقا متنضدا غير متلبد ولا مجتمع فيشبه حينئذ الثغور.. ثم قال وأسفله ند حتى لا يكون قحلا يابسا بل يكون فيه الغضاضة والصقالة فيشبه غروب الاسنان التي تلمع وتبرق.. وروى الرياشى قال سمعت الأصمعي يقول أحسن ما قيل في وصف الثغر قول ذي الرمة وتجلو بفرع من أراك كأنه من العنبر الهندي والمسك ينضح ذرى أقحوان واجه الليل وارتقى إليه الندى من رامة المتروح هجان الثنايا مغربا لو تبسمت لأخرس عنه كاد بالقول يفصح (مجلس آخر 39) [ تأويل آية ].. إن سأل سائل عن تأويل قوله تعالى (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم انما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون).. فقال كيف يعذبهم بالأموال والأولاد ومعلوم أن لهم فيها سرورا ولذة وأما تأويل قوله تعالى (وهم كافرون) فظاهره يقتضي انه أراد كفرهم من حيث أراد أن تزهق أنفسهم في


[ 153 ]

حال كفرهم لأن القائل إذا قال أريد أن يلقاني فلان وهو لابس أو على صفة كذا وكذا فالظاهر انه اراد كونه على تلك الصفة.. الجواب قلنا أما التعذيب بالأموال والأولاد ففيه وجوه.. أولها ما روى عن ابن عباس وقتادة وهو أن يكون في الكلام تقديم وتأخير ويكون التقدير فلا تعجبك يا محمد ولا يعجب المؤمنين معك أموال هؤلاء الكفار والمنافقين ولا أولادهم في الحياة الدنيا انما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة عقوبة لهم على منعهم حقوقها واستشهد على ذلك بقوله تعالى (اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون).. وأنشد في ذلك قول الشاعر عشية أبدت جيد أدماء مغزل وطرفا يريك الإثمد الجون أحورا يريد وطرفا أحور يريك الإثمد الجون وقد اعتمد هذا الوجه أيضا أبو على قطرب وذكره أبو القاسم البلخي والزجاج.. وثانيها أن يكون معنى التعذيب بالأموال والأولاد في الدنيا هو ما يجعله للمؤمنين من قتالهم وغنيمة أموالهم وسبى أولادهم واسترقاقهم وفي ذلك لا محالة إيلام لهم واستخفاف بهم وانما أراد الله تعالى بذلك اعلام نبيه صلى الله عليه وآله والمؤمنين انه لم يرزق الكفار الأموال والأولاد ولم يبقها في أيديهم كرامة لهم ورضى عنهم بل للمصلحة الداعية الى ذلك وانهم مع هذه الحالة معذبون بهذه النعم من الوجه الذي ذكرناه فلا يجب أن يغبطوا بها ويحسدوا عليها إذ كانت هذه عاجلتهم والعقاب الأليم في النار آجلتهم وهذا جواب أبي على الجبائي وقد طعن عليه بعض من لا تأمل له فقال كيف يصح هذا التأويل مع انا نجد كثيرا من الكفار لا تنالهم أيدى المسلمين ولا يقدرون على غنيمة أموالهم ونجد أهل الكتاب أيضا خارجين عن هذه الجملة لمكان الذمة والعهد وليس هذا الاعتراض بشئ لأنه لا يمتنع أن تختص الآية بالكفار الذين لا ذمة لهم ولا عهد ممن أوجب الله تعالى محاربته فأما الذين هم بحيث لأتنالهم الأيدى أو هم من القوة على حد لا يتم معه غنيمة أموالهم فلا يقدح الاعتراض بهم في هذا الجواب لأنهم ممن أراد الله تعالى أن يسبى ويغنم ويجاهد ويغلب وان لم يقع ذلك وليس في ارتفاعه بالتعذر دلالة على انه غير مراد.. وثالثها أن يكون المراد بتعذيبهم (20 – أمالى ني)


[ 154 ]

بذلك كلما يدخله في الدنيا عليهم من الغموم والمصائب بأموالهم وأولادهم التي لهؤلاء الكفار المنافقين عقاب وجزاء وللمؤمنين محنة وجالبة للعوض والنفع ويجوز أيضا أن يراد به ما ينذر به الكافر قبل موته وعند احتضاره وانقطاع التكليف عنه مع انه حي من العذاب الدائم الذي قد أعد له واعلامه انه صائر إليه أو منتقل الى قراره وهذا الجواب قد روى معنى أكثره عن قوم من متقدمي المفسرين وذكره أبو على الجبائي أيضا.. ورابعها جواب يحكى عن الحسن واختاره الطبري وقدمه على غيره وهو أن يكون المراد بذلك ما ألزمه هؤلاء الكفار من الفرائض والحقوق في أموالهم لأن ذلك يؤخذ منهم على كره وهم إذا أنفقوا فيه أنفقوا بغير نية ولا عزيمة فتصير نفقتهم غرامة وعذابا من حيث لا يستحقون عليها أجرا.. [ قال الشريف المرتضي ] رحمه الله وهذا وجه غير صحيح لأن الوجه في تكليف الكافر اخراج الحقوق من ماله كالوجه في تكليف المؤمن ذلك ومحال أن يكون انما كلف اخراج هذه الحقوق على سبيل العذاب والجزاء لأن ذلك لا يقتضي وجوبه عليه والوجه في تكليف الجميع هذه الامور هو المصلحة واللطف في التكليف ولا يجري ذلك مجرى ما قلناه في الجواب الذي قبل هذا من ان المصائب والغموم تكون للمؤمنين محنة وللكافرين عقوبة لأن تلك الامور مما يجوز أن يكون وجه حسنها للعقوبة والمحنة جميعا ولا يجوز في هذه الفرائض أن يكون لوجوبها على المكلف إلا وجه واحد وهو المصلحة في الدين فاقترن الأمران وليس لهم أن يقولوا ليس التعذيب في ايجاب الفرائض عليهم وانما هو في اخراجهم لأموالهم على سبيل التكره والاستثقال وذلك انه إذا كان الأمر على ماذ كروه وخرج الأمر من أن يكون مرادا لله تعالى لانه جل وعز ما أراد منهم اخراج المال على هذا الوجه بل على الوجه الذي هو طاعة وقربة فإذا أخرجوها متكرهين مستثقلين لم يرد ذلك فكيف يقول انما يريد الله ليعذبهم بها ويجب أن يكون ما يعذبون به شيئا يصح أن يريده الله تعالى.. [ قال الشريف ] رحمه الله وجميع هذه الوجوه التي حكيناها في الآية إلا جواب التقديم والتأخير مبنية على ان الحياة الدنيا طوق للعذاب فيحمل كل متأول من القوم ضربا من التأويل ويطابق ذلك وما يحتاج عندنا الى جميع ما تكلفوه ولا الى التقديم والتأخير إذا لم يجعل الحياة ظرفا للعذاب بل جعلناها ظرفا للفعل


[ 155 ]

الواقع بالأموال والأولاد المتعلق بهما لإنا قد علمنا أولا ان قوله ليعذبهم بها لابد من الانصراف عن ظاهره لأن الأموال والأولاد نفسها لا تكون عذابا والمراد على سائر وجوه التأويل المتعلق بها والمضاف إليها سواء كان انفاقها والمصيبة بها والغم عليها أو اباحة غنيمتها واخراجها عن أيدى مالكيها فكان تقدير الآية انما يريد الله ليعذبهم بكذا وكذا مما يتعلق بأموالهم وأولادهم ويتصل بها فإذا صح هذا جاز ان تكون الحياة الدنيا لأفعالهم القبيحة في أموالهم وأولادهم التي تغضب الله تعالى وتسخطه كانفاقهم الأموال في وجوه المعاصي وحملهم الأولاد على الكفر وإلزامهم الموافقة لهم في النحلة ويكون تقدير الكلام انما يريد الله ليعذبهم بفعلهم في أموالهم وأولادهم الواقع ذلك منهم في الحياة الدنيا وهذا وجه ظاهر يغنى عن التقديم والتأخير وسائر ما ذكروه من الوجوه.. فأما قوله تعالى (وتزهق أنفسهم) فمعناه تبطل وتخرج أي انهم يموتون على الكفر وليس يجب إذا كان مريدا لأن تزهق أنفسهم وهم على هذه الحال أن يكون مريدا للحال نفسها على ما ظنوه لأن الواحد منا قد يأمر غيره ويريد منه أن يقاتل أهل البغى وهم محاربون ولا يقاتلهم وهم منهزمون ولا يكون مريدا لحرب أهل البغي للمؤمنين وان أراد قتلهم على هذه الحالة وكذلك قد يقول لغلامه أريد أن تواظب على المصير الى في السجن وأنا محبوس وللطبيب صر الى ولازمني وأنا مريض وهو لا يريد المرض ولا الحبس وان كان قد أراد ما هو متعلق بهاتين الحالتين.. وقد ذكر في ذلك وجه آخر على أن لا يكون قوله (وهم كافرون) حالا لزهوق أنفسهم بل يكون ذلك كأنه كلام مستأنف والتقدير فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم انما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم مع ذلك كافرون صائرون الى النار وتكون الفائدة انهم مع عذاب الدنيا قد اجتمع عليهم عذاب الآخرة ويكون معنى تزهق أنفسهم على هذا الجواب غير الموت وخروج النفس على الحقيقة بل المشقة الشديدة والكلف الصعبة كما يقال ضربت فلانا حتى مات وتلفت نفسه وأخرجت روحه وما أشبه ذلك [ قال الشريف ] رضى الله عنه ذاكرني قوم من أهل الأدب بأشعار المحدثين وطبقاتهم وانتهوا الى مروان بن يحيى بن أبى حفصة فأفرط بعضهم في وصفه وتقريظه


[ 156 ]

وتفضيله وآخرون في ذمه وتهجينه والازراء على شعره وطريقته واستخبروا عما اعتقده فيه فقلت لهم كان مروان متساوي الكلام متشابه الألفاظ غير متصرف في المعاني ولا غواص عليها ولا مدقق فيها فلذلك قلت النظائر في شعره ومدائحه مكررة الألفاظ والمعاني وهو غزير الشعر قليل المعنى الا انه مع ذلك شاعر له تجويد وحذق وهو أشعر من كثير من أهل زمانه وأشعر شعراء أهله ويجب أن يكون دون مسلم بن الوليد في تنقيح الألفاظ وتدقيق المعاني وحسن الألفاظ ووقوع التشبيهات ودون بشار بن برد في الأبيات النادرة السائرة فكأنه طبقة بينهما وليس بمقصر دونهما شديدا ولا منحط عنهما بعيدا وكان اسحق بن ابراهيم الموصلي يقدمه على بشار ومسلم وكذلك أبو عمرو الشيباني وكان الأصمعي يقول مروان مولد وليس له علم باللغة واختلاف الناس في اختيار الشعر بحسب اختلافهم في التنبيه على معانيه وبحسب ما يستنبطونه من مذاهبه وطرائقه فسئلت عند ذلك أن أذكر مختار ما وقع الى من شعره وأنبه على سرقاته ونظائر شعره وان أملى ذلك في خلال المجالس وأثنائها.. فمما يختار من شعره قوله من قصيدة يمدح بها المهدى أولها أعادك من ذكر الأحبة عائد أجل واستخفتك الرسوم البوائد يقول فيها تذكرت من تهوى فأبكاك ذكره فلا الذكر منسيى ولا الدمع جامد تحن ويأبي أن يساعدك الهوى وللموت خير من هوى لا يساعد ألا طالما أنهبت دمعك طائعا وجارت عليك الآنسات النواهد تذكرنا أبصارها مقل المها واعناقها أدم الظباء العواقد تساقط منهن الأحاديث غضة تساقط در اسلمته المعاقد


[ 157 ]

إليك أمير المؤمنين تجاذبت بنا الليل خوص كالقسي شوارد يمانية ينأى القريب محلة بهن ويدنو الشاخط المتباعد تجلى السرى عنها وللعيس أعين سوام وأعناق إليك قواصد إلى ملك يندى إذا يبس الثرى بنائل كفيه الأكف الجوامد له فوق مجد الناس مجدان منهما طريف وعادي الجراثيم تالد واحواض عز حومة الموت دونها وأحواض عرف ليس عنهن ذائد أياد بنى العباس بيض سوابغ علي كل قوم ناديات عوائد وهم يعدلون السمك من قبة الهدى كما تعدل البيت الحرام القواعد سواعد عز المسلمين وإنما تنوء بصولات الأكف السواعد يكون غرارا نومه من حذاره علي قبة الإسلام والخلق راقد كأن أمير المؤمنين محمدا لرأفته بالناس للناس والد [ قال الشريف ] رضى الله عنه.. أما قوله تساقط منهن الأحاديث غضة تساقط در أسلمته المعاقد فيكثر في الشعر وأظن ان الأصل فيه أبو حية النميري في قوله إذا هن ساقطن الأحاديث للفتى سقوط حصي المرجان من سلك ناظم (1)


(1) وهو من أبيات أولها وخبرك الواشون أن لن أحبكم بلى وستور الله ذات المحارم أصد وما الصد الذى تعلمينه عزاء بكم إلا ابتلاع العلاقم حياء وبقيا أن تشيع نميمة بنا وبكم اف لأهل النمائم فان دما لو تعلمين جنينه على الحي جاني مثله غير سالم أما إنه لو كان غيرك أرقلت إليه القني بالراعفات اللهاذم

[ 158 ]

وانما عنى بالمرجان صغار اللؤلؤ وعلى هذا يتأول قوله تعالى (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان).. ومثله قول الآخر هي الدر منثورا إذا ما تكلمت وكالدر مجموعا إذا لم تكلم.. ومثله من ثغرها الدر النظيم ولفظها الدر النثير ونظيره قول البحترى وأحسن غاية الاحسان ولما التقينا والنقا موعد لنا تعجب رائي الدر حسنا ولاقطه فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه ومثله قول الأخطل خلوت بها وسجف الليل ملقي وقد اصغت إلى الغرب النجوم كأن كلامه در نثير ورونق ثغرها در نظيم ولغيره تبسمت فرأيت الدر منتظما وحدثت فرأيت الدر منتثرا ولآخر وتحفظ لامن ريبة يحذرونها ولكنها من أعين الناس تحفظ وتلفظ درا في الحديث إذا جرى ولم نر درا قبل ذلك يلفظ ولبعض من تأخر زمانه من الشعراء وقرب من عصرنا هذا اظهرن وصلا إذ رحمن متيما وارين هجرا إذ خشين مراقبا


ولكنه والله ماطل مسلما كغر الثنايا واضحات الملاغم إذا هن ساقطن الأحاديث للفتى سقوط حصى المرجان من سلك ناظم رمين فأقصدن القلوب ولا ترى دما مائرا الأجوى في الحيازم

[ 159 ]

فنظمن من در المباسم جامدا ونثرن من در المدامع ذائبا [ قال الشريف ] رضى الله عنه وليس قول أبي هذيل في صفة الحديث كتساقط الرطب الجنى من الأقناء لا نثرا ولا نزرا من هذا الباب في شئ لأن جميع ما تقدم هو في وصف الثغر وهذا في وصف حسن الحديث وانه متوسط في القلة والكثرة لازم للقصد كانتثار الرطب من الاقناء ويشبه أن يكون أراد أيضا مع ذلك وصفه بالحلاوة والغضاضة لتشبيهه له بالرطب ثم انه غض طري غير مكرر ولا معاد لقوله الرطب الجنى فيجتمع له أغراض الوصف له بالفصاحة والاقتصاد في القلة والكثرة ثم وصفه بالحلاوة ثم الغضاضة.. ونظير قول أبي الهذيل قول ذي الرمة لها بشر مثل الحرير ومنطق رخيم الحواشي لأهراء ولا نزر (1) فأما قول مروان إلى ملك تندى إذا يبس الثرى بنائل كفيه الأكف الجوامد فمثل قول أبي حنش النميري في يحيي بن خالد البرمكي لا تراني مصافحا كف يحيى إننى إن فعلت اتلفت مالي


(1) وبعده وعينان قال الله كونا فكانتا فعولان بالألباب ما تفعل الخمر – رخيم الحواشي – لينها – والهراء – كغراب المنطق الكثير أو الفاسد الذي لا نظام له.. وروى ان الفرزدق حضر مجلس عبد الله بن أبى اسحاق فقال له كيف تنشد هذا البيت وعينان قال الله كونا الخ فأنشده فعولان فقال له عبد الله ما كان عليك لو قلت فعولين فقال له الفرزدق لو شئت ان أسبح لسبحت ونهض فلم يعرفوا مراده فقال عبد الله لو قال فعولين لأخبر ان الله خلقهما وأمرهما ولكنه أراد انهما تفعلان ما تفعل الخمر ام وكان هنا تامة لا خبر لها

[ 160 ]

لو يمس البخيل راحة يحيي لسخت نفسه ببدل النوالي ومثله قول ابن الخياط المدنى في المهدي لمست بكفي كفه أبتغي الغنى ولم أدر أن الجود من كفه يعدى فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغني أفدت وأعداني فأتلفت ما عندي وقد قيل ان هذا الشاعر كأنه مصرح بالهجاء لأنه زعم ان الذي لمس كفه لم يفده شيئا بل أعداه جوده فأتلف ماله ولم يرد الشاعر إلا المدح ولقوله وجه وهو ان ذوى الغنى هم الذين تستقر الأموال في أيديهم وتلبث تحت أيمانهم ومن أخرج ما يملكه حالا بحال لا يوصف بانه ذو غنى فأراد الشاعر انني لم أفد منه ما بقى في يدي واستقر تحت ملكى فلهذا قال لم يفد ما افاد ذوو الغنى.. ومن هذا المعنى قول مسلم إلى ملك لو صافح الناس كلهم لما كان حي في البرية يبخل ومثله قول أبي العكوك لو لمس الناس راحتيه ما بخل الناس بالعطاء وأحسن من هذا كله وأشبه بالمدح وأدخل في طريقته قول البحترى من شاكر عنى الخليفة بالذي أولاه من طول ومن إحسان ملأت يداه يدي وشرد جوده بخلى فافقرني كما أغناني حتي لقد أفضلت من إفضاله ورأيت نهج الجود حيث أراني ووثقت بالخلف الجميل معجلا منه فأعطيت الذي أعطاني ومن هذا المعنى قول الآخر رأيت الندى في آل عوف خليقة إذا كان في قوم سواهم تخلقا ولو جزت في أبياتهم لتعلمت يداك الندى منهم فأصبحت مملقا ولابن الرومي


[ 161 ]

يجود البخيل إذا ما را ك ويسطو الجبان إذا عاينك وأما قوله وأحواض عز حومة الموت دونها وأحواض عرف ليس عنهن زائد فيشبه أن يكون ابراهيم بن العباس الصولي أخذه في قوله لنا إبل كوم يضيق بها الفضا وتفتر عنها أرضها وسماؤها فمن دونها أن تستباح دماؤنا ومن دوننا أن نستذم دماؤها حمى وقرى فالموت دون مرامها وأيسر خطب عند حق فناؤها (1) وقد أحسن ابراهيم بن العباس في أبياته كل الاحسان فأما قوله يكون غرارا نومه من حذاره على قبة الإسلام والخلق راقد فكثير متداول.. ومن أحسنه قول محمد بن عبد الملك الزيات نعم الخليفة للرعية من إذا رقدت وطاب لها الكرى لم يرقد.. ومثله ويظل يحفظنا ونحن بغفلة ويبيت يكلؤنا ونحن نيام ومثله للبحتري أربيعة الفرس اشكري يد منعم وهب الإساءة للمسئ الجاني روعتموا جاراته فبعثتموا منه حمية آنف غيران لم تكر عن قاصي الرعية عينه فتنام عن وتر القريب الداني فأما قوله


(1) كان ثعلب يقول كان ابراهيم بن العباس أشعر المحدثين وينشد هذه الأبيات ويقول لو كان هذا لبعض الأوائل لاستجيد له ولم يرو ثعلب قط شعر كاتب غيره(21 – أمالى ني)

[ 162 ]

كأن أمير المؤمنين محمدا لرأفته بالناس للناس والد فنظير قول بعض الشعراء في يحيى بن خالد أحيي لنا يحيى فعال خالد فاصبح اليوم كثير الحامد يسخو بكل طارف وتالد على بعيد غائب وشاهد الناس في إحسانه كواحد وهو لهم أجمعهم كالوالد ومن جيد قول مروان من قصيدة أولها خلت بعدنا من آل ليلى المصانع وهاجت لنا الشوق الديار البلاقع يقول فيها ومالى إلى المهدي لو كنت مذنبا سوى حلمه الضافي على الناس شافع ولا هو عند السخط منه ولا الرضى بغير الذي يرضى به الله واقع تغض له الطرف العيون وطرفه على غيره من خشية الله خاشع أما قوله – ولا هو عند السخط منه ولا الرضى – البيت.. فمثل قول أشجع ولست بخائف لأبى على ومن خاف الإله فلن يخافا.. ومثله أمننى منه ومن خوفه خيفته من خشية الباري ولأبي نواس قد كنت خفتك ثم أمننى من أن أخافك خوفك الله ويشبه هذا المعني ما روى عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه وآله دعا غلاما مرارا فلم يجبه فخرج فوجده على باب البيت فقال له ما حملك على ترك اجابتي قال كسلت عن اجابتك وأمنت عقوبتك فقال عليه السلام الحمد لله الذي جعلني ممن يأمنه خلقه..


[ 163 ]

فأما قوله – تغض له الطرف العيون – فيشبه أن يكون مأخوذا من قول الفرزدق أو ممن تنسب (1) إليه هذه الأبيات يغضي حياء ويغضى من مهابته فما يكلم إلا حين يبتسم


(1) قوله أو ممن تنسب إليه يشير بهذا الى ان القصيدة المشهورة التى تنسب للفرزدق في سيدنا زين العابدين بن الحسين بن على رضى الله عنهم التى قالها لما قال هشام حين سأله رجل من أهل الشام من هذا الذى هابه الناس هذه الهيبة وذلك ان هشاما حج في خلافة أبيه فطاف ولم يستطع استلام الحجر لشدة الزحام فلما جاء زين العابدين رضى الله عنه تنحى الناس له فقال هشام للشامي لاأعرفه فقال الفرزدق أنا أعرفه وأنشأ يقول هذا سليل حسين نجل فاطمة بنت الرسول الذى انجابت به الظلم فحبسه هشام بين مكة والمدينة فقال الفرزدق أبياته التي منها يقلب رأسا لم يكن رأس سيد وعينا له حولاء باد عيوبها ففكه ثم بعث إليه زين العابدين رضى الله عنه اثني عشر ألف درهم فردها وقال مدحتك لله تعالى لا للعطاء فقال زين العابدين إنا أهل بيت إذا وهبنا شيئا لا نستعيده فقبلها ولم يثبت للفرزدق منها غير سبعة أبيات ونسب بعضها الى أبي دهبل الجمحي.. وأما قوله يغضى حياء الخ وقوله في كفه خيزران ريحها عبق في كف أروع في عرنينه شمم فقيل انهما لداود بن سلم يمدح بهما قثم بن العباس بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب وبعدهما هاتف بك من اوج ورابية يدعوك يا قثم الخيرات يا قثم وروى من غير هذا الوجه ان عبد الله بن عبد الملك حج فقال له أبوه سيأتيك الحزين الشاعر بالمدينة وهو ذرب اللسان فإياك أن تحتجب عنه وأرضه وصفته انه أشعر ذو بطن عظيم الأنف فلما قدم عبد الله المدينة وصفه لحاجبه وقال له إياك أن ترده فلم يأت الحزين حتى قام لينام فقال له الحاجب قد ارتفع فلما ولى ذكر فلحقه فقال ارجع

[ 164 ]

(مجلس آخر 40) [ تأويل آية ].. إن سأل سائل عن قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه).. وقال ما معنى الحول بين المرء وقلبه وهل يصح ما تأوله قوم من انه يحول بين الكافر والايمان وما معنى قوله لما يحييكم وكيف تكون الحياة في اجابته.. الجواب قلنا أما قوله تعالى (يحول بين المرء وقلبه) ففيه وجوه.. أولها أن يريد بذلك تعالى يحول بين المرء وبين الانتفاع بقلبه بالموت وهذا حث من الله عزوجل على الطاعات والمبادرة بها قبل الفوت وانقطاع التكليف وتعذر ما يستوفى به المكلف نفسه من التوبة والاقلاع فكأنه تعالى قال بادروا الى الاستجابة لله وللرسول من قبل أن يأتيكم الموت فيحول بينكم وبين الانتفاع بنفوسكم وقلوبكم ويتعذر عليكم ما تسوفون به نفوسكم من التوبة


فاستأذن له فأدخله فلما صار بين يديه ورأى جماله وبهاءه وفي يده قضيب خيزران وقف ساكتا فأمهله عبد الله حتي ظن انه قد أراح ثم قال له السلام عليك رحمك الله أولا فقال عليك السلام وحيا الله وجهك أيها الأمير انى قد كنت مدحتك بشعر فلما دخلت عليك ورأيت جمالك وبهاءك أذهلني عنه فأنسيت ما كنت قلته وقد قلت في مقامي هذا بيتين فقال ما هما فقال في كفه خيزران ريحها عبق من كف أروع في عرنينه شمم يغضي حياء ويغضى من مهابته فما يكلم إلا حين يبتسم بتقديم الأول على الثاني في هذه الرواية فأجازه فقال اخدمني أصلحك الله فانه لا خادم لي فقال اختر أحد هذين الغلامين فأخذ أحدهما فقال له عبد الله أعلينا ترذل خذ الأكبر والناس يروون هذين البيتين للفرزدق في أبياته التى يمدح بها على بن الحسين رضى الله عنهما وهو غلط ممن رواه فيها وليس هذان البيتان مما يمدح به مثله وله من الفضل المتعالم ما ليس لأحد

[ 165 ]

بقلوبكم ويقوى ذلك قوله تعالى (وأنه إليه تحشرون).. وثانيها أن يحول بين المرء وقلبه بازالة عقله وإبطال تمييزه وان كان حيا وقد يقال لمن فقد عقله وسلب تمييزه انه بغير عقل قال الله تعالى (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب).. قال الشاعر ولي ألف وجه قد عرفت مكانه ولكن بلا قلب الى أين اذهب وهذا الوجه يقرب من الأول لانه تعالى أخرج هذا الكلام مخرج الانذار لهم والحث على الطاعات قبل فوتها لانه لا فرق بين تعذر التوبة بانقطاع التكليف بالموت وبين تعذرها بازالة العقل.. وثالثها أن يكون المعنى المبالغة في الإخبار عن قربه من عباده وعلمه بما يبطنون ويخفون وان الضمائر المكتومة له ظاهرة والخفايا المستورة لعلمه بادية ويجري ذلك مجرى قوله تعالى (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) ونحن نعلم انه تعالى لم يرد قرب المسافة بل المعنى الذي ذكرناه وإذا كان عزوجل هو أعلم بما في قلوبنا منا وكان ما نعلمه أيضا يجوز أن ننساه ونسهو عنه ونضل عن علمه وكل ذلك لا يجوز عليه جاز أن يقول انه يحول بيننا وبين قلوبنا لانه معلوم في الشاهد ان كل شئ يحول بين شيئين فهو أقرب اليهما.. ولما أراد الله تعالى المبالغة في وصف القرب خاطبنا بما نعرف ونألف وان كان القرب الذي عناه جلت عظمته لم يرد به المسافة والعرب تضع كثيرا لفظة القرب على غير معنى المسافة فيقولون فلان أقرب الى قلبى من فلان وزيد منى قريب وعمرو منى بعيد ولا يريدون قرب المسافة.. ورابعها ما أجاب به بعضهم من ان المؤمنين كانوا يفكرون في كثرة عدوهم وقلة عددهم فيدخل قلوبهم الخوف فأعلمهم تعالى انه يحول بين المرء وقلبه بانه يبدله بالخوف امنا ويبدل عدوهم بظنهم انهم قادرون عليهم وغالبون لهم الجبن والخور.. ويمكن في الآية وجه خامس وهو أن يكون المراد انه تعالى يحول بين المرء وبين ما يدعوه إليه قلبه من القبائح بالأمر والنهي والوعد والوعيد لانا نعلم انه تعالى لو لم يكلف العاقل مع ما فيه من الشهوات والنفار لم يكن له عن القبيح مانع ولا عن مواقعته رادع فكان التكليف حائلا بينه وبينه من حيث زجر عن فعله وصرف عن مواقعته وليس يجب في الحائل أن يكون في كل موضع مما يمتنع معه الفعل لانا نعلم ان المشير منا على غيره في أمر كان قد هم به


[ 166 ]

وعزم على فعله أن يجتنبه والمنبه له على ان الحظ في الانصراف عنه يصح أن يقال منعه منه وحال بينه وبين فعله.. قال عبيدالله بن قيس الرقيات حال دون الهوى ودو ن سرى الليل مصعب وسياط على أكف رجال تقلب ونحن نعلم انه لم يحل إلا بالتخويف والترهيب دون غيرهما.. فان قيل كيف يطابق هذا الوجه صدر الآية.. قلنا وجه المطابقة ظاهر لانه تعالى أمرهم بالاستجابة لله تعالى ولرسوله فيما يدعون إليه من فعل الطاعات والامتناع من المقبحات فاعلمهم انه بهذا الدعاء والانذار وما يجري مجراهما يحول بين المرء وبين ما تدعوه إليه نفسه من المعاصي ثم ان المآب بعد هذا كله والمنقلب الى ما عنده فيجازي كلا باستحقاقه.. فأما قوله تعالى (إذا دعاكم لما يحييكم) ففيه وجوه.. أولها أن يريد بذلك الحياة في النعيم والثواب لان تلك هي الحياة الدائمة الطيبة التي يؤمن من تغيرها ولا يخاف انتقالها فكأنه تعالى حث على اجابته التي تكسب هذه الحال.. وثانيها انه يختص ذلك بالدعاء الى الجهاد وقتال العدو فكأنه تعالى أمرهم بالاستجابة للرسول عليه الصلاة والسلام فيما يأمرهم به من قتال عدوهم ودفعهم عن حوزة الاسلام وأعلمهم ان ذلك يحيهم من حيث كان فيه قهر للمشركين وتقليل لعددهم وفل لجهدهم وحسم لاطماعهم لانهم متى كثروا وقووا استلانوا جانب المؤمنين وأقدموا عليهم بالقتل وصنوف المكاره فمن ههنا كانت الاستجابة له عليه الصلاة والسلام تقتضي الحياة والبقاء ويجري ذلك مجرى قوله تعالى (ولكم في القصاص حياة).. وثالثها ما قاله قوم من ان كل طاعة حياة ويوصف فاعلها بانه حي كما ان المعاصي يوصف فاعلها بانه ميت والوجه في ذلك ان المؤمن الطائع لما كان منتفعا بحياته وكانت تؤديه الى الثواب الدائم قيل ان الطاعة حياة ولما كان الكافر العاصى لا ينتفع بحياته من حيث كان مصيره الى العقاب الدائم كان في حكم الميت ولهذا يقال لمن كان منغص الحياة غير منتفع بها فلان بلا عيش ولا حياة وما جرى مجرى ذلك من حيث لا ينتفع بحياته.. ويمكن في الآية وجه آخر وهو أن يكون المراد بالكلام الحياة في الحكم لا في


[ 167 ]

الفعل لانا قد علمنا انه عليه الصلاة والسلام كان مكلفا مأمورا بجهاد جميع المشركين المخالفين لملته وقتلهم وان كان فيما بعد كلف ذلك فيمن عدا أهل الذمة على شروطها فكأنه تعالى قال فاستجيبوا للرسول ولا تخالفوه فانكم إذا خالفتم كنتم في الحكم غير أحياء من حيث تعبد عليه الصلاة والسلام بقتالكم وقتلكم فإذا أطعتم كنتم في الحكم أحياء ويجري ذلك مجرى قوله تعالى (ومن دخله كان آمنا) وانما أراد تعالى إنما يجب أن يكون آمنا وهذا حكمه ولم يخبر بان ذلك لا محالة واقع.. فأما المجبرة فلا شبهة لهم في الآية ولا متعلق بها لانه تعالى لم يقل انه يحول بين المرء وبين الايمان بل ظاهر الآية لا يقتضي أن يحول بينه وبين أفعاله وانما يقتضي ظاهرها انه يحول بينه وبين قلبه وليس للايمان ولا للكفر ذكر ولو كان للآية ظاهر يقتضي ما ظنوه وليس لها ذلك ولا يضر قناعته بأدلة العقل الموجبة انه تعالى لا يحول بين المرء وبين ما أمر به وأراده منه وكلفه فعله لان ذلك قبيح والقبائح عنه منفية.. أخبرنا أبو عبيدالله محمد بن عمران المرزباني قال حدثني أحمد بن محمد الجوهرى قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثنا أحمد بن عمرو بن اسمعيل بن عبد العزيز بن عمرو بن عبد الرحمن بن عوف قال حدثنى عمر وبن خالد بن عبد الله عن الحجاج السلمي قال لما اشتد بحصن بن حذيفة بن بدر وجعه من طعنة كرز بن عامر إياه يوم بني عقيل دعا ولده فقال ان الموت أهون مما أجد فأيكم يطيعني قالوا كلنا نطيعك فبدأ بأكبرهم فقال قم فخذ سيفى واطعن به حيث آمرك ولا تعجل قال يا أبتاه أيقتل المرء أباه فأتي على القوم كلهم فأجابوه بجواب الأول حتى انتهى الي عيينة فقال يا أبتاه ليس لك فيما تأمرني به راحة ولي بذلك طاعة وهو هواك قال بلى قال فأمرني كيف أصنع قال الق السيف انما أردت ان أعلم أيكم أمضى لما آمر به فأنت خليفتي ورئيس قومك من بعدى فقال القوم انه سيقول في ذلك ابياتا فاحضروه فلما أمسى قال ولوا عيينة من بعدى أموركم واستيقنوا أنه بعدى لكم حام إما هلكت فإني قد بنيت لكم عز الحياة بما قدمت قدامى


[ 168 ]

واستوسقوا للتى فيها مروءتكم قود الجياد وضرب القوم في الهام والقرب من قومكم والقرب ينفعكم والبعد إن باعدوا والرمي للرامي ولى حذيفة إذ ولى وخلفني يوم الهباة يتيما وسط أيتام لا أرفع الطرف ذلا عند مهلكة القي العدو بوجه خده دامى حتي اعتقدت لوا قومي فقمت به ثم ارتحلت إلى الجفني بالشام لما قضي ما قضى من حق زائره عجت المطي إلى النعمان من عامي اسمو لما كانت الآباء تطلبه عند الملوك فطر في عندهم سامي والدهر آخره شبه لأوله قوم كقوم وأيام كأيام فابنوا ولا تهدموا فالناس كلهم من بين بان إلي العليا وهدام قال ثم أصبح ودعا بني بدر فقال لوائي ورياستي لعيينة واسمعوا منى ما أوصيكم به لا يتكل آخركم على أولكم فانما يدرك الآخر ما أدركه الأول وانكحوا الكفء الغريب فانه عز حادث وإذا حضركم أمران فخذوا بخيرهما صدرا فان كل مورد معروف واصحبوا قومكم بأجمل أخلاقكم ولا تخالفوا فيما اجتمعوا عليه فان الخلاف يزرى بالرئيس المطاع وإذا وحادثتم فاربعو ثم قولوا الصدق فانه لا خير في الكذب وصونوا الخيل فانها حصون الرجال وأطيلوا الرماح فانها قرون الخيل وأعزوا الكبير بالكبر فإني بذلك كنت أغلب الناس ولا تغزوا إلا بالعيون ولا تسرحوا حتى تأمنوا الصباح واعطوا على حسب المال واعجلوا الضيف بالقرى فان خيره أعجله واتقوا فضيحات البغى وفلتات المزاح ولا تجيروا على الملوك فان أيديهم أطول من أيديكم واقتلوا كرز بن عامر ومات حصن فأخذ عيينة الرياسة.. وقال أطعت أبا عيينة في هواه ولم تخلج صريمتى الظنون


[ 169 ]

وقد عرض الرئيس على بنيه فقال القوم هذا لا يكون ستحيا أو تموت فطالوه وقتل المرء والده جنون فلم أقتل بحمد الله حصنا وكل فتى سيدركه المنون ولم أنكل عليه وكل أمر إذا هونته يوما يهون فإن يك بدء هذا الأمر غثا فآخره بنى بدر سمين وحكي عمر بن بحر الجاحظ أن اسم عيينة بن حصن حذيفة وانما أصابته اللقوة فجحظت عينه وزال فكه فسمي لذلك عيينة وإذا عظمت عين الانسان لقبوه ابا عيينة وأبا العيناء.. وروى قيس بن أبي حازم أن عيينة بن حصن بن حذيفة دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هذا أحمق مطاع.. وروى أيضا أنه كان يدلع لسانه للحسين بن على عليهما السلام وهو صبي فيرى لسانه فيهش له فقال له عيينة أراك تضع هذا بهذا فو الله انه ليكون لي الابن رجلا قد خرج وجهه ما قبلته قط فقال رسول رسول الله صلى الله وسلم انه لا يرحم من لا يرحم.. ونعود الي ما كنا وعدنا به من الكلام على شعر مروان فمما يختار من شعره قوله من قصيدة أولها صحا بعد جهل فاستراحت عواذله وأقصر عنه حين أقصر باطله ومن مد في أيامه فتأخرت منيته فالشيب لاشك شامله هو المرء إما دينه فهو مانع صؤن وإما ماله فهو باذله أمر وأحلى ما بلا الناس طعمه عقاب أمير المؤمنين ونائله أبي لما يأبي ذوو الحزم والتقي فعول إذا ما جد بالأمر فاعله تروك الهوى لا السخط منه ولا الرضى – لدى موطن إلا علي الحق حامله


[ 170 ]

(22 – أمالى نى) يرى أن مر الحق أحلي مغبة وأنجا ولو كانت زعافا مناهله فإن طليق الله من هو مطلق وإن قتيل الله من هو قاتله وإنك بعد الله للحكم الذي تصاب به من كل حق مفاصله.. أما قوله – ومن مد في أيامه فتأخرت * منيته فالشيب لا شك شامله -.. فمأخوذ من قول طريح بن اسمعيل الثقفى والشيب غاية من تأخر حينه لا يستطيع دفاعه من يجزع والأصل في هذا قول امية بن أبى الصلت من لم يمت عبطة يمت هرما والموت كأس والمرء ذائقها ويشبه ذلك قول الآخر قل لعرسي ليس شيبي بعجب من يعش يا أم عمار يشب ومثله قول أبى العتاهية من يعش يكبر ومن يكبر يمت والمنايا لا تبالي من أتت ويشبه قول البحتري ولا بد من ترك إحدي اثنتين فإما الشباب واما العمر وقوله والشيب مهرب من جارى مشيته ولا نجاء له من ذلك الهرب وقريب منه قول ابن المعتز قالت كبرت وانتفيت من الصبا فقلت لها ما عشت إلا لأكبرا ولبعضهم ولا بد من موت فإما شبية وإما مشيب والشبية أصلح معنى قوله – والشبيبة أصلح – إن الانسان إذا مات شابا كان أكثر للحزن عليه


[ 171 ]

والأسف على مفارقته فإذا أسن برم به أهله وهان عندهم فقده.. فأما قوله هو المرء إما دينه فهو مانع صؤن وإما ماله فهو باذله فمعناه متكرر في الشعر كثير جدا.. وأحسن شعر جمع بين وصف الممدوح بمنع ما يجب منعه وبذل ما يجب بذله قول مسلم بن الوليد الأنصاري يذكر نيك الجود والبخل والنهى وقول الخنا والحلم والعلم والجهل فالقاك عن مذمومها متنزها والقاك في محمودها ولك الفضل وأحمد من أخلاقك البخل إنه بعرضك لا بالمال حاشا لك البخل وقد أحسن البحترى في قوله بلونا ضرائب من قد نرى فما إن وجدنا لفتح ضريبا تنقل في خلقي سؤدد سماحا مرجي وباسا مهيبا فكالسيف إن جئته صارخا وكالبحر إن جئته مستثيبا فأما قوله – تروك الهوى لا السخط منه ولا الرضى – البيت.. فمعنى متداول مطروق في الشعر وقد ذكره هو في قوله إذا هن القين الرحال ببابه حططن به ثقلا وأدركن مغنما إلى طاهر الأثواب ما نال في رضى ولا غضب مالا حراما ولا دما وأحسن من هذا قول أبى تمام في محمد بن عبد الملك الزيات ثبت الجنان إذا اصطكت بمظلمة في رحله السن الأقوام والركب لا المنطق اللهو يزكو في تبسمه يوما ولا حجة الملهوف تستلب كأنما هو في نادى قبيلته لا القلب يغفو ولا الاحشاء تضطرب وتحت ذاك قضاء حز شفرته كما يعض بظهر الغارب القتب


[ 172 ]

لا سورة تتقى منه ولا بله ولا يخاف رضى منه ولا غضب ومثله قول البحترى في ابن الزيات أيضا وجه الحق بين أخذ وإعطاء وقصد في الجمع والتبديد واستوى الناس فالقريب قريب عنده والبعيد غير بعيد لا يميل الهوى به حين يمضى الأمر بين المقلي وبين الودود وسواء لديه أبناء إبرا هيم في حكمه وأنباء هود مستريح الأحشاء من كل ضغن بارد الصدر من غليل الحقود فأما قوله – وان قتيل الله من هو قاتله – فيشبه أن يكون مأخوذا من قول يزيد بن مفرغ في عبيدالله بن زياد لعنهما الله إن الذي عاش ختارا بذمته ومات عبدا قتيل الله بالزاب – أما قوله وانك بعد الله للحكم الذي تصاب به من كل حق مفاصله -.. فيشبه قول أبي تمام في وصف القلم من قصيدة يمدح بها ابن الزيات.. وأجمع العلماء ان هذه الأبيات أحسن أفخم من جميع ما قيل في القلم لك القلم الأعلى الذي بشباته تصاب من الأمر الكلى والمفاصل (1) له الخلوات اللاء لولا نجيها لما احتفلت للملك تلك المحافل (2)


(1) – الشباة – حد القلم وغيره ومثلها الشبا بالفتح والقصر.. وقوله – تصاب من الأمر – روى أيضا ينال من الأمر – والكلي – جمع كلية وكلوة جاء بالياء والواو – والمفاصل – جمع مفصل وهو ملتقى كل عظمين.. أراد ان القلم يطبق المفصل ويصادف المحز وبه ينال مقاصد الامور فانه ينال بالأقلام ما يعجز عنه مجالدة الحسام (2) قوله – له الخلوات – يعنى ان أصحاب القلم هم أهل المشورة وموضع السر يخلم

[ 173 ]

لعاب الأفاعى القاتلات لعابه وأري الجنى اشتارته أيد عواسل (1)


لهم الملوك المجالس للمشورة وبهم يحصل نظام الملك – والنجى – المسارر والتناجي المسارة.. وأراد به المشير فان المشورة تكون سرا غالبا – والاحتفال – حسن القيام بالامور – والمحافل – جمع محفل كمجلس ومقعد وهو المجتمع (1) قوله – لعاب الأفاعى – الخ اللعاب ما يسيل من الفم – والقاتلات – صفة كاشفة للأفاعي ذكرها تهويلا – والأري – بفتح الهمز ة وسكون الراء ما لزق من العسل في جوف الخلية – والجنى – بفتح الجيم والقصر العسل والاضافة للتخصيص فان الأرى يأتي أيضا بمعنى ما لزق بأسفل القدر من الطبيخ وان جعلت الأرى بمعنى العسل والجني بمعني كل ما يجتنى من ثمرة ونحوها يلزم اضافة الموضوف الى الصفة – واشتارته – استخرجته يقال شار فلان العسل شورا وشيارا وشيارا وشيارة إذا استخرجه وكذلك أشاره واشتاره – وأيد – جمع يد – والعواسل – جمع عاسله أي مستخرجة العسل والعاسل مستخرج العسل من موضعه والمصراع الأول بالنسبة الى الأعداء والثانى بالنسبة الى الأولياء.. يعنى ان لعاب قلمه بالنسبة الي الأعداء سم قاتل وبالنسبة الى الأولياء شفاء عاجل.. فقوله لعاب مبتدأ مؤخر ولعاب الأفاعى خبر مقدم وأرى معطوف على الخبر وجاز هذا مع تعريف الطرفين لأن المعني دال عليه لان اللعاب القاتل انما هو لعاب الأفاعى فلعاب القلم مشبه به في التأثير وعلم من هذا انه ليس من التشبيه المقلوب فان لعاب القلم قد شبه بشيئين وهو السم والعسل باعتبارين وان جعلته من التشبيه المقلوب كان من عطف الجمل والخبر في المعطوف محذوف وفيه تكلف اه‍ من شرح الشواهد الكبرى.. فقوله السابق وان جعلت الأرى بمعني العسل والجنى بمعنى كل ما يجتنى من ثمرة ونحوها يلزم اضافة الموصوف الى الصفة.. قلت ان لزم ذلك فلا محذور فيه فان ابن مالك نص في التسهيل على جواز اضافة الصفة الى الموصوف والموصوف الى قائم مقام الوصف وعلى كل حال فهي مسألة خلافية فذهب البصريون الي منع ذلك مطلقا وتأولوا ما ورد منه وذهب الكوفيون الي الجواز إذا اختلف اللفظان من غير تأويل (*)

[ 174 ]

له ريقة طل ولكن وقعها بآثاره في الشرق والغرب وابل (1) فصيح إذا استنطقته وهو راكب واعجم إن خاطبته وهو راجل إذا ما امتطى الخمس اللطاف وافرغت – عليه شعاب الفكر وهي حوافل (2) أطاعته أطراف القنى وتقوضت لنجواه تقويض الخيام الجحافل (3) إذا استغزر الذهن الذكي وأقبلت أعاليه في القرطاس وهى أسافل (4) وقد رفدته الخنصران وسددت ثلاث نواحيه الثلاث الأنامل (5)


محتجين بنحو تعالى (حق اليقين. ولدار الآخرة. بجانب الغربي) وغير ذلك (1) قوله – له ريقة طل – ريقة مبتدا وطل وصفة والظرف قبلة خبره والطل المطر الضعيف – والوابل – وكذا الوبل المطر الشديد الضخم القطر.. يقول إن ما يجرى من القلم حقير تافه في ظاهر الأمر لكن له أثر خير عم المشارق والمغارب (2) قوله – إذا ما امتطى الخمس اللطاف – الخ.. أراد بالخمس اللطاف الأصابع الخمس – والشعاب – جمع شعب بكسرهما الطريق في الجبل – والحوافل – جمع حافله يقال حفل اللبن وغيره حفلا وحفولا اجتمع واحتفل الوادي امتلأ وسال (3) قوله – أطاعته أطراف القنى – الخ.. هو جواب إذا وروى أطاعته أطراف الرماح – وتقوضت – يقال تقوضت الصفوف إذا انتقضت وأصله من تقويض البناء وهو يقال حفل اللبن وغيره حفلا وحفولا اجتمع واحتفل الوادي امتلأ وسال (3) قوله – أطاعته أطراف القنى – الخ.. هو جواب إذا وروى أطاعته أطراف الرماح – وتقوضت – يقال تقوضت الصفوف إذا انتقضت وأصله من تقويض البناء وهو نقضه من غير هدم – والنجوى – السر وتقويض أي كتويض الخيام – والجحافل – فاعل قوضت وهو جمع جحفل بتقديم الجيم على المهملة كجعفر الجيش (4) قوله – إذا استغزر الذهن – استغزره وجده غزيرا وفاعله ضمير القلم – والذكي – المتوقد وروى الخلي بدله والخلى الخالي وانما تكون أعالي القلم أسافل حين الكتابة (5) قوله – وقد رفدته الخنصران – الخ رفدته أعانته – وسددت – قومت –

[ 175 ]

رأيت جليلا شأنه وهو مرهف ضني وسمينا خطبه وهو ناحل (1)


(1) قوله – رأيت جليلا شأنه – الخ.. رأيت جواب إذا وشأنه فاعل جليلا وجملة – وهو مرهف – حال وهو اسم مفعول من أرهفت السيف ونحوه إذا رققت شفرته ويقال أيضا رهفته رهفا فهو رهيف ومرهوف – وضنى – تمييز وهو مصدر ضنى من باب تعب إذا مرض مرضا ملازما – وسمينا – معطوف على جليلا – وناحل – من نحل الجسم ينحل بفتحهما نحو لا سقم ومن باب تعبتم ولله الحمد الجزء الثاني من كتاب أمالى السيد المرتضي.. وقد صحح هذا الجزء من أوله الي نهاية الملزمة الخامسة عشر منه بتصحيح السيد محمد بدر الدين النعساني ومن ثم الى آخره بتصحيح حضرة الشيخ احمد بن الامين الشنقيطي نزيل القاهرة حالا وقد بذلا غاية جهدهما فيه تصحيحا وضبطا وتفسير ما يحتاج الى إيضاح غامضه أحسن الله اليهما وشكر مسعاهما.. وقد تم ولله الحمد طبعه في آوائل جمادي الثانية سنة 1325 هجريه وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

اترك تعليقاً