تاريخ اليعقوبي ج ١ – أحمد بن إسحق بن جعفر اليعقوبي

تاريخ اليعقوبي

اليعقوبي ج 1


[ 1 ]

تاريخ اليعقوبي 1


[ 3 ]

تاريخ اليعقوبي وهو تاريخ أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب ابن واضح الكاتب العباسي المعروف باليعقوبي المجلد الاول ناشر: مؤسسه ونشر فرهنگ اهل بيت (ع) – قم – خيابان حجت، صندوق پستى 11 – تلفن 27348 دار صادر بيروت


[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم على آدم، فلم يطاوعه شئ مما خلق الله عزوجل إلا الجنة، فلما رأى آدم ما في الجنة من النعيم قال: لو كان سبيل إلى الخلود ؟ فطمع فيه إبليس لما سمع ذلك منه، فبكى ونظر إليه آدم وحواء يبكي، فقالا له: ما يبكيك ؟ قال: لانكما تفارقان هذا، وما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة، إلا أن تكونا ملكين، أو تكونا من الخالدين، وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين. وكان لباس آدم وحواء ثيابا من نور، فلما ذاقا من الشجرة، بدت لهما سوآتهما، فزعم أهل الكتاب أن مكث آدم في الارض، قبل أن يدخل الجنة، كان ثلاث ساعات، ومكث هو وحواء في النعيم والكرامة، قبل أن يأكلا من الشجرة فتبدو لهما سوآتهما، ثلاث ساعات، فلما بدت لآدم سوأته أخذ ورقة من الشجرة، فوضعها على نفسه، ثم صاح: ها أنا يا رب عريان قد أكلت من الشجرة التي نهيتني عنها، فقال الله: ارجع إلى الارض التي منها خلقت، فإني مسخر لك ولولدك طير السماء، ونون البحار. وأخرج الله آدم وحواء مما كانا فيه، فيما يقول أهل الكتاب، في تسع ساعات من يوم الجمعة، وهبطا إلى الارض، وهما حزينان باكيان، وكان هبوطهما على أدنى جبل من جبال الارض إلى الجنة، وكان ببلاد الهند، وقال


[ 6 ]

قوم: على أبي قبيس، جبل بمكة، ونزل آدم في مغارة في ذلك الجبل سماها مغارة الكنز، ودعا الله أن يقدسها. وروى بعضهم أن آدم لما هبط كثر بكاؤه، ودام حزنه على مفارقة الجنة، ثم ألهمه الله سبحانه أن قال: لا إله إلا أنت، سبحانك، وبحمدك، عملت سوءا وظلمت نفسي، فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم ! فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه واجتباه، وأنزل له من الجنة، التي كان فيها، الحجر الاسود، وأمره أن يصيره إلى مكة، فيبني له بيتا، فصار إلى مكة وبنى البيت، وطاف به، ثم أمره الله أن يضحي له، فيدعوه ويقدسه، فخرج معه جبريل حتى وقف بعرفات، فقال له جبريل: هذا الموضع أمرك ربك أن تقف له به. ثم مضى به إلى مكة، فاعترض له إبليس، فقال: ارمه ! فرماه بالحصى، ثم صار إلى الابطح، فتلقته الملائكة، فقالت له: بر حجك يا آدم ! لقد حججنا هذا البيت قبلك ألفي عام. وأنزل الله، عزوجل، الحنطة على آدم، وأمره أن يأكل من كده، فحرث وزرع، ثم حصد، ثم داس، ثم طحن، ثم عجن، ثم خبز، فلما فرغ عرق جبينه، ثم أكل، فلما امتلا ثقل ما في بطنه، فنزل إليه جبريل، ففجه، فلما خرج ما في بطنه وجد رائحة تكره، فقال: ما هذا ؟ قال له جبريل: رائحة الحنطة. ووقع آدم على حواء، فحملت، وولدت غلاما وجارية، فسمى الغلام قابيل، والجارية لوبذا، ثم حملت فولدت غلاما وجارية، فسمى الغلام هابيل والجارية اقليما. فلما كبر ولده وبلغوا النكاح، قال آدم لحواء: مري قابيل، فليتزوج اقليما التي ولدت مع هابيل، ومري هابيل فليتزوج لوبذا التي ولدت مع قابيل، فحسده قابيل أن يتزوج بأخته التي ولدت معه. وقد روى بعضهم أن الله عزوجل أنزل لهابيل حوراء من الجنة، فزوجه بها، وأخرج لقابيل جنية، فزوجه بها، فحسد قابيل أخاه على الحوراء،


[ 7 ]

فقال لهما آدم: قربا قربانا ! فقرب هابيل من تين زرعه، وقرب قابيل أفضل كبش في غنمه لله، فقبل الله قربان هابيل، ولم يقبل قربان قابيل، فازداد نفاسة وحسدا، وزين له الشيطان قتل أخيه، فشدخه بالحجارة، حتى قتله، فسخط الله على قابيل ولعنه، وأنزله من الجبل المقدس إلى أرض يقال لها نود. ومكث آدم وحواء ينوحان على هابيل دهرا طويلا، حتى يقال إنه خرج من دموعهما كالنهر. ووقع آدم على حواء، فحملت، فولدت غلاما، بعد أن أتى له مائة وثلاثون سنة، فسماه شيثا، فكان أشبه ولد آدم بآدم، ثم زوج آدم شيثا، فولد له غلام بعد أن أتت عليه مائة وخمس وستون سنة، فسماه انوش، ثم ولد لانوش غلام، فسماه قينان، ثم ولد لقينان غلام، فسماه مهلائيل، فهؤلاء ولدوا في حياة آدم وعلى عهده. ولما حضرت آدم الوفاة جاءه شيث ابنه وولده وولد ولده، فصلى عليهم ودعا لهم بالبركة، وجعل وصيته إلى شيث وأمره أن يحفظ جسده ويجعله، إذا مات، في مغارة الكنز، وأن يوصي بنيه وبني بنيه، ويوصي بعضهم بعضا عند وفاتهم، إذا كان هبوطهم من جبلهم، أن يأخذوا جسده حشمة، فيجعلوه وسط الارض، وأمر شيثا ابنه أن يقوم بعده في ولدهم، فيأمرهم بتقوى الله وحسن عبادته، وينهاهم أن يخالطوا قابيل اللعين وولده، ثم صلى على بنيه أولئك وأولادهم ونسائهم، ثم مات لست خلون من نيسان، يوم الجمعة، في الساعة التي خلق فيها، وكانت حياته تسعمائة سنة وثلاثين سنة اتفاقا.


[ 8 ]

شيث بن آدم وقام بعد موت آدم ابنه شيث، وكان يأمر قومه بتقوى الله، سبحانه والعمل الصالح، وكانوا يسبحون الله ويقدسونه، وأبناؤهم ونساؤهم ليس بينهم عداوة، ولا تحاسد، ولا تباغض، ولاتهمة، ولا كذب، ولاخلف، وكان أحدهم إذا أراد أن يحلف قال: لا ودم هابيل. فلما حضرت وفاة شيث أتاه بنوه وبنو بنيه، وهم يومئذ أنوش، وقينان، ومهلائيل، ويرد، واخنوخ، ونساؤهم وأبناؤهم، فصلى عليهم، ودعا لهم بالبركة، وتقدم إليهم، وحلفهم بدم هابيل ألا يهبط أحد منهم من هذا الجبل المقدس، ولا يتركوا أحدا من أولادهم يهبط منه، ولا يختلطوا بأولاد قابيل الملعون، وأوصلي إلى انوش ابنه، وأمره أن يحتفظ بجسد آدم، وأن يتقي الله، ويأمر قومه بتقوى الله وحسن العبادة، ثم توفي يوم الثلاثاء لسبع وعشرين ليلة خلت من آب على ثلاث ساعات من النهار، وكانت حياته تسعمائة واثنتي عشرة سنة. انوش بن شيث وقام انوش بن شيث، بعد أبيه، بحفظ وصية أبيه وجده، وأحسن عبادة الله، وأمر قومه بحسن العبادة، وفي أيامه قتل قابيل الملعون، رماه لمك الاعمى بحجر، فشدخ رأسه، فمات. وكان قد ولد لانوش قينان بعد أن أتت له تسعون سنة.


[ 9 ]

ولما حضرت أنوش الوفاة اجتمع إليه بنوه وبنو بنيه: قينان، ومهلائيل، ويرد، واخنوخ، ومتوشلح، ونساؤهم وأبناؤهم، فصلى عليهم، ودعا لهم بالبركة، ونهاهم أن يهبطوا من جبلهم المقدس، أو يدعوا أحدا من بنيهم أن يختلطوا بولد قابيل اللعين، وأوصى قينان بجسد آدم، وأمرهم أن يصلوا عنده ويقدسوا الله كثيرا، وتوفي لثلاث خلون من تشرين الاول، حين غابت الشمس، وكانت حياته تسعمائة وخمسا وستين سنة. قينان بن انوش وقام قينان بن أنوش، وكان رجلا لطيفا، تقيا، مقدسا، فقام في قومه بطاعة الله وحسن عبادته، واتباع وصية آدم وشيث، وكان قد ولد له مهلائيل بعد أن أتت عليه سبعون سنة. فلما دنا موته اجتمع إليه بنوه وبنو بنيه مهلائيل، ويرد، ومتوشلح، ولمك، ونساؤهم وأبناؤهم، فصلى عليهم، ودعا لهم بالبركة، فأقسم عليهم بدم هابيل أن لا يهبط أحد منهم من جبلهم المقدس إلى ولد الملعون قابيل، وجعل وصيته إلى مهلائيل، وأمره أن يحتفظ بجسد آدم. ومات قينان وكانت حياته تسعمائة سنة وعشرين سنة.


[ 10 ]

مهلائيل بن قينان ثم قام بعد قينان مهلائيل بن قينان، فقام في قومه بطاعة الله تعالى، واتباع وصية أبيه، وكان قد ولد له يرد، بعد أن أتت عليه خمس وستون سنة. فلما دنا موت مهلائيل أوصى إلى ابنه يرد وأوصاه بجسد آدم، ثم توفي مهلائيل لليلتين خلتا من نيسان، يوم الاحد، على ثلاث ساعات من النهار، وكانت حياته ثمانمائة سنة وخمسا وتسعين سنة. يرد به مهلائيل ثم قام بعد مهلائيل يرد، وكان رجلا مؤمنا، كامل العمل لله، سبحانه، والعبادة له، كثير الصلاة بالليل والنهار، فزاد الله في حياته، وكان قد ولد له اخنوخ، بعد أن أتت عليه اثنتان وستون سنة، وفي الاربعين ليرد تم الالف الاول. ولما مضى من حياة يرد خمسمائة سنة نقض بنو شيث العهود والمواثيق التي كانت بينهم، فجعلوا ينزلون إلى الارض التي فيها بنو قابيل، وكان أول نزولهم أن الشيطان اتخذ شيطانين من الانس اسم أحدهما يوبل، والآخر توبلقين، فعلمهما أصناف الغناء والزمر، فصنع يوبل المزامير والطنابير والبرابط والصور. وصنع توبلقين الطبول والدفوف والصنوج، ولم يكن لبني قابيل عمل يشغلهم، ولا ذكر لهم إلا أمام الشيطان، وكانوا يركبون المحارم والمآثم، ويجتمعون


[ 11 ]

على الفسق، وكان ذوو السن من رجالهم ونسائهم أشد في ذلك من شبانهم، فكانوا يجتمعون، فيزمرون ويضربون بالطبول والدفوف والبرابط والصنوج، ويصيحون، ويضحكون، حتى سمع أهل الجبل من بني شيث أصواتهم، فاجتمع منهم مائة رجل على أن يهبطوا إلى بني قابيل، فينظروا ما تلك الاصوات، فلما بلغ ذلك يرد أتاهم، فناشدهم الله، وذكرهم وصية آبائهم، وحلف عليهم بدم هابيل، وقام فيهم اخنوخ بن يرد، فقال: اعلموا أنه من عصى منكم أبانا يرد، ونقض عهود آبائنا، وهبط من جبلنا لم ندعه يصعد أبدأ، فأبوا إلا أن يهبطوا، فلما هبطوا اختلطوا ببنات قابيل. بعد أن ركبوا الفواحش. فلما دنا موت يرد اجتمع إليه بنوه وبنو بنيه اخنوخ، ومتوشلح، ولمك، ونوح، فصلى عليهم، ودعا لهم بالبركة، ونهاهم أن يهبطوا من الجبل المقدس، وقال: إنكم لا محالة تهبطون إلى الارض السفلى، فأيكم كان آخر هبوطا فليهبط بجسد أبينا آدم، ثم ليجعله وسط الارض، كما أوصانا، وأمر اخنوخ ابنه ألا يزال يصلي في مغارة الكنز، ثم توفي يوم الجمعة لليلة خلت من آذار، حين غابت الشمس، وكانت حياته تسعمائة سنة واثنتين وستين سنة. اخنوخ بن يرد ثم قام بعد يرد اخنوخ بن يرد، فقام بعبادة الله، سبحانه، ولما أتت له خمس وستون سنة ولد له متوشلح، وأخذ بنو شيث ونساؤهم وأبناؤهم في الهبوط، فعظم ذلك على اخنوخ، فدعا ولده متوشلح ولمكا ونوحا، فقال لهم: إني أعلم أن الله معذب هذه الامة عذابا عظيما ليس فيه رحمة. وكان اخنوخ أول من خط بالقلم، وهو ادريس النبي، فأوصى ولده أن يخلصوا عبادة الله، ويستعملوا الصدق واليقين، ثم رفعه الله بعد أن أتت له ثلاثمائة سنة.


[ 12 ]

متوشلح بن اخنوخ ثم قام متوشلح بن اخنوخ بعبادة الله تعالى وطاعته، وكان لما أتت عليه مائة وسبع وثمانون سنة، ولد له لمك، فأوحى الله إلى نوح في عصره، وأعلمه أنه باعث الطوفان على الناس، وأمره أن يعمل السفينة من الخشب، ولما كملت لنوح ثلاثمائة سنة وأربع وأربعون سنة تم الالف الثاني. وتوفي متوشلح في إحدى وعشرين من أيلول، يوم الخميس، وكانت حياته تسعمائة وستين سنة. لملك بن متوشلح فقام لمك بعد أبيه بعبادة الله وطاعته، وكان قد ولد له بعد أن أتت عليه مائة واثنتان وثمانون سنة، وكثرت الجبابرة في عصره، وذلك أنه كان لما وقع بنو شيث في بنات قابيل ولدت منهم الجبابرة. ثم دنا موت لمك، فدعا نوحا، وساما، وحاما، ويافثا، ونساءهم، ولم يكن بقي من أولاد شيث في الجبل أحد غيرهم إلا هبطوا إلى بني قابيل، فكانوا ثمانية أنفس، ولم يكن لهم أولاد قبل الطوفان، فصلى عليهم ودعا لهم بالبركة، ثم بكى، وقال لهم: إنه لم يبق من جنسنا أحد إلا هؤلاء الثمانية الانفس، وأسأل الله الذي خلق آدم وحواء وحدهما، ثم كثر ولدهما، أن ينجيكم من هذا الرجز الذي أعد للامة السوء، ويكثر ولدكم، حتى يملاوا الارض، ويعطيكم


[ 13 ]

بركة أبينا آدم، ويجعل في ولدكم الملك، وأنا متوفى، ولن يفلت من أهل الرجز غيرك يا نوح، فإذا أنا مت فاحملني، واجعلني في مغارة الكنز، فإذا أراد الله أن تركب السفينة، فاحمل جسد أبينا آدم، فاهبط به معك، ثم اجعله وسط البيت الاعلى من السفينة، ثم كن أنت وبنوك في طرف السفينة الشرقي، ولتكن امرأتك وكنائنك في طرف السفينة الغربي، وليكن جسد آدم بينكم، فلا تجوزوا إلى نسائكم ولا تجز نساؤكم إليكم، ولا تأكلوا ولا تشربوا معهن، ولا تقربوهن، حتى تخرجوا من السفينة، فإذا ذهب الطوفان وخرجتم من السفينة إلى الارض، فصل أنت عند جسد آدم، ثم أوص ساما أكبر بنيك، فليذهب بجسد آدم، حتى يجعله في وسط الارض، وليجعل معه رجلا من أولاده يقوم عليه، وليكن حبرا لله حياته لا ينكح امرأة، ولا يبني بيتا، ولا يهريق دما، ولا يقرب قربانا من الدواب، ولا الطير، فإن الله مرسل معه ملكا من الملائكة يدله على وسط الارض ويؤنسه. وتوفي لمك لسبع عشرة ليلة خلت من آذار يوم الاحد، على تسع ساعات من النهار، وكانت حياته سبعمائة وسبعا وسبعين سنة. نوح وأوحى الله عزوجل إلى نوح في أيام جده اخنوخ، وهو ادريس النبي، وقبل أن يرفع الله ادريس، وأمره أن ينذر قومه، وينهاهم عن المعاصي التي كانوا يركبونها، ويحذرهم العذاب، فأقام على عبادة الله تعالى والدعاء لقومه، وحبس نفسه على عبادة الله تعالى والدعاء لقومه، لا ينكح النساء خمسمائة عام، ثم أوحى الله إليه أن ينكح هيكل بنت ناموسا بن اخنوخ، وأعلمه أنه باعث الطوفان على


[ 14 ]

الارض، وأمره أن يعمل السفينة التي نجاه الله وأهله فيها، وأن يجعلها ثلاثة بيوت سفلا ووسطا وعلوا، وأمره أن يجعل طولها ثلاثمائة ذراع بذراع نوح، وعرضها خمسين ذراعا، وسمكها ثلاثين ذراعا، ويصير حواليها رفوف الخشب، ويكون البيت الاسفل للدواب والوحش والسباع، ويكون الاوسط للطير، ويكون الاعلى لنوح وأهل بيته، ويجعل في الاعلى صهاريج الماء، وموضعا للطعام. فولد له بعد أن أتت عليه خمسمائة سنة. ولما فرغ نوح من عمل السفينة، وكان ولد قابيل، ومن اختلط بهم من ولد شيث، إذا رأوه يعمل الفلك سخروا منه، فلما فرغ دعاهم إلى الركوب فيها، وأعلمهم أن الله باعث الطوفان على الارض كلها حتى يطهرها من أهل المعاصي، فلم يجبه أحد منهم، فصعد هو وولده إلى مغارة الكنز، فاحتملوا جسد آدم، فوضعوه في وسط البيت الاعلى من السفينة، يوم الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من آذار، وأدخل الطير البيت الاوسط، وأدخل الدواب والسباع البيت الاسفل، وأطبقها حين غابت الشمس. وأرسل الله الماء من السماء، وفجر عيون الارض، فالتقى الماء على أمر قد قدر، وأخذ الارض كلها والجبال، وأظلمت الدنيا، وذهب ضوء الشمس والقمر، حتى كان الليل والنهار سواء، وكان الطالع في ذلك الوقت الذي أرسل الله تعالى فيه الماء، فيما يقول أصحاب الحساب: السرطان، والشمس، والقمر، وزحل، وعطارد، والرأس، مجتمعة في آخر دقيقة من الحوت، فاتصل الماء من السماء والارض أربعين يوما، حتى علا فوق كل جبل خمس عشرة ذراعا، ثم وقف بعد ان لم تبق بقعة من الارض إلا غمرها الماء وعلاها. ودارت السفينة الارض كلها حتى صارت إلى مكة، فطافت حول البيت أسبوعا، ثم انكشف الماء بعد خمسة أشهر، فكان ابتداؤه لسبع عشرة ليلة خلت من أيار إلى ثلاث عشرة ليلة خلت من تشرين الاول. وروى بعضهم أن نوحا ركب السفينة أول يوم من رجب، واستوت على


[ 15 ]

الجودي في المحرم، فصار أول الشهور يعده، وأهل الكتاب يخالفون في هذا. ولما استوت على الجودي، وهو جبل بناحية الموصل، أمر الله تعالى ماء السماء فرجع من حيث جاء، وأمر الارض فبلعت ماءها، فأقام نوح بعد وقوف السفينة أربعة أشهر، ثم بعث الغراب ليعرف خبر الماء، فوجد الجيف طافية على الماء، فوقع عليها ولم يرجع، ثم أرسل الحمامة، فجاءت بورقة زيتون، فعلم أن الماء قد ذهب، فخرج لسبع وعشرين من أيار، فكان، بين دخوله السفينة وخروجه، سنة كاملة وعشرة أيام، فلما صار إلى الارض هو وأهله بنوا مدينة، فسموها ثمانين. ولما خرج نوح من السفينة ورأى عظام الناس تلوح غمه ذلك وأحزنه، وأوحى الله إليه: إني لن أرسل الطوفان على الارض بعدها أبدا. ولما خرج نوح من السفينة أقفلها بقفل ودفع المفتاح إلى سام ابنه، ثم زرع نوح، وغرس كرما، وعمر الارض. وإن نوحا يوما لنائم إذ انكشف ثوبه، فرأى حام ابنه سوأته، فضحك، وخبر أخويه ساما ويافثا، فأخذا ثوبا حتى أتياه به، ووجوههما مصروفة عنه، فألقيا الثوب عليه، فلما انتبه نوح من نومه، وعلم الخبر، دعا على كنعان بن حام، ولم يدع على حام، فمن ولده القبط والحبشة والهند. وكان كنعان أول من رجع من ولد نوح إلى عمل بني قابيل، فعمل الملاهي والغناء والمزامير والطبول والبرابط والصنوج، وأطاع الشيطان في اللعب والباطل. وقسم نوح الارض بين ولده، فجعل لسام وسط الارض، والحرم وما حوله، واليمن وحضرموت، إلى عمان، إلى البحرين، إلى عالج ويبرين، ووبار، والدو والدهناء، وجعل لحام أرض المغرب والسواحل، فولد كوش ابن حام، وكنعان بن حام النوبة والزنج والحبشة. ونزل يافث بن نوح ما بين المشرق والمغرب، فولد له جومر، وتوبل، وماش، وما شج، ومأجوج، فولد جومر الصقالبة، وولد توبل برجان، وولد ماش


[ 16 ]

الترك والخزر، وولد ما شج الاشبان، وولد مأجوج يأجوج ومأجوج، وهم في شرقي الارض من جهة الترك، وكانت منازل الصقالبة وبرجان أرض الروم، قبل أن يكون الروم، فهؤلاء ولد يافث. وعاش نوح، بعد خروجه من السفينة، ثلاثمائة وستين سنة، ولما حضرت وفاة نوح اجتمع إليه بنوه الثلاثة سام وحام ويافث وبنوهم، فأوصاهم، وأمرهم بعبادة الله تعالى، وأمر ساما أن يدخل السفينة، إذا مات، ولا يشعر به أحد، فيستخرج جسد آدم، ويذهب معه بملكيزدق بن لمك بن سام، فإن الله اختاره ليكون مع جسد آدم في وسط الارض، في المكان المقدس، وقال له: يا سام ! إنك إذا خرجت أنت وملكيزدق بعث الله معكما ملكا من الملائكة يدلكما على الطريق، ويريكما وسط الارض، فلا تعلمن أحدا ما تصنع، فإن هذا الامر وصية آدم التي أوصى بها بنيه، وأوصى بها بعضهم بعضا، حتى انتهى ذلك إليك، فإذا بلغتما المكان الذي يريكما الملك، فضع فيه جسد آدم، ثم مر ملكيزدق ألا يفارقه، ولا يكون له عمل إلا عبادة الله، سبحانه وتعالى، وأمره أن لا ينكح امرأة، ولا يبني بنيانا، ولا يهريق دما، ولا يلبس ثوبا، إلا من جلود الوحش، ولا يقص شعرا ولا ظفرا، وليجلس وحده، وليكثر حمد الله، ثم مات في أيار يوم الاربعاء، وكانت حياته تسعمائة سنة وخمسين، كما حكى الله تعالى ألف سنة إلا خمسين عاما.


[ 17 ]

سام بن نوح وقام سام بن نوح، بعد أبيه، بعبادة الله تعالى وطاعته، وكان قد ولد له رفخشد، بعد أن أتت عليه مائة سنة وسنتان، ثم انطلق، وفتح السفينة، فأخذ جسد آدم، فهبط به سرا من أخويه وأهله، ودعا أخويه يافثا وحاما، فقال لهما: إن أبي أوصى إلي وأمرني أن آتي البحر، فأنظر في الارض ثم أرجع، فلا تتحركوا حتى آتيكم، واستوصوا بامر أتي وبني خيرا، فقال له أخواه: اذهب في حفظ الله، فإنك قد علمت أن الارض خربة ونخاف عليك السباع. قال سام: إن الله تعالى يبعث ملكا من الملائكة، فلا أخاف، إن شاء الله تعالى، شيئا. ودعا سام ابنه لمكا فقال له ولامرأته: يا وزدق ! ارسلا معي ابنكما ملكيزدق يؤنسني في الطريق. فقالا له: اذهب راشدا ! فقال سام لاخويه وأهله وولده: قد علمتم أن أبانا نوحا قد أوصى إلي، وأمرني أن أختم السفينة، فلا أدخلها أنا، ولا أحد من الناس، فلا يقربن السفينة منكم أحد. ثم إن ساما خرج ومعه ابنه، فعرض لهما الملك، فلم يزل معهما حتى صار بهما إلى الموضع الذي أمروا أن يضعوا جسد آدم فيه، فيقال إنه بمسجد منى عند المنارة، ويقول أهل الكتاب: بالشأم في الارض المقدسة، فانفتحت الارضون، فوضعوا الجسد فيها، ثم انطبقت عليه. وقال سام لملكيزدق ابن لمك بن سام: اجلس هاهنا، وأحسن عبادة الله، فإن الله يرسل إليك في كل يوم ملكا من الملائكة يؤنسك، ثم سلم عليه، وانصرف، فأتى أهله، فسأله ابنه لمك عن ملكيزدق، فقال: إنه قد مات في الطريق، فدفنته، فحزن عليه أبوه وأمه. ثم حضرت ساما الوفاة فأوصى إلى ابنه أرفخشد، ومات سام يوم الخميس لسبع خلون من أيلول، وكانت حياته ستمائة سنة.


[ 18 ]

أرفخشد بن سام ثم قام ارفخشد بن سام بعبادة الله تعالى وطاعته، وكان قد ولد له شالح بعد أن أتت عليه مائة وخمس وثمانون سنة، وقد تفرق ولد نوح في البلاد، وكثرت الجبابرة والعتاة منهم، وأفسد ولد كنعان بن حام، وأظهروا المعاصي. ولما حضرت ارفخشد الوفاة جمع إليه ولده وأهله وأوصاهم بعبادة الله تعالى ومجانبة المعاصي، وقال لشالح ابنه: اقبل وصيتي، وقم في أهلك بعدي عاملا بطاعة الله تعالى. ومات يوم الاحد لسبع بقين من نيسان، وكانت حياته أربعمائة وخمسا وستين سنة. شالح بن أرفخشد ثم قام شالح بن أرفخشد في قومه يأمرهم بطاعة الله تعالى، وينهاهم عن معاصيه، ويحذرهم ما نال أهل المعاصي من الرجز والعذاب. وكان قد ولد له عابر بعد أن أتت عليه مائة وثلاثون سنة، ثم حضرته الوفاة، فأوصى إلى ابنه عابر بن شالح، وأمره أن يتجنب فعل بني قابيل اللعين، ومات يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من آذار، وكانت حياته أربعمائة وثلاثين سنة.


[ 19 ]

عابر بن شالح ثم قام عابر بن شالح يدعو قومه إلى طاعة الله تعالى، ويحذر بني سام بن نوح أن يختلطوا بولد كنعان بن حام، المغير دين آبائه، والمرتكب للمعاصي. وكان قد ولد له فالغ، بعد أن أتت عليه مائة وأربع وثلاثون سنة، ثم حضرته الوفاة، فأوصى إلى ابنه فالغ، فقال له: يا بني ! إن ولد قابيل اللعين، لما أكثروا العمل بمعاصي الله، سبحانه وتعالى، ودخل معهم ولد شيث بعث الله عليهم الرجز، فلا تدخل أنت ولا أهلك في ملة بني كنعان. ومات عابر يوم الخميس لثلاث وعشرين من تشرين الاول، وكانت حياته ثلاثمائة وأربعين سنة، وقيل مائة وأربعا وستين سنة. فالغ بن عابر ثم قام بعد عابر فالغ ابنه يدعو الناس إلى طاعة الله تعالى، فكان في زمانه اجتماع ولد نوح ببابل، وذلك أن ماش بن ارم بن سام بن نوح صار إلى أرض بابل، فولد نمرود الجبار، ونبيط، وهو أبو النبط، وهو أول من استنبط الانهار، وغرس الاشجار، وعمر الارض، وكان لسانهم جميعا السرياني، وهو لسان آدم، فلما اجتمعوا ببابل قال بعضهم لبعض: لنبنين بنيانا أسفله الارض وأعلاه السماء ! فلما أخذوا في البنيان قالوا: نتخذه حصنا يحرزنا من الطوفان، فهدم الله حصنهم، وفرق الله ألسنهم على اثنين وسبعين لسانا،


[ 20 ]

وتفرقوا على اثنتين وسبعين فرقة من موضعهم ذلك، فكان في ولد سام تسعة عشر لسانا، وفي ولد حام ستة عشر لسانا، وفي ولد يافث سبعة وثلاثون لسانا، فلما رأوا ما هم فيه اجتمعوا إلى فالغ بن عابر فقال لهم: إنه لا يسعكم أرض واحدة مع افتراق ألسنتكم، فقالوا: اقسموا الارض بيننا، فقسم لهم فصار لولد يافث بن نوح الصين والهند والسند والترك والخزر والتبت والبلغر والديلم وما والى أرض خراسان، وكان ملك بني يافث في ذلك الزمان جم شاذ. وصار لولد حام أرض المغرب وما وراء الفرات إلى مسقط الشمس. وصار لولد سام الحجاز واليمن وباقي الارض. وكان قد ولد له أرغو بعد أن أتت عليه ثلاثون سنة، وحضرت فالغ الوفاة، فأوصى إلى ابنه ارغو، ومات فالغ يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من أيلول، وكانت حياته مائتي سنة وتسعا وثلاثين سنة. أرغو بن فالغ ثم قام ارغو بن فالغ بعد أبيه، وقد تفرقت الالسن على اثنتين وسبعين فرقة، لبني سام تسع عشرة فرقة، ولولد حام ست عشرة فرقة، ولولد يافث سبع وثلاثون، وكان في زمانه نمرود الجبار، وكان مسكنه ببابل، وكان الذي ابتدأ بناء الصرح، وأول من عمل التاج، وملك سبعا وستين سنة. وكان قد ولد لارغو ساروغ، بعد أن أتت عليه اثنتان وثلاثون سنة، ولما أتت لارغو أربع وسبعون سنة من عمره كمل الالف الثالث. وحضرت أرغو الوفاة، فأوصى ابنه ساروغ، وتوفي أرغو يوم الاربعا لاربع عشرة ليلة خلت من نيسان، وكانت حياته مائتي سنة.


[ 21 ]

ساروغ بن أرغو وقام ساروغ بن أرغو في ولد سام، بعد موت أبيه، وقد كثرت الجبابرة، وعتت في الارض. وكان في زمن ساروغ أول ما عبدت الاصنام، وكان أول شأن الاصنام أن الناس كان إذا مات لاحدهم الميت الذي يعز عليهم من أب أو أخ أو ولد صنع صنما على صورته، وسماه باسمه، فلما أدرك الخلف الذي بعدهم ظنوا، وحدثهم الشيطان، أنه إنما صنعت هذه لتعبد، فعبدوها، ثم فرق الله دينهم، فمنهم من عبد الاصنام، ومنهم من عبد الشمس، ومنهم من عبدالقمر، ومنهم من عبدالطير، ومنهم من عبد الحجارة، ومنهم من عبد الشجر، ومنهم من عبد الماء، ومنهم من عبدالريح، وفتنهم الشيطان وأضلهم وأطغاهم. وكان قد ولد له ناحور، بعد أن أتت عليه مائة وثلاثون سنة، ولما حضرت ساروغ اوفاة أوصى ابنه ناحور، وأمره بعبادة الله تعالى، ومات ساروغ لثلاث بقين من آب يوم الاحد، وكانت حياته مائتين وثلاثين سنة. ناحور بن ساروغ وكان ناحور مكان أبيه، فكثرت عبادة الاصنام في زمانه، فأمر الله سبحانه الارض، فزلزلت عليهم زلزلة شديدة، حتى سقطت تلك الاصنام، فلم يكترثوا بذلك، وأعادوا أصناما مكانها.


[ 22 ]

وفي زمانه ظهر السحر، والكهانة، والطيرة، وذبح الناس أولادهم للشياطين، وجعلت المكاييل والموازين. وكانت حياة ناحور مائة وثمانيا وأربعين سنة، وكانت جبابرة ذلك العصر عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح، وكانوا قد انتشروا في البلاد، وكانت منازلهم بين أعالي حضرموت إلى أودية نجران، فلما عاثوا وعتوا بعث الله تبارك وتعالى هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح، فدعاهم إلى عبادة الله تعالى، والعمل بطاعته، واجتناب المحارم، فكذبوه، فقطع الله عنهم المطر ثلاث سنين، فوجهوا وفدا لهم إلى البيت الحرام يستسقي لهم، فأقاموا يطوفون بالبيت ويسعون أربعين صباحا. ثم رفعت لهم سحابتان: إحداهما بيضاء فيها غيث ورحمة، والاخرى سوداء فيها عذاب ونقمة، وسمعوا صوتا يناديهم: اختاروا أيتهما شئتم ! فقالوا: اخترنا السوداء ! فمرت، وهي على رؤوسهم، فلما قربت من البلاد قال لهم هود: إن هذه السحابة فيها عذاب قد أظلكم ! فقالوا: بل هو عارض ممطرنا، فأقبلت ريح سوداء لاتمر بشئ إلا أحرقته، فما نجا منهم إلا هود، ويقال إنه نجا لقمان بن عاد، وعاش حتى عمر عمر سبعة نسور. ولما مضت عاد صار في ديارهم بنو ثمود بن جازر بن ثمود بن ارم بن سام ابن نوح، وكانت ملوكهم تنزل الحجر، فلما عتوا بعث الله إليهم صالح بن تالح بن صادوق بن هود نبيا، فسألوه أن يأتيهم بآية، فأخرج الله لهم ناقة من الارض معها فصيلها، فقال لهم صالح: إن لهذه الناقة يوما ترد فيه الماء، ولكم يوما، فاحذروا أن تصدوها عن الماء ! فكذبوه، فقام رجل منهم يقال له قدار، فعقرها وضرب عرقوبها بالسيف، فارتفع فصيلها على نشز من الارض، ثم رغا، فبعث الله عليهم العذاب، فما فلت منهم إلا امرأة يقال لها الذريعة، وضرب العرب بقدار المثل.


[ 23 ]

تارخ بن ناحور وكان تارخ بن ناحور، هو أبو إبراهيم خليل الله، في عصر نمرود الجبار، وكان نمرود أول من عبد النار وسجد لها، وذلك أنه خرجت نار من الارض، فأتاها، فسجد لها، وكلمه منها شيطان، فبنى عليها بنية، وجعل لها سدنة. وفي ذلك العصر تعاطى الناس علم النجوم، وحسبوا الكسوف للشمس والقمر والكواكب السائرة والراتبة، وتكلموا في الفلك والبروج. وكان الذي علم نمرود ذلك رجلا يقال له ينطق (1)، وكان تارخ، وهو آزر أبو إبراهيم، مع نمرود الجبار، فحسب المنجمون لنمرود، فقالوا له: إنه يولد في مملكته مولود يعيب دينه، ويزري عليه، ويهدم أصنامه، ويفرق جمعه، فجعل لا يولد في مملكته مولود إلا شق بطنه، حتى ولد ابراهيم، فستره أبواه، وأخفيا أمره، وصيراه في مغارة حيث لا يعلم به أحد، وكان مولده بكوثا ربا، وكان مولد ابراهيم بعد أن أتت لتارخ مائة وسبعون سنة، وعاش تارخ أبوه مائتي سنة وخمس سنين.


1) بلا نقط في الاصل (*).

[ 24 ]

إبراهيم ونشأ ابراهيم في زمان نمرود الجبار، فلما خرج من المغارة التي كان فيها قلب طرفه في السماء، فنظر إلى الزهرة، فرأى كوكبا مضيئا، فقال: هذا ربي، فإن له علوا وارتفاعا، ثم غاب الكوكب، فقال: إن ربي لا يغيب، ثم رأى القمر لما طلع، فقال: هذا ربي، فلم يلبث أن غاب القمر، فقال: لئن لم يهدني ربي لاكونن من القوم الضالين، فلما جاء النهار طلعت الشمس، فقال: هذا ربي، هذا أنور وأضوأ، فلما غابت الشمس قال: غابت، وربي لا يغيب، كما قص الله خبره وأمره، فلما كملت سنه جعل يعجب إذ رأى قومه يعبدون الاصنام، ويقول: أتعبدون ما تنحتون ؟ فيقولون: أبوك علمنا هذا. فيقول: إن أبي لمن الضالين ! فظهر قوله في قومه، وتحدث الناس به، وأرسله الله نبيا، وبعث إليه جبريل، فعلمه دينه، فجعل يقول لقومه: إني برئ مما تشركون. وبلغ خبره نمرود، فأرسل إليه فيها، ثم جعل ابراهيم يكسر أصنامهم، فيقول: ادفعي عن نفسك، فألهب نمرود نارا ووضعه في منجنيق ورمى به فيها، فأوحى الله إليها: أن كوني بردا وسلاما على إبراهيم، فجلس وسط النار ما تضره، فقال نمرود: من اتخذ إلها، فليتخذه مثل إله إبراهيم، فأمن معه لوط، وكان لوط ابن أخيه خاران بن تارخ. وأمر الله، عزوجل، إبراهيم أن يخرج من بلاد نمرود إلى الشأم الارض المقدسة، فخرج إبراهيم وامرأته سارة بنت خاران بن ناحور عمه، ولوط ابن خاران، مهاجرين حيث أمرهم الله، فنزلوا أرض فلسطين، وكثر ماله ومال لوط، فقال إبراهيم للوط: إن الله قد كثر لنا مالنا وماشيتنا، فانتقل منا


[ 25 ]

حتى تنزل مديني سدوم وعمورة، بالقرب من الموضع الذي كان فيه إبراهيم. فلما صار لوط إلى مدينة سدوم وعمورة ونزلها أتاه ملك تلك الناحية، فقاتله، وأخذ ماله، فمضى ابراهيم حتى استنقذ ماله. ووسع الله، عزوجل، على إبراهيم في كثرة المال، فقال: رب ما أصنع بالمال، ولا ولد لي ؟ فأوحى الله، عزوجل، إليه: اني مكثر ولدك، حتى يكونوا عدد النجوم. وكان لسارة جارية يقال لها هاجر، فوهبتها لابراهيم، فوقع عليها، فحملت، وولدت إسماعيل، وإبراهيم يومئذ ابن ست وثمانين سنة، وقال الله: إني مكثر ولدك وجاعل فيهم الملك الباقي مدى الدهر، حتى لا يدري أحد ما عددهم. فلما ولدت هاجر غارت سارة، وقالت: اخرجها عني وولدها ! فأخرجها، ومعها اسماعيل، حتى صار بهما إلى مكة، فأنزلهما عند البيت الحرام، وفارقهما، فقالت له هاجر: على من تدعنا ؟ قال: على رب هذه البنية ! فقال: اللهم إني أسكنت ابني بواد غير ذي زرع، عند بيتك المحرم. ونفد الماء الذي كان مع هاجر، فاشتد باسماعيل العطش، فخرجت هاجر تطلب الماء، ثم صعدت إلى الصفا، فرأت بقربه طائرا واقفا، فرجعت، فإذا بالطائر قد فحص برجله الارض، فخرج الماء، فجمعته لئلا يذهب، فهي بئر زمزم. وعمل قوم لوط المعاصي، وكانوا يأتون الذكران من العالمين، وذلك أن إبليس، لعنه الله تعالى، تراءى لهم في صورة غلام أمرد، ثم أمرهم أن ينكحوه، فاشتهوا ذلك حتى تركوا نكاح النساء، وأقبلوا على نكاح الذكران، فنهاهم لوط، فلم ينتهوا، وجاروا في الاحكام حتى ضرب بهم في الجور المثل، وقالوا: أجور من حكم سدوم ! وكان الرجل منهم، إذا نال أحدا بمكروه، فضربه، أو سحه، قال له: أعطني أجرا على فعلي بك. وكان لهم حاكمان يقال لهما


[ 26 ]

شقرى وشقروني يحكمان بالجور والظلم والعدوان. ولما كثر عمل قوم لوط وجورهم بعث الله، عزوجل، ملائكة لهلاكهم، فنزلوا بإبراهيم، وكان يضيف الاضياف، ويعمل القرى، فلما نزلوا به قرب إليهم عجلا مشويا، فلما رآهم لا يأكلون نكرهم، فعرفوه بأنفسهم، وقالوا: إنا رسل ربك لهلاك أهل هذه القرية، يعنون سدوم القرية التي كان فيها قوم لوط، فقال لهم إبراهيم: إن فيها لوطا، قالوا: نحن أعلم بمن فيها، لننجينه وأهله، إلا امرأته. وكانت سارة امرأة إبراهيم واقفة، فعجبت من قولهم، فبشروها بإسحاق فقالت: أألد وأنا عجوز، وهذا بعلي شيخ كبير ؟ وكان ابراهيم ابن مائة سنة، وهي بنت تسعين، فلما أتوا إلى لوط، ورأتهم امرأته دخنت لقومها، فجاءوا إلى لوط، فقالوا: ادفع إلينا أضيافك ! فقال: لا تفضحون في ضيفي ! فلما أكثروا صدهم جبريل، فأعماهم، فقالوا له: إنا مهلكوهم. قال: فمتى ؟ قالوا: الصبح. قال: تؤخرونهم إلى الصبح ؟ قال له جبريل: أليس الصبح بقريب ؟ فلما كان السحر قال له جبريل: اخرج، ثم قلبها عليهم. ويقال نزلت عليهم نار، فلم ينج منهم أحد، وكانت امرأة لوط فيهم فمسخت ملحا، فما بقي منهم مخبر. ووهب الله لابراهيم اسحاق بن سارة، فعجب الناس من ذلك، وقالوا: شيخ ابن مائة سنة، وعجوز بنت تسعين سنة ! فخرج إسحاق أشبه شئ بإبراهيم. وكان إبراهيم يزور اسماعيل وأمه في كل وقت. وبلغ اسماعيل حتى صار رجلا، ثم تزوج امرأة من جرهم، فزاره ابراهيم مرة، فلم يلقه، وكانت أمه قد ماتت، فكلم امرأته فلم يرض عقلها، وسألها عن اسماعيل، فقالت: في الرعي ! فقال: إذا جاء فقولي له غير عتبة بابك ! فلما انصرف اسماعيل من رعيه قالت له امرأته: قد جاء هنا شيخ يسأل عنك. فقال اسماعيل: فما قال لك ؟ قالت قال لي: قولي له غير عتبة بابك. قال: أنت خلية ! فطلقها،


[ 27 ]

وتزوج الحيفاء بنت مضاض الجرهمية، فعاد إليهم إبراهيم من الحول، فوقف ببيت اسماعيل، فلم يجده، ووجد امرأته، فقال: كيف حالكم ؟ قالت: بخير ! قال: هكذا فليكن ! أين زوجك ؟ قالت: ليس بحاضر، انزل ! قال: لا يمكنني. قالت: فأعطني رأسك أقبله ! ففعل ذلك، وقال: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام، وقولي له: تمسك بعتبة بابك. فلما انصرف جاء اسماعيل، فأخبرته امرأته بخبر ابراهيم، فوقع على موضع قدمه يقبلها. ثم إن الله تعالى أمر ابراهيم أن يبني الكعبة، ويرفع قواعدها، ويؤذن في الناس بالحج، ويريهم مناسكهم، فبنى ابراهيم واسماعيل القواعد حتى انتهى إلى موضع الحجر، فنادى إبراهيم أبو قبيس: ان لك عندي وديعة ! فأعطاه الحجر، فوضعه، وأذن إبراهيم في الناس بالحج، فلما كان يوم التروية قال له جبريل: ترو من الماء، فسميت التروية، ثم أتى منى، فقال له: بت بها، ثم أتى عرفات، فبنى بها مسجدا بحجارة بيض، ثم صلى به الظهر والعصر، ثم عمد به إلى عرفات، فقال له: هذه عرفات فاعرفها، فسميت عرفات. ثم أفاض به من عرفات، فلما حاذى المأزمين قال له: ازدلف، فسميت المزدلفة، وقال له: اجمع الصلاتين، فسميت جمع، وصار إلى المشعر، فنام عليه، فأمره الله أن يذبح ابنه، فالرواية تختلف في اسماعيل وإسحاق، فيقول قوم: إنه اسماعيل لانه الذي وضع داره وبيته وإسحاق بالشأم، ويقول قوم: إنه إسحاق لانه أخرجه وأخرج أمه معه، وكان يومئذ غلاما، واسماعيل رجل قد ولد له. وقد كثرت الروايات في هذا وهذا، واختلف الناس فيهما، فلما أصبح ابراهيم صار إلى منى وقال للغلام: زورني بالبيت، وقال لابنه: إن الله أمرني أن أذبحك ! فقال: يا أبت افعل ما تؤمر ! فأخذ السكين، وأضجعه على جمرة العقبة، وطرح تحته قرطان حمار، ثم وضع الشفرة على حلقه، وحول وجهه عنه، فقلب جبريل الشفرة، فنظر إبراهيم، فإذا الشفرة مقلوبة، ففعل


[ 28 ]

ذلك ثلاث مرات، ثم نودي: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. وأخذ جبريل الغلام، وانحط الكبش من قلة ثبير، فوضعه تحته، فذبحه، فأهل الكتاب يقولون: إنه كان إسحاق، وإنه فعل به هذا في برية الاموريين بالشأم، فلما فرغ إبراهيم من حجه وأراد أن يرتحل أوصى إلى ابنه اسماعيل أن يقيم عند البيت الحرام، وأن يقيم للناس حجهم ومناسكهم، وقال له: إن الله مكثر عدده، ومثمر نسله، وجاعل في ولده البركة والخير. وتوفيت سارة عند مصيرهم إلى الشأم، فتزوج إبراهيم قطورة، فولدت له أولادا كثيرا، وهم: زمرن، ويقشن، ومدن، ومدين، ويشباق، وشوح. وتوفي إبراهيم، وكانت وفاته يوم الثلاثاء لعشر خلون من آب، وكانت حياته مائة وخمسا وتسعين سنة. إسحاق بن إبراهيم ولما توفي ابراهيم بالشأم قام اسحاق بعده وتزوج رفقا بنت بتوئيل، فحملت فثقل حملها، فأوحى الله، عزوجل، إلى إسحاق: اني مخرج من بطنها شعبين وأمتين، فأجعل الاصغر أعظم من الاكبر ! فولدت رفقا عيصو ويعقوب توأمين، وخرج عيصو أولا، وخرج يعقوب بعده، وعقبه مع عقب عيصو، فسمي يعقوب. وكان اسحاق يوم ولد له ابن ستين سنة، وكان إسحاق يحب عيصو، ورفقا تحب يعقوب، وسكن إسحاق وادي جارر، وكان قد ذهب بصره، فقال لابنه عيصو: خذ سيفك وقوسك، واخرج، فصد لي صيدا حتى آكل وأبارك عليك قبل أن أموت، فسمعت رفقا أمه ذلك، فقالت ليعقوب: اصنع


[ 29 ]

لابيك طعاما ! اذهب إلى الغنم، فخذ جديين، فاصنع طعاما، وقربه لابيك، حتى تقع عليك البركة. فقال: أخاف أن يلعنني. فقالت: إن لعنك كانت لعنتك علي. فمضى يعقوب، وأخذ جديين، فذبحهما، وطبخهما، وقربهما إليه. وكان عيصو مشعر الذراع، فأخذ يعقوب جلد الجديين، فوضعهما على ساعديه، فلما قرب الطعام من أبيه قال: النغمة نغمة يعقوب، والمسحة مسحة عيصو. ثم بارك عليه، ودعا له، وقال له: كن رأسا على إخوتك. وجاء عيصو بصيده، فقال له اسحاق: من قدم إلي الطعام، فباركته، ومباركا يكون ؟ قال: خدعني أخي يعقوب ! قال له إسحاق: قد جعلته رأسا عليك، وعلى إخوته. ثم دعا له، وقال: على سمية الارض تنزل. وأمر إسحاق يعقوب أن يصير إلى حران، فيكون عند لابان بن بتوئيل بن ناحور، أخي إبراهيم، وخاف اسحاق عيصو عليه، وأمره أن لا يتزوج من نساء الكنعانيين، فصار إلى حران إلى خاله لابان، فكانت حياة اسحاق مائة وخمسا وثمانين سنة. يعقوب بن إسحاق ثم إن إسحاق قال ليعقوب: إن الله قد جعلك نبيا، وجعل ولدك أنبياء، وجعل فيك الخير والبركة، وأمره أن يسير إلى الفدان، وهو موضع بالشأم، فسار إلى الفدان، فلما دخلها رأى امرأة معها غنم على البئر تريد أن تسقي غنمها، وعلى رأس البئر حجر لا يرفعه إلا عدة رجال، فسألها: من هي ؟ فقالت: أنا بنت لابان، وكان لابان خال يعقوب، فزحزح يعقوب الحجر، وسقى لها،


[ 30 ]

وسار إلى خاله، فزوجه إياها، فقال يعقوب: إن التي كانت مسماة لي راحيل أختها. فقال: هذه أكبر، وأنا أزوجك أيضا راحيل، فتزوجهما جميعا. ودخل بليا أولا، فأولدها روبيل، وشمعون، ولاوي، ويهوذا، ويشاجر، وزفولون، وجارية يقال لها دينا، ثم زوجه خاله بابنته الاخرى، وهي راحيل، فأبطأ عليها الولد، حتى عظم ذلك عليها، ثم وهب الله، سبحانه وتعالى، يوسف، وبنيامين. ووقع يعقوب بزلفا جارية كانت لليا، فولدت منه كاذ، وآشر، ونفتالي. ووقع بوليدة راحيل، فولدت دان، وقال قوم إن يعقوب تزوج راحيل قبل ليا، وقال أهل الكتاب تزوجهما جميعا في وقت واحد، فماتت راحيل، وبقيت ليا. وكان يوسف أحب ولد يعقوب إلى يعقوب لانه كان أجملهم وجها، وكانت أمه أحب نسائه إليه، فحسده إخوته ذلك، فأخرجوه معهم، وكان من خبرهم ما قصه الله، عزوجل، في كتابه العزيز، حتى بيع، واستعبد، وغاب عن أبيه أربعين سنة، ثم رده الله، سبحانه، عليه، وجمعهم ويوسف بمصر على ما قد قصه الله في كتابه. وولد ليوسف بمصر عدة أولاد، فأقام يعقوب بمصر سبع عشرة سنة، ولما حضرته الوفاة أوصى يوسف ولده ألا يدفنه بمصر، وتوفي وله مائة وأربعون سنة.


[ 31 ]

ولد يعقوب وكان ليعقوب من الولد اثنا عشر ذكرا: روبيل، وشمعون، ولاوي، ويهوذا، ويشاجر، وزفولون، ويوسف، وبنيامين، وكاذ، وآشر، ودان، ونفتالي، فهؤلاء بنو يعقوب، وهم بنو إسرائيل، وهم الاسباط. وكان لروبيل من الولد: خنوخ، وفلو، وحصران، وكرمي. وكان لشمعون من الولد: نموئيل، ويامين، وشاوول. وكان للاوي من الولد: جرشون، وقهث، ومراري. وكان ليهوذا من الولد: عار، وأونان، وشيلا، وفارص، وزارح. وكان ليشاجر من الولد: تولع، وفوا، ويوب، وشمرون. وكان لآشر من الولد: يمنا، واشوا، وأشوي، وبريعا، وسارح. وكان لزفولون من الولد: سارد، وايلون، ويحلائيل. وولد ليوسف بأرض مصر: افرائيم، ومنشى. وكان لبنيامين: بالع، وبخر، واشبال، ونعمان، واوخي، ومقيم، وحفيم، وارد. وكان لكاذ من الولد: صفيان، وشوني، واصبون، وعاري، وارودي، وارايلي. وكان لنفتالي من الولد: يحصيل، وغوني، ويبصر، وشاليم. فهؤلاء أولاة يعقوب وولد ولده، الذين اجتمعوا بمصر عند يوسف، مع ولدي يوسف اللذين ولدا بمصر، وأعطاهم أرضا، وقال: ازرعوا، فما خرج فلفرعون الخمس. ولما حضرت يعقوب الوفاة جمع ولده وولد ولده، فبارك عليهم، ودعا


[ 32 ]

لهم، وقال لكل واحد منهم قولا، وأعطى ليوسف سيفه وفوسه. وقرب إليه يوسف ابنيه منشى وافرائيم. فصير منشى عن يمينه وافرائيم عن شماله، لان منشى كان أكبر، فقلب يده اليمنى على افرائيم، وأوصى يوسف أن يحمله ويدفنه إلى جنب قبر إبراهيم وإسحاق. ولما توفي يعقوب قاموا يبكون عليه سبعين يوما، ثم حمله يوسف، وأخرج معه غلمانا من أهل مصر، وصار به إلى أرض فلسطين، فدفنه إلى جنب قبر إبراهيم وإسحاق. ولما فرغوا من دفن يعقوب قال لاخوته: ارجعوا معي إلى أرض مصر ! فخافوه، فقالوا له: قد أوصاك أبوك يعقوب أن تغفر خطيئتنا. قال: لا تخشوني ! فإني أخشي الله. فاطمأنت قلوبهم، فرجعوا إلى أرض مصر، فأقاموا بها. وعاش يوسف بمصر دهرا، ثم حضرته الوفاة، فجمع بني إسرائيل، وقال: إنكم تخرجون بعد حين من أرض مصر، إذا بعث الله رجلا يقال له موسى بن عمران من ولد لاوي بن يعقوب، وسيذكركم الله، ويرفعكم، فأخرجوا بدني من هذه الارض، حتى تدفنوني عند قبور آبائي. ومات يوسف وله مائة وعشر سنين، فصير في تابوت حجارة، وصير في النيل. وكان في ذلك العصر أيوب النبي ابن أموص بن زارح بن رعوئيل بن عيصو ابن إسحاق بن ابراهيم، وكان كثير المال، فابتلاه الله تعالى بخطيئة أخطأها، فشكر الله وصبر، ثم رفع الله عنه البلاء، ورد إليه ماله وأضعف له.


[ 33 ]

موسى بن عمران وولد موسى بن عمران بن قهث بن لاوي بن يعقوب بمصر في زمان فرعون الجبار، وهو الوليد بن معصب، ويقال: كان اسمه ظلمي، وبنو إسرائيل يومئذ بمصر قد أقاموا من زمان يوسف في الرق والعبودية. وكان سحرة فرعون وكهنته قد قالوا له: يولد في هذا الوقت مولود من بني إسرائيل يفسد عليك ملكك، ويكون بن هلاكك. وكان فرعون قد ملك مصر دهرا طويلا ممتعا بالسلامة، حتى قال: أنا ربكم الاعلى، فأمر فرعون، فوضع على كل امرأة حامل من بني إسرائيل حرسا، فكانت لا تلد منهن امرأة غلاما إلا قتل ولدها، فلما جاء أم موسى المخاض قالت لها القابلة: إني أكتم عليك ! فلما ولدت قالت للحرس: إنما خرج منها دم. وأوحى الله إلى أم موسى أن اعملي تابوتا، ثم ضعيه فيه، وأخرجيه ليلا، فاطرحيه في نيل مصر ! ففعلت ذلك، وضربته الريح، فطرحته إلى الساحل، فرأته امرأة فرعون، فدنت منه حتى أخذته، فلما فتحت التابوت ورأت موسى وقع عليه منها محبة، فقالت لفرعون: نتخذه ولدا، وطلبت له من ترضعه، فلم يأخذ من المرضعات، حتى جاءت أمه، فأخذ منها، وشب أحسن شباب، وبلغ في أسرع وقت ما لا يبلغ الصبيان. وكان يوسف قد قال لبني إسرائيل: إنكم لن تزالوا في العذاب حتى يأتي غلام جعد، من ولد لاوي بن يعقوب، يقال له موسى بن عمران. فلما طال الامر على بني إسرائيل ضجوا وأتوا شيخا منهم، فقال لهم: كأنكم به ! فبيناهم في ذلك إذ وقف عليهم موسى، فلما رآه الشيخ عرفه بالصفة، فقال له: ما اسمك فقال: موسى. قال: ابن من ؟ قال: ابن عمران. فقام هو والقوم


[ 34 ]

وقبلوا يديه ورجليه، واتخذهم شيعة. ودخل يوما مدينة من مدائن مصر، فإذا رجل من شيعته ينازع رجلا من آل فرعون، فوكزه موسى، فقتله، ونذر به فرعون وآل فرعون وأرادوا قتله، فلما علم ذلك خرج وحيدا على وجهه، حتى صار إلى مدين، وأجر نفسه من شعيب النبي ابن نويب بن عيا بن مدين بن ابراهيم على أن ينكحه إحدى ابنتيه. فلما قضى موسى الاجل سار بامرأته يريد بيت المقدس، على ما قص الله، عزوجل، من خبره في كتابه العزيز، فبينا موسى يسير في طريقه إذ رأى نارا، فقصد نحوها، وخلف أهله، فلما دنا منها إذا شجرة تضطرم من أسفلها إلى أعلاها نارا، فلما دنا منها تأخرت نفسه، ووجل واشتد رعبه، فناداه الله جل وعلا: يا موسى أقبل لا تخف ! إنك من الآمنين. فسكن عنه رعبه، وأمره الله أن يلقي عصاه، فألقاها، فإذا هي حية كالجذع، فأمره الله أن يأخذها، فصارت عصا. وبعثه الله تعالى إلى فرعون، وأمره أن يأتيه، ويدعوه إلى عبادة الله، فعظم ذلك في قلب موسى، فقال الله: إني آمرك إلى عبد من عبيدي بطر نعمتي وأمن مكري، وزعم أنه لا يعرفني، وإني أقسم بعزتي لولا العدل والحجة التي وضعتها بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة جبار تغضب لغضبه السموات والارض. فقال: اللهم اشدد عضدي بأخي هارون، وإني قتلت منهم نفسا، فأخاف أن يقتلون (1) ! فقال له الله: قد فعلت ذلك، فاذهب أنت وأخوك بآياتي، فأخرجا بني إسرائيل ! هذا أوان إخراجي إياهم من الرق والعبودية. فرد موسى امرأته إلى أبيها، وصار إلى فرعون هو وأخوه هارون، وأعلمه ما بعثه الله به، وخبر بني إسرائيل، فعظم سرورهم، وعلموا أن يوسف صدقهم. ثم ساروا إلى باب فرعون، وعليه مدرعة صوف، وفي وسطه حبل ليف، وفي يده عصا، فمنع من الدخول، فضرب الباب بالعصا، فانفتحت الابواب،


1 ان يقتلون: أراد ان يقتلوني، فوقف على النون (*).

[ 35 ]

ثم دخل، فقال لفرعون: أنا رسول رب العالمين، بعثني إليك لتؤمن به، وتبعث معي بني إسرائيل. فأعظم فرعون ذلك، فقال له: إيت بآية نعلم بها صدقك ! فألقى عصاه، فإذا هي ثعبان عظيم قد فتح فاه، وأهوى نحو فرعون، فسأل موسى أن ينحيه عنه، ثم أدخل يده في جيبه وأخرجها بيضاء من غير سوء برص. وكان فرعون أراد أن يصدقه، فقال له هامان: أما في عبيدك، أيها الملك، من يعمل مثل هذا ؟ فأحضر السحرة من جميع البلاد، وخبروا بخبر موسى، فأقاموا حينا يعملون من جلود البقر حبالا مجوفة وعصيا مجوفة، ويزوقونها، ويصيرون فيها الزيبق، ثم أحموا المواضع التي أرادوا أن يلقوا فيها الحبال والعصي، ثم جلس فرعون، وأحضره، فألقى السحرة حبالهم وعصيهم، فلما حمي الزيبق تحرك، ومشت الحبال والعصي، فألقى موسى عصاه، فأكلت ذلك كله، حتى لم يبق منه شئ، ونكص السحرة، فقتل فرعون من قتل منهم. وبعث الله موسى بآيات إلى فرعون: العصا، ثم اليد التي خرجت من جيبه بيضاء، ثم الجراد، ثم القمل، ثم الضفادع، ثم الدم وموت الابكار، فلما اتصل بهم هذا قال له فرعون: إن كشفت عنا الرجز آمنا وأخرجنا معك بني إسرائيل. فكشف الله عنهم، ولم يؤمنوا. وأمر الله موسى أن يخرج بني إسرائيل، فلما أرادوا الخروج طلب جسد يوسف بن يعقوب ليحمله معه، كما أوصى يوسف بني إسرائيل، فأتته شارح بنت آشر بن يعقوب، فقالت: تضمن لي البقاء حتى أدلك عليه ؟ حتى ضمن ذلك لها فصارت به إلى موضع من النيل، فقالت له: هو هاهنا ! فأخذ موسى أربع صفائح ذهب، فصور في واحدة صورة نسر، وأخرى صورة سبع، وأخرى صورة إنسان، وأخرى صورة ثور، وكتب في كل صفيحة اسم الله الاعظم، وألقاها في الماء، فطفا تابوت الحجارة الذي كان فيه جسد يوسف، وبقيت في يد موسى صفيحة واحدة فيها صورة ثور، فوهبها لشارح بنت آشر،


[ 36 ]

وحمل التابوت. وقفل موسى ببني إسرائيل، وهم ستمائة ألف إنسان بالغ، واتبعه فرعون وجنوده، فغرقهم الله جميعا، وكانوا ألف ألف فارس، وقيل هبط جبريل، وفرعون وأصحابه يحاولون الدخول اثرهم، وإذ قد نزل جبريل بعد أن لم يجزع من خيل فرعون فرس واحد، وكان تحت جبريل مهرة، وكان تحت فرعون فرس طويل الذنب، فدخل جبريل البحر، فنظر فرس فرعون إلى مهرة جبريل، فاقتحم اثرها البحر، وتبعه أصحابه فغرقوا كلهم، أعني فرعون وجميع أصحابه، وانطبق البحر عليهم، وصار موسى إلى التيه. وجعل بنو إسرائيل يستعجلونه ليدخل إلى الارض المقدسة، فأوحى الله إلى موسى أنها محرمة عليهم أربعين سنة، فأقاموا في التيه، واشتد بهم العطش، فأوحى الله إلى موسى أن يضرب بعصاه الحجر، فقام موسى مغضبا، فضرب الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا لكل سبط عين يشربون منها، فأوحى الله إلى موسى أنك ضربت الحجر قبل أن تقدسني، ولم تذكر اسمي، وأنت أيضا فلا تخرج من التيه، وأمره أن يبني فيه قبة الزمان، ويجعل فيها الهيكل، ويجعل في الهيكل تابوت السكينة، ويكون هارون كاهن ذلك الهيكل الذي لا يدخله غيره، فجمع غزول نساء بني إسرائيل، فنسجت، وجمع الحلي، وعمل سرادقا طوله مائة ذراع في صدره الهيكل وفي صدر الهيكل تابوت السكينة. وكان عمله ذلك في السنة الثانية من خروجه من مصر، وجعل فيها مائدة من ذهب، وجعل للقبة أجراس ذهب، وكلل القبة بالجوهر، وجعل فيها مجمرة ذهب للدخنة، وجعل فيها منارة ذهب مكللة بالجوهر، فكان هارون وحده يدخل القبة ويقدس الله، وموسى على الستر، وسائر بني اسرائيل في السرادق. وكانت غمامة تجلل القبة، ولا تبرحها، وأمرهم الله أن يقربوا قربانهم، وقال لموسى: قل لبني إسرائيل يقربون قربانا سليما من العيوب من البقر والغنم، ويجعلون شحم القربان على المذبح، وينضحون الدم أيضا عليه، وما كان من


[ 37 ]

القربان فهو حل لبني هارون خاصة، حرام على غيرهم، ومن أذنب منهم ذنبا، فليقرب قربانا لله عند المذبح على قدر ما يجد بقرا، أو غنما، أو شفنينين، أو فرخي حمام. فأوحى الله عزوجل إلى موسى أن يكتب العشر الآيات في لوحي زمرد، فكتبها على ما أمره الله، وهذه العشر الآيات: قال الله: إني أنا الرب الذي أخرجتك من أرض بيت الرق والعبودية، ولا يكون لك إله آخر دوني، ولا تتخذ تمثالا، ولا صنما مشبها بي من فوق السماء، ولا تحت الارض، ولا تسجد لها، ولا تعبدها من أجل أنا الرب الملك القاهر قاضي ديون الآباء عن الابناء، نقمي على الثلاث والرباع لمبغضي، وأصنع نعمي لمحبي وحافظ وصيتي إلى ألوف الآلاف من المحبين لي، الحافظين لوصيتي. لا تحلف باسم الرب كاذبا لان الله لا يزكي من حلف باسمه كاذبا. واذكر يوم السبت لتطهره، اعمل ستة أيام، واسع في أعمالك كلها، واليوم السابع سبت الرب إلهك لاتعمل فيه شيئا من الاعمال أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك ونعمك وبهائمك والساكن في قراك، لانه في ستة أيام خلق الله السماء والارض والنجوم وجميع ما فرع في السماء، فلهذا بارك الله اليوم السابع وطهره. وأكرم أباك وأمك لتطول أيامك في الارض التي أعطاكها الرب إلهك. ولا تقتل. ولا تزن. ولا تسرق. ولا تشهد على صاحبك شهادة كاذبة. ولا تشته بيت صاحبك ولا زوجة صاحبك، ولا عبده، ولا أمته، ولا ثوره، ولا حماره، ولا شيئا من مال صاحبك. وصعد موسى طور سيناء فأقام أربعين يوما، فكتب التوراة، فاستبطأه بنو


[ 38 ]

إسرائيل، فقالوا لهارون: إن موسى قد ذهب، ولا نظنه يرجع. ثم عمدوا إلى حلي نسائهم، فعملوا منها عجلا مجوفا، وكانت الريح تدخله فتخور فيه، فقال الله لموسى: إن بني إسرائيل قد اتخذوا عجلا وعبدوه من دوني، فدعني أهلكهم. فدعا لهم موسى، وقال: يا رب ! احفظ فيهم ابراهيم وإسحاق ويعقوب، ولا تشمت بهم أهل مصر. وهبط موسى من الجبل بعد أربعين يوما، فلما رأى العجل ورآهم عكوفا عليه، اشتد غضبه، فألقى الالواح، فكسرها، وأخذ برأس أخيه هارون، فنظر إلى العجل يخور، فكسره وسحقه، حتى صيره كالتراب، وذراه في الماء، وقال لبني لاوي: جردوا سيوفكم واقتلوا من قدرتم عليه ممن عبد العجل ! فجرد بنو لاوي سيوفهم، وقتلوا في ساعة واحدة خلقا عظيما، وقال الله لهم: أبيدوا من اتخذ إلها غيري. وأمر الله موسى أن يعد بني إسرائيل، ويجعل على كل سبط رجلا خيرا، فاضلا، وكان عددهم ممن بلغ العشرين سنة، فما فوقها إلى الستين، ممن يحمل السلاح: ستمائة ألف وثلاثة آلاف وخمسمائة وخمسين رجلا، وكان عده إياهم بعد خروجهم من مصر بسنتين، فكان رئيس بني يهوذا نحشون بن عمينذاب، وعدد من معه من سبطه أربعة وسبعون ألفا وستمائة رجل. ورئيس بني يشاجر نثنيل بن صوعر، وعدد من معه أربعة وخمسون ألفا وأربعمائة رجل. ورئيس سبط زبلون الياب بن حيلون، وعدد من معه سبعة وخمسون ألفا وأربعمائة رجل. ورئيس سبط بني روبيل اليصور بن شذياور، وعدد من معه سبعة وأربعون ألفا وخمسمائة رجل. ورأس بني شمعون شلوميال بن صوري شذاي، وعدد من معه تسعة وخمسون ألف رجل وثلاثمائة رجل.


[ 39 ]

ورأس بني كاذ اليسف بن دعوال، وعدد من معه خمسة وأربعون ألفا وستمائة وخمسون رجلا. ورأس بني افرائيم اليشمع بن عميهوذ، وعدد من معه أربعون ألفا وخمسمائة رجل. ورأس بني منشا جمليال بن فداصور، وعدد من معه اثنان وثلاثون ألفا ومائتا رجل. ورأس بني بنيامين ابيذان بن جذعوني، وعدد من معه خمسة وستون ألفا وأربعمائة رجل. ورأس بني دان اخيعازر بن عميشذاي، وعدد من معه اثنان وثلاثون ألفا وسبعمائة رجل. ورأس بني آشر فجعيال بن عنحرن، وعدد من معه أحد وأربعون ألفا وخمسمائة رجل. ورأس سبط نفتالي اخيرع بن عينان، وعدد من معه ثلاثة وخمسون ألفا وأربعمائة رجل. وكان بنو لاوي خدام قبة الزمان وحرسها، فلم يدخلوا معهم، وكانوا مخصوصين بالكرامة والقدس، وخدمة قبة الزمان والتطهير، فهذا عدد بني إسرائيل واسم رئيس كل سبط منهم، وما كان معه من سبط على ما في السفر الرابع من التوراة. وأمر الله، سبحانه، موسى أن يقول لرؤساء أسباط بني إسرائيل أن يقرب كل عظيم منهم قربانا، فكان قربان كل رجل منهم صحفة فضة من مائة وثلاثين مثقالا، ومصفاة فضة من سبعين مثقالا، ومل ء الصحفة سميذ ملتوت بدهن، ومدهن ذهب من عشرة مثاقيل مملوءا طيبا، وثورا، وكبشا، وحملا حوليا، وحولية من المعزى. وكان الذبح الكامل ثورين وخمسة أكبش وخمسة جداء وخمسة حملان حولية.


[ 40 ]

وأمر الله، عزوجل، موسى أن يقول لبني إسرائيل أن يذبحوا بقرة صفراء مسلمة لا عيب فيها، ثم يأخذ دمها فيرشه على حبال قبة الزمان، ثم يحرقها وجلدها، ثم ليأت رجل آخر، فليجمع الرماد، وليصيره في موضع، فإذا أراد أحد أن يطهر، فليجعل في الماء من ذلك الرماد، فيكون طهورا. وأقام موسى وبنو إسرائيل في التيه دهرا، وكان طعامهم المن، وكان المن مثل حب الكسبرة يطحنونه بالارحاء ويجعلونه أرغفة، فيكون طعامهم طيبا أطيب من كل شئ، وكان ينزل عليهم بالليل، ويجمعونه بالنهار، فضجوا وبكوا، وجعلوا يقولون: من يطعمنا لحما ؟ أما تذكرون ما كنا نأكل بمصر من النون، والقثاء، والبطيخ، والكراث، والبصل، والفوم ؟ فاشتد غم موسى لذلك، وجعلوا يقولون: أطعمنا لحما ! فقال موسى: اللهم إني لا أقوى على بني إسرائيل ! فأوحى الله إليه إني مطعمكم لحما، فبعث لهم السلوى، وأعلمهم الله أنه يخرجهم إلى الشأم، فبعث موسى إلى الشأم بيوشع ابن نون وغيره إلى أرض بني كنعان ليأتوه بخبرها، فقالت بنو إسرائيل: لا طاقة لنا بحرب الجبابرة. وأذن الله لموسى أن ينتقم من أهل مدين، فوجه باثني عشر ألف رجل من بني إسرائيل، فقتلوا جميع أهل مدين، وقتلوا ملوكهم، وكانوا خمسة ملوك: أوي، ورقم، وصور، وحور، وربع، وقتل بلعام بن باعور في الحرب، وكان نبيا، فأشار على ملك مدين أن يوجه بالنساء على عسكر بني إسرائيل، حتى يفسدوهم، فغضب موسى من ذلك، فأمر الله موسى أن يقسم تلك الغنائم بين بني إسرائيل، ويأخذ منهم من كل خمسين واحدا، فيجعله لله يدفعه إلى ولد هارون، ثم أمره الله أن يوجه بني إسرائيل إلى الشام يقاتلون من بها، فوجه جيشا عظيما، فجعلوا يسيرون قليلا قليلا، وينزلون، ويقولون: إنا نخاف الجبارين ! فأقاموا بجبل ساعير، فقال الله تعالى لموسى: إن بني إسرائيل عصوا أمري، فليشتروا الطعام بالثمن، وليخضعوا الآن لمن كان يخضع لهم.


[ 41 ]

وكان ذلك بعد أن قتل موسى سيحون ملك الاموري واستباح أرضه. ولما كان في سنة الاربعين من مقامهم في التيه، وهي برية سينا، أوحى الله إلى موسى: إني قابض هارون إلي، فاصعد به الجبل لتأتي ملائكتي فتقبض روحه ! فأخذ موسى بيد هارون أخيه، فلما صعد به الجبل لم يكن معه إلا اليعازر بن هارون، فلما صار على الجبل إذ سرير عليه ثياب، فقال له موسى: البس يا أخي هذه الثياب المطهرة، التي أعدها الله لك، لتلقاه فيها، فلبسها هارون، ثم تمدد على السرير فمات، وصلى عليه موسى. فلما لم ير بنو إسرائيل هارون، ضجوا، وقالوا: أين هارون ؟ قال لهم موسى: قبضه الله إليه، فاضطربوا. وكان هارون محببا فيهم، لين الجانب لهم، فرفعه الله لهم على السرير، حتى رأوا وجهه، فعلموا أنه قد مات، وكانت سنو هارون يومئذ مائة وثلاثا وعشرين سنة، وكان له من الولد أربعة: نادب، واليهو، واليعازر، وايتمر، وتوفي في حياته نادب، واليهو، وبقي اليعازر، وايتمر. وصار اليعازر مكان هارون يقدس في قبة الزمان، ودعا موسى يوشع ابن نون، وقال له: بين يدي بني إسرائيل سر، وشد قلبك، فإنك تدخل ببني إسرائيل إلى أرض بني كنعان التي ورثهم الله، وهذه التوراة ادفعها إلى كهنة بني لاوي، الذين كانوا يقومون بتابوت السكينة، ووقروا مقام الله، واحفظوا وصاياه، التي بينها لكم في التوراة، وأوصاهم أن يتبعوا ما فيها، وبرك عليهم. وكان مما أوصى الله عزوجل به لبني إسرائيل على لسان موسى أن قال لهم: اذكروا اليوم الذي قمتم فيه قدام الله إذ قال الله لي: اجمع هذا الشعب قدامي، فأسمعهم كلامي ليخشوني أيام حياتهم، فقمتم في أسفل الجبل، والجبل يتوقد نارا إلى قلب السماء، وكلمني الله من جوف النار، فسمعتم الصوت، ولم تروا الشبه، وأوصاكم الله أن تتعلموا العشر الآيات، وأوصاني أن أعلمكم


[ 42 ]

السنن والقضاء، فتعملوا بذلك في الارض التي تصيرون إليها، فاحتفظوا بأنفسكم ولا تصنعوا أصناما مما يشبه ذكرا، ولا أنثى، ولا شيئا مما يدب على الارض، ولا مما يكون في البحر، ولا ترفعوا رؤوسكم إلى السماء فتعبدوا النجوم ! إن الله قد أقسم لا أدخل الارض الصالحة، فأنا ميت بهذه الارض، ولست أعبر الاردن، ولكنكم ستعبرون وتصيرون إلى الارض الصالحة، التي جعلها الله لكم ميراثا، فلا تضلوا ميثاق الله ربكم الذي واثقكم به، فتصنعوا الاصنام، ولا تعملوا أعمال السوء قدام إلهكم لو قد صرتم إلى الارض الصالحة، فتوشكوا، إن عصيتم، أن تهلكوا، وتفرقوا بين الشعوب، وإن عبدتم ما تعمله أيدي البشر من خشب وحجارة لا يبصرون، وتدعون، فلا يسمع لكم دعاء، إن الله الرحيم بكم يسمع أصواتكم، وإن من سمع من الله مثل الذي سمعتم، ورأى مثل الذي رأيتم، لا ينبغي أن يعصي الله، قد رأيتم ما صنع الله بأهل مصر، وأنتم تنظرون، فإن الله هو الرب الذي ليس غيره، الذي بصركم ناره، وأسمعكم صوته، وأحب آباءكم فاجتبى خلوفهم، وأهلك لكم قوما كانوا أعظم وأشد منكم، وإن الله سيدخلكم الارض الصالحة، ويجعلها ميراثا لكم، فاحفظوا سننه التي أوصاكم بها وأمركم بها ليحسن إليكم وإلى خلفكم من بعدكم، ويكثر أيامكم في الارض، اقبلوا وصية الله التي أمركم بها لا تزيغوا عنها يمينا ولا شمالا، واسلكوا كل طريق أوصاكم بها ربكم ليحسن إليكم. أحبوا الله من كل قلوبكم ومن همكم ومالكم، وقصوهن على أولادكم، وأتموها، واتلوها في بيوتكم، اجعلوها علامة بين أعينكم، واكتبوها في منازلكم، إن الله سيعطيكم قرى عظاما لم تبنوها، وبيوتا مملوءة من الخير لم تملاوها، وآبارا مطوية لم تحفروها، وكروما، وزيتونا لم تغرسوها، فلا تنسوا الله، واخشوه، واعبدوه، واحلفوا باسمه، ولا تتبعوا إلها آخر. احذروا غضب الله الذي يبيدكم عن وجه الارض، ولا تخونوا الله، واقبلوا أمره، واعملوا خيرا وصدقا.


[ 43 ]

اذكروا إذ كنتم عببدا لفرعون، فأخرجكم الله بيد شديدة، وآيات معجزات عظام ساقت فرعون وأصحابه إلى الهلكة، وأنتم تنظرون. إن الله يقول لكم سأعطيكم البلاد الصالحة وأقدركم على الامم التي بين أيديكم، وأظفركم بالجبارين، والجرشيين، والاموريين، والكنعانيين، والفرازيين، والحوبيين، والنابلسيين، هؤلاء السبع الامم الذين هم أكثر منكم وأشد، فإذا ظفركم الله بهم، فاضربوهم، وارجموهم، ولا ترحموهم، ولا تعطوهم ميثاقا، ولا تنكحوهم بناتكم لكيلا يكونوا لكم عثرة، فيزيغون أولادكم عني، فيعبدون إلها غيري، فيشتد عليكم غضبي، فأبيدكم عاجلا، ولكن اكسروا أصنامهم، واعقروا مذابحهم، واهدموا أنساكهم، وأوقدوها ! إنكم إن سمعتم وصيتي، وعملتم بقضاياي، فسأحفظ لكم نعمكم والميثاق الذي واثقت آباءكم، وأكثركم، وأثمر زرعكم وماشيتكم. اجعلوا لله نصيبا في أموالكم، فواسوا منه اليتيم، والارملة، والمسكين، والضعيف، والساكن معكم الذي لازرع له. إذا قضيتم بين اثنين، فاعدلوا، ولا تأخذوا الرشا، فإن الرشوة تعمي عيون الحكام، ولا تغرسوا شجرة عند مذبح، ولا تذبحوا قربانا فيه عيب من ثور ولا كبش، واقتلوا من يعمل الاصنام التي تعبد من دون الله، وإذا بلغكم أن أحدا يسجد للشمس والقمر والنجوم، أو شئ من الانوار، فافحصوا عنه، فإذا علمتم صحته، فارجموه بالحجارة حتى يموت. ولا تقبلوا في الاحكام الموجبة للقتل شهادة واحد، ولكن شهادة شاهدين، أو ثلاثة، وإذا شهد الشهود على من يجب عليه القتل، فليبد الشهود، فليبسطوا أيديهم إلى الذي يقتل، فإذا أشكل عليكم الحكم، فارجعوا إلى الاحبار والكهان. ومن قتل رجلا خطأ، ولم يرده، فليفر من ولي الدم حتى لا يدركه. ولا تسفكوا دم برئ، أيما رجل قتل رجلا بريئا تعمدا، فليقتل، ولا تقتلوا أحدا حتى تقوم عليه شهادة عند الحبر، والقاضي، فإن وقف القاضي على


[ 44 ]

أن أحدا شهد بزور فعل بالشاهد ما أراد أن يفعله بالمشهود عليه، والنفس بالنفس، والعين بالعين، واليد باليد، والرجل بالرجل. وإذا أردتم قتال قوم فأتيتم قريتهم، فادعوهم إلى السلم، فإن أجابوكم، فاجعلوا عليهم ضريبة، فإن لم يسلموا قتلتم كل من يحمل السلاح، ولا تفسدوا شجرها. وقال الله عزوجل لموسى: إذا خرجت لقتال عدوك، فأمكنك الله منهم، فرأيت في السبي امرأة، وأحببت أن تتخذها لنفسك، فأدخلها إلى بيتك، واكشف عن رأسها، وقص أظفارها، وانزع عنها ثيابها التي سبيت فيها، وأقعدها في بيتك ثلاثة أشهر تبكي على أبيها وأمها، ثم استحلها، فإن كرهتها بعد أن تمسها، فأخرجها، ولا تبعها، ولا تأخذ لها ثمنا بعد أن وقعت عليها. وأيما ابن عصى أباه، ولم يطعه، ولم يقبل أمره، فليخرجه أبوه إلى شيوخ سبعة، فيرجموه حتى يذهب الشر والفظيعة منكم، ويحذر أمثاله من بني إسرائيل. وإذا وجد أحد منكم ضالة قد ضلت من صاحبها من نعجة، أو ثور، أو حمار، فليردها على صاحبها، فإن لم يجده، فليحبسها في بيته حتى يحضر صاحبها. ولا تلبسوا ثوبا منسوجا بقطن وصوف جميعا، واصنعوا خيوطا في أطراف أكسيتكم. وأيما رجل قذف امرأته ورماها بفجور، فلم يصح عليها، فليغرم مائة درهم، وتكون امرأته آخر الدهر، وإن كان ما قذفها به حقا، فلترجم. وأيما رجل وجد يزني بامرأة لها زوج، فليقتلا كلاهما. وأيما رجل غلب امرأة على نفسها، فليقتل الرجل، وأي رجل وقع على جارية تكون في حجر أبيها، فافتضها، وأحبها، فليعط أباها خمسين مثقالا فضة، ولتكن امرأته آخر الدهر، ولا يخل سبيلها.


[ 45 ]

ولا يحل لرجل أن يمس امرأة قد مسها أبوه، ولا ينظر إلى عورتها، ولا يدخل الرجل الجنب مسجدا من مساجد الله، ولا تأكلوا ربا لفضة، ولا ذهب، وإذا نذرتم نذرا، فلا تؤخروا قضاءه، وأوفوا بالعهد، إذا عاهدتم، ولا تنقضوا العهد، فإن الله يحب من وفى بعهده. اعتزلوا من كان به برص، وتباعدوا منه، ولا تحبسوا أجر الاجير، ولا تأخذوا أبا بذنب ابنه، ولا ابنا بذنب أبيه، وأدوا زكاة أموالكم وثمراتكم إلى الحبر قربانا، وأعطوا الفقراء، والارامل، واليتامى، والمساكين، وبني السبيل. وإذا دخلتم الارض الصالحة، فاعملوا مذبحا للقدس من حجارة مستوية، فليقل أحبار بني إسرائيل: ملعون من يضل الاعمى عن الطريق. ملعون من يحيف في القضاء على المساكين، واليتيم، والارملة. ملعون من يضاجع امرأة أبيه. ملعون من يضاجع دابة. ملعون من يضاجع أخته وأمه. ملعون من يضاجع أم امرأته. ملعون من يأكل لحم أخيه سرا. ملعون من يأخذ رشوة في قتل نفس زكية ظلما. ملعون كل من لم يعمل بوصية الله. ثم قال لهم موسى: قد بلغتكم وصايا الله، وعرفتكم أمره، فاتبعوا ذلك، واعملوا به، فقد أتت لي مائة وعشرون سنة، وقد حانت وفاتي، وهذا يوشع ابن نون القيم فيكم بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا أمره، فإنه يقضي بينكم بالحق، وملعون من خالفه وعصاه. وكانت بين وفاة هارون إلى أن حضرت موسى الوفاة سبعة أشهر، ثم صعد موسى إلى جبل نابون، فنظر إلى الشأم، وقال الله له: هذه الارض التي ضمنت


[ 46 ]

لابراهيم وإسحاق ويعقوب أن أعطيها خلفهم، وقد أريتكها بعينك، ولكنك لن تدخلها ! فمات موسى في ذلك الموضع، فقبره يوشع بن نون، ولم يدر أين قبره. انبياء بني إسرائيل وملوكهم بعد موسى وكان موسى لما حضرته وفاته أمره الله، عزوجل، أن يدخل يوشع بن نون، وكان يوشع بن نون من شعب يوسف بن يعقوب، إلى قبة الزمان، فيقدس عليه، ويضع يده على جسده لتتحول فيه بركته، ويوصيه أن يقوم بعده في بني إسرائيل، ففعل موسى ذلك، فلما مات موسى قام يوشع بعده في بني إسرائيل، ثم خرج من التيه بعد وفاة موسى بيوم، وقال بعض أهل الكتاب: ثلاثين يوما، وصار إلى الشأم، وفيها الجبابرة، ولد عمليق بن لاود بن سام بن نوح، وكان أول من ملك منهم السميدع بن هوبر، فصار من أرض تهامة إلى الشأم يريد غزو بني إسرائيل، فوجه إليه يوشع بن نون من قتله، ثم قام بعده من بني أبيه جماعة، فقتلهم يوشع. وسار يوشع حتى انتهى إلى البلقاء، فلقي رجلا يقال له بالق، وبه سميت البلقاء، فجعلوا يخرجون يقاتلونه، فلا يقتل منهم رجلا واحدا، فسأل عن ذلك، فقيل له: إن في مدينته امرأة منجمة تستقبل الشمس بفرجها، ثم تحسب، فإذا فرغت عرضت عليها الحيل، فلا يخرج يومئذ من حضر أجله، فصلى يوشع ركعتين، ثم دعا أن يؤخر الله الشمس ساعة، فأخرت له ساعة، فاختلط عليها حسابها، فقالت لبالق: انظر ما كانوا يسألونك، فأعطهم، فإن حسابي قد اختلط علي ! قال: تصفحي آلتك، وأخرجي منها، فإنه لا يكون صلح إلا بقتال ! فتصفحت الحيل على غير علم منها لاختلاط الامر عليها، فقتلوا قتلة


[ 47 ]

لم يقتلها قوم، فسألوا يوشع الصلح، فأبى عليهم، حتى يدفعوا إليه المرأة، فقال بالق: لا أدفعها ! فقالت: ادفعني إليه ! فدفعها إليه، وصالح، فقالت له: هل تجد فيما أنزل على صاحبك قتل النساء ؟ قال: لا ! قالت: فإني قد دخلت في دينك. قال: فاسكني في مدينة أخرى ! فأنزلها مدينة أخرى. ولما افتتح يوشع بن نون البلقاء أكثر بنو إسرائيل الزناء، وشرب الخمور، ووقعوا على النساء، وكثرت فيهم الفاحشة، فعظم ذلك على يوشع بن نون، وخوفهم الله، وحذرهم سطوته، فلم يحذروا، فأوحى الله، عزوجل، إلى يوشع بن نون: إن شئت سلطت عليهم عدوهم، وإن شئت أهلكتهم بالسنين، وإن شئت بموت حثيث عجلان. فقال: هم بنو إسرائيل، ولا أحب أن تسلط عليهم عدوهم، ولا يهلكوا بالسنين، ولكن بموت حثيث، فوقع فيهم الطاعون فمات في وقت واحد سبعون ألفا. وكانت أيام يوشع في بني إسرائيل، بعد موسى بن عمران، سبعا وعشرين سنة. ثم كان على بني إسرائيل بعد يوشع بن نون دوشان الكفري، فلبث فيهم ثماني سنين، ثم كان بعد دوشان عثانيل بن قنز، أخي كالب، من سبط يهوذا ابن يعقوب، أربعين سنة، وقد كان كثر ظلم بني إسرائيل وعتوهم، فسلط الله عليهم كوشان جبار مؤاب، فلما ملك عثنايل قتل كوش، وملك أربعين سنة. ثم ارتدت بنو إسرائيل إلى الكفر، فسلط الله عليهم عقلون ملك مؤاب، خمس عشرة سنة، ثم تابوا، فبعث الله لهم رجلا يقال له اهود به جيرا، من سبط افرائيم، فقتل عقلون ملك مؤاب، وكان يقاتل بشماله ويمينه، فلسموه ذا اليمينين، وهو أول من طبع السيوف ذوات الحدين، وكانت قبله ذوات أقفية، وفي زمانه بنيت البنية بالشأم، وفي خمس وعشرين سنة من ملك اهود تم الالف الرابع.


[ 48 ]

ثم ارتدت بنو إسرائيل بعد اهود، فسلط الله عليهم يابين ملك كنعان، عشرين سنة، وكان سمحر بن عانات قد ملك على بني إسرائيل قبل، فقتل من أهل فلسطين ستمائة رجل، ثم إن الله رحمهم، فبعث إليهم رجلا يقال له بارق بن أبي نعم، من سبط نفتالي، فملكهم أربعين سنة. ثم ارتدت بنو إسرائيل إلى الكفر، فسلط الله عليهم أهل مدين سبع سنين، ثم إن الله تعالى رحمهم، فبعث إليهم رجلا يقال له جدعان بن يواس، بن سبط منشى، وكان صالحا، وهو الذي بيت أهل مدين، فقتل منهم مائتي ألف وخمسة وثمانين ألفا، وملكهم أربعين سنة، ثم ملك بعده ابنه ابي ملك بن جد عون، وكان ابن سوء، وهو الذي قتل سبعين أخا كانوا له، فقتلته امرأة، ورمته بحجر من فوق باب المدينة، فشدخته، وكان ملكه ثلاث سنين. ثم ملك تالع بن فواي، من سبط يشاجر، فأقام ثلاثا وعشرين سنة، ثم ملك جلعاد من سبط منشى، وكان له ثلاثون ابنا يركبون معه على ثلاثين مهرا، وكان ملكه اثنتين وعشرين سنة، ثم ارتدت بنو إسرائيل إلى الكفر، فسلط الله عليهم بني عمون، سبع عشرة سنة، وفي زمانه بنيت مدينة صور بالشأم، وسامهم سوء العذاب. ثم إن الله تعالى رحمهم، فبعث لهم رجلا من أهل جلعاد اسمه يفتح، فقتل من بني اسرائيل من آل افرائيم اثنين وأربعين ألفا، وكان من سبط منشى، وكان ملكه ست سنين، ثم كان عليهم ابيصان الذي يدعى نخشون، سبع سنين، ثم كان عليهم ايلان، من سبط زبولون، عشرين سنة، ثم كان عليهم عكران ثماني سنين، ثم كان عليهم الانكساس، فسامهم سوء العذاب، وسلط عليهم أشد التسليط، أربعين سنة، ثم كان عليهم شمسون عشرين سنة، ثم لبثوا ليس عليهم أحد اثنتي عشرة سنة، ثم كان عليهم عالي الاحباري أربعين سنة. ثم كان عليهم شمويل النبي، وهو الذي ذكره الله تعالى إذ قالوا لنبي لهم: ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله، فلما قالوا لشمويل النبي: سل الله أن


[ 49 ]

يبعث لنا ملكا حتى يقاتل عدوه، وقال: إنه لا وفاء لكم، ولا صدق نية، وقالوا: بلى ! قال: فإن الله قد بعث لكم طالوت ملكا، واسمه شاول، قالوا: والله ما هو من سبط الملك والنبوة، ما هو من ولد لاوي، ولا يهوذا، وإنما هو من سبط بنيامين. قال شمويل: فليس لكم أن تختاروا على الله، فدعا شمويل شاول، وهو طالوت، فقال له: إن الرب أمرني أن أبعثك ملكا على بني إسرائيل، والله يأمرك أن تنتقم من عمليق، فأهلك عمليق وكل ما له، ولا تبق له شيئا من رجل، ولا امرأة، ولاصبي رضيع، ولاعجل، ولا شاة، ولا بعير، ولا حمار. وأوصى الجماعة كلها بهذا، وكان عددهم أربعمائة ألف مقاتل، فأقبل شاول إلى عمليق، فقتل أصحاب عمليق، وأسر اغاغ ملك العمالقة، فأخذه حيا، فاستبقاه، وامتنعوا من إتلاف شئ من البقر، والغنم، وأبقوا لانفسهم، فأوحى الله تعالى إلى شمويل: إن شاول عصاني، ولم يهلك عمليق، وكل ما حواه ملكه. فقال شمويل لشاول: إن الله قد غضب من فعلك ! فدعا شاول باغاغ، فقال: ما أمر الموت ؟ قال: الذبح ! فذبحه، ثم قال شاول لشمويل: امض معي لنسجد بين يدي الله تعالى، فامتنع، فأمسك رداء شمويل فخرقه، فقال شمويل: كذا ينخرق ملكك. وارتفعت النصرة عن شاول، ودخلته ريح سوء، وكان يضطرب، ويتغير لونه، فقال له أصحابه: لو أتيت بإنسان حسن الصوت، من الشعارير، يقرأ عليك، إذا دخلتك هذه الريح السوء ! فأرسل إلى إيشا: ابعث إلي داود ابنك، فبعث به إليه، فكان إذا خنق شاول أخذ داود قيثاره بيده، وتكلم عليها، فيذهب عنه الريح السوء. ثم اجتمع الحنفاء الذين كانوا في وقت شاول، فقاتلهم، وهم عبدة النجوم، وخرج إليهم شاول في جموعه، فخرج منهم رجل طوله خمس أذرع يقال له غلياث، وهو جالوت، فقال: يبرز لي منكم رجل واحد، فقال داود لشاول:


[ 50 ]

أنا أبرز إليه ! فقال لداود: انطلق، والرب يكون معك فأخذ عصا وخمسة أحجار، وخرج إلى غلياث، فلما رآه احتقره، فقال له: إلى كلب خرجت بعصا وحجر ؟ فقال له: إلى أشد من الكلب، ثم أخذ حجرا من مخلاته ورماه به حتى غاب الحجر في جبهة جالوت، وسقط، فسعى إليه داود، فأخذ سيفه، وحز رأسه، وأخذ راجعا، فانهزم عسكر غلياث، واشتد سرور بني يهوذا، فاغتم شاول وحسد داود، فطرده عنه، وصيره رئيسا على ألف، ونفاه بمكان بني يهوذا، وتزوج ميخل بنت شاول. وكان شاول يريد قتل داود، فكان يوجهه يقاتل الحنفاء عبدة النجوم، فيفتح الله عليه، فهم أن يقتله بغير حيلة، فهرب داود، فجاء إلى شمويل النبي، فخبره بخبر شاول، ولم يزل شاول يحاول قتل داود حتى هرب، فمر باخيش ملك جات، فلما رآه عرفه، فتحيل عليه داود حتى أطلقه، فصار إلى سارع، فنزلها. ولما علم شاول أنه قد فاته قتل الكهنة الذين كانوا يقدسون، وقال: قد علمتم به ولم تخبروني، ثم خرج شاول في طلب داود، حتى أدركه، فدخل داود مغارة، فلما صار شاول عند المغارة نزل لحاجته، فدخل المغارة، وهو لا يعلم أن داود فيها، فقام داود، فتوارى، فقال له أصحابه: يا داود اقتله ! فقد أمكنك الله منه. قال: ما كنت لافعل. وتوفي شمويل النبي، فاجتمعت بنو إسرائيل، وأعظموا ذلك، وناحوا عليه ثلاثين يوما. وخرج شاول يقاتل الحنفاء، والتحم القتال بينهم، فهزموا بني إسرائيل، وقتل منهم خلق عظيم، وكان داود بن إيشا يقاتل العماليق مع قومه من ولد يهوذا، فلما انهزم عن شاول جميع بني إسرائيل، قام هو وولده يحارب، ثم قال لصاحبه الذي يحمل سلاحه: خذ سيفك فاقتلني به لئلا يقتلني هؤلاء القلف، ويلعبوا بي، فلم يفعل، فأخذ شاول سيفه، فأقامه، ثم ألقى نفسه عليه، فمات، وقتل أولاده الثلاثة، وكان ملك شاول أربعين سنة.


[ 51 ]

داود ولما مات شاول، وهو طالوت، انصرف داود من قتال عمليق إلى سقلاغ، فأقام بها يومين، ثم أتاه الخبر بموت شاول، فحزن لذلك، وأظهر جزعا، وملك داود على بني يهوذا، وكان لداود عدة نسوة قد ولدن منه أولادا، فكان أكبر أولاده: أمنون، وأمه شيتموم، والثاني دالويا بن اربيخايل، والثالث أباشلوم بن موخا، والرابع ارنيا بن دحات، والخامس سفاطيا بن ابيطال، والسادس ناتان بن اغلا، فهؤلاء الستة من ست نسوة، ولم تلد ميخل بنت شاول، فهربت من داود إلى أصحاب شاول. واجتمعت بنو اسرائيل من الاسباط على تمليك داود، فملكوه بعد سبع سنين ملكها على بني يهوذا خاصة، إلى أن ملكته جميع أسباط بني إسرائيل. ونزل داود مدينة صيون، وهي بيت المقدس، وبنى بها منزلا، وتزوج النساء، فولد له بعد أن ملك: سمون، وسوباب، ونوتان، وسلامان، ويابار، واليشوس، ونافاق، ويافيا، واليشماس، والسنانا (1)، واليفلات، فكثر أولاد داود، وعز ملكه، وأعظمته بنو اسرائيل. وسمع الحنفاء أن داود قد ملك على بني إسرائيل، واجتمعوا لقتاله، فقاتلهم داود، فقتل فيهم قتلا كثيرا، حتى أبادهم، فلما فرغ من قتالهم حمل تابوت السكينة على عجل، حتى أدخله مدينة بيت المقدس، وصنع طعاما لبني اسرائيل، لرجالهم ونسائهم. وكان في ذلك العصر ناتان النبي، فأوحى الله إلى ناتان: قل لعبدي داود: ابن لي بيتا، فقد ملكتك على بني اسرائيل، بعد أن كنت في صيرة الغنم،


1) بدون فقط في الاصل (*).

[ 52 ]

وقتلت أعداءك. فقال ناتان النبي لداود، فعظم في قلب داود، ويقال: إن ناتان كان ابن داود. وقاتل داود الحنفاء فهزمهم، وقاتل أهل مؤاب وهزمهم، وقاتل اددازار ملك سوبا فهزمه، وأخذ له ألف مركب وسبعة آلاف من الخيل. واجتمع أهل الشأم ودمشق مع اددازار ليقاتلوا داود، فقتل منهم اثنين وعشرين ألفا، واستحوذ على الارض، فكان أهل الشأم جميعا عبيدا له، ثم اجتمعوا جميعا على محاربة داود، فوجه إليهم يواب ابن أخته، وابيشا أخاه، ثم خرج داود حتى عبر نهر الاردن، فقتل من القوم أربعين ألفا، وقتل اشان رأس القوم، ثم وجه يؤاب ابن أخته لقتال بني عمون إلى أسافل الشأم، ورجع إلى بيت المقدس، فقام يمشي على سطح له إذ نظر إلى برسبا بنت اليات، امرأة اوريا بن حنان الشطي، فسأل عنها، فأخبر بحالها، وانها امرأة اوريا بن حنان، فوقعت في قلبه، فأرسل إلى أوريا بن حنان، فأقدمه عليه، ثم كتب إلى يؤاب ابن أخته أن قدم اوريا أمام الخيل يحارب، فقدمه يؤاب، فقاتل، فقتل. وأرسل داود إلى امرأته، فتزوجها وأحبلها، فأرسل الله إليه الملكين، على ما قص في كتابه عزوجل، وأرسل إليه ناتان النبي فقال له: يا داود، ألم يأمرك الله أن تعدل في القضاء، وتحكم بالحق، ولا تتبع الهوى ؟ قال: بلى ! قال: فهذان رجلان يسكنان مدينة واحدة أحدهما غني والآخر فقير، وكان للغني مواش وبقر كثيرة، ولم يكن للفقير شئ إلا رخلة واحدة صغيرة رباها، فشبت معه ومع أولاده، فكانت تأكل من طعامه، وتشرب من كأسه، وتنام في حجره. ونزل بالغني ضيف، فلم يأخذ من بقره وغنمه شيئا، وأخذ رخلة الفقير، فهيأها لضيفه، فغضب داود، وقال: أهل أن يموت، ويغرم بتلك الرخلة سبعة أضعاف. فقال ناتان النبي لداود: أنت الرجل الذي فعلت هذا ! إن الرب إلهك يقول لك: أنا الذي جعلتك ملكا على بني إسرائيل، بعد أن كنت راعي غنم، وأنقذتك من يدي شاول، وأعطيتك بيت إسرائيل، وبيت يهوذا،


[ 53 ]

ففعلت هذا، فلانتقمن منك بشر ولدك، ولاسلطنه عليك وعلى نسائك ! فعظم ذلك على داود، فقال له ناتان: إن الله قد تجاوز عن سبيلك، فلن تموت، ولكنه ينتقم منك بشر بنيك، وأعلمه الله أن ولده الذي ولدته المرأة يموت، فجزع داود، واشتد جزعه، واشتكى الصبي، فلما اشتدت علته صام وقام ليصلي ويبكي، ويتمرغ بالشعر على الارض، فلما توفي الصبي أعظم خول داود أن يخبروه بذلك، حتى سمع بوشوشتهم، فعلم، فغسل وجهه، ولبس ثيابه، وجلس في مجلسه، ودعا بطعامه، وقال: إنما كنت أحزن قبل أن يهلك، فأما الساعة، فإن حزني لا يرده إلي بل أنا أذهب إليه. ثم واقع برسبا، فحملت غلاما، فسماه سليمان. ثم إن أبيشالوم بن داود قتل أخاه امنون، وذلك أنه اتهمه بأخت له من أمه، فقتله، وخرج على داود. وكان أبيشالوم عظيم الجسم، كثير الشعر، فبعث إليه داود من رده حتى رجع، ثم خرج عليه ثانية، فهرب منه داود ماشيا على رجليه، حتى صعد عقبة طور سينا، وبلغ منه الجوع حتى لحقه رجل معه خبز وزيت، فأكل منه، ودخل أبيشالوم مدينة أبيه، وصار إلى داره وأخذ سراري أبيه، فوطئهن، وقال: ملكني الله على بني إسرائيل، وخرج ومعه اثنا عشر ألفا، فطلب داود ليقتله، فهرب داود حتى جاز نهر الاردن، فلما جاز اجتمع إليه جماعة من أصحابه ولفيف من القرى، فوجه يؤاب ولده ليحارب أبيشالوم، وقال له: خذه لي حيا صحيحا ! فخرجوا، فحاربوه، وكان أبيشالوم على بغل، فدخل تحت شجرة بطم، فتعلق بها، فاندقت عنقه، ورماه يؤاب بثلاثة أسهم، وطرحه في جب، فلما أتى داود الخبر جزع عليه جزعا شديدا، ورجع داود إلى موضعه. وخرج على داود بعد ذلك ازلا، ومعه جبابرة، فحاربهم، فقتلهم، فلما قتلهم، وأنقذه الله منهم، قام يقدس الله ويسبحه، فقال في تقديسه: إياك يا رب أعبد، ولك أخلص محبتي، فإنك قوتي وعدتي، وملجأي


[ 54 ]

ومخلصي، بعد أن أحاطت بي سكرات الموت، وقربت مني، واحتوت علي أحداث الهلكة، فدعوتك في ضيقي واستعنت بك يا إلهي، فسمعت صوتي فاستنقذتني من الذين اعتوروني واضطهدوني، وكنت ناصري، فأخرجتني من الضيق إلى الفرج، فما أعد لك يا رب، وأنصرك للمتوكلين عليك، لانه لارب غيرك، فألهمني القوة، وبصرني طريق الرشد، وثبت قدمي بين يديك، وشدد ساعدي، ولا تقدر علي أعدائي، وهب لي طاعة بني إسرائيل، وصيرهم خولا خاضعين، وألهمني شكرك. وكان داود إذا سبح الله بهذا الكلام رفع صوتا حسنا لم يسمع مثله، وكان إذا قرأ الزبور قال: طوبى لرجل.. (1) في سبيل الاثمة لم يسلك، وفي مجالس المستهزئين لم يجلس، ولكن هواه سنة الله، وبسننه تعلم الليل والنهار، يكون كشجرة غرست على شط الماء، تؤتي أكلها كل حين، ولا يتناثر ورقها، وليس كذلك المنافقون في القضاء، ولا الخاطئون في مجمع الابرار، من أجل أن الله يعلم سبيل الابرار وسبيل الاثمة يبطل. ثم يقول: سبح لله من في السماء، وليسبحه من في العلى، ولتسبحه ملائكته كلها، ولتسبحه جنوده كلها، ولتسبح له الشمس والقمر، ولتسبح له الكواكب والنور، وليسبح لاسم ربنا الماء الذي فوق السماء، وذلك بأنه قال لكل شئ: كن فكان، وهو خلق كل شئ وبرأه، وجعلهن دائمات الابد، وقدر كل شئ منهن تقديرا، وجعل لهن حدا ومنتهى لا يجاوزنه، فليسبح الله من في الارض، والنار، والبرد، والثلج، والجليد، فإنه خلق الريح العاصف بكلمته. سبحوا الله تسبيحا حديثا في مسجد الصديقين، وليفرح اسرائيل بخالقه، وإن بني صيون يكبرون ربكم، ويسبحون اسمه بالدف، والطبل، والكبر، يكبرونه من أجل أن يسر الله بشريعته، ويعطي المساكين النصر، ليشيد الصديقون


(1) بياض في الاصل (*).

[ 55 ]

بالكرامة، ويسبحون على أسرتهم، ويكبرون الله على حناجرهم، وسيف ذو شفيرتين بأيديهم، لينتصروا على الشعوب ويتعظ الامم فيوثقوا ملوكهم في القيود، وذوي الكرامة بسلاسل من حديد، ليفعل بهم القضاء الذي كتب، والحمد لله لكل الصديقين. سبحوه في مقدسه، سبحوه في سماء عزته، سبحوه بحوله وقوته، سبحوه بعظمته، سبحوه بصوت العزف، سبحوه بالقيتار والكبر، سبحوه بالبرابط والزمر، سبحوه بالاوتار والكبر الطويل الخليلات، سبحوه في صلاصل السمع، سبحوه بالاصوات العلى والنداء، سبحوا ربنا تسبيحا خالصا، كل نفس بنفس. ثم يقول داود في آخر الزبور: إني كنت آخر إخوتي وعبد بيت أبي، وكنت راعي غنم أبي، ويدي تعمل الكبر، وأصابعي تقص المزامير، فمن ذا الذي حدث ربي عني ؟ هو ربي، وهو الذي سمع مني وأرسل إلي ملائكته، فأنزعني من غنم إخوتي، هم أكبر مني وأحسن، فلم يرضهم ربي، فبعثني للقاء جنود جالوت، فلما رأيته يعبد أصنامه أعطاني النصر عليه، فأخذت سيفه، فقطعت رأسه. ثم إن بني إسرائيل وقعوا في داود، فاشتد غضب الله عليهم، فأمر الله داود أن يحصي عدد بني إسرائيل، فأحصاهم، فوجدهم ثماني مائة ألف رجل بطل، وعدد بني يهوذا خمسمائة ألف رجل، فبعث الله حيرام النبي إلى داود، وقال له: قل لداود اختر واحدة من ثلاث: إما أن يكون جوع سبع سنين، وإما أن تدفع إلى أعدائك فيعزونك ثلاثة أشهر، ويطرحونك من سلطانك، وإما أن يكون موت شديد ثلاثة أيام ؟ فضاق داود لذلك، وقال: ربنا أولى بنا من خلقه ! فسلط الله عليهم الموت، فمات في ساعة واحدة سبعون ألف رجل، فقال داود: يا رب ! إني أنا أسأت، فما ذنب هؤلاء الذين يشبهون البهائم ؟ فأوحى الله إليه: أن ابن لي هيكلا في بيدر اليبوساني، فصعد داود


[ 56 ]

الجبل، حتى اشترى البيدر بخمسين استارا، وابتنى هناك مذبحا، فكف الموت عن بني إسرائيل. وكان داود قد أسن وضعف بدنه، وكان له ابن يقال له ادونياس، فاستمال يؤاب صاحب حروب داود وقوما من قواد داود، وقال لهم: قد كبر الملك داود، وأنا أولى أن أقوم مقامه، فلما بلغ داود ذلك أرسل إلى سادوق الكاهن وناتان النبي، وقال لهم: اجمعوا أهل المملكة، واحملوا سليمان ابني على بغلتي، وأجلسوه على منبري، فقد جعله الله رأسا على بني إسرائيل، والله يعظم ملكه، ويرفع شأنه ! فمضوا مع سليمان حتى علا منبر داود، واجتمع عليه أهل المملكة، فقال داود: هكذا أعلمني الله أن يملك سليمان ابني، وعيناي تنظران إليه، وكان سليمان يومئذ ابن اثنتي عشرة سنة. ثم اشتدت على داود علته، فأوصى سليمان، وقال: أنا ماض في سبيل كل أهل الارض. لاتمأن، فاعمل بوصايا الرب إلهك، واحفظ مواثيقه وعهوده ووصاياه التي في التوراة المنزلة على موسى بن عمران. ومات داود وله مائة وعشرون سنة، وكان ملكه أربعين سنة.


[ 57 ]

سليمان بن داود ولما قبض الله، عزوجل، داود قام مكانه سليمان نبيا، وملكا، فسخر الله له الجن والانس، والرياح والسحاب، والطير والسباع، وآتاه ملكا عظيما، كما قص في كتابه العزيز. ومال يؤاب صاحب حروب داود، وقوم من أصحابه، مع إخوة سليمان، ليفسدوا على سليمان ملكه، فقتلهم سليمان من عند آخرهم، وقتل ادونياس أخاه، فصلح الملك لسليمان، وثبت سلطانه، وتزوج بنت فرعون ملك مصر، ودخل بها في بيت داود. وجمع سليمان بني إسرائيل ليقرب قربانا، فقرب ألف ذبيحة، فرأى سليمان في ليلة كأن الرب يقول له: سل ما أحببت لاعطيك ! فقال سليمان: أنت يا رب أنعمت على داود النعمة العظيمة، وصيرت عبدك سليمان ملكا بعده، فأعطني قلبا حكيما لاحكم بين عبادك بالعدل، وأفهم الخير والشر. فقال الله: لانك طلبت هذا الامر، ولم تطلب مالا، ولم تطلب أنفس أعدائك، ولم تطلب طول العمر لكنك طلبت حكمة تفهم بها الحكم والقضاء، فقد استجبت لك، وأعطيتك قلبا فهيما، بصيرا إلى الامر الذي لم يكن لاحد قبلك، ولايكون بعدك مثلك، وأعطيتك ما لم تطلب من الاموال، والعتاق، والكرامة، وأنت إن سلكت في طريقي، وحفظت شرائعي ووصاياي، كما حفظ داود أبوك، أطيل عمرك، وأعظم أمرك. فكان سليمان يجلس للقضاء، ويحكم بين بني إسرائيل، فيعجبون لحكمه، وعدل قضائه، وقوله، وحسن لفظه، وكان لسليمان قواد، ووزراء، وكتاب، ووكلاء، فكان وزيره زابود بن ناتان، وعلى حروبه بنايا بن بويادع، وخازنه


[ 58 ]

أبي شار، وعلى الخراج ادونيرام بن عبدا، وكان له اثنا عشر وكيلا على نفقاته يقوم كل وكيل بنفقة شهر، وكانت نفقاته على أسباط بني إسرائيل، وكانت وظيفته كل يوم ثلاثين كرا من الدقيق السميذ، وستين كرا من دقيق الخشكار، وعشرة ثيران معلوفة، وعشرين ثورا، ومائة كبش، وكان له أربعون ألف أري معلق عليها دوابه، وكان معجبا بالخيل، وقد قص الله من خبره فيها ما قص. وابتدأ سليمان في بناء بيت المقدس، وقال: إن الله أمر أبي داود أن يبني بيتا، وإن داود شغل بالحروب، فأوحى الله إليه أن ابنك سليمان يبني البيت باسمي، فأرسل سليمان في حمل خشب الصنوبر وخشب السرو، ثم بنى بيت المقدس بالحجارة، فأحكمه، ولبسه الخشب من داخل، وجعل الخشب منقوشا، وجعل له هيكلا مذهبا، وفيه آلة الذهب، ثم أصعد تابوت السكينة، فجعله في الهيكل، وكان في التابوت اللوحان اللذان وضعهما موسى. ولما وضع سليمان تابوت السكينة قام بين يدي الهيكل، وقد اجتمعت جموع بني إسرائيل، فسبح الله، وقدسه، وأثنى عليه بآلائه إذ ملكه على بني إسرائيل، وأجرى بناء بيت المقدس على يده، وكان يجتمع إليه بنو إسرائيل، ويقول: تبارك وتعالى الرب الذي وهب الراحة لاسرائيل، وتمت كلماته الصالحة، فلم يسقط شئ منها مما قاله لعبده موسى، ونسأل الله ربنا أن يكون معنا كما كان مع آبائنا، ولا يرفضنا، ولا يخذلنا، بل يقبل بقلوبنا إليه لنسلك الطريق التي يرضاها، ونحفظ سننه، وعهوده، ووصاياه، وأحكامه التي أمر آباءنا بها، ويجعل قولنا قريبا منه، ورضيا عنده، وقلوبنا سالمة له، حافظة لامره. ولما فرغ سليمان من بناء بيت المقدس عمل عيدا، وقرب فيه الذبائح فأقام أربعة عشر يوما يفعل ذلك، وقد جمع إليه بني إسرائيل، فإذا فرغ من اطعامهم قام، فقدس الله، وسبحه، فلما فرغ أوحى الله إليه: إني قد سمعت صلاتك، ورأيت قربانك، فإن دمت على طاعتي وصلت لك ملكك ولولدك بعدك،


[ 59 ]

فقدست هذا البيت آخر الدهر، وإن حدتم عن أمري، أو نقض أحد منكم عهودي سلبته ملكه، وخربت هذا البيت إلى آخر الابد. وقدمت بلقيس ملكة سبإ على سليمان، وكان من أمرها ما قد قصه الله في كتابه العزيز، ولما قدمت عليه جاءته بجمال موقرة ذهبا وعنبرا، وقالت له: لقد بلغني من أمرك ما لم أصدق به حتى رأيته، ثم انصرفت إلى بلدها. وكان سليمان معجبا بالنساء، فتزوج، فيما يقال، سبعمائة امرأة، فيهن بنت فرعون ملك مصر، وعدة من نساء بني عمون، وعدة من نساء أهل مؤاب جبابرة الشأم، ومن أدوم، ومن الجثانيين، وهم الصيدانيون، ومن الشعوب التي قد كان الله نهى عن مخالطتهم، وكان له سبعمائة، فاتخذت امرأة من نساء سليمان تمثالا على صورة أبيها، فلما رأى ذلك غيرها من نسائه فعلن كفعلها، فعاتب الله سليمان، وقال له: تعبد الاصنام في بيتك، ولا تغضبك ؟ لاسلبنك ملكك، ولانزعن العز من يدك، ولافرقن الاسباط من ولدك، ولكني أحفظ أباك داود فيك، فلا أسلبك الملك بقية عمرك، ولا أسلب جميع الاسباط، ولكني أدع في يدك سبطين لئلا يذهب ذكرك. وإن سليمان لجالس على كرسية المعمول من الذهب، المكلل بالجوهر، إذ انتزع خاتمه من يده، فأخذه شيطان من الشياطين، فوضعه في يده، ونحى سليمان عن كرسيه، وجلس عليه الشيطان، ونزع ثياب سليمان ولبسها، فمر سليمان على وجهه وعليه جبة صوف، وفي يده قصبة، فكان يستطعم، ويقول: أنا ملك بني إسرائيل، سلبني الله ملكي ! فيسخر منه من يسمعه، وينكرون قوله، فكان يقف على الصيادين الذين على البحر، فيطلب منهم ما يطعمونه. وأنكر آصف صاحب سليمان وغيره أمر ذلك الشيطان، ولم يروه يذكر الله، فهرب الشيطان، وطرح الخاتم في البحر، وأقام سليمان مسلوب الملك أربعين يوما، فإنه بعد أن كملت له الاربعون يمشي على شط البحر حائرا،


[ 60 ]

إذ قال له بعض الصيادين: تعال يا مجنون، فخذ هذا الحوت ! فأعطاه حوتا قد تغيرت رائحته، فصار به إلى البحر، فغسله، وشق بطنه، وإذا في داخله حوت آخر، فشق بطن الحوت الآخر، فإذا خاتمه في جوفه، فلبسه، وحمد الله، ورد الله عليه ملكه. وأقام ملكا على بني إسرائيل، وعلى ما وصف الله، جل وعز، من ملكه، وتسخيره له الطير والجن والانس يعملون له أعاجيب الصنعة، ويشيدون له البنيان، ويطيعونه في كل أمره، أربعين سنة، ثم توفي، ودفن إلى جانب قبر داود، وكان لسليمان يوم ملك اثنتا عشرة سنة، فمات وله اثنتان وخمسون سنة.


[ 61 ]

رحبعم بن سليمان والملوك بعده ولما مات سليمان بن داود ملك رحبعم بن سليمان، فاجتمع إليه أسباط بني إسرائيل، وقالوا له: إن أباك قد كان غلظ علينا، واستعبدنا استعبادا شديدا، فخفف أنت الآن عنا ! فقال لهم رحبعم: انصرفوا عني اليوم وجيئوني بعد ثلاثة أيام، فانصرفوا عنه، فاستشار المشيخة من أصحاب أبيه، فقال: ما ترون ؟ قالوا: نرى أن تحسن إجابة بني إسرائيل، وتلين لهم القول، حتى تملكهم بعد اليوم. فترك قول مشيخة بني إسرائيل، واستشار أحداثا نشأوا معه، فقالوا له: نرى أن تغلظ القول لهم ليستقيم لك أمرهم، كما استقام لابيك. فلما كان اليوم الثالث اجتمعوا إليه ليسألوه عما ذكروا له، فقال لهم: إن خنصري أثقل من إبهام أبي. فلما قال لهم هذا انصرفوا عنه، وتفرقوا في قراهم، فلم يبق معه من أسباط بني إسرائيل إلا سبط يهوذا وسبط بنيامين. وملكت الاسباط العشرة عليهم يوربعم بن ناباط، وكان قد هرب من سليمان إلى مصر، فلما اختلفت بنو إسرائيل على رحبعم بن سليمان قدم، وجمع رحبعم ابن سليمان من سبط يهوذا، وسبط بنيامين، ألف رجل يطلب محاربة يوربعم ابن ناباط ومن معه. وأوحى الله إلى سمعيا النبي أن قل لرحبعم ومن معه: لا تحاربوا بني اسرائيل ! فسمعوا قوله، وانصرفوا، وكان ملك رحبعم سبع عشرة سنة. وملك يوربعم بن ناباط على العشرة الاسباط من جبل فاران، فقالت بنو إسرائيل: إنا نريد أن نقرب قرابيننا إلى الله، فكره يوربعم أن يصعدوا إلى بيت المقدس، فيستميلهم آل يهوذا، فيدخلوا في ملكهم، فقال: ليست بكم حاجة إلى الصعود، وأنا أعمل لكم مذبحا، فعمل لهم مذبحا، وصير فيه


[ 62 ]

عجلا من ذهب، وقال: هذه آلهتكم التي أصعدتكم من أرض مصر، واتخذ للعجل أحبارا، وعمل عيدا، وقرب الذبائح للعجل، فأتاه نبي بني إسرائيل، فوعظه، فمد يده إليه فيبست، فقال له: ادع الله أن يرد يدي ! فدعا له النبي، فرجعت يد يوربعم، وأقام يوربعم على طريقه لم يرجع عنها، وأهلك الله يوربعم، وكل من كان معه، وقتله، ودمر عليه، وكان ملكه عشرين سنة. ثم ملك ابيام بن رحبعم، فسلك سبيل أبيه، وأظهر الفواحش، وارتكب القبيح، فبتر الله عمره، وكان ملكه ثلاث سنين، ثم ملك اسا، فأظهر العمل بطاعة الله تعالى، ومنع الزنا، وعاقب عليه وعلى الريب، وأخرج من كان يعبد الاصنام من مملكته، حتى طرد أمه لما بلغه أنها تعبد الاصنام. وفي زمانه صار زارح ملك الحبشة، وأقبل ملك الهند إلى بيت المقدس، فبعث الله عذابا، فأهلك زارح وملك الهند. وكان ملك اسا أربعين سنة، ويقال إن بني إسرائيل أوقدوا من خشب أسلحة أصحاب الهند، لما قتلهم اسا، سبع سنين. ثم ملك بعده ابنه يهوشافط، فسلك سبيل أبيه، وكان ناسكا صديقا، فملك العشرة الاسباط، وكان مرضيا في جميع بني إسرائيل، وكان ملكه خمسا وعشرين سنة. ثم ملك بعده يورام ابنه، فكفر، ورجع قومه إلى عبادة الاصنام، وتزوج امرأة أطغته وأضلته، وكان ملكه أربعين سنة. ثم ملك أحزيا، بعد أبيه، فسلك سبيله، وكان العشرة الاسباط قد اعتزلت، وملكت منهم ملكا يقال له يهو، فحارب احزيا، حتى قتل من قومه مقتلة عظيمة، ثم سلط الله عليهم ملك سورية، ففعل بهم مثل ذلك، وكان ملك احزيا سنة واحدة. ثم ملكت عتلايا بنت عمري، فقتلت ولد داود، حتى لم يبق من نسل داود أحد إلا غلام يقال له يواش، وأخذته امرأة من بني عمه يقال لها يوشبع


[ 63 ]

عمته، وكان يرضع. وأفسدت عتلايا، وأظهرت الفواحش، وأفسدت البلاد، واجتمعت بنو إسرائيل إلى يويدع الاحباري، فاشتكوا إليه الذي تفعل بهم، فاجتمعوا، فقتلوها، وكان ملكها سبع سنين. وملك بعد عتلايا الغلام الذي كان بقي من بني داود، وهو يواش، وكان يوم ملك له سبع سنين، فصلحت أمور بني إسرائيل، وظهر فيهم العدل، وارتفعت الفواحش، وتركوا عبادة الاصنام، ثم ظلم في آخر عمره، واستعمل القتل، حتى قتل أولاد الاحبار، وقتل ولد يويدع الاحباري الذي ملكه، ثم مات وكان ملكه أربعين سنة، وهدم من سور بيت المقدس أربعين ذراعا، وانتهب كل ما كان فيه. ثم ملك بعده أمصيا، وكان يشبه مذهب يواش في أول أمره، ثم ظلم وجار، وكان ملكه سبعا وعشرين سنة. ثم ملك عزيا بن امصيا، وكان في زمانه أشعيا النبي، فأحسن عبادة الله، والعمل بطاعته، غير أنه أخذ المجمر ودخل الهيكل، ولم يكن ذلك يصلح لاحد إلا للاحبار، فعاقبه الله فبرص، وعاقب أشعيا النبي لانه لم ينهه عن ذلك، فنزع الله منه النبوة، حتى مات عزيا، وكان ملكه اثنتين وخمسين سنة. ثم ملك يوتام لما برص أبوه، وكان ملكه ست عشرة سنة. ثم ملك احاز ابنه، فكفر، فعبد الاصنام، فسلط الله عليه تغلتفلسر ملك بابل، فسباه، واستعبده، وضرب عليه الجزية، وأخرب مدينة العشرة الاسباط بفلسطين، وهي سبسطية، وسبى أهلها، فدخل بهم إلى ارض بابل، ثم أرسل إلى المدينة قوما من قبله، فعمروها وبنوها، فهم الذين يدعون السامرة بفلسطين والاردن، فلما سكنوها سلط الله عليهم الاسد، ثم بعث إليهم رجلا من أحبار بني إسرائيل، من ولد هارون، يعلمهم دين بني إسرائيل، فلما دخلوا في دينهم تركهم الاسد، وصاروا سامرة فقالوا: لا نؤمن بنبي إلا


[ 64 ]

بموسى، ولا نعرف إلا ما في التوراة، وجحدوا نبوة داود، وأنكروا البعث والنشور، وامتنعوا من مجالسة الناس والاختلاط بهم، ومن تناول شئ منهم، ومن حمل الموتى، ومن حمل ميتا اعتزل سبعة أيام، يعتزل في الصحراء لا يختلط بهم، ثم يغتسل، وكذلك من تناول شيئا لا يحل له، ولا يؤون الحائض منازلهم، وجعلوا رئيسهم من ولد هارون يسمونه الرئيس، ويتوارثون على التوراة، فليس هم في بقعة من بقاع الارض إلا بجند فلسطين، وكان ملك احاز ست عشرة سنة. ثم ملك بعد احاز حزقيل ابنه، فأحسن عبادة الله تعالى، وكسر الاصنام، وهدم بيوتها، وكان في زمانه سنحاريب بن سراطم ملك بابل، فسار إلى بيت المقدس، فسبى بقية الاسباط، فرشاه حزقيل بثلاثمائة قنطار فضة، وثلاثين قنطار ذهب، على أن ينصرف، فأخذها، ثم غدر، فلما فعل ذلك دعا الله أشعيا النبي وحزقيل على سنحاريب، فأجاب الله دعاءهما، فسلط الله على أصحاب سنحاريب القتل، فقتل منهم في ساعة واحدة مائة ألف وخمسة وثمانين ألفا، فرجع سنحاريب مهزوما، حتى صار إلى بابل، وقتله ولده شر قتلة. وأمر الله سبحانه أشعيا النبي أن يعلم حزقيل أنه ميت، فليوص، فلما أعلمه الله ذلك دعا الله أن يزيد في حياته، حتى يهب له ولدا يملك بعده، فزاد الله في حياته خمس عشرة سنة، حتى ولد له ولد. وفي أيام حزقيل رجعت الشمس نحو مطلعها خمس درجات، وكان ملك حزقيل سبعا وعشرين سنة. ثم ملك بعد حزقيل منشا بن حزقيل، فكفرت بنو إسرائيل في أيامه، وكفر، وعبد الاصنام، وكان شر ملك في بني إسرائيل، وبنى للاصنام مسجدا، واتخذ صنما له اربعة أوجه، فنهاه أشعيا، فأمر به فنشر بالمنشار من رأسه إلى رجليه، فسلط الله على منشا قسطنطين ملك الروم، فحاربه، وأسره، فأقام في الاسر زمانا، ثم تاب إلى ربه، فرده الله إلى ملكه، فكسر الصنم، وهدم بيوت


[ 65 ]

الاصنام، وكان ملكه خمسا وخمسين سنة، وأيام أسره عشرين سنة. ثم ملك أمون بن منشا، فأعاد الاصنام حتى كثرت، وكان ملكه ست عشرة سنة. ثم ملك بعده يوشيا ابنه، فأحسن عبادة الله، وكسر الاصنام، وهدم بيوتها وقتل سدنتها، وأحرقهم، وكان في العدل وحسن عبادة الله تعالى وجميل مذهبه يشبه داود وسليمان، وكان ملكه ثلاثين سنة. ثم ملك يهواخز ابنه ثلاثة أشهر، ثم أسره فرعون الاعرج ملك مصر، ووضع على بلاده الخراج، وصير عليها ملكا من قبله، وأخذ يهواخز، فذهب به إلى مصر فمات هناك. ثم ملك بعده يويقيم أخوه، وهو أبو دانيال النبي، وفي عصره سار بخت نصر ملك بابل إلى بيت المقدس، فقتل في بني إسرائيل، وسباهم، وحملهم إلى أرض بابل، ثم صار إلى أرض مصر، فقتل فرعون الاعرج ملكها. وأخذ بخت نصر التوراة، وما كان في الهيكل من كتب الانبياء، فصيرها في بئر وطرح عليها النار، وكبسها. وكان في ذلك العصر ارميا النبي، فلما علم بقدوم بخت نصر، أخذ تابوت السكينة، فخبأه في مغارة حيث لم يعلم به أحد، ولم ينج من بخت نصر إلا أرميا. وكان عدة من حمل بخت نصر إلى أرض بابل ثمانية عشر ألفا، فيهم ألف نبي، وملكهم يحنيا بن يهوياقيم، فمنهم اليهود الذين بالعراق، ويقال إن ارميا النبي قال: اللهم ! إني لاعلم من عدلك ما لا يعلمه غيري، فعلام سلطت بخت نصر على بني إسرائيل ؟ فأوحى الله إليه: إني إنما أنتقم من عبادي، إذا عصوني، بشرار خلقي. ولم يزل بنو إسرائيل في الاسر تحت يد بخت نصر حتى تزوج امرأة منهم يقال لها ملحات أخت زر بابل، بنت سلتائيل، فسألته أن يرد قومها إلى بلدهم، فلما رجع بنو إسرائيل إلى بلدهم ملكوا عليهم زر بابل، بن سلتائيل، فبنى مدينة


[ 66 ]

بيت المقدس، وبنى الهيكل، وأقام على بنائه ستا وأربعين سنة، وفي زمانه مسخ الله بخت نصر بهيمة أنثى، فلم يزل ينتقل في أجناس البهائم سبع سنين، ثم يقال إنه تاب إلى الله، عزوجل، فأحياه بشرا، ثم مات. وكان زر بابل الذي أخرج التوراة وكتب الانبياء من البئر التي دفنها فيها بخت نصر، فوجدها بجالها لم تحترق، فأعاد نسخ التوراة وكتب الانبياء وسننهم وشرائعهم، وكان أول من رسم هذه الكتب. وكانت شريعة بني إسرائيل توحيد الله، والاقرار بنبوة موسى وهارون ابني عمران بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن اسحاق بن إبراهيم خليل الله، وكان صيامهم في كل سنة ستة أيام أولها في رأس السنة، وهم يعدون رأس السنة أول يوم من تشرين، فإذا مضى من تشرين عشرة أيام صاموا يوما واحدا، وهو اليوم الذي نزلت فيه الالواح الثانية على موسى بن عمران. ويصومون لعشر خلون من كانون الآخر يوما واحدا، وهو يوم نجى الله بني إسرائيل من هامان. ويصومون لسبعة عشر يوما من تموز يوما واحدا، وهو اليوم الذي نزل فيه موسى من الطور. ويصومون لتسعة أيام من آب يوما واحدا، وهو اليوم الذي كان فيه خراب بيت المقدس. ويصومون لثلاثة أيام من تشرين، وهو الذي قتل فيه قدريا بن اخيقام. ولهم أربعة أعياد في السنة: عيد الفطير، وهو اليوم الذي خرج فيه موسى ببني إسرائيل من مصر، فحملوا عجينهم، ولم يختمر، فأكلوه فطيرا، وهو لخمسة عشر يوما من نيسان، وأيامه سبعة أيام، ثم عيد لستة عشر يوما يمضي من حزيران، وهو يوم أنزلت التوراة على موسى، فذلك يوم عيد عندهم معظم، ثم عيد أول يوم من تشرين، وهو رأس السنة عندهم، ثم عيد في خمسة عشر يوما من تشرين، وهو عيد المظلة، ومعناها أن الله، عزوجل، أمر موسى أن


[ 67 ]

يأمر بني إسرائيل أن يبنوا عريشا بالسعف والجريد، فهم يقيمون ثمانية أيام يتخذون في كنائسهم ظلالات من السعف والجريد. وصلواتهم ثلاث صلوات: صلاة بالغداة، وصلاة عند غروب الشمس، وصلاة بعد الغروب، فإذا وقف أحدهم للصلاة جمع عقبيه، وجعل يده اليمنى على كتفه اليسرى، ويده اليسرى على كتفه اليمنى، وهو مطرق، يركع خمس ركعات لا يسجد فيهن، ثم يسجد في الآخرة سجدة واحدة، ويسبح بمزامير داود في أول الصلوات، ويقرأ في صلاة المغيب من التوراة، ومعتمدهم في سننهم وشرائعهم على كتب علمائهم، وهي الكتب التي يقال لها.. (1) بالعبرانية، وهي اللغة التي صارت لهم لما عبروا البحر. وسنتهم في مناكحهم ألا يتزوجوا إلا بولي وشاهدين، وأقل مهورهم للبكر مائتا درهم، وللثيب مائة درهم بهذا الوزن لا يكون أقل منه، والطلاق مباح متى كرهوا، ولايكون إلا بشهود. وسنتهم في ذبائحهم ألا يأكلوا ما ذبحه غيرهم، وأن يكون الذي يتولى الذبائح عالما بالشرائع، ثم يأتي بالسكين، كلما أراد أن يذبح بها، إلى الكاهن، فإذا رضي حدها أطلق له الذبح بها، وإلا أمره أن يحدها، أو يأتي بغيرها، فإذا ذبح لم يقربها من حائط تضطرب عليه، فإذا فرغ منها نظر إلى الحلقوم، فإن وجده لم يرغ الغلصمة، ووجد الذبح مستويا لم يؤكل حتى ينظر إلى الرئة، فإن وجد بها عيبا، أو علة، أو شقا، أو بثرة، أو ورما، لم تؤكل الذبيحة، فإن سلمت الرئة نظر إلى الدماغ، فإن وجد فيه علة لم تؤكل، وإن سلم الدماغ نظر إلى القلب، فإن وجد فيه علة لم يأكله، وإن سلم ما في البطون والثرب من الشحم، فلا يأكله، ولا العروق، وأكل ما سوى ذلك. وتاريخهم، على حسابهم، من خراب بيت المقدس، فعلى هذا يحسبون، ولا بد لهم في كل يوم أن يذكروا اليوم الذي خرب فيه بيت المقدس، وكم له إلى يومه ذلك.


(1) بياض في الاصل. (*)

[ 68 ]

المسيح عيسى بن مريم وكانت حنة امرأة عمران قد نذرت إن وهب الله لها ولدا أن تجعله لله، فلما ولدت مريم دفعتها إلى زكرياء بن برخيا بن ؟ لشوا (1) بن نحرائيل بن سهلون بن ارسو بن شويل بن ؟ لعود (2) بن موسى بن عمران، وكان كاهن المذبح، فلم يزل كذلك حتى إذا كملت سبع عشرة سنة بعث الله إليها الملك ليهب لها ولدا زكيا، فكان من خبرها ما قد قصه الله، عزوجل، حتى اشتملت على الحمل، فلما كملت أيامها طرقها المخاض، على ما قال الله، عزوجل، ووصف من حالها وحاله، وكلامه من تحتها، وكلامه في المهد. وكان مولده بقرية يقال لها بيت لحم من قرى فلسطين، وكان ذلك يوم الثلاثاء لاربعة وعشرين يوما خلت من كانون الاول. قال ما شاء الله المنجم: كان الطالع للسنة التي ولد فيها المسيح في الميزان ثماني عشرة درجة، والمشتري في السنبلة إحدى وثلاثين دقيقة راجعا، وزحل في الجدي ست عشرة درجة وثمانيا وعشرين دقيقة، والشمس في الحمل دقيقة، والزهرة في الثور أربع عشرة درجة، والمريخ في الجوزاء إحدى وعشرين درجة وأربعا وأربعين دقيقة، وعطارد في الحمل أربع درجات وسبع عشرة دقيقة. وأما أصحاب الانجيل فلا يقولون إنه تكلم في المهد، ويقولون: إن مريم كانت مسماة برجل يقال له يوسف من ولد داود، وإنها حملت، فلما قرب وضع حملها سار بها إلى بيت لحم، فلما ولدت ردها إلى ناصرة من جبل الجليل، فلما كان في اليوم الثامن ختنه على سنة موسى بن عمران، وقد وصف الحواريون أخبار المسيح، وذكروا حاله، فأثبتنا مقالة واحد واحد منهم، وما وصفوه به. وكان الحواريون اثني عشر من أسباط يعقوب وهم: شمعون بن كنعان


(1 و 2) بلا نقط في الاصل (*).

[ 69 ]

من سبط.. (1) ويعقوب بن زبدى.. (2) ويحيى بن حابر بن فالي من سبط زبلون، وفيلفوس من سبط اشر، ومتى من سبط اشجر بن يعقوب، وسمعي من سبط هرام بن يعقوب، ويهودا من سبط يهوذا بن يعقوب، ويعقوب من سبط يوسف بن يعقوب، ومنشي من سبط روبيل بن يعقوب، وكان دون هؤلاء سبعون رجلا، وكان الاربعة الذين كتبوا الانجيل: متى ومرقس ولوقا ويوحنا، اثنان من هؤلاء الاثني عشر، واثنان من غيرهم. فأما متى فإنه قال في الانجيل في نسب المسيح ايسوع بن داود بن ابراهيم إلى أسفل، حتى انتهى إلى يوسف بن يعقوب بن ماثن بعد اثنين وأربعين أبا، ثم قال: وكان يوسف بعل مريم، وإن المسيح ولد في بيت لحم من قرى فلسطين، وملك فلسطين يومئذ هيرودس، وإن قوما من المجوس ساروا إلى بيت لحم، وعلى رؤوسهم نجم يهتدون به، حتى رأوه، فسجدوا له، وإن هيرودس ملك فلسطين أراد أن يقتل المسيح، وان يوسف أخرجه وأخرج أمه إلى أرض مصر، فلما مات هيرودس رده، فأنزله ناصرة جبل الجليل، وانه لما كمل المسيح وبلغ تسعا وعشرين سنة صار إلى يحيى بن زكرياء ليصطنعه، فقال له يحيى بن زكرياء: أنا أحوج إليك منك إلي ! فقال له المسيح: اترك هذا القول، فإن هكذا ينبغي أن يتم البر، فتركه يحيى، وإن ايسوع خرج بتأييد روح الله إلى البرية فصام أربعين يوما، فاقترب إليه الشيطان، فقال: إن كنت الآن ابن الله فمر هذه الحجارة أن تصير خبزا ! فقال ايسوع: إنه ليس بالخبز وحده يحيا البشر، ولكن بكلمة الله، فحمله، فصيره على جناح الهيكل، ثم قال له الشيطان: فألق نفسك إلى الارض، فإنك إن كنت ابن الله تكنفتك ملائكته. فقال المسيح: إنه مكتوب: لاتجرب الله بك، ثم قال للشيطان: اذهب فأنا لله أسجد وإياه أعبد. فتركه الشيطان وذهب، ثم إن ملائكة الله، عزوجل، اقتربت منه، فجعلوا يخدمونه، ثم إن تلامذته اقتربوا إليه، فجعل يكلمهم بأمثال ووحي،


1 و 2 بياض في الاصل (*).

[ 70 ]

وبغير أمثال. وكان أول ما تكلم به من الانجيل، على ما في إنجيل متى: طوبى للمساكين القانعة قلوبهم بما عند ربهم، بحق إن لهم ملكوت السماء، طوبى للجياع العطاش في طاعة الله، طوبى للصادقين في قولهم، التاركين للكذب، الذين هم ملح الارض ونور العالم. لا تقتلوا، ولا تسخطوا أحدا، وأرضوا من سخط عليكم، وصالحوا خصمكم، ولا تزنوا، ولا تنظروا إلى غير نسائكم، فإن كانت عينكم اليمنى تدعوكم إلى الخيانة، فاقلعوها حتى تنجوا بأبدانكم، ولا تطلقوا نساءكم من غير زنية (1)، ولا تحلفوا بالله صادقين ولا كاذبين، ولا بسمائه، ولا بأرضه، ولا تقاوموا الشر، ولكن من لطمك على عارضك الايمن، فأقبل إليه بعارضك الايسر، ومن أراد أن ينزع قميصك، فأعطه أيضا رداءك، ومن سخرك ميلا، فانطلق معه ميلين، ومن سألك فأعطه، ومن استقرضك فأقرضه ولا تحرمه. قد سمعتم أنه قد قيل: أحبب قريبك وابغض عدوك ! أما أنا فإني أقول لكم: أحبوا أعداءكم وصلوا من قطعكم، وافعلوا الخير إلى من بغضكم. إن كنتم تحبون الذين يحبونكم فأي أجر لكم ؟ لا تظهروا صدقاتكم بين أيدي البشر، لاتعلم شمائلكم بما عملت أيمانكم، لاتراؤوا الناس بصلاتكم، وإذا صليتم فادخلوا بيوتكم، وأغلقوا أبوابكم، ولا يسمعكم أحد، وإذا صليتم فقولوا: أبانا الذي في السموات يقدس اسمك، ويأتي ملكوتك، تكون مشيئتك كما في السماء وعلى الارض، خبزنا كفافنا أعطنا اليوم، واترك لنا الذي علينا كمثل ما نترك نحن لغرمائنا، ولا تدخلنا في تجربة يا رب ! ولكن نجنا من الشرير. ولا تظهروا صيامكم للبشر، إذا صمتم لله ربكم، ولا تغيروا وجوهكم ليراكم الناس، فإن ربكم يعلم بحالكم. لا تدخروا الذخائر حيث السوس والارضة الاكلة يفسدن، وحيث اللصوص


1 قوله زنية هكذا في الاصل (*).

[ 71 ]

يحفرون، ولكي تكون ذخائركم عند ربكم الذي في السماء حيث لاسوس يعدو، ولا لص يسرق. ولا تهتموا بمعاشكم، ولا ما تأكلون، ولا ما تشربون، ولا ما تلبسون، وانظروا إلى طير السماء لا يزرعن، ولا يحصدن، ولا يجمعن في البيوت، فإن الله يرزقهن، وأنتم أكرم على الله من الطير. لا تهتموا لاولادكم، فإنهم مثلكم كما خلقتم خلقوا، وكما رزقتم رزقوا. ولا تقل لاخيك أخرج القذى من عينك، وفي عينك أنت جذع، لا تنظروا في عيوب الناس وتدعوا عيوبكم، لا تعطوا القدس ولا اللؤلؤ للخنازير، فتدوسه بأرجلها ! سلوا ربكم يعطكم وابتغوا إليه، فأنكم تجدونه رحيما بكم، واقرعوا بابه يفتح لكم، أما الباب فإنه معرض، والطريق بين، وهو يبلغ الناس التلف، وما أصغر الباب، وأضيق الطريق التي تبلغ الناس النجاة. تحفظوا من أهل الكذب الذين يشبهون الذئاب الضارية، كما لا تستطيعون وتقطفون العنبة من الشوك، ولا التين من الحنظل، هكذا لا تجدون شجرة سوء تخرج نباتا صالحا، ولا شجرة صالحة تخرج ثمرة سوء. كل من يسمع كلامي ثم يفهمه، فإنه يشبه رجلا حليما بنى بيته في مكان صلب شديد، فجاء المطر ودرت الانهار، وارتفعت الرياح.. (1) فسقط البيت. وفي ذلك الزمان كان الملك هيرودس قد أخذ يوحنا فسجنه، وذلك أنه كان يأتي امرأة أخيه فيلفوس، فنهاه يوحنا أن يأتي ذلك، وكان يريد أن يقتله، ويتقي لانهم كانوا يعظمون يوحنا، فقالت له امرأة أخيه: اقتل يوحنا ! فوجه إلى السجن، فقطع رأس يوحنا ووضعه على طبق، واقترب تلاميذه، وأخذوا جثته فقبروها، وجاءوا المسيح فأخبروه، فخرج إلى أرض قفر، وجعل يأمر أصحابه: لا تخبروا أحدا.


(1) بياض في الاصل (*).

[ 72 ]

انجيل مرقس: فأما مرقس فإنه قال في أول إنجيله: ايسوع المسيح ابن الله، كما هو مكتوب في أشعيا النبي: إني مرسل ملاكي قدام وجهك لاصلح سبيلك، وان يحيى بن زكرياء كان يعمد المعمودية للتوبة، وكان لباسه وبر الابل، وكان يشد حقوته بغرفة من جلود، وإن المسيح جاءه من ناصرة الجليل يعمده في الاردن، فلما عمده خرجت روح القدس على الماء كالحمامة، وصوت من السماء ينادي: أنت ابني خليلي الذي بك سررت. وانصرف إلى جبل الجليل، فإذا قوم يصطادون السمك، فيهم شمعون واندراوس، فقال لهما: الحقاني أجعلكما تصطادان البشر ! فمضيا معه، فدخل قرية فأبرأ مرضاها وبرصها، وفتح أعين عميان بها، فاجتمع إليه قوم وجعل يكلمهم بأمثال ووحي، ويقول: بحق أقول لكم، لا تذهب القبيلة حتى يذهب السماء والارض، وكلامي لا يذهب. انجيل لوقا: فأما لوقا فإنه يقول في أول الانجيل: من أجل أن كثيرا من الناس أحبوا أن يكتبوا القصص والامور التي عرفناها رأيته يحق علي أن أكتب شيئا علمته بحقه. إنه كان في أيام هيرودس الملك كاهن يسمى زكرياء من خدام آل ابيا وامرأته من بنات هارون تسمى اليسبع، وكانا جميعا بارين قدام الله، عاملين بوصاياه، غير مقصرين في طاعته، ولم يكن لهما ولد، وكانت اليسبع عاقرا وزكرياء عاقرا، قد كبرت سنهما، فبينا زكرياء يكهن الدخنة، فدخل الهيكل، وجماعة خارج الهيكل، فتراءى لزكرياء ملك الرب قائما عن يمين المذبح، فارتعد زكرياء حين أبصره، وحلت عليه الخشية، فقال له الملك: لا ترهبن يا زكرياء ! فإن الله قد سمع صلواتك، وأجاب دعاءك، فيهب لك ابنا تسميه يحيى، ويكون لك فيه الخير والفرح، ويكون عظيما عند الله، ولا يشرب خمرا، ولا سكرا، ويمتلئ من روح القدس، إذ هو في بطن أمه، ويقبل إلى الله بكثير من آل إسرائيل، ويحل عليه الروح الذي حل على الياء النبي


[ 73 ]

ليقبل بقلوب الآباء على أبنائهم، ويكونوا لله شعبا كاملا. فقال زكرياء للملك: كيف لي أن أعلم هذا، وأنا شيخ، وامرأتي كبيرة السن ؟ فقال له الملك: إني أنا جبريل القائم بين يدي الله، عزوجل، أرسلني لابشرك بهذا، فمن الآن، فكن صامتا لا تتكلم حتى اليوم الذي يكون فيه هذا لانك لم تصدق، ولم تؤمن بقولي الذي يتم في حينه. وكان الشعب قياما ينتظرون زكرياء، ويتعجبون من لبثه في الهيكل، فلما أن خرج لم يقدر أن يكلمهم، فعرفوا، وأيقنوا أنه قد رأى رؤيا في الهيكل، فكان يومئ إليهم إيماء، ولا يتكلم. فلما تمت أيام خدمته انصرف إلى بيته، وحبلت اليسبع امرأته، وأقامت تخفي نفسها أشهرا خمسة، وتقول: هذا الذي صنع إلي الرب في أيام نظره إلي ليمحو عني عاري في البشر. ولما كان في الشهر السادس من حمل امرأة زكرياء أرسل الله جبريل الملك إلى جبل الجليل إلى مدينة تدعى ناصرة، إلى فتاة عذراء مملكة برجل يسمى يوسف من آل داود، اسمها مريم، فدخل إليها الملك، وقال لها: السلام عليك أيتها المملوءة من النعمة، أيتها المباركة في النساء ! فلما رأته فزعت من كلامه، وجعلت تفكر، وتقول: ما هذا السلام ؟ فقال لها الملك: لا ترهبي يا مريم ! قد لاقيت ووافيت عند الله نعمة، بحق إنك تقبلين حبلى، وتلدين ابنا، وسميه ايسوع، ويكون عظيما، وابن الاعلى يدعى، ويعطيه الرب إلهه كرسي داود أبيه، ويملك على آل يعقوب إلى الدهر، ولايكون لملكه فناء، ولا انقطاع. فقالت مريم للملك: كيف يكون هذا، ولم يمسسني رجل ؟ قال لها الملك: روح القدس يحل عليك، وهذا الذي يولد منك قدوس، وابن الله يدعى، وهذه اليسبع نسيبتك، فهي أيضا حبلى بابن، على كبرها، وهذا الشهر هو السادس لتلك التي تدعى عاقرا، لانه لا يعجز الله شئ ! فقالت مريم: إني أمة الله، فليكن لي كما قلت.


[ 74 ]

ودخلت مريم إلى بيت زكرياء، وسألت عن سلامة اليسبع، فلما سمعت امرأة زكرياء كلام مريم ارتكض الجنين في بطنها، وامتلات من روح القدس، قالت لمريم: مباركة أنت في النساء ! بحق إنه لما وقع صوت سلامك في مسمعي، بفرح عظيم ارتكض الجنين في بطني. وولدت اليسبع امرأة زكرياء ابنا، وختنوه يوم الثامن، وسموه يوحنا، ومن ساعته انفتح فوه، وتكلم وبرك الله تعالى، وامتلا زكرياء من روح القدس، وقال: تبارك الرب إله إسرائيل، الذي أبلى شعبه، وأطلقهم بالخلاص، وأقام لنا قرن الخلاص من آل داود، كالذي تكلم على ألسنة أنبيائه الطاهرين. ولما كملت لمريم أيامها صعد بها يوسف إلى جبل الجليل، فولدت ابنها البكر، فلفته في الخرق، وأضجعته في الاري من أجل أنه لم يكن لها مكان حيث كانا نازلين.. (1) فأتاهم ملك الرب، ومجد الله أشرق عليهم، فخافوه خوفا شديدا، وقال لهم ملك الرب: لا تخافوا، ولا تحزنوا ! بحق إني أبشركم بفرح عظيم يعم العالم. ثم نسب المسيح من يوسف إلى آدم، وإنه لما تمت له ثمانية أيام أتوا به ليختنوه كسنة موسى، وسموه ايسوع، وختنوة، وأتوا به إلى الهيكل، وأتوا بذبيحة زوج يمام وفرخي حمام ليقرب عنه، وكان هناك رجل يقال له شمعان من الانبياء، فلما دنوا من المذبح ليقربوا عنه احتمله شمعان، وقال: قد أبصرت عيناي حنانك، يا رب، فمن الآن فتوفني. وكان أهله يصعدونه في كل سنة إلى أورشليم في عيد الفصح، وكان يخدم العظماء، ويعجبون به لما يرون من حكمته. وإن المسيح لما كملت له ثلاثون سنة دخل إلى الهيكل يوم السبت، وقام ليقرأ كعادته، وأعطي سفر أشعيا النبي، ففتح السفر، فوجد فيه مكتوبا: روح الرب علي من أجل ذلك اصطفاني، ومسحني لابشر المساكين، وأرسلني


(1) بياض في الاصل (*).

[ 75 ]

لاشفي المنكسرة قلوبهم، ولابشر المسبيين بالخلاص، والعميان بالبصر، وأن أجبر المنكسر، وأبشر المسئ بالعفو والمغفرة، وأن أبشر بالسنة المتقبلة للرب، وطوى السفر ودفعه إلى الخادم، وتنحى، فجلس، فعجب الناس لفعله، وقالوا: أليس هذا ابن يوسف ؟ انجيل يوحنا: وأما يوحنا السليح، فإنه يقول في أول إنجيله في نسبة المسيح: قبل كل شئ كانت الكلمة، وتلك الكلمة عند الله، والله كان هو الكلمة، هذه كانت قبل كل شئ وكان بها، كانت الحياة، والحياة هو نور البشر، وذلك الضياء في الظلام، والظلام لم يدركه. كان إنسان، كان أرسله الله، اسمه يوحنا، أتى للشهادة ليشهد على النور ليهتدي الناس، ويؤمنوا على يده، ولم يكن هو النور، فإن نور الحق لم يزل يضئ ويبين في العالم، والعالم كان في يده، والعالم لم يعرفه، إلى خاصته أتى وخاصته لم تقبله، فأما الذين قبلوه، وآمنوا به، فأعطاهم الله سلطانا ليكونوا يدعون أبناء الله، أولئك الذين يؤمنون باسمه الذي لا من الدم، ولا هو من هوى اللحم، ولا من شهوة المرء ولد، ولكن من الله ولد، والكلمة صارت لحما وحلت فينا، ورأينا مجدها مجدا كالوحيد الذي من الاب المملوء من النعمة والقسط. ويوحنا شهد عليه ونادى وقال: هذا قلت إنه يأتي من بعدي، وقد كان قبلي من أجل أنه أقدم مني، ومن تمامه كلما نلنا نعمة فاضلة بدل النعمة الاولى، لان التوراة على يد موسى أنزلت، فأما الحق والنعمة فبايسوع المسيح.. (1) الكلمة التي لم تزل في حضن أبيها. فهذا قول الاربعة التلاميذ، أصحاب الانجيل، في نسبة المسيح، ثم وصفوا بعد ذلك ما كان من أخباره، وأنه أبرأ المرضى والبرص، وأقام المقعد، وفتح عيون العميان، وأنه كان له صاحب يقال له العازر في قرية تدعى بيت عنيا،


1) بياض في الاصل. (*)

[ 76 ]

في ناحية بيت المقدس، وأنه مات، فصير في مغارة، فأقام أربعة أيام، ثم جاء المسيح إلى تلك القرية، فخرجت أختان للعازر، فقالتا له: يا سيدنا إن خليلك العازر قد مات، فحزن المسيح عليه، وقال: أين قبره ؟ فأتوا به إلى المغارة وعليها حجر، فقال: نحوا الحجر ! فقالوا: قد نتن منذ أربعة أيام ! فدنا من المغارة، فقال: رب لك الحمد ! إني أعلم أنك تعطي كل شئ، ولكني أقول من أجل الجماعة الواقفة ليؤمنوا ويصدقوا أنك أنت أرسلتني، ثم قال للعازر: قم ! فقام يجر خمارا عليه، ويداه ورجلاه مشدودة، وقد كان معهم قوم من اليهود، فآمنوا به، وأقبلوا ينظرون إلى العازر ويتعجبون منه. فاجتمع عظماء اليهود وأحبارهم، فقالوا: إنا نخاف أن يفسد علينا ديننا ويتبعه الناس، فقال لهم قيافا، رئيس الكهنة: لان يموت رجل واحد خير من أن يذهب الشعب بأسره ! فأجمعوا على قتله. ودخل المسيح إلى أورشليم على حمار، وتلقاه أصحابه بقلوب النخل، وكان يهوذا بن شمعان من أصحاب المسيح، فقال المسيح لاصحابه: إن بعضكم يسلمني ممن يأكل ويشرب معي، يعني يهوذا بن شمعان، ثم جعل يوصي أصحابه، ويقول لهم: قد بلغت الساعة التي يتحول ابن البشر إلى أبيه، وأنا أذهب إلى حيث لا يمكنكم أن تجيئوا معي، فاحفظوا وصيتي، فسيأتيكم الفارقليط يكون معكم نبيا، فإذا أتاكم الفارقليط بروح الحق والصدق، فهو الذي يشهد علي، وإنما كلمتكم بهذا كيما تذكروه إذا أتى حينه، فإني قد قلته لكم، فأما أنا فإني ذاهب إلى من أرسلني، فإذا ما أتى روح الحق يهديكم إلى الحق كله، وينبئكم بالامور البعيدة، ويمدحني، وعن قليل لا تروني. ثم رفع المسيح عينه إلى السماء، وقال: حضرت الساعة ! إني قد مجدتك في الارض، والعمل الذى أمرتني أن أعمله فقد تمته، ثم قال: اللهم إن كان


[ 77 ]

لابد لي من شرب هذه الكأس، فهونها علي، وليس كما أريد يكون، ولكن ما تريد يا رب. ثم مضى المسيح مع تلاميذه إلى المكان الذي يجتمع هو وأصحابه فيه، وكان يهوذا أحد الحواريين يعرف ذلك الموضع، فلما رأى الشرط يطلبون المسيح ساقهم والذين معهم من رسل الكهنة، حتى وقف بهم على الموضع، فخرج إليهم المسيح، فقال لهم: من تريدون ؟ فقالوا: أيسوع الناصري ! فقال لهم ايسوع: أنا هو ! فرجعوا، ثم عادوا، فقال لهم المسيح: أنا ايسوع الناصري، فإن كنتم تريدوني، فانطلقوا بي لتتم الكلمة. وكان مع شمعان الصفا سيف فاخترطه، ثم ضرب عبد سيد الكهنة، فقطع يده اليمنى، فقال المسيح: يا شمعان ! رد السيف إلى غمده، فإني لاأمتنع من شرب الكأس التي أعطاني ربي. فأخذ الشرط المسيح، وأوثقوه، وجاءوا به إلى قيافا رئيس اليهود، الذي كان أشار بقتله. وكان شمعان الصفا يمشي خلفه، فدخل مع الاعوان، فقيل له: أنت من تلاميذ هذا الناصري ؟ قال: لا ! ولما أدخل المسيح على رئيس اليهود جعل يكلمه، والمسيح يجيبه بما لا يفهمه، فضربه بعض الشرط على فكيه، ثم أخرجوا المسيح من عند قيافا إلى فرطورين، فقال له: أنت ملك اليهود ؟ فقال له المسيح: أمن نفسك قلت هذا أم أخبرك آخرون عني ؟ وجعل يكلمه، ويقول: إن ملكي ليس من هذا العالم. ثم ان الشرط أخذوا إكليلا من أرجوان، فوضعوه على رأسه، وجعلوا يضربونه، ثم أخرجوه وعليه ذلك الاكليل، فقال له رؤساء الكهنة: اصلبه ! فقال لهم فيلاطوس: خذوه أنتم فاصلبوه، فأما أنا، فلم أجد عليه علة ! فقالوا: قد وجب عليه الصلب والقتل من اجل انه قال: انه ابن الله، ثم أخرجه، فقال لهم: خذوه أنتم فاصلبوه ! فأخذوا المسيح، وأخرجوه، وحملوه الخشبة التي صلبوه عليها.


[ 78 ]

هذا في إنجيل يوحنا، فأما متى ومرقس ولوقا فيقولون: وضعوا الخشبة التي صلب عليها المسيح على عنق رجل قرناني، وصاروا به إلى موضع يدعى الجمجمة، ويسمى بالعبرانية ايماخاله، وهو الموضع الذي صلب فيه، وصلب معه اثنان آخران: واحد من هذا الجانب، والآخر من هذا الجانب، وكتب فيلاطوس في لوح: هذا ايسوع الناصري، ملك اليهود، فقال له رؤساء الكهنة: اكتب الذي قال انه ملك اليهود ! فقال لهم: ما كتبت، وقد كتبت. ثم إن الشرط اقتسموا ثياب المسيح، وكانت أمه مريم، ومريم بنت قلوفا، ومريم المجدلانية قياما ينظرن إليه، فكلم أمه من فوق الخشبة. وجعل أولئك الشرط يأخذون اسفنجة فيها خل يقربونها إلى أنفه، فيتكرهها، ثم أسلم روحه، فجاءوا إلى ذينك المصلوبين معه، وكسروا سوقهما، وأخذ واحد من الشرط حربة، فطعنه في جنبه، فخرج دم وماء، ثم كلم فيه أحد التلاميذ لفيلاطوس، حتى أنزله، وأخذ حنوطا من مر وصبر، ولفه في ثياب كتان وطيب، فكان في ذلك الموضع جنان، وفيه قبر جديد، فوضعوا المسيح فيه، وكان ذلك يوم الجمعة. فلما كان يوم الاحد، فيما يقول النصارى، بكرت مريم المجدلانية إلى القبر، فلم تجده، فجاءت شمعان الصفا وأصحابه، فأخبرتهم انه ليس في القبر، فمضوا فلم يجدوه، وجاءت مريم ثانية إلى القبر، فرأت في القبر رجلين عليهما ثياب بياض، فقالا لها: لا تبكي ! ثم التفتت خلفها، فرأت المسيح، وكلمها وقال لها: لا تدنين إلي لاني لم أصعد إلى أبي، ولكن انطلقي إلى اخوتي وقولي لهم إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم، وانه لما كان عشية الاحد جاءهم وقال لهم: السلام معكم ! كما أرسلني أبي كذلك أرسلكم، وان غفرتم ذنوب أحد، فهي مغفورة، فقالوا: هذا الذي يكلمنا روح وخيال ! قال لهم: انظروا إلى آثار المسامير بإصبعي وإلى جانبي الايمن، ثم قال لهم: طوبى للذين لم يروني وصدقوا بي.


[ 79 ]

وجاءوه بقطعة سمك، فأكل، وقال لهم: ان أنتم صدقتم بي، وفعلتم فعلي، يحق ألا تضعوا أيديكم على مريض إلا برئ، ولا يضره الموت. ثم ارتفع عنهم، وكان له ثلاث وثلاثون سنة. هذا ما يقول أصحاب الانجيل وهم يختلفون في كل المعاني. قال الله، عزوجل، ما قتلوه، وما صلبوه، ولكن شبه لهم، وان الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن، وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه. ولما رفع عيسى المسيح اجتمع الحواريون إلى أورشليم، في جبل طور الزيتون، وصاروا إلى علية كان فيها بطرس، ويعقوب، ويوحنا، واندراوس، وفيلبس، وتوما، وبرتلموس، ومتاوس، ويعقوب… (1) فقام شمعان على الحجر، فقال: يا معشر الاخوة ! قد كان ينبغي أن يتم الكتاب الذي سبق فيه روح القدس، وأرادوا أن يجعلوا رجلا يتم به الاثنا عشر، فقدموا متى وبرسبا، وقالوا: اللهم اظهر لنا من نختاره ! فوقع على متى، فأصابتهم ريح شديدة، امتلات الغرفة التي كانوا فيها، ورأوا مثل لسان النار، فتكلموا بألسن شتى، ثم قالوا لبطرس: ماذا تصنع ؟ فقال لهم بطرس: قوموا واعمدوا كل انسان منكم باسم المسيح، وتنحوا عن هذه القبيلة المعوجة. وأقام بطرس ويوحنا كلما دخلا الكنيسة ذكرا أمر المسيح، ووصفا فعله، ودعوا الناس إلى عبادته، فأنكر ذلك عليهم اليهود، وأخذوهم، فحبسوهم، ثم أطلقوهم، وقالوا: نختار سبعة رجال يقدسون الله، ويذكرون حكمته ومسيحه، فاختاروا اصطفانس، وفيلبس، وابر حورس، ونيقانور، وطيمون، وبرمنا، ونيقولاوس الانطاكي، وأقاموهم، فصلوا عليهم، وقدسوهم، فجعلوا يصفون أمر المسيح، ويدعون الناس إلى دينهم. وكان بولس أشد الناس عليهم، وأعظمهم ايذاء لهم، وكان يقتل من


(1) بياض في الاصل (*).

[ 80 ]

يقدر عليه منهم، ويطلبهم في كل موضع، فخرج يريد دمشق ليجمع قوما كانوا بها، فسمع صوتا يناديه: يا بولس، كم تضطهدني ! ففزع حتى لم يبصر، ثم جاءه حنانيا، فقدس عليه حتى انصرف، وبرأت عينه، فصار يقوم في الكنائس، فيذكر المسيح، ويقدسه، فأرادت اليهود قتله، فهرب منهم، وصار مع التلامذة يدعو الناس، ويتكلم بمثل ما يتكلمون به، ويظهر الزهد في الدنيا، والتقليل منها، حتى قدمه الحواريون جميعا على أنفسهم، وصيروه رأسهم. وكان يقوم فيتكلم، ويذكر أمر بني إسرائيل والانبياء، ويذكر حال المسيح، ويقول: ميلوا بنا إلى الامم، كما قال الله للمسيح: اني وضعتك نورا للامم، فتصير إخلاصا إلى أقطار الارض، فتكلم كل رجل منهم برأيه، وقالوا: ينبغي أن يحتفظ بناموس، وان يرسل إلى كل بلد من يدعو إلى هذا الدين، وينهاهم عن الذبائح للاوثان، وعن الزنا، وعن أكل الدم. وخرج بولس ومعه رجلان إلى انطاكية ليقيموا دين المعمودية، ثم رجع بولس، وأخذ، فحمل إلى ملك رومية فقام فتكلم، وذكر حال المسيح، فتحالف قوم على قتله لافساده دينهم، وذكره المسيح وتقديسه عليه.


[ 81 ]

ملوك السريانيين وكان أول الملوك بعد الطوفان بارض بابل ملوك السريانيين، فأول من ملك منهم، وعقد التاج على رأسه: شوسان، وكان ملكه ست عشرة سنة، ثم ملك بعده بوير ابنه عشرين سنة، ثم ملك اسماشير بن الول سبع سنين، ثم ملك بعده عمر قيم ابنه عشر سنين، ثم ملك اهريمون ابنه عشر سنين، ثم ملك سمادان ابنه عشر سنين، ثم ملك سبير ابنه ثماني سنين، ثم ملك هريمون ثماني عشرة سنة، وملك ابنه هوريا اثنتين وعشرين سنة، ثم ملك ارود وحلحابيس كلاهما اثنتي عشرة سنة. ملوك الموصل ونينوى وكان أول من ملك منهم بالوس اثنتين وثلاثين سنة، وملك نينوس بن بالوس اثنتين وخمسين سنة، وبنى مدينة نينوى، ثم ملكت امرأة يقال لها شميرم أربعين سنة، ثم ملك لاوسنسر خمسا وأربعين سنة، ثم ملك خمسة عشر ملكا لا تأريخ لهم، ولاقصص.


[ 82 ]

ملوك بابل فكان أول ملوك بابل، بعد السريانيين، نمرود الجبار، فملك تسعا وستين سنة، وملك كودس ثلاثا وأربعين سنة، وملك ارقو عشر سنين، وملك ؟ ولس (1) اثنتين وستين سنة، ثم ملك سميرم اثنتين وأربعين سنة، وملك قوسميس تسعا وستين سنة، وملك انيوس ثلاثين سنة، وملك ليلاوس اثنتي عشرة سنة، وملك اطلوس اثنتين وثلاثين سنة، وملك سفردس ثلاثين سنة، ثم ملك حازم بودس ثلاثين سنة، ثم ملك سعالوس ثلاثين سنة، وملك سبطاس أربعين سنة، وملك اسنطرس أربعين سنة، وملك دمنوطوس خمسا وأربعين سنة، وملك العروس ثلاثين سنة، وملك المقرندوس اثنتين وخمسين سنة، وملك قارنوس (2) ثلاثين سنة، وملك باباوس خمسا وأربعين سنة، وملك شرسبا ادوموس اربعين سنة، وملك دارافوس ثمانيا وثلاثين سنة، وملك لاوبس (3) خمسا وأربعين سنة، وملك قطريس (4) ثلاثين سنة، وملك فرطاوس عشرين سنة، وملك اقرطا (5) ستين سنة، وملك قولا خمسا وثلاثين سنة، وملك بعنطس خمسا وثلاثين سنة، وملك اسعلو سرقم (6) أربع عشرة سنة، وملك اسرعون سبع سنين، وملك قيم حدوم ثلاث سنين، وملك فردوح (7) سبعا وأربعين سنة، وملك سنحاريب إحدى وثلاثين سنة، وملك معرسا ثلاثا وثلاثين سنة، وملك بخت نصر خمسا وأربعين سنة، وملك فرمورج (8) سنة واحدة، وملك سط (9) سفر ستين سنة، وملك ماسوسا ثماني سنين، وملك معوسا سبعة أشهر، وملك داريوش إحدى وثلاثين سنة، وملك كسر حوش عشرين سنة، وملك قرطنان (10)


(1 – 10) بلا نقط في الاصل (*).

[ 83 ]

سبعة أشهر، وملك منحسمت إحدى وأربعين سنة، وملك سعلس سبعة أشهر، وملك داريوش، وهو الذي قتله الاسكندر، تسع عشرة سنة، وملك ارطحشاست سبعا وعشرين سنة. هؤلاء الملوك ملوك الدنيا، وهم الذين شيدوا البنيان، واتخذوا المدن، وعملوا الحصون، وشرفوا القصور، وحفروا الانهار، وغرسوا الاشجار، واستنبطوا المياه، وأثاروا الارضين، واستخرجوا المعادن، وضربوا الدنانير، وصاغوا وكللوا التيجان، وطبعوا السيوف، واتخذوا السلام، وعملوا آلات الحديد، وصنعوا النحاس والرصاص، واتخذوا المكاييل والموازين، واختطوا البلدان، وقلموا الاقاليم، وأسروا الاعداء، واستعبدوا الاسراء، واتخذوا السجون، ووصفوا الازمنة، وسموا الشهور، وتكلموا في الافلاك والبروج والكواكب، وحسبوا، وقضوا بما يدل عليه الاجتماع والافتراق، والتثليث والتربيع، والمجاسدات.


[ 84 ]

ملوك الهند قال أهل العلم: إن أول ملوك الهند الذي اجتمعت عليه كلمتهم: برهمن الملك الذي في زمانه كان البدء الاول، وهو أول من تكلم في النجوم، وأخذ عنه علمها، والكتاب الاول، الذي تسميه الهند: السند هند، وتفسيره دهر الدهور، ومنه اختصر الارجبهر والمجسسطي، ثم اختصروا من الارجبهر الاركند، ومن المجسطي كتاب بطليموس، ثم عملوا من ذلك المختصرات والزيجات وما أشبهها من الحساب، ووضع التسعة الاحرف الهندية التي يخرج منها جميع الحساب والتي لا تدرك معرفتها، وهي: 9 8 7 6 5 4 3 2 1، فالاول منها واحد، وهو عشرة ومائة، وهو ألف، وهو مائة ألف، وهو ألف ألف، وهو عشرة آلاف ألف، وهو مائة ألف ألف، وعلى هذا الحساب ابدأ فصاعدا، والثاني، وهو اثنان، وهو عشرون، وهو مائتان، وهو ألفان، وهو عشرون ألفا، وهو مائتا ألف، وهو ألفا ألف، وعلى هذا الحساب يجري التسعة الاحرف، فصاعدا، غير أن بيت الواحد معروف من العشرة، وكذلك بيت العشرة معروف من المائة، وكذلك كل بيت، وإذا خلا بيت منها يجعل فيه صفر، ويكون الصفر دارة صغيرة. وجعلوا الدنيا سبعة أقاليم: فالاقليم الاول الهند، وحده مما يلي المشرق: البحر، وناحية الصين إلى الديبل مما يلي أرض العراق، إلى خليج البحر مما يلي أرض الهند، إلى أرض الحجاز. والاقليم الثاني: الحجاز، حده: هذا الخليج إلى عدن إلى أرض الحبشة مما يلي أرض مصر، إلى الثعلبية مما يلي أرض العراق. والاقليم الثالث: مصر، حده: مما يلي أرض الحبشة إلى أرض الحجاز،


[ 85 ]

إلى البحر الاخضر مما يلي الجنوب، إلى المغرب، إلى الخليج الذي يلي الروم، إلى نصيبين مما يلي أرض العراق. والاقليم الرابع: وهو العراق، حده مما يلي الهند: الديبل، ومما يلي الحجاز: الثعلبية، ومما يلي أرض مصر والروم: نصيبين، ومما يلي أرض خراسان: نهر بلخ. والاقليم الخامس: الروم، حده مما يلي أرض مصر: الخليج، ومما يلي المغرب: البحر، ومما يلي الترك: يأجوج ومأجوج، ومما يلي أرض العراق: نصيبين. والاقليم السادس: يأجوج ومأجوج، حده مما يلي أرض المغرب: الترك، ومما يلي الخزر: البحر، ومفاوز بينه وبين بحور الشمال، ومما يلي المشرق: أرض نصيبين، ومما يلي خراسان: نهر بلخ. والاقليم السابع: الصين، حده مما يلي المغرب: يأجوج مأجوج، ومما يلي المشرق: البحر، ومما يلي الهند: أرض قشمير، ومما يلي خراسان: نهر بلخ، وقالوا كل اقليم من هذه الاقاليم يسع مائة فرسخ في مثلها. وذكروا أن قطر الارض ألفان ومائة فرسخ، ومدها ستة آلاف وثلاثمائة فرسخ، وأنهم قدروا هذا الفرسخ على ستة عشر ألف ذراع. وذكروا أن الذراع الذي يحيط بأسفل دائرة النجوم، وهو فلك القمر، مائة ألف فرسخ وخمسة وعشرون ألفا وستمائة وأربعة وستون فرسخا، وان قطره من حد رأس الحمل إلى حد رأس الميزان أربعون ألف فرسخ، بتقدير هذه الفراسخ التي قدروا بها الارض، فساعات طول النهار في الاقليم الاول: ثلاث عشرة ساعة، وفي الثاني: ثلاث عشرة ساعة ونصف، وفي الثالث: أربع عشرة ساعة، وفي الرابع: أربع عشرة ساعة ونصف، وفي الخامس: خمس عشرة ساعة، وفي السادس: خمس عشرة ساعة ونصف، وفي السابع: ست عشرة ساعة.


[ 86 ]

وكل مدينة كانت في مقادير طول نهارها في هذا القدر، فهي متوسطة الاقليم الذي هي فيه، وما كان فيما بين هذه الاقدار، فهي من الاقليم الذي هي إليه أقرب في مقدار الساعات، فصار وسط الاقليم الاول، على مسيرة نحو من ثلاثين ليلة من خط الاستواء، بأرض اليمن مدينة سبإ وما والاها إلى المشرق والمغرب، وذلك، فيما دون عدن، أبين بقدر عشرة أيام، ووسط الاقليم الثاني مكة وما والاها من المشرق إلى المغرب، ووسط الاقليم الثالث الاسكندرية وما والاها من ناحية الكوفة والبصرة من المشرق والمغرب، ووسط الاقليم الرابع أصفهان وما والاها مما هو في مثل عرضها من المشرق إلى المغرب، ووسط الاقليم الخامس في اداني أرض مرو وما والاها مما هو في مثل عرضها من المشرق إلى المغرب، ووسط الاقليم السادس برذعة وما والاها مما هو في مثل عرضها ما بين المشرق إلى المغرب، ووسط الاقليم السابع بجبال الترك وما والاها مما هو في مثل عرضها مما بين المشرق والمغرب. وقالت الهند إن الله، عزوجل، خلق الكواكب في أول دقيقة من الحمل، وهو أول يوم من الدنيا، ثم سيرها من ذلك الموضع في أسرع من طرفة العين، فجعل لكل كوكب منها سيرا معلوما حتى يوافي جميعها، في عدة أيام السند هند، إلى ذلك الموضع الذي خلقت فيه كما كانت كهيئتها الاولى، ثم يقضي الله، تبارك وتعالى، ما أحب، فقالوا: ان جميع أيام الدنيا من السند هند، منذ أول ما دارت الكواكب إلى أن تجتمع جميعا في دقيقة الحمل، كما كانت يوم خلقت: ألف ألف ألف ألف، وخمسمائة ألف ألف ألف، وسبعة وسبعون ألف ألف ألف، وسبعمائة ألف ألف، وستة عشر ألف ألف، وأربعمائة ألف، وخمسون ألف يوم، يكون ذلك شهورا ستين ألف ألف ألف، وثماني مائة ألف ألف، وأربعين ألف ألف شهر، ويكون من السنين أربعة آلاف ألف ألف، وثلاثمائة ألف ألف، وعشرين ألف ألف سنة كاملة بسني الشمس على مدارها، والسنة ثلاثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم


[ 87 ]

وخمس ساعات، وجزء من أربعمائة جزء من ساعة. ثم اضطرب أمر الملك بالهند، فأقام زمانا طويلا وهو ممالك مفترقة في البلاد، لكل طائفة مملكة، حتى غزتهم الملوك، فخافوا أن يدخل عليهم الوهن، وكانوا أهل حكمة ومعرفة وعقول مجاوزين بها مقدار غيرهم من الامم، فأجمعوا على تمليك رجل واحد، فملكوا زارح، وكان عظيم الشأن، جليل القدر، فعظم ملكه، وجل سلطانه، حتى سار إلى أرض بابل، ثم تجاوزها إلى ملوك بني إسرائيل، وهو الذي غزا بني إسرائيل، بعد أن مات سليمان ابن داود بعشرين سنة، وملك إسرائيل يومئذ رحبعم بن سليمان، فضجت بنو إسرائيل إلى الله تعالى، فسلط الله على زارح وجيشه الموت، فانصرف إلى بلاده. ومن ملوكهم فور، وهو الذي غزا بلاده الاسكندر لما قتل ملك الفرس، وغلب على أرض العراق وما والاها مما كان في مملكة داريوش، وذلك أنه كتب إليه يأمره بالدخول في طاعته، وكتب إليه فور انه يزحف إليه بالجيوش، فبدر الاسكندر، فصار إلى بلاده، وخرج إليه فور، فحاربه، وأخرج فور الفيلة وكان العلو على الاسكندر، فكانت لا يقف لها شئ، فعمل الاسكندر تماثيل من نحاس، ثم حشاها بالنفط والكبريت، وأشعل النار في داخلها، ثم صيرها على عجل، وألبسها السلاح، ثم قدمها أما الصفوف، فلما تلاقوا دفعتها الرجال إلى الفيلة، فلما قربت حملت عليها الفيلة بخراطيمها، فكانت تلف الخراطيم على ذلك النحاس وهو يلهب فتشتوي، وتنصرف منهزمة، فتفل كراديس الهند، وتهلكهم، ثم دعا الاسكندر فور ملك الهند إلى أن يبارزه، فبرز له، فقتله الاسكندر مبارزة بعدله، واستباح عسكره. ومن ملوكهم كيهن، وكان رجلا حكيما، ذكيا، أديبا، فملكه الاسكندر بعد فور على جميع أرض الهند، وكان كيهن قد استعمل الفكر، فكان أول من قال بالتوهم، وان الطبيعة تنصرف إلى ما تتوهمه، فما توهمت


[ 88 ]

انه ينفعها نفعها وإن كان ضارا، وكان كيهن يأكل البيش، وهو السم القاتل، ثم يتوهم أن على قلبه احمال ثلج، فلا يضره ذلك البيش، حتى احترقت رطوبته، وكان من أصح خلق الله ذهنا، وأحفظه وأذكاه. ومن ملوكهم دبشليم، وهو الذي وضع في عصره كتاب كليلة ودمنة، وكان الذي وضعه بيدبا حكيم من حكمائهم، وجعله أمثالا يعتبر بها، ويتفهمها ذوو العقول، ويتأدبون بها، فكان أول باب منها باب السلطان الذي سعى إليه البغاة بخاصته وأصحابه المقدمين عنده، وكيف ينبغي أن يستعمل الاناة والتثبيت، ولا يعجل بقول السعاية، وهو باب الاسد والثور. الباب الثاني باب الفحس عن الامور، وكيف تكون العواقب فيها، وما يؤدي إليه البغي والتهور والكيد من سوء العاقبة، وهو باب الفحص عن خبر دمنة. الباب الثالث باب الاعداء والتحرز منهم والحيلة لهم، والكلام الذي يكسب العداوة، وما يجب من مداراة الاعداء، وانتهاز الفرصة فيهم عند امكان الامر، والتضرع لهم حتى يمكن الانتقام منهم، وهو باب البوم والغربان. الباب الرابع باب المشاورة للعلماء والاستعانة بأهل الحزم والامانة، وافشاء الامور إلى أهل العقل، وهو باب بلاذ. الباب الخامس باب المعروف وإلى من ينبغي أن يصطنع وكيف يفسده سوء الشكر إذا وضع غير موضعه، وحمله من لا يستحقه، وكيف يعرف موضعه عند أهله الذين يشكرونه، وهو باب السلحفاة والببر والقرد والنجار. الباب السادس باب الظفر بالامر، واضاعته بعد امكانه، والعجز عن حفظه بعد القدرة عليه، وهو باب القدر والغيلم. الباب السابع باب المداراة ومصانعة أهل الشأن، واحتراز مودتهم، واستمالة أهل الانحراف حتى يتخلص من السوء، وهو باب السنور والجرذ. الباب الثامن باب معرفة السلطان بأعوانه وأقربائه وأهل دخلته، واستصلاحه


[ 89 ]

من نالته جفوته منهم، واجتلاب ردئه، والاستعانة على اموره بأهل العفاف والمودة، وتفقد أحوال أعوانه وحاشيته، ومكافأة المحسن، ومعاقبة المسئ على الاساءة، وهو باب الاسد وابن آوى. الباب التاسع باب الاخوان والمتصادقين على صحة موداتهم، ومقدار الاخوان، وعظم النفع بهم، ومعاونتهم على أمور الشدة والرخاء، وهو باب الحمامة المطوقة. الباب العاشر باب طلب نفع الناس بضر النفس، والتفكر في العاقبة، وهو باب اللبؤة والاسوار. وقال بعض علماء الهند ان أهل بلاد الهند تواتر عليهم الموت، حتى ذهب علماؤهم، وضعف الملك، وانه لما ملك هشران طلب من يحيي له شرائع دين آبائه، فأتاه قفلان، وكان داهية، فقال له: ان الناس جزء من الحيوان، وان الحيوان جزء من النامي، وان النامي من الطبائع الاربع التي هي: النار والهواء والارض والماء، وان النامي ينقسم على ثلاثة أقسام: أحدها النبات، وله النمو فقط، والثاني ما يكون في البحر من الاصداف وما أشبهها، وله نمو وحس، والثالث الحيوان البري، وله نمو وحس وحركة، وان الحيوان أقل وأحقر من أن يدبرهم الخالق، وإنما يدبرهم ويصرفهم الفلك. فقال له الملك: أرني صورة ما تقول وبرهانه ! فوضع النرد، وقال: اتفق الناس على أن دور الزمان سنة، ومعناها اثنا عشر شهرا، ومعناها البروج الاثنا عشر، وعلى أن أيام الشهر ثلاثون يوما، ومعناها لكل برج ثلاثون درجة، وعلى أن الايام سبعة، ومعناها الكواكب السبعة السيارة، ثم جعل تشبيها لذلك، فوضع عرصة شبيهة بالسنة، وصير فيها أربعة وعشرين بيتا عدد ساعات الليل والنهار، في كل ناحية اثنا عشر بيتا تشبيها بشهور السنة والبروج، وصير لها ثلاثين كلبا تشبيها بأيام الشهر ودرج البروج، وصير الفصين تشبيها بالليل والنهار، وفي كل فص ست جهات لانه عدد تام له نصف وثلث وسدس،


[ 90 ]

في كل فص، إذا سقط من أعلاه وأسفله، سبع نقط: تحت الست واحدة، وتحت الخمس اثنتان، وتحت الاربع ثلاث، تشبيها بعدد الايام والكواكب السبعة السيارة، وهي: الشمس، والقمر، وزحل، والمشتري، والمريخ، وعطارد، والزهرة، ثم جعلها محنة بين رجلين، وأعطى كل واحد فصا، وقال: من أعطيته هذه السبع النقط من أعلاها أكثر من صاحبه بدأ، فاجتمع له الفصان، فضرب، وما ظهر من الفصين تقلب الكلاب عليه، وجعل ذلك تمثيلا للحظ الذي يناله العاجز بما جرى له الفلك، والحرمان الذي يبتلى به الحازم، على حسب ما يجري له الفلك، فلما ظهر ذلك قبله الملك، وفشا في أهل المملكة، وصار أهل الهند تجري أمورها بما تدبره الكواكب السبعة السيارة. وملك بلهيت وقد غلب على أهل المملكة هذا الدين، وكان له عقل ومعرفة، فلما رأى ما عليه أهل مملكته ساءه ذلك، وبلغ منه، ثم سأل: هل بقي رجل على دين البرهمية ؟ فدل على رجل له عقل ودين، فأرسل إليه، فلما أتاه أكرمه، ورفع درجته، ثم ذكر له ما قد فشا في أهل مملكته، فقال: أيها الملك ! أنا أقيم برهانا اضطربه، ويعرف به فضل الحازم، وموضع تقصير العاجز، واجعلها صورة بين اثنين ليبين فضل الحازم على العاجز، والمجتهد على المقصر، والمحتاط على المضيع، والعالم على الجاهل، فوضع الشطرنج، وتفسيرها بالفارسية هشت رنج، وهشت ثمانية، ورنج صفح، وصيرها ثمانية في ثمانية، فصارت أربعة وستين بيتا، وصيرها اثنين وثلاثين كلبا، مقسومة بين لونين، كل لون ستة عشر كلبا، وقسم الستة عشر على ست صور: فالشاه صورة، والفرز صورة، والفيلان صورة، والرخان صورة، والفرسان صورة، والبيادق صورة، فاشتق ذلك من زوج الزوج، وهو أحسن ما يكون من الحساب لان الاربعة والستين، إذا قسمتها، كان لها نصف، وهو اثنان وثلاثون، وهي عدة جميع الكلام، وإذا نصفت الاثنين والثلاثين كان لها نصف، وهو ستة عشر، وهو ما لكل واحد من الكلاب، وإذا نصفت


[ 91 ]

الستة عشر كان لها نصف، وهو ثمانية، وهي عدة بيادق كل واحد، فإذا نصفت الثمانية كان لها نصف، وهو أربعة، وهو الرخان والفرسان من كل واحد، فإذا نصفت الاربعة كان لها نصف، وهو اثنان، فقد انقسمت أزواجا ولم يبق في القسم بعد الازواج إلا الواحد الذي يقسمها كلها آحادا، وهو ليس بعدد، ولا معدود، ولازوج، ولافرد، لان أول أعداد الفرد ثلاثة. ثم قال الحكيم: ليس شئ أجل من الحرب، لانه يبين فيها فضل التدبير، وفضل الرأي، وفضل الحزم، وفضل الاحتياط، وفضل التعبية، وفضل المكيدة، وفضل الاحبراس، وفضل النجدة، وفضل البأس، وفضل القوة، وفضل الجلد، وفضل الشجاعة، فمن عدم منه شئ من هذا عرف موضع تقصيره لان خطأها لا يستقال، والعجز فيها متلف للمهج، والجهل مبيح للحمى، وترك الحزم ذهاب الملك، وضعف الرأي جلب للعطب، والتقصير سبب للهزيمة، وقلة العلم بالتعبية داعية الانكشاف، وقلة المعرفة بالمكيدة تهور إلى الهلكة، وترك الاحتراس نهزة للعدو، وجعلها على مثال الحرب، فإن أصاب ظفر وإن أخطأ هلك. فلما رأى الملك صحة البرهان، وتبين فضل حكمة الحكيم، وعلم أن قد أصاب وأحسن التمثيل، وأبان عما قد عمي عنه، جمع أهل مملكته، فعرفهم ما كشف الله عنهم من الغم، وأمرهم أن يقيموها ويتأملوها، وقال لهم: قد علمنا أن ليس في العالم حي ناطق، مفكر، ضاحك، عاقل، إلا الانسان، فالانسان عليه مدار جميع ما في العالم، لان الفلك بجميع ما فيه خلقه الخالق للانسان ليعرف به ما يحتاج إليه من زمانه وأوقاته، وكذلك ذلك له جميع ما في الارض، وكل ما خلق الله مما في قعر البحر، وجوه السماء ورؤوس الجبال، فلما ملك الانسان جميع ما خلق قسم ذلك الانسان ثلاثة أقسام فأكل ثلاثا، وسخر ثلاثا، وقتل ثلاثا: فأكل الطير والسمك وما شاء من النعم والابل، وسخر البقر والحمير والدواب، وقتل السباع والحيات والهوام،


[ 92 ]

ثم جعل فيه آلات يعلم بها، ويعقل بها، ويدرك بها، ويفهم، ففضل الناس بعضهم بعضا بالعلم والعقل والفهم. وقد زعم علماء من علماء الهند انه لما ملكت حوسر بنت بلهيت خرج عليها خارجي، وكانت جارية عاقلة، فوجهت ابنا لها، وكان لها أربعة أولاد، فقتل ذلك الخارجي ابنها، فعظم ذلك أهل مملكتها، واشفقوا من إخبارها، فاجتمعوا على حكيم من حكمائهم يقال له قفلان، وكان ذا حكمة وفطنة ورأي، فذكروا ذلك له، فقال: أنظروني ثلاثا ! ففعلوا ذلك، وخلا مفكرا، ثم قال لتلميذ له: احضرني نجارا وخشبا من لونين مختلفين، أبيض وأسود، فأحضره نجارا فارها، وخشبا من لونين مختلفين، أبيض وأسود، فصور صورة الشطرنج، وأمر النجار، فنجرها، ثم قال له: احضرني جلدا مدبوغا ! فأمره أن يخط فيه أربعة وستين بيتا، ففعل ذلك، فنصب ناحية، ثم تجاولا حتى فهماها وأحكماها، ثم قال لتلميذه: هذه حرب بلا ذهاب أنفس. ثم حضره أهل المملكة، فأخرجها لهم، فلما رأوها علموا أنها حكمة لا يهتدي لها أحد، وجعل يجاول تلميذه، فيقع شاه مات، وشاه غلب، فأخبرت الملكة بخبر قفلان، فأحضرته، وأمرته أن يريها حكمته، فأحضر تلميذه، ومعه الشطرنج، فنصبها بينه وبينه، فلعبا فغلب أحدهما صاحبه، فقال: شاه مات ! فانتبهت، وعلمت ما أراداه، وقالت لقفلان: أقتل ابني ؟ قال: أنت قلت ! فقالت لحاجبها: ادخل الناس يعزوني. فلما فرغت أحضرت قفلان وقالت له: سل حاجتك ! فقال: اسأل أن أعطى قمحا بعدد بيوت الشطرنج، أعطى في البيت الاول حبة وفي الثاني اثنتين، ثم يضعف ذلك لي في البيت الثالث على الثاني، ثم على هذا الحساب إلى آخرها. قالت: وما مقدار هذا ؟ ثم أمرت بالحنطة أن تحضر، فلم يقم لذلك شئ حتى أنفدت قموح البلد، ثم قوم القمح بالمال حتى فني المال، فلما كثير ذلك قال: لا حاجة لي به ! ان قليل الدنيا يكفيني.


[ 93 ]

ثم سألته عن عدد الحب الذي سأل، فقال لها: يكون ذلك عددا، وهذا ما في الشطرنج من العدد: السطر الاول مائتان وخمسة وخمسون. الثاني اثنان وثلاثون ألفا وسبعمائة وثمانية وستون. الثالث ثمانية آلاف ألف وثلاثمائة وثمانية وثمانون ألفا وستمائة وثمانية. الرابع ألفا ألف ألف، ومائة وسبعة وأربعون ألف ألف، وأربعمائة وثلاثة وثمانون ألفا، وستمائة وثمانية وأربعون. الخامس خمسمائة وتسعة وأربعون ألف ألف ألف، وسبعمائة وخمسة وخمسون ألف ألف، وثماني مائة ألف، وثلاثة عشر ألفا، وثماني مائة وثمانية وثمانون. السادس مائة وأربعون ألف ألف ألف، وسبعمائة وسبعة وثلاثون ألف ألف ألف، وأربعمائة وثمانية وثمانون ألف ألف، وثلاثمائة وخمسة وخمسون ألفا، وثلاثمائة وثمانية وعشرون. السابع ستة وثلاثون ألف ألف ألف ألف ألف، وثمانية وعشرون ألف ألف ألف ألف، وسبعمائة وسبعة وتسعون ألف ألف ألف، وثمانية عشر ألف ألف، وتسعمائة وثلاثة وستون ألفا، وتسعمائة وثمانية وستون. الثامن تسعة آلاف ألف ألف ألف ألف ألف، ومائتان وثلاثة وعشرون ألف ألف ألف ألف ألف، وثلاثمائة واثنان وسبعون ألف ألف ألف ألف، وستة وثلاثون ألف ألف ألف، وثماني مائة وأربعة وخمسون ألف ألف، وسبعمائة وخمسة وسبعون ألفا، وثماني مائة وثمانية، يكون جميع ذلك في الشطرنج الثمانية ثمانية عشر ألف ألف ألف ألف ألف ألف، وأربعمائة وستة وأربعين ألف ألف ألف ألف ألف، وسبعمائة وأربعة وأربعين ألف ألف ألف ألف، وثلاثة وسبعين ألف ألف ألف، وسبعمائة وتسعة آلاف ألف وخمسمائة وواحدا وخمسين ألفا وستمائة وخمسة عشر. ومنهم كوش الملك الذي كان في زمان سندباذ الحكيم، وكوش هذا وضع


[ 94 ]

كتاب مكر النساء. والهند أصحاب حكمة ونظر، وهم يفوقون الناس في كل حكمة، فقولهم في النجوم أصح الاقاويل، وكتابهم فيه كتاب السند هند الذي منه اشتق كل علم من العلوم مما تكلم فيه اليونانيون والفرس وغيرهم، وقولهم في الطب المقدم، ولهم فيه الكتاب الذي يسمى سرد فيه علامات الادواء، ومعرفة علاجها وأدويتها، وكتاب شرك، وكتاب ندان في علامات أربعمائة وأربعة أدواء ومعرفتها بغير علاج، وكتاب سند هشان، وتفسيره صورة النجح، وكتاب فيما اختلفت فيه الهند والروم من الحار والبارد وقوى الادوية، وتفصيل السنة، وكتاب أسماء العقاقير كل عقار بأسماء عشرة، ولهم غير ذلك من الكتب في الطب، ولهم في المنطق والفلسفة كتب كثيرة في أصول العلم منها: كتاب طوفا في علم حدود المنطق، وكتاب ما تفاوت فيه فلاسفة الهند والروم، ولهم كتب كثيرة يطول ذكرها ويبعد عرضها. ودين أهل الهند البرهمية، وفيهم عبدة الاصنام، ولهم ممالك مختلفة وملوك متفرقة لسعة البلد في طوله وعرضه، فأول ملوكهم، مما يتاخم البلاد التي هي اليوم في دار الاسلام: دانق، وهو ملك عظيم القدر، واسع المملكة، كثير العدة، ثم من بعده رهمى، وهو أعظم قدرا وأعز بلادا، وهو على بحر من البحور، وفي بلده الذهب وما أشبهه، ثم مملكة بلهري، ثم الكمكم ومن عندهم يأتي الساج، ولهم اتساع في البلاد، ثم مملكة الطافن، وهم قوم بيض الوجوه، ثم مملكة كنبايه، ومملكة الطرسول، ومملكة الموشه، ومملكة المايد، وهذه الممالك تتاخم الصين، وهم يحاربون الصين، ثم مملكة سرنديب، ثم مملكة قمار، وهي مملكة جليلة القدر، عظيمة الامر، يتقدم لملكهم الملوك، ثم مملكة الديبل، ثم الفاريط (1)، ثم مملكة الصيلمان، ولهم بعض ممالك يليها النساء.


1) هكذا بدون نقط في الاصل.

[ 95 ]

اليونانيون وكان لليونانيين حكماء متفلسفون، وفلاسفة متكورون، ومنهم من تكلم في الطب، ومنهم من تكلم في حقائق الامور، ومنهم من تكلم في الحساب والاعداد، ومنهم من تكلم في الافلاك والنجوم، ومنهم من تكلم في الحساب والقسمة، ومنهم من قال في الهندسة والفلاحة، ومنهم من قال في الصنعة والاكسيرات، ومنهم من قال في الفراسة، ومنهم من قال في الطلسمات والآلات فيقال إن أول حكيم وضع كتابا، ودون علما، ابقراط مقليدس بن ابقراط، فبفلسفته يتفلسف الحكماء في الطب، وإليه يرجعون في المعرفة، وله من الكتب: كتاب الفصول، وكتاب البلدان والمياه والاهوية، وكتاب ماء الشعير، وكتاب تقدمة المعرفة، وكتاب الجنين، وكتاب الاركان، وكتاب الغذاء، وكتاب الاسابيع، وكتاب أوجاع النساء، وكتاب ابيذيميا، فهذه مشهورات من كتبه، وله بعد ذلك كتب كثيرة، فالكتب التي لابد للمتطببين من معرفتها من كتب ابقراط أربعة، وهي: كتاب الفصول، وكتاب تقدمة المعرفة، وكتاب الاهوية والازمنة، وكتاب ماء الشعير. فأما كتاب الفصول، فإنه قال في كل وجه من العلم قولا جامعا، في سبعة وخمسين بابا، وهي التي تسمى التعليمات: فالتعليم الاول في الصنعة وصنفها قال ابقراط: العمر قصير، والصناعة طويلة، والزمان حديد، والتجربة خطرة، والقضاء عسر. التعليم الثاني في أصناف الطعام للمرضى وتقديره قال ابقراط: الاطعمة اللطيفة دقيقة جدا ليست في الامراض المزمنة، ولا في الحادة، والاطعمة أيضا التي على أقصى حد اللطافة ردية مثلما أن الماء الذي على الحد الاقصى ردي.


[ 96 ]

التعليم الثالث في اهتياج الحمى قال ابقراط: ينبغي أن يتحفظ في الطعام، وإن الزيادة منه مضرة، وكل ما يعرض من الامراض في الحين بعد الحين، فينبغي التحفظ عند اهتياجها. التعليم الرابع في علامات الامراض قال ابقراط: الدليل على حال الامراض ما يظهر من لفظ الجسد فيها: مثل من به ذات الجنب، إن ظهر منه نفث عاجل من أول المرض قصر مرضه، وان ظهر ذلك متأخرا طال مرضه، وفي مثل البول والبراز والعرق، إذا ظهر على الوجه الذي يجري عليه القضاء بالفرج، أو على خلاف ذلك على قصر الامراض وطولها. التعليم الخامس قال ابقراط: كلما نشت، يعني ذوات الارواح، فهو كثير الحرارة الغريزية، ولذلك يحتاج إلى كثرة الطعام وإلا بلي جسده. التعليم السادس فيما ينبغي ان يطعم للمحمومين من الطعام، قال ابقراط: التدبيرات الرطبة بجميع المحمومين امثل، ولاسيما للصبيان ولغيرهم من الذين اعتادوا ذلك التدبير، لبعض مرة، ولبعض اثنتين وأكثر وأقل، ومرة بعد مرة، وأعطوا الساعة والعادة والبلاد والسن حقها. التعليم السابع في معرفة الموقت قال ابقراط فيما يتفرج وما قد تفرج: ينبغي أن لا يحرك، ولا يحدث به حدث لا بأدوية، ولا بغيرها، مما يهيج ذلك. التعليم الثامن في النوم قال ابقراط: في أي مرض كان إن جاءه النوم بوجع، فذلك يموت، وإن نفع النوم، فليس بميت، وإن رد النوم ذهاب العقل، فذلك صالح. التعليم التاسع في سقي الدواء قال ابقراط: ينبغي لمن أراد تنقية الاجساد أن ينقيها قبل ذلك أي بإذابة ما فيها من الكيميوس الغليظ. التعليم العاشر في البراز قال ابقراط: ان وقع في الجسد وجع، أو خرجت في الجسد خراجات، فعند ذلك ينبغي أن ينظر في البراز، فإن كانت مرة صفراء، فالجسد كله مريض، وإن كان شبيها ببراز الاصحاء فالطعام الحشد.


[ 97 ]

التعليم الحادي عشر قال ابقراط في الامراض الحادة:….. (1) لانها ربما أسرعت إلى الدماغ، أو إلى القلب، أو الكبد، فتهلك، وربما اسرع انحطاطها فتبرأ. التعليم الثاني عشر في القضاء في الفرج قال ابقراط: الامراض الحادة يقضى عليها بالفرج في أربعة عشر يوما. التعليم الثالث عشر قال ابقراط: عند ابتداء الامراض إن رأيت أن تحرك شيئا، فحرك، وإن صعدت العلة، فلزوم الكف أفضل، أي ان رأيت موضعا للعلاج، فقبل أن تصعد العلة. التعليم الرابع عشر في معرفة صالح الامراض وطالحها قال ابقراط: في كل مرض صحة عقل المريض حسن، وقبوله ما يقضي خير، وخلاف ذلك شر أي ما يجد العليل في الدماغ والمعدة. التعليم الخامس عشر في المخنوقين قال ابقراط: الذين يخنقون ويخلون قبل أن يموتوا إن ظهر في أفواههم زبد لم يسلموا. التعليم السادس عشر في إضمار الجسد والعناء قال ابقراط: في كل تحريك الجسد، إذا بدأ بتعب، ثم ودعته مكانك لم يضر التعب. التعليم السابع عشر في انقلاب الساعات قال ابقراط: انقلاب الساعات… (2) عن عظم البرد والحر وغير ذلك مما يجري مجراه أي انقلاب ساعات الزمان من أجزاء السنة. التعليم الثامن عشر في العرق قال ابقراط: إذا كان الزمان شبيها بالصيف يعني الربيع فعند ذلك ينبغي أن يتوقع كثرة العرق مع كل حمى تعرض. التعليم التاسع عشر في الساعات قال ابقراط: ان كان الشتاء يابسا بلا رطوبة، وكانت رياحا شمالا، كان الصيف، يعني الربيع، ممطورا، وكانت رياحه يمانية، فلا بد أن يكون في القيظ حميات حادة، ووجع العين واختلاف


(1 – 2) بياض في الاصل (*).

[ 98 ]

من الاعفاج، وعامة ذلك في النساء والذين في طبيعتهم رطوبة. التعليم العشرون في تدبير السنين قال ابقراط: السنة اليابسة أوبأ من الممطورة الرطبة، عامتها حميات طويلة، وسيلان البطون، وخروج متماشية، وجنون، وفالج، وذبحة، وأما أمراض السنة اليابسة، فقرح في الرئة، ووجع العيون والمفاصل، وتقطير البول، واختلاف من خراج الاعفاج. التعليم الواحد والعشرون في أمراض الساعات والاسنان قال ابقراط: في الساعات على ما يكون من الامراض في الصيف وأول القيظ: الغلمان والذين يتلونهم في السن أصحاء، وحسن حالهم أفضل من غيرهم، وفي القيظ، وبعض الربيع: الشيوخ أحسن حالا، وفي سائر الربيع والشتاء: أهل النصفة في السن أفضل حالا. التعليم الثاني والعشرون في الامراض التي تصيب الانسان فيبدأ بالولدان قال ابقراط: الامراض التي تصيب الولدان الصغار قرح وسعال، وسهر وفزع، وورم في السرر، ورطوبات الاذنين. التعليم الثالث والعشرون قال ابقراط: والامراض التي تصيب الصبيان، إذا كبروا: وجع الوزتين، وبهر، وحصاة، ودود عراض، ودود طوال، ودود مثل دود الخل، وتآليل، وغلظ في أبشارهم، وخنازير وخراجات أخر، والذين أكبر منهم ممن قد راهق الاحتلام: يصيبهم أمر آخر، ويقضي عليهم بالفرج إلى أربعين يوما، بعضها إلى سبعة أشهر، ومنها إلى سبعين يوما، ومنها إذا راهقوا الاحتلام. وكل أمراض لا تنجلي عن الصبيان إلى الاحتلام، وعن الجواري إلى أن يطمئن، فتلك أمراض تثوي زمانا طويلا. التعليم الرابع والعشرون في معرفة ما تداوى به النساء الحوامل، قال ابقراط: النساء الحوامل يداوين لاربعة أشهر فما دون ذلك من صغر الولد، وأما ما زاد من كبره، فينبغي أن يحذر علاجهن. التعليم الخامس والعشرون قال ابقراط: ينبغي أن يداوى ما فوق في الصيف.


[ 99 ]

وما أسفل في الشتاء، يعني ما كان فوق الراس والمعدة، وما كان أسفل من المرة الصفراء، وما أسفل من الخام وما أشبهه. التعليم السادس والعشرون في ذي المشي قال ابقراط: عند شرب الادوية والخربق ينبغي أن يرطب أجساد الذين لا تخف التنقية عليهم من فوق قبل الدواء بكثرة الطعام. التعليم السابع والعشرون في الاختلاف طوعا قال ابقراط: إذا جاء الاختلاف طوعا كأنه دم أسود مع حمى، أو غير حمى، فذلك اختلاف سوء، وان كان اختلاف كثير الالوان منتقل من ألوان صالحة إلى ألوان ردية، فذلك اختلاف سوء أيضا، وان جاء الاول بدواء، فهو أمثل، والكثير الالوان فلا بأس به. التعليم الثامن والعشرون في الفراغ من حيث كان قال ابقراط: كل محموم يعرض له اختلاف لان كثرة افراغ الدم ترخي الكبد ثم تسقم النضج. التعليم التاسع والعشرون في العرق قال ابقراط: العرق في المحمومين خير ان جاء في اليوم الثالث، أو الخامس…. (1)، أو السابع عشر، أو الواحد والعشرين، أو الواحد والثلاثين، أو الرابع والثلاثين، لان هذا يفرج عن المريض، فأما الذي يكون في غير هذه الايام، فذلك عرق مؤذن بوجع وطول مرض ونكسة. التعليم الثلاثون في الحميات اللازمة قال ابقراط: الحميات اللازمة التي لا تقلع بل تشتد في اليوم الثالث، فتلك أقرب إلى الهلاك، والتي تقلع إلى أي وجه كان من الاقلاع، فتلك أبعد إلى الهلاك. التعليم الحادي والثلاثون في علامات الموت قال ابقراط: الحميات اللازمة التي لا تقلع، ان كان ظاهر الجسد باردا وداخله يحترق، وكان بصاحبه عطش، فتلك علامات موت.


1) بياض في الاصل (*).

[ 100 ]

التعليم الثاني والثلاثون في الانقباض والكزاز قال ابقراط: من أصابه انقباض، أو كزاز، فتبعت ذلك الحمى انحل مرضه. التعليم الثالث والثلاثون قال ابقراط: من كانت به حمى، فأصابه حر شديد في جوفه ووجع في قلبه فذلك شر. التعليم الرابع والثلاثون قال ابقراط: من كانت به حمى، فورمت شراسيفه، وأشرفت وظهرت به قرقرة في جوفه، فأصابه مغ ذلك وجع صلبه، فلم يتفرج بأرواح تخرج منه، أو ببول كثير، أو يتفرج باختلاف هلك. التعليم الخامس والثلاثون في شرب الخربق قال ابقراط: من أصابه انقباض من كثرة الاختلاف على شرب الخربق فذلك ميت. التعليم السادس والثلاثون في القروح في الرئة، والضمر في الرئة، يكون ذلك في ثمانية عشر إلى خمسة وثلاثين. التعليم السابع والثلاثون في الماء الحار والبارد قال ابقراط: الماء الحار، إذا أدمنت عليه يرخي اللحم، ويذهب بشدة العصب، ويخدر العضل، ويهيج الرعاف، ويضعف النفس، وإن دام ذلك مات، والبارد يأتي بكزاز وتسود، ويأتي بنافض وحمى. التعليم الثامن والثلاثون في معرفة المياه قال ابقراط: الماء الحار ينضج المدة، وليس في كل جرح، ولنضج المدة علامات كثيرة، وهي لين الجلد، وضم الورم، وإذا كان الماء الحار يفعل ذلك يذهب الوجع، ويسكن النافض والانقباض والكزاز، ويحل وجع الرأس. التعليم التاسع والثلاثون في أمور النساء قال ابقراط: البخور بالطيب جلاب لطمث النساء، نافع لذلك، ولاشياء كثيرة غير ذلك، إلا أنه يهيج وجعا في الرأس وصداعا. التعليم الاربعون قال ابقراط: ايمان امرأة ليست بحبلى، ولا مرضعة، وتجد


[ 101 ]

في ثدييها لبنا، فذلك دليل على أن دم طمثها قد انقطع. التعليم الحادي والاربعون قال ابقراط: ان الاولاد الذكور أكثر ما يكونون في يمين الارحام، والاناث في يسراها. التعليم الثاني والاربعون قال ابقراط: النساء الحبالى اللاتي تصيبهن الحمى، فتصلب عليهن فأولئك من غير علة معروفة تبين، فإن ذلك دال على هلاك، ويسقطن، فيهلكن. التعليم الثالث والاربعون قال ابقراط: أعط اللبن لمن يشتكي رأسه ولمن به عطش، وأيضا لمن به اختلاف من مرة صفراء وحمى حادة، ولمن اختلف دما كثيرا، وهو موافق أن يعطى لمن به ضمر وقرح في رئته، إذا لم يكن محموما جدا، ويعطى لمن كانت حماه لينة، فاترة، مزمنة، من غير أن يكون به شئ من العلامات التي ذكرنا ويكون جسده ناحلا جدا. التعليم الرابع والاربعون في ازلاق الامعاء قال ابقراط: من أصابه زلق الامعاء وطال به، ثم تبع ذلك جشاء حامض لم يكن به قبل ذلك، فذلك علامة خير، وهو مرض يكون له ثلاثة أسباب: من قبل ضعف المعدة، أو من قبل بلغم بل المعدة، أو من قبل قرح يكون في المعدة. التعليم الخامس والاربعون قال ابقراط: من أصابه وجع في رأسه وضربان شديد، فذلك إن سال من أنفه، أو من أذنيه، أو من فمه قيح، أو ماء، حل وجعه. التعليم السادس والاربعون قال ابقراط: من أصابه انقطاع في مثانة، أو دماغ، أو قلب، أو صفاق، أو شئ من الامعاء الدقاق، أو في معدة، أو في كبد، فذلك كله مميت. التعليم السابع والاربعون قال ابقراط: من أصابه فزع، أو خبث نفس زمانا كثيرا دائما، فذلك يصير إلى المرة السوداء. التعليم الثامن والاربعون قال ابقراط: شرب الخمر صرفا، والكماد


[ 102 ]

الحار، وقطع العروق، وشرب الدواء يحل وجمع العينين. التعليم التاسع والاربعون قال ابقراط: ترك كل خراج سرطاني لا يعالج أفضل، فإن أصحابه إن عولجوا هلكوا سريعا، فإن لم يعالجوا بقوا زمانا. التعليم الخمسون قال ابقراط: الخراج الذي ينتأ سنة، وأكثر من ذلك، فلابد من أن يقلع منه عظام، ويبقى آثارها كالجرب. التعليم الحادي والخمسون قال ابقراط: ذهاب العقل الذي يأتي الضحك معه يؤثر به، وذهاب العقل مع الحزن والعبوس لا يؤثر به. التعليم الثاني والخمسون قال ابقراط: في الامراض الحادة، إذا بردت الاطراف، فذلك شر. التعليم الثالث والخمسون قال ابقراط: من خرج في كبده خراج، ثم تبعه فواق، فذلك شر. التعليم الرابع والخمسون قال ابقراط: من كانت به حمى، وكان ببوله ثفل غليظ شبيه بدشيش الطحين، فذلك دليل على أن مرضه يطول. التعليم الخامس والخمسون قال ابقراط: من قاء دما من غير أن تصيبه غلبة، فهو يتخلص، فإن أخذته غلبة حمى، فهو خبيث، وينبغي أن يعالج بكل دبوغ، أي من الادوية الدابغة. التعليم السادس والخمسون قال ابقراط: من كان يتقيأ القيح، فكوي، وخرج القيح أبيض نقيا سلم صاحبه، وإن خرج منتنا وسخا هلك صاحبه، وإن كان بكبده خراج قد قيح، وكوي، وخرج القيح نقيا أبيض سلم لان القيح في صفاق الكبد، وان خرج القيح شبه ماء الزيتون هلك صاحبه. التعليم السابع والخمسون قال ابقراط: العطاس يكون من قبل الرأس، إذا سخن الدماغ، أو برد، أو ترطب ما بين الدماغ وصفاقه، وامتلا فيفرغ ذلك الهواء، ويكون له نغنغة لان مخرجه من ضيق، فهذه أبواب كتاب الفصول.


[ 103 ]

وأما كتابه في تقدمة المعرفة فهو ثلاثة فصول وعشرون تعليما: الاول يخبر ابقراط كيف ينبغي للطبيب أن ينتحل تقدمة المعرفة، فإنه الذي يخبر المرضى بما بهم، وما أصابهم قبل ذلك، وما هو آت مما يصيبهم، وما أغفل المرضى ذكره، وأن قوتها وأسبابها، وإن كانت من اختلاط الجسد، أو غيره، ونحو هذا. التعليم الثاني يخبر فيه كيف ينبغي للطبيب أن يحسن النظر في الامراض الحادة، وكيف ينظر في وجوه المرضى إن كانت تشبه وجوه الاصحاء، وعلامات الوجوه الدالة على الموت ونحو هذا. التعليم الثالث يقول فيه: إن كان للمرضى ثلاثة أيام وأربعة، والوجوه على حال وجوه الاصحاء، وغير ذلك، ينبغي أن يحسن الفكر في الآيات والعلامات على ما تقدم ذكره، وفي علامات العينين وأشفارهما، والانف، وانضجاع المريض، وكيف ينبغي أن يعمل، وما المهلك من علاماته. التعليم الرابع يصف رجلي المريض وأحوالهما، وانضجاعه، وحك الاسنان بعضها ببعض مع الحمى، والدلائل في ذلك، وان كان بالمريض خراج أصابه في مرضه، أو قبل مرضه، وما يدل عليه، ويصف اليدين واضطرابهما، وما تدلان في ذلك. التعليم الخامس يذكر النفس الكثير السريع، وما يدل عليه، ويذكر أفضل العرق في الامراض الحادة، والعرق الفاضل، والعرق البارد، والعرق المتخبث، ويذكر أن العرق يكون إما من ضعف الاجساد، وإما من دوام خراج. التعليم السادس يذكر صحة الشراسيف، وإذا لم تكن صحيحة، وضربان عروقها، وما يدل في ذلك، والاورام التي بجنب الشراسيف، ويخبر عن الاورام وما يصيبها. التعليم السابع يذكر فيه الخراجات، وإذا أزمنت كيف ينبغي أن ينظر فيها، وينعت مقاديرها وما يخرج منها، وكيف ينبغي أن يخرج.


[ 104 ]

التعليم الثامن يذكر فيه الحبن الذي يكون مع الامراض الحادة، والذي يكون من البزاق، والذي من الكبد، وما يصيب أصحاب الحبن من الاعراض اللاحقة بهم من أجله، وعلامات تدل على الموت من اسوداد الاصابع والارجل ونحو هذا. التعليم التاسع يذكر فيه تقابض الخصيتين والذكر، ويذكر السبات والنوم وكيف ينبغي أن يكون، والبراز وكيف ينبغي أن يكون. التعليم العاشر يذكر فيه البراز كيف يجب خروجه وأسبابه، وكيف ينبغي أن يكون البطن في كل مرض، وألوان البراز الدالة على الموت وغير ذلك، ويصف الرياح والقراقر ونحو ذلك. التعليم الحادي عشر يخبر عن البول الصحيح ثم عن البول إذا تغير وأصناف اثفال الابوال من جهة المثانة. التعليم الثاني عشر يذكر فيه القئ وأسبابه، والنخمة، وكيف تنفث، ومما تختلط، ولونها، ويذكر العطاس في جميع الامراض التي تلي الرئة، وما الميمت في ذلك، وما المؤذن بانحلال المرض. التعليم الثالث عشر يصف فيه النخامة في أمراض الرئة ولونها وألوان النخامات، ويذكر فيه البول والبراز والعرق وما يدل كل واحد من هذا عليه. التعليم الرابع عشر يذكر الخراجات المقيحة وأوقاتها التي تنفجر فيها، ويصف كل ما يخرج منها، وكونها في كل إنسان. التعليم الخامس عشر يذكر الخراجات الثابتة فيما يلي الآذان وما يحدث ذلك في الذين بهم أمراض الرئة، وكيف الدلائل على ذلك، والخراجات التي في سوق الذين بهم أمراض وما يلحقهم في ذلك. التعليم السادس عشر يذكر الاوجاع الردية الذاهبة بالعقل، ويذكر الحميات وأسبابها في أيامها. التعليم السابع عشر يذكر تقدمة المعرفة في الامراض الحادة العسرة المزمنة،


[ 105 ]

ويذكر حميات الربع، وما يلحق أصحابها من أجلها، والايام التي تكون فيها، ويذكر أوجاعا تكون في الصدغين والجبهة، ووجع الآذان وما يلحق المرضى. التعليم الثامن عشر يذكر أوجاع الحلق المخنقة، والحمرة في الرقبة والصدر، والثقب، وما يلحق المريض من علامات الهلاك في ذلك، ويذكر أسباب الغرغرة وخراجات تكون…. (1) ووجع مؤلم في المفاصل، وذكر الخراجات الثابتة في الشباب، وشيئا من أسباب الحمى. التعليم التاسع عشر يذكر فيه الحمى ووجع الفؤاد والايام التي تطول فيها الحمى مع أوجاع تكون في الحمى. التعليم العشرون يخبر كيف ينبغي لمن أراد أن يحكم تقدمة المعرفة أن يعرف ما ينجلب من الامراض التي لا تزال مؤلمة، وكيف يعلم، وخبر الاركان والعلامات، وأجزاء السنة وأسباب البلدان، فهذه تعليمات كتاب تقدمة المعرفة لابقراط. فأما كتابه في الاهوية والازمنة والمياه والامصار، فإنه يخبر بما يعتري أهلها من الامراض الخاصة والعامة، والمؤتلفة والمختلفة، بحدود ثابتة ومعالم بينة: فالباب الاول يقول: انه ينبغي لمن أراد طلب الطلب طلبا صادقا أن يفحص أولا عن أزمنة السنة، وما يحدث فيها، لان بعضها لا يشبه بعضا بل بعضها مخالف لبعض، وقد تختلف أيضا في انقلابها بذاتها. الباب الثاني يقول: ان السنين اللاتي تحفظ أزمنتها على اعتدالها ومراجعها، فإن الامراض التي تحدث فيها تكون شبيها وعلى استوائها، غير مخالفة ولا مشبهة، أما الازمنة الكثيرة الانتقال، فإن الامراض تعرض غير مستوية، ولا متواتية، وانحلالها عسر شاق. الباب الثالث يقول: إن الرياح الحارة والباردة العامة فيها تغير الابدان.


1) بياض في الاصل (*).

[ 106 ]

الباب الرابع يقول: ينبغي للطبيب أن يفكر في قوى المياه لانها متخالفة في المذاقة والوزن، وكذلك تختلف في القوة اختلافا شديدا. الباب الخامس يقول في المياه: كيف هي ؟ أراكدة أو لينة، أو خاشنة سايلة أم…. (1) نواحي مشرفة صخرية أم صالحة رطبة النضج. الباب السادس يقول: انه ينبغي للطبيب أن يفكر في الارضين ان كانت جرداء، عديمة الماء، أو شعراء، كثيرة الماء، أو عامرة، أو غامرة، أو مشرفة باردة. الباب السابع قال: ينبغي أن يذكر غذاء الناس في أي شئ لذاتهم أفي كثرة الشرب والاكل وحب الدعة أم حب العمل والاكل ؟ وان يفحص عن كل واحد من هذه الاشياء في كل بلد. الباب الثامن قال: ان مضى شئ من الزمان والسنة، فإن الطبيب سيخبر بكل مرض عام يعرض لكل واحد من أهلها من قبل تغير أغذيتهم. الباب التاسع قال: إذا لم تكن الامراض من فساد الهواء فإنه لا ينزل بأهل المدينة عامة، ولكنه يكون متفرقا، فإذا فكر الطبيب في هذا النوع وفي هذه الاشياء، فعلم علما شافيا كيف تكون الازمنة، كان حريا أن يكون علمه صوابا، فإن علم النجوم ليس بجزء صغير من علم الطب. وأما كتابه في الاهوية والبلدان، فإنه وصف البلدان ومياهها وخواصها: فالقول الاول في المدن، وهي أربع مدائن: فالاولى على سمت الاستواء، والثانية على سمت الفرقدين، والثالثة بإزاء المشرق، والرابعة بإزاء المغرب. فالاولى قال: كل مدينة موضوعة بإزاء الرياح الحارة هي التي وسط شرق الشمس الشتوي وغربه، فإنها تهب إليها هبوبا دائما، وتكون في كن من إزاء الفرقدين، ومياه هذه المدينة كثيرة حارة تسخن في القيظ وتبرد في الشتاء، ورؤوس سكان هذه المدينة رطبة بلغمية، وبطونهم كثيرة الاختلاف دائمة،


(1) بياض في الاصل (*).

[ 107 ]

ونساء هؤلاء الناس مرضى، ذوات أسقام أبدا بكثرة طمثهن، ولا يسقطن، وليس ذلك من طبيعتهن، ولكن من قبل أمراضهن، فإن حبلن أسقطن أكثر ذلك، وأما الصبيان فيصيبهم الكزاز، والربو، والسقم، ورجالهم يعرض لهم البطن، واختلاف الدم، والسقم الذي يدعى ابيالوس، وحمى طويلة شتوية وليلية، وبواسير في المقاعد، وتعرض لهم الحمى المتلهبة، والامراض الحادة، والرمد الطويل، فإذا أتت لهم خمسون سنة عرضت لهم النزلات من الدماغ، فهيج بهم الفالج العارض في جميع البلدان. والمدينة التي ناحية الشمال قال: إن كل مدينة موضوعة بإزاء ناحية الرياح الباردة مما يلي ناحية المغرب والمشرق والقطبين، فإن هذه الرياح رياحها البلادية، وتكون مستورة من الرياح الحارة، ومياهها يابسة بطيئة النضح حلوة أكثر ما تكون، وسكان هذه المدينة أكثرهم أشداء أقوياء، سوقهم إلى الدقة اضطرارا، وبطونهم خاشنة، ورؤوسهم صلبة يابسة شديدة، وينالهم الفتق، وأسقامهم ذات الجنب، والعلل الحادة، وكثرة القيح، وعروقهم تنقطع، ويأكلون كثيرا، ولا يعرض الرمد سريعا، فإذا مرضوا تصدعت أعينهم، ويصيبهم إذا بلغوا ثلاثين سنة رعاف كثير، ولاتعرض لهم الاسقام الكاهنية، فإن عرضت كانت شديدة وتطول أعمارهم، وأخلاقهم وحشية غير ساكنة ولا هادنة، ونساؤهم يكن عواقر لبرد الماء ويبسه، وذلك ان الطمث ربما لم يكن على ما ينبغي، فإذا حبلن اشتد عليهن الولاد، ولا يسقطن، ويقل غذاء أولادهن لبرد الالبان، ويعرض لهن الكزاز، ووجع الرئة، ويعرض للصبيان الماء الاصفر في الانثيين، فإذا كبروا ذهب، ويبطئ احتلامهم. والمدينة الموضوعة سمت الرياح التي من المطلع القيظي والشتوي قال ابقراط: كل مدينة موضوعة ناحية شرق الشمس تكون أصح من المدينة الموضوعة ناحية الفرقدين ومن الموضوعة ناحية الرياح الحارة، والحرارة والبرودة فيها أقل وأيسر، وأمراض أهلها قليلة، والمياه الكائنة سمت طلوع الشمس نيرة


[ 108 ]

مضيئة، صافية، طيبة المشم، لينة، لان الهواء لا يكون فيها غليظا، فالشمس تحول بينه وبين أن يغلظ، وصورة سكان هذه المدينة حسنة الالوان، نيرة ضوية، وأصوات رجالهم صافية حديدة، يغضبون سريعا، ونباتها وأعشابها اقوى وأصح، وهي في ذاتها وهيئتها تشبه فصل الربيع في قلة الحر والبرد، وأسقامها قليلة ضعيفة، ونساؤها يعلقن كثيرا، ويلدن بغير مشقة. والمدينة الرابعة سمت المغرب هي في كن من الرياح الشرقية، وتهب إليها الرياح الحارة والباردة من ناحية الفرقدين، فتكون كثيرة الامراض، ومياهها غير نقية، ولا صافية، وان علتها الهواء الكائن عند الاسحار، وذلك ان أسحار هذه المدينة تطول جدا، والشمس لا تشرق فيها أول ما تشرق، حتى ترتفع وتعلو، وتهب فيها رياح باردة في القيظ، ويكون رجالها مصفارين، مرضى تضيرهم الامراض كلها، وأصواتهم بح ونهارهم ردي في أيام الخريف لكثرة تغيره، فهذا الباب الاول في المدن الاربع. والقول الثاني في المياه، وهي أربعة أصناف: أولها المياه الراكدة، مثل البطائح التي لا تجري، والثاني العيون النابعة، والثالث المياه التي تكون من الامطار، والرابع المياه التي تكون من الثلوج. قال ابقراط: المياه الظاهرة المستوية على وجه الارض، التي لا تجري، والامطار تمطر عليها، وتقوم معها ولاتنزع، والشمس دائمة الاشراق عليها، والاحتراق بها، فتكون ردية لالون لها، تولد المرة، وتكون في الشتاء باردة جامدة، كدرة بلغمية، تورث من يشرب منها البحوحة والطحال…. (1) وتكون بطونهم خاشنة، وتهزل التراقي والوجوه وتنقحها، ويكثر أهلها الطعم، ويدفع ظمأهم وعطشهم، ويلزمهم المرض في الشتاء والصيف، ويعرض لهم الماء الاصفر، ويعرض لهم في القيظ اختلاف الاغراس، وحمى ربع طويلة مزمنة.


1) بياض في الاصل (*).

[ 109 ]

وشباب هؤلاء القوم تعرض لهم أوجاع الرئة وأسقام تخثر عقولهم، وأما الشيوخ، فإنه تعرض لهم حمى اللهبية يدل على تحرقهم يبس بطونهم، وأما نساؤهم، فيعرض لهن أنواع الورم من قبل بلغم أبيض، فلا يحبلن إلا بعد عسر، ولا يلدن إلا بمشقة، ويكون أولادهن عظاما، وكلما عزلوا هزلوا ودقوا، ويعرض للصبيان أدرة، وللرجال سقم وقروح في سوقهم، ولا تكون الاعمار فيها طويلة، ويدخل عليهم الكبر سريعا في ضمن الازمان، وربما أصاب النساء ما يتوهمن انه حبل ثم يبطل. ومياه العيون النابعة من بعض الصخور ردية لانها خاشنة، والعيون النابعة من أرض حارة، ومن أرض معادن الحديد والنحاس والفضة والذهب والكبريت والشب والزفت والنطرون، فإن هذه كلها إنما تكون من شدة الحرارة، فلا تكون من هذه الارضين مياه نافعة مصلحة بل تكون عامتها خاشنة، يعرض منها ومن شربها عسر البول، وشدة الاختلاف. والمياه التي تنصب عن مواضع مشرفة، ومن تلال ترابية، أفضل المياه وأصحها، وهي حلوة لا تحتاج لكثرة مزاج الشراب، وتكون في الشتاء حارة، وفي الصيف باردة، فهذه حالة المياه النابعة من العيون الغائرة. وخير هذه المياه السائلة من أفق الشمس، ولا سيما الشرق الصيفي، لانها بيضاء براقة، طيبة الريح، وكل ما كان من المياه مالحا، بطئ النضح، خاشنا، فإن الذين يشربون منه بلا حاجة إليه ليس بنافع لهم، وان بعض الطبائع والاسقام ربما انتفعت به، وكلما كان طعم المياه إلى الملوحة، فكلها ردية مفسدة، وكل عين تكون سمت شرق الشمس، فماؤها خير المياه. ثم بعدها العيون التي بين افق الشمس القيظي والغرب القيظي، وأفضلها المائلة إلى الشرق ثم التي بين مغرب الشمس الشتوي والقيظي، وأرادها العيون التي في ناحية الجنوب، فأما العيون التي تنزل افق الشرق الشتوي والغرب الشتوي، فما كان منها ناحية الجنوب، فهي ردية جدا، وما كان منها ناحية الشمال،


[ 110 ]

فهو خير، فمن كان خاشن البطن، فإن المياه الخفيفة الصافية له نافعة، ولمن كان بطنه لينا لدنا بلغميا ضارة، فإن المياه المالحة تسهل البطن، فقد أخطأ.. (1) ومياه الامطار خفيفة عذبة، والشمس تخطف من الماء رقيقه وخفيفه، وتصعد الماء من الانهار والبحور والمواضع الرطبة، ولذلك صارت مياه الامطار تعفن وتنشر رائحة ردية لانها اجتمعت من رياح شتى، صارت أسرع عفنا وتغيرا، فإن الرطوبة التي تنشفها الشمس متفرقة لا تزال معلقة في الهواء، فإذا اجتمعت كلها، والتفت بالرياح المتضادة اللاقية بعضها بعضا، انصبت حينئذ، ولاسيما إذا كانت المقايسة كما ينبغي، وأكثر ما يكون هذا إذا استحكم اجتماع السحاب، واستقبلته ريح أخرى، فمزقته، وإذا تزاحمت سحابة أخرى على السحابة الاولى، وقطعتها، انحدرت حينئذ الرطوبة من ثقلها، وتمزقها الرياح، فتكون الامطار السابغة، فهذه المياه أفضل المياه، إلا أنه ينبغي أن تكون رائحتها ردية، ويعرض لمن شرب منها البحة والسعال، وثقل الصوت، وإذا طبخت لم يغن عنها الطبخ شيئا. وأما المياه التي تكون من الثلوج والجليد، فكلها ردية لانها، إذا جمدت مرة، لم ترجع إلى طبيعتها الاولى لان ما كان من الماء خفيفا، عذبا، صافيا، نقيا، افلت من الجمود، وطار، وما كان من الماء كدرا بقي على حاله، ويعرف ذلك بأنه لو صير في إناء في أيام الشتاء، وكيل بكيل معلوم، ووضع تحت السماء جمد، فإن وضع في الشمس حتى ينحل ثم كيل ذلك الماء، وجد وقد نقص نقصانا بينا، فذلك العلامة ان لطيف الماء يتنفس، ولا يقع عليه الجمود، ولا يتنفس، ولا يبرح….. (2)، وماء الثلوج أردأ المياه، وإذا شرب الناس المياه المختلفة عرض لهم الاسر والحصاة في المثانة، ووجع الخاصرة، ووجع الوركين، وفي الانثيين أدرة، ولاسيما إذا شربوا من مياه أنهار تنصب


(1) هنا يوجد كلام ساقط. (2) بياض في الاصل (*).

[ 111 ]

من أنهار واسعة، أو من بحيرة ينصب فيها من سيول شتى مختلفة، لان منها العذب، والمالح، والشبي، ومنها ماء السيل من مواضع حارة، فإذا شربت عرضت الاسقام، واللبن الردي يولد الحجارة في مثانات المرضعين، والنساء لا تصيبهن الحصاة لان مبالهن واسع. والقول الثالث في الازمنة، إذا كانت سقيمة، أو سليمة قال ابقراط: انه ان كان طلوع الكواكب وغيرها على ما ينبغي، وكانت مياه كثيرة في الخريف، وفي الشتاء يسيرة، ولايكون الصحو كثيرا، ولا البرد فوق المقدار، فكانت مياهها متعدلة في الربيع وفي القيظ، كانت سليمة صحيحة، ويصح الهواء. وإذا كان الشتاء يابسا شماليا، والربيع كثير الامطار جنوبيا، عرض للناس في الصيف الحمى والرمد، واختلاف الاغراس لكل ذي طبيعة رطبة، وإذا كان في وقت طلوع الكوكب الذي يدعى الكلب، وهو الشعرى، مطر كثير، وشتاء، وهبت الرياح على أنوائها، كفت الاسقام، ورجي أن يكون الخريف صحيحا، فإن لم يكن ذلك كان الموت في الصبيان وفي النساء، وقل في المشيخة، فمن نجا عرضت له الحمى الربع، وربما آل إلى مع الماء الاصفر. وإذا كان الشتاء جنوبيا كثير الامطار، والربيع يابسا شماليا، فإن النساء الحوامل يسقطن في فصل الربيع فإن ولدن كان أولادهن مسقومين، إما يموتون من ساعتهم، وإما يعيشون مهازيل، وأما سائر الناس، فمنهم من يعرض له الاختلاف ورمد يابس، ومنهم من يعرض له النزلات من رأسه إلى رئته، فأما المبلغمون والنساء فيعرض لهم اختلاف الاغراس، وأما أصحاب المرة الصفراء…. (1) فتعرض لهم النوازل لسخافة جلودهم، وذبولة عصبهم، وربما ماتوا فجأة، وربما يبس جانبهم الايمن. وما كان من الامصار يقابل شرق الشمس، ورياحه سليمة، ومياهه غائرة،


1) بياض في الاصل (*).

[ 112 ]

فقل ما يضيره تغير الهواء، وكل مدينة يشرب أهلها ماء ساخنا، بطاحيا، وليست موضوعة سمت الشرق، وليست رياحها سليمة، ضير بأهلها تغير الهواء، وإن كان الصيف يابسا عاما ذهبت الامراض سريعا، وإن كان كثير الامطار طالت الامراض، وان عرض لاحد من الناس قرحة في هذه الاسقام، أو البطن، أو الماء الاصفر، هلك. وإذا كان الصيف كثير الامطار، وكان جنوبيا، والخريف، كمثل ما كان الشتاء، يابسا سقيما، فتعرض للمبلغمين والشيوخ أبناء أربعين سنة حمى تسمى القوسوس، وأما أصحاب المرة الصفراء، فيعرض لهم ذات الجنب، ووجع الرئة. وإذا كان الصيف يابسا جنوبيا، وكان الخريف كثير الامطار شماليا، عرض للناس وجع الرأس، وسعال، وبحوحة، وزكام، وعرض لبعضهم السل. وإذا كان الصيف يابسا شماليا ولم يمطر عند طلوع الشعرى نفع أصحاب البلغم والرطوبات، وأضر بأصحاب المرة الصفراء، وربما نقلهم إلى المرة السوداء، والتغير الكثير يكون في تصرف الشمس، والتصرف الصيفي أكثر تغيرا من الشتوي، والخريفي أكثر تغيرا من الربيعي، وكل بلد يكثر تغير زمانه لا يكون مستويا، ويكون فيه جبال طوال، سامية شامخة، وكل بلد يقل تغير زمانه فهو مستو. ثم يذكر ابقراط اختلاف صور الناس في أحوالهم واعتدال خلقهم، والسبب الذي أشبه بعضهم بعضا، وان ذلك باتفاق الزمان والمطالع، ويذكر حال الرجال والنساء في كثرة الاولاد وقلتهم، وما يوجب النسل ويقطعه، ويقولون: إن سكان البلاد الشاهقة، المستوية، الكثيرة المياه، تكون صورهم حسنة وأجسامهم جسيمة، وتكون غرائزهم إلى اللين والتؤدة، وليسوا بأهل بأس وشجاعة، ومن سكن أرضا رقيقة قليلة المياه، جرداء، وكان مزاج


[ 113 ]

هوائها غير معتدل، كانت صورهم خاشنة، وألوانهم إلى الصفرة، أو إلى السواد، وأخلاقهم ردية، وغضبهم شديد، وطباعهم مخالفة بعضها بعضا، لان باختلاف الازمان يكون اختلاف الطبائع، ثم بعد الازمان والبلاد الغذاء بالمياه لان غذاء الانسان، من بعد البلاد، بالمياه. ثم يتكلم ابقراط بعد ذلك في الرياح وهبوبها، والتي تهب من موضع إلى موضع، وقسمها أربعة أقسام، ويقول: ان الريح من تخلل الهواء، وإنما نشوءها من اصطكاك أجرام الهواء. فهذه أغراض كتاب ابقراط في الاهوية والازمنة، الذي فسره جالينوس، وشرح ما ذهب إليه ابقراط في فصل فصل ومعنى معنى. فهذه كتب ابقراط التي عليها يعتمد وإليها يرجع، وهذه أغراضها، وقد فسرها جالينوس وشرح كل ما فصله له، وذهب إليه، وابان عن قوله، وترجم معانيه وأوضحها. فأما كتاب ماء الشعير، فإنه يذكر فيه الامراض الحادة التي تسمى: وجع الجنب والرئة، والبرسام، والحمى المحرقة، وأخبر كيف يشرب ماء الشعير، والايام التي يكون شربه فيها، وكيف يدبر، ومتى الاوقات التي ينبغي أن يشرب فيها، والاوقات التي يمنع منها، وما يكون الطعام عليه، وذكر صنوفا من العلل الحادة والامراض المحرقة، وقال في كل صنف منها. وأما كتابه الذي يسميه كتاب الاركان فإن معنى الاركان، أي الطبائع الاربع: الحرارة والرطوبة، والبرودة واليبوسة، وأركان البدن وهي العصب والعروق، والعظام، والجلد، والدم، فهذه أركان بها قوام العالم. قال ابقراط: إن الاجسام لو كانت شيئا واحدا لم تصل الاوجاع إليها أبدا، ولكنها من أشياء مختلفة وطبائع متباعدة، مضر بعضها ببعض، وطبيعة الانسان وسائر الحيوان، إذا صارت على هذه الصفة، فمن الضرورة ألا يكون الانسان شيئا واحدا بعينه، وكذلك سائر الطبائع، إنما قوامها بالرطوبة واليبس، والحر


[ 114 ]

والبرد، ويتكلم في هذا بكلام واضح. وكان لابقراط تلاميذ ترجموا كتبه، وبعضهم عمل كتبا ونسبها إليه اقرارا له بالعلم والفضل، فمنهم دياسقوريدس صاحب كتاب الاشجار والعقاقير، فإنه وضع كتابا في منافع الاشجار، وصور كل شجرة بصورتها، وذكر ما تنفع له تلك الشجرة، ومنهم ارسجانس صاحب الكناش الذي فيه صفة البدن. فكان أحكم حكيم بعده، وأهم عالم بالطب، وأفهمه، لما فسر من كتاب ابقراط، هو جالينوس، على تباعد ما بينهما من السنين، فإن بينهما زمانا طويلا، غير أنه كالذي تلا ابقراط في الحكمة، ولحق به في العلم، وفسر كتبه، وعمل كتبا كثيرة من كتب الطب التي عليها المعول، وإليها يرجع، وكان رجلا فيلسوفا، منطقيا، حكيما. فأول كتب جالينوس: كتاب في فرق الطب المخالفة بعضها بعضا في الجنس، وهي فرقة الرأي والفكر والقياس، والفرقة الثانية فرقة التجارب، والثالثة فرقة الحيل. وكتاب في الطعام. وكتاب في نبض العروق. وكتاب في تشريح العصب. وكتاب في تشريح العروق والاوراد. ومقالتان في علل النفس. وأربع مقالات في الصوت. وكتاب في منافع الاعضاء سبع عشرة مقالة. وكتاب في تشريح الرحم. وكتاب في علامات العين. وكتاب في طب أصحاب التجارب.


[ 115 ]

وثلاث مقالات في حركة الرئة والصدر. وكتاب التشريح الكبير في خمس عشرة مقالة: فالمقالة الاولى في العضل والرطوبات التي في اليدين. والثانية في العضل الذي في الرجلين. والثالثة في العصب والعروق والاوراد التي في اليدين والرجلين. والرابعة في العضل الذي يحرك الخدين والشفتين، والعضل الذي يحرك اللحي الاسفل إلى ناحية الرأس، وإلى ناحية الرقبة، وإلى ناحية الكتفين. والمقالة الخامسة في عضل الصدر، والعضل الذي على المتنين، وعضل عظم الصلب. والمقالة السادسة في آلات الغذاء، وهي الامعاء، والبطن، والكبد، والطحال، والكلى، والمثانة، والمرارة، وما أشبه ذلك. والمقالة السابعة في تشريح الفؤاد. المقالة الثامنة في أجزاء الصدر. المقالة التاسعة في تشريح الفؤاد. المقالة العاشرة في تشريح العينين واللسان والمرئ وما يتصل به. المقالة الحادية عشرة في الحنجرة والعظم الذي يتصل بها، والعصب الذي تحتها. المقالة الثانية عشرة في تشريح آلات التوليد يعني آلات المني، والرحم، والمذاكير. المقالة الثالثة عشرة في تشريح العروق النابضة، وهي الشريانان والعروق التي لا تنبض. المقالة الرابعة عشرة في العصب المنبت من الدماغ. المقالة الخامسة عشرة في العصب المنبت في الصلب. وله كتاب التشريح غير هذا في عدة مقالات قد ذكر فيها الجلد، والشعر،


[ 116 ]

والاظفار، واللحم، والشحم، ولحم الوجه، والاغشية، التي تغشي بعض الاعضاء مثل غشاء القلب، والمعدة، والكلى، والكبد، والصفاقات، والعضلة الفاصلة بين الصدر والبطن، والمجاري، والعروق النابضة، وفصد العروق، ومن أين تبتدئ العروق، ومجاري البول فيما بين الكليتين، والمثانة إلى الذكر، ومجراه من المثانة إلى السرة في الطفل، وأوعية المرة الصفراء والمسام، والمنخرين والمجاري الخارجة من الاذنين، وقصبة الرئة، وما ينبت فيها وينبت في الرئة والاوعية التي في الثديين، التي فيها اللبن، وباقي الاشياء المفرعة التي في البدن، التي تحويها الاوعية من أي شئ من الرطوبات، والاشياء المفرعة في أي شئ من الاوعية، وما في الرأس من الشؤون والالتحام، وغير ذلك، والشؤون التي في الوجه واللحي الاسفل، وما فيه من النقب والالتحام، والاسنان، والعظم الذي على رأس قصبة الرئة، وما يتصل به من جنبتي الموضع، والعظم العريض الذي في البطن، والورك، والاضلاع، والكتفين، والمنكبين، وعظم الترقوتين، والعضد، وعظم الساق، وعظام الكف والاصابع، وعظم الفخذ، والقصر، والذي على الركبة، وعظم الساق، وعظام القدم، واشتراك قحف الرأس بالاغشية التي على الدماغ، والعصب الذي ينبت في الوجه كله، والعضل الذي في الصدغين، والعضل الذي به يكون المضغ، والعضل الذي يحرك الخدين والشفتين واللسان، وما يحركه من العضل، والعضل الذي يحرك العينين، ويذكر الفم والشفتين، واللسان، واللئة، واللهاة، وطبق الحلقوم، والنغانغ، والانف، والمنخرين، والاذنين، والرقبة، والعضل الذي فيها، والعضلة التي على الاصابع، والعضلة التي تحت الترقوة، وطبيعة الرقبة، وعضل الحجاب والساعد، ويقول في التشريح قولا هذا غرضه فيه. ومقالتان في علل النفس. وكتاب القوى الطبيعية في الافعال النفسانية. ومقالة في البول من الدم. ومقالة في الادوية المسهلة.


[ 117 ]

وكتاب يسميه آراء أبقراط وأفلاطون في قوى النفس الناطقة وهي التخيل، والفكر، والحفظ، ويقول: إن الدماغ مبتدأ العصب، والقلب مبتدأ العروق النابضة، والكبد مبتدأ العروق التي لا تنبض، والقوى التي يقوم بها البدن في عشر مقالات، ومنافع الاعضاء في سبع عشرة مقالة. كتاب العناصر يخبر فيه أن الحار والبارد، والرطب واليابس، عناصر عامية لجميع الاجسام التي تقبل الكون، والفساد، والعناصر: الارض والنار والهواء والماء، وعناصر بدن الانسان: دم وبلغم، والمرتان الصفراء والسوداء، والعنصر هو أقصى جزء في الشئ الذي هو له عنصر. وكتاب الامزجة، وهو ثلاث مقالات في تصنيف أمزجة أبدان الناس، وتركيب البدن الفاضل، وخصب البدن، والمزاج الردي الذي ليس يستوي، وقوى الادوية المركبة والادوية التي يسهل وجودها. وكتاب حفظ الاصحاء. وكتاب في الاطعمة. وكتاب في الكيموس الجيد والردي. وكتاب في التدبير الملطف. ومقالة في تصنيف الامراض. ومقالة في علل الامراض. ومقالة في تصنيف الامراض. ومقالة في الغلظ الخارج من الطبيعة. ومقالة في الامتلاء. ومقالتان في تصنيف الحميات والامراض الباطنة. وكتاب في أزمان الامراض. وكتاب في عسر النفس. وكتاب في البحرانات.


[ 118 ]

وكتاب في نبض العروق ومعرفة كل واحد من أجناس النبض. والاسباب الفاعلة لاصناف النبض. وتقدمة معرفة في ست عشرة مقالة. وكتاب حيلة البرء، وهو كتاب بين فيه طريق شفاء جميع الامراض، وأتبع ذلك في هذا الفن. ومقالة في العلل الواصلة، وهي العلل القريبة التي تصل ما بين العلة البعيدة والمريض. ومقالة في البول من الدم في البدن. وكتاب في فرقة أصحاب الحيل. ومقالة في السل. ومقالة في علاج صبي يرضع. ومقالة في تدبير أبقراط للامراض الحادة. ومقالة في فصد العروق، وفسر كتب أبقراط، في فصل فصل، وقول قول وبين الحال الحال فيه. والذي تلا أبقراط من رؤساء الحكماء سقراط، رأس الحكماء، وأول من لفظ بحكمته ما حفظ عنه وسمع منه. وحكي أن طيماوس قال له: أيها المعلم ! لم لاتدون لنا حكمتك في المصاحف ؟ قال له: يا طيماوس، ما أوثقك بجلود البهائم الميتة، وأشد تهمتك للجواهر الحية الخالدة، وكيف وجود العلم من معدن الجهل، والسبب منه من عنصر العقل ؟ فقال له ايعطبطش تلميذه: لو أمليت علي كتابا يخلد عنك ؟ فقال: الحكمة لا تحتاج إلى جلود الضأن. وقال بعض تلامذته: لو زودتنا كتابا من حكمتك تسبر به عقولنا ؟ قال له سقراط: لا ترغبن في تدوين حكمة في جلود الشاء، حتى يكون ذلك أبلغ عندك من حلمك ولسانك. فلما حضرته الوفاة سأله تلاميذه أن يزودهم حكمة يرجعون إليها، فتكلم


[ 119 ]

في أخلاق النفس، ثم تكلم في الفلك، وقال: إنه كري، وكان قد سقي سما فمات. وبعده فيثاغورس، وهو أول من نطق في الاعداد والحساب والهندسة، ووضع الالحان، وعمل العود، وكان في زمن ملك يقال له اغسطس، فهرب منه، فتبعه، وركب فيثاغورس البحر حتى صار إلى هيكل في جزيرة، فأحرقه الملك عليه بالنار. وكان لفيثاغورس تلميذ يقال له ارشميدس، فعمل المرايا المحرقة، فأحرقت مراكب العدو في البحر. ومنهم بلينوس النجار الذي يقال له اليتيم، وهو صاحب الطلسمات، الذي جعل لكل شئ طلسما. ومنهم اوجانس صاحب الهندسة والقسمة، وأنواع الفلسفة، وكان يقال له ديوجانس الكلب، وقيل له: لاي شئ سميت الكلب ؟ قال: لاني أهر على الاشرار، وأبصبص للاخيار، وآوي الاسواق. ومنهم افليمون صاحب مخانيقا، وهي الحركات التي تكون بالماء مثل الصورة تعمل، فيحركها الماء من غير أن يحرك شئ منها، ويخرجها، من موضع، ويحطها في موضع، والآلات التي تحرك بالماء من غير أن تحرك، فتخرج فيبتلعها، وتخرج أيضا، وترتحل محققة، وله أشكال في ذلك تعمل فتصح. ومنهم افليمون صاحب الفراسة، وكتاب بين فيه ما تدل عليه الفراسة في الخلقة والاصوات، والشمائل، وبرهن ذلك. ومنهم ديمقراطيس، وهو الي يزعم أن العالم مركب من هباء، وله كتاب في طبائع الحيوان، وما يوافق منها طبائع الانسان. ومنهم افلاطون، وكان تلميذا لسقراط، وهو الذي تكلم في النفس وصفاتها مثل ما تكلم به أبقراط في الجسد وصفاته فقال: إن للنفس ثلاث قوى: إحداها في الدماغ، وبه يكون الفكر والروية، والثاني في القلب، وبه يكون


[ 120 ]

الغضب والشجاعة، والثالث في الكبد، وبه تكون الشهوة والمحبة، ثم اطرد الكلام في الروح النفسانية حتى وصف الاعضاء كلها، ثم ذكر ما يصلح النفس وما يفسدها، فقال: إن كل عيب مضاد خلاص النفس، فلا ينبغي أن نعد الحياة صالحة فقط، ولكن موتا صالحا، وينبغي أن نعد الحياة والموت صالحين. ومنهم اقليدس صاحب كتاب اقليدس في الحساب، وتفسير اقليدس: المفتاح، على ما قال بطليموس، إنه تقدمة لمعرفة الحساب، ومفتاح علم كتاب المجسطي في النجوم، ومعرفة الاوتار التي تقع على قسي قطع الدوائر التي هي أفلاك الكواكب، التي يسميها المنجمون الكردجات، لتعديل مسير الكواكب في الطول والعرض، وسرعتها، وإبطائها، واستقامتها، ورجوعها، وتشريقها، وتغريبها، ومساقط شعاعها، وعلم ساعات الليل والنهار، ومطالع البروج، واختلاف ذلك في أقاليم الارض، وحساب القران والاستقبال، وكسوف الشمس والقمر، واختلاف النظر من آفاق الارض في جميع نواحي السماء. وكتاب اقليدس ثلاث عشرة مقالة، ولها من الاشكال في هذه الثلاث عشرة مقالة أربعمائة واثنان وخمسون شكلا بالبرهان والشرح الذي، إذا فهمه من يطلب علم الحساب، سهل عليه كل باب من الحساب، وانفتح له. فيبتدئ بذكر الاسباب التي منها يزلف العلم، وبمعرفتها يحاط المعلوم، وهي: الخبر، والمثال، والخلف، والترتيب، والفصل، والبرهان، والتمام، فأما الخبر، فهو خبر المقدم على الجملة، قبل التفسير، وأما المثال، فهو صورة الاشكال المخبر عنها، المدلول بصفتها على معنى الخبر، وأما الخلف، فهو خلاف المثال، وصرف الخبر إلى ما لا يمكن، وأما الترتيب، فهو تأليف العمل المتفق على مراتبه في العلم، وأما الفصل، فهو الفصل بين الخبر الممكن وغير الممكن، وأما البرهان، فهو الحجة على تحقيق الخبر، وأما التمام، فهو تمام العلم بالمعلوم. والمقالة الاولى في النقطة التي لاجزء لها، والخط الذي هو طول بلا عرض، وهو سبعة وأربعون شكلا.


[ 121 ]

المقالة الثانية في كل سطح متوازي الاضلاع، قائم الزوايا، يحيط به الخطان المحيطان بالزاوية القائمة، وهي أربعة وأربعون شكلا. المقالة الثالثة في الدوائر المتساوية التي أقطارها متساوية، والخطوط التي تخرج من مراكزها إلى الخطوط المحيطة بها، والخط المماس الدائرة الذي يجوزها، ولا يقطعها، وهي خمسة وثلاثون شكلا. المقالة الرابعة إذا كان شكل في شكل، وكانت زوايا الشكل الداخل تماس أضلاع الشكل الخارج وهي ستة عشر شكلا. المقالة الخامسة في الجزء الذي هو مقدار الاكبر من المقدار الاصغر من الاعظم، إذا كان يعده، وهي خمسة وعشرون شكلا. المقالة السادسة في السطوح المتساوية التي زوايا كل سطح منها مساوية لزوايا السطح الآخر، والاضلاع التي تكون تحيط بالزوايا المتساوية متناسبة، والسطوح المتكافية الاضلاع التي تكون أضلاعها متناسبة، وهي اثنان وثلاثون شكلا. المقالة السابعة في الواحد والعدد الزوج الذي ينقسم بقسمين متساويين. والعدد الفرد الذي لا ينقسم بقسمين متساويين، ويزيد على الزوج بواحد. والعدد الذي يسمى زوج الزوج، وهو الذي كل زوج يعده بعدة مرات عددها زوج. والعدد الذي يسمى زوج الفرد، وهو الذي كل زوج يعده بعدة مرات عددها فرد. والعدد الذي يسمى فرد الفرد، وهو الذي كل فرد يعده بعدة مرات عددها فرد. والعدد الذي يسمى أول هو الذي يعده بعدة الواحد فقط. والاعداد التي كل واحد منها أول عند الآخر، هي التي ليس بها عدد مشترك يعدها جميعا إلا الواحد فقط. والعدد المركب هو الذي يعده عدد آخر.


[ 122 ]

والاعداد التي كل واحد منها مركب عند الآخر هي التي يعدها عدد آخر مشترك لها. والعدد المضروب في عدد آخر هو الذي يضاعف بعدة ما في المضروب فيه من الآحاد، ويكون ما اجتمع عددا آخر. والعدد المربع هو المجتمع من ضرب عدد في نفسه، ويحيط به عددان متساويان. والعدد المكعب هو المجتمع من ضرب عدد في نفسه، ثم في نفسه، ويحيط به ثلاثة أعداد متساوية. والعدد المسطح هو الذي يحيط به عددان. والعدد المصمت هو الذي يحيط به ثلاثة أعداد. والعدد التام هو المساوي لجميع أجزائه. والاعداد المتناسبة هي التي يكون في الاول منها من أضعاف الثاني مثل ما في الثالث من أضعاف الرابع: والاعداد المسطحة والمصمتة المتشابهة هي التي أضلاعها متناسبة، وهذه المقالة تسعة وثلاثون شكلا. المقالة الثامنة في الاعداد التي تلي بعضها بعضا والطرفين اللذين كل واحد منهما أول عند الآخر، وهي خمسة وعشرون شكلا. المقالة التاسعة في ضرب الاعداد المسطحة المتشابهة، وما يكون من ضرب العدد في العدد المربع. والاعداد التي يعد بعضها بعضا. والعدد المكعب في العدد المكعب، وما يكون من ضرب المكعب في عدد غير مكعب، وما يكون من الاعداد المؤلفة على نسب يتلو بعضها بعضا من المربع، وكيف يكون المكعب وما يكون في الاعداد المتناسبات من المصمت المكعب والمسطح.


[ 123 ]

والاعداد التي يعد بعضها بعضا وكيف تنتقض الازواج من الازواج، والافراد من الافراد، والازواج من الافراد، والافراد من الازواج، وهي ثمانية وثلاثون شكلا. المقالة العاشرة في الخطوط التي يكون لها مقدار واحد مشترك يقدرها جميعا، يقال لها المتقادرات، والخطوط المتباينات التي ليس لها مقدار واحد مشترك يقدرها جميعا، والخطوط المتقادرات التي يكون لمربعاتها، سطح واحد يكون مقدارا لها يقدرها، وهي مائة وأربعة أشكال. المقالة الحادية عشرة في المصمت الذي له طول وسمك وسطح، وهي أحد وأربعون شكلا. المقالة الثانية عشرة في السطح الكثير الزوايا المتشابهة التي قدر بعضها عند بعض في الدوائر، كعدد المربعات التي تكون من أقطار الدوائر، وهي خمسة عشر شكلا. المقالة الثالثة عشرة وهي آخر مقالات إقليدس في خط يقسم على ذات وسط وطرفين، وهي واحد وعشرون شكلا. ولاقليدس هذا كتاب في المناظر، واختلافها من مخارج العيون والشعاع، يقول فيه: إن الشعاع يخرج من العين على خطوط مستقيمة، وتحدث بعد سموت لا نهاية لكثرتها، فإن الاشياء التي يقع عليها الشعاع تبصر، والتي لا يقع عليها الشعاع لاتبصر، ويمثل في ذلك أشكالا مختلفة يبين بها مخرج النظر، وكيف تختلف عدة الاشكال التي يبين بها ذلك وهي أربعة وستون شكلا. ومنهم نيقوماخس الحكيم الفيثاغوري، وهو الذي يسمى القاهر عند المفاضلة، وهو أبو ارسطاطاليس، وله كتاب الارثماطيقي الذي قصد فيه لابانة الاعداد، وذكر ما تقدمت به الفلاسفة. فيقال نيقوماخس: إن القدماء الاولين الذين أظهروا العلم ونفذوا فيه، وكان أولهم فيثاغورس، حدوا بأن قالوا: إن الفلسفة معناها الحكمة، وإن اسمها مشتق منها، فقالوا: الحكمة حقيقة


[ 124 ]

العلم بالاشياء الدائمة، وافتن في صدر الكتاب في ذكر الحكمة وفضلها، وما قالته الحكماء في فضيلة العلم، ثم افتتح كتابه فقال: إن جميع ما في الدنيا من الاشياء المحكم في الطبيعة تقديرها، إنما هو بالعدد، وقد يحقق القياس قولنا: إن العدد بمنزلة المثال الذي يحتذى عليه، وهو كله بكماله معقول، وهذه الاشياء التي تلحقها كلمة الكمية، وهي أشياء مختلفة، فمن الاضطرار أن يكون هذا العدد اللازم بهذه الاشياء مؤلفا مقدرا على حدته لا من أجل غيره، فإن كل مؤلف إنما هو من أشياء مختلفة لا محالة، ومن أشياء موجودة، فإن التي ليست بموجودة لا يقدر على تأليفها، وما كان منها موجودا، إلا أنها غير متشاكلة، يمكن تأليفها، والاشياء المؤتلفة إنما تألفت من أشياء موجودة مختلفة متشاكلة، لانه إن لم يكن مختلفا، فهو واحد لا يحتاج إلى ائتلاف، فإن لم يكن متشاكلا فليس بمتجانس، وإن ليس متجانسا، فإنما هو متضاد لا يقع به ائتلاف. والعدد هو من هذه الاشياء، فإن فيه نوعين مختلفين، متشاكلين، متجانسين، وهو الزوج والفرد فإن ائتلافهما على حسب اختلافهما يعد تألفا مشتبكا لا انقضاء له. فالقول الاول من الارثماطيقي في أبواب أحدها حدود العدد، وهو ينقسم قسمين يقال لاحدهما الفرد، والآخر الزوج، فالفرد ينقسم ثلاثة أقسام: منه أول غير مركب، وهو الذي لا يعده عدد مثل سبعة، وأحد عشر. ومنه ثان مركب، وهو الذي له عدد مثل: تسعة، وخمسة عشر. ومنه ثالث مركب بطبعه، وعند الاضافة إلى مركب آخر أول، وهما اللذان لكل واحد منهما عدد يعده، وليس لهما عند المقايسة عدد مشترك مثل: تسعة إلى خمسة وعشرين. والزوج ينقسم ثلاثة أقسام منه زوج الزوج، وهو المنقسم أزواجا إلى الوحدانية، مثل: أربعة وستين.


[ 125 ]

ومنه زوج الفرد، وهو المنقسم مرة واحدة بنصفين، ثم يقف مثل: أربع عشرة وثماني عشرة. ومنه زوج الزوج والفرد، وهو الذي لا ينقسم نصفين أكثر من مرة، ولا ينتهي إلى الوحدانية، وتكلم في هذا بكلام مشروح. والقول الثاني في الكمية المفردة، وهو العدد الزائد والعدد المعتدل والناقص، فأما الزائد، فهو الذي تزيد جملة أجزائه على جملته إذا اجتمعت الاجزاء مثل: اثني عشر، وأربعة وعشرين، فإن الاثني عشر لها نصف وثلث وربع وسدس، وجزء من اثني عشر، فإذا جمعتها زاد العدد والمعتدل الذي تعادل جملة أجزائه جملته مثل: ستة، وثمانية وعشرين، فإن لستة نصفا وثلثا وسدسا، فيكون مبلغه، إذا جمع، ستة سواء، والناقص الذي تنقص جملة أجزائه من جملته مثل ثمانية، وأربعة وعشرين، فإن الثمانية لها نصف وربع وثمن، فإذا اجتمع كان سبعة ونقص واحدا وجعل في ذلك أشكالا. وأصح القول القول الثالث في الكمية المضافة، وهي تنقسم قسمين: أحدهما المعادلة لما أضيف إليها مثل المائة المعادلة للمائة، والعشرة المعادلة للعشرة، ومنه الخروج عن الاعتدال، وينقسم قسمين: أحدهما كبير والآخر صغير، فالكبير ينقسم خمسة أقسام، فمنه: المتضاعف مثل اثنين من أربعة، وأربعة من ثمانية، ومنه الزائد جزءا مثل ثلاثة عند أربعة، فإن الاربعة مثلها ومثل ثلثها، ومنه الزائد جزءين مثل ثلاثة، وهي أول الافراد، إلى الخمسة، وهي الثانية من الافراد، فتحدث زيادة جزءين، ثم على هذا الترتيب تحدث زيادة أجزاء، ومنه المضاعف الزائد جزءا، وهو يظهر بين عددين: أحدهما مثل الآخر ومثل جزء منه كالخمسة، إذا أضيفت إلى الاثنين، فإنه مثل مضاعف الاثنين وزيادة جزء، ومنه المضاعف الزائد جزءين مثل أربعة عند واحد، والصغير ينقسم على خمسة أقسام: منه تحت المضاعف، ومنه تحت الزائد جزء، ومنه تحت الزائد أجزاء، ومنه تحت المضاعف أجزاء.


[ 126 ]

ثم يقول في الاعداد الثلاثة التي أحدها كبير والآخر وسط والثالث صغير، فإذا طلب اعتدالها ألقي من الاوسط مثل الاصغر، ومن الاعظم مثل ما بقي من الاوسط، ومثل الاصغر، فإذا تعادلت الاعداد فقد تمت إضافتها. ثم يقول فيما يزيد من الاعداد وينقص في المضاعفات، ويجعل لذلك شكلا مثليا بركنين، وفي الشكل واحد وعشرون بيتا: فالاول ستة أبيات، وأوله واحد، ثم يضعفه إلى اثنين وثلاثين، والثاني خمسة أبيات، وأوله ثلاثة، ثم يضعفه إلى ثمانية وأربعين، والثالث أربعة أبيات، وأوله تسعة، ثم يضعفه إلى اثنين وسبعين، والرابع ثلاثة أبيات، وأوله سبعة وعشرون، ثم يضعفه إلى مائة وثمانية، والخامس بيتان أوله واحد وثمانون، ويضعفه فيصير مائة واثنين وستين، والسادس بيت، وهو آخره، مائتان، وثلاثة وأربعون. ثم يقول في العدد المربع الذي يزيد عليه ضعفه، ثم يتكلم في السطوح والخطوط والنقط، ويصف السطوح المثلثة والمربعة والمسدسة، والاضلاع التي يقوم بها السطوح ومسائحها. ثم يقول في العدد المخمس ذي الاضلاع المعتدلة المخمسة، وكيف نموها، ثم المسدسة، ثم المسبعة، ثم المثمنة، ثم يصف كيف تركيبها، ويضرب لها جدولا خمسة في تسعة، ويتكلم في أجزاء من المثلثات والمربعات والمخمسات والمسدسات مما له جرم بلا سطح، وما له جرم وسطح. ثم يقول في تركيب الاشياء التي تركب من أخلاط شتى. ثم يقول في الوسائط التي هي ثلاثة أنواع: واحد للحساب، والثاني للمساحة، والثالث لتأليف اللحون، ويقول إن بعض الاولين جعلوها عشرا، وبين وسائط الحساب، ووسائط المساحة، ووسائط اللحون، ويتكلم في كل نوع منها بكلام مشروح وبرهان بين. ومنهم ارطس الذي عمل صورة الفلك كهيئة البيضة، فحكى بها الفلك، وصور فيها البروج.


[ 127 ]

ومنهم أرسطا طاليس بن نيقوماخس الجهراسيني، وكان تلميذا لافلاطون، فتكلم في العالم العلوي والسفلي، في صلاح العالم وفساده، وفي أخلاق النفس، وفي حقيقة المنطق، ووضع أصول الحكمة وانقسامها وتشعبها، فأول كتبه: كتاب المدخل إلى علم الفلسفة، وهو الذي يسمى باليونانية ايساغوجي، فأوله ذكر الحد، وما قوام الحد، ومن أين اشتق اسم الحد، وما فضيلة الحد، وما فيه فساد الحد، والفرقة بين الحد والمحدود. والثاني ذكر الفلسفة، وكيف اشتقت. والثالث كتاب قوى النفس التي هي بالفكر والغضب والشهوة، فما خرج عن هذا الاعتدال كان فاسدا. والكتاب الرابع في المنطق الذي هو أصل الفلسفة. والكتاب الخامس يذكر فيه انقسام الاشياء ضربين: ما لابد منه، كالغذاء، وما منه بد، كتنظيف الثوب. والكتاب السادس في الامور، وهي ثلاثة: واجبة كقولك: النار حارة، وممكنة كقولك: زيد كاتب، وممتنعة كقولك: النار باردة. والكتاب السابع في الجنس، وهو ثلاثة أقسام: جنس العادة، وجنس الطبيعة…. (1) والكتاب الثامن يذكر فيه ما لا يتجزأ، وهو ينقسم على أربعة: إما لانه لا أجزاء له كالنقطة، وإما لصغره كحبة الخردل، وإما لصلابته كالحجر، وإما انه لاعلى أجزاء. والكتاب التاس في المناسبة، وهو على أربعة: إما طبيعة كمناسبة الاب لابنه، وإما مهنة كمناسبة التلميذ معلمه، وإما مشيئة كمناسبة الصديق صديقه، وإما عرضية كمناسبة العبد سيده. ثم كتبه بعد ذلك في أربعة أنواع: أحدها المنطقيات، والثاني في الطبائع،


1) بياض في الاصل (*).

[ 128 ]

والثالث فيما يوجد مع الاجسام ويواصلها، والرابع فيما لا يوجد مع الاجسام ولا يواصلها. وكتبه في المنطق ثمانية: فالاول سمي بقاطيغورياس، وغرضه فيه القول على المقولات المفردة العشر، ورسمها بما يميز به كل واحد منها من غيره، وما يعمها ويعم العدة منها، وما يخص كل واحد منها، فحد الاشياء التي تقدمها في الوصف والشبه منها: ان جوهرا محمولا، وجوهرا حاملا ليس بجوهري فيه بل عرضي، وان عرضا حاملا وعرضا محمولا عليه أي منقولا عليه…. (1) ليبين أن جواهر محسوسة، واعراضا ثواني غير محسوسة مقولة على المحسوسة، واعراضا محسوسة، واعراضا ثواني غير محسوسة مقولة على المحسوسة، ويبين عن العشرة بأعيانها، وبرسومها، وعوامها، وخواصها، وهذه العشرة: الجوهر، ثم الكمية ثم الكيفية، ثم المضاف، ثم الاين، ثم المتى، ثم الفاعل، ثم المفعول، ثم الوضع، ثم الجد. وإنما سمي كتاب المقولات لان هذه الاسماء أجناس، وهي مقولة من الانواع، والواحد بمنزلة الجوهر، فإنه مقول على الجسم، والجسم مقول على المتنفس وغير المتنفس، والمتنفس مقول على الحيوان والنبات، والحيوان مقول على الانسان والفرس والاسد، والانسان مقول على زيد وعمرو وخالد التي هي غير متجزئة، والفرس على هذا الفرس بالاشارة، وذلك الفرس بالشبه والكمية مقولة على المتصلة والمنفصلة وسائر أجزائها، وكذلك سائر الاجناس. والثاني هو المسمى بكتاب التفسير، وغرضه فيه القول على التفسير للقضايا المقدمات للمقاييس العلمية، أعني الجوامع التي هي أخبار موجبة أو سالبة أو…. (2) ما في أوله، فبين عما منه تكون القضايا من الاسم، والحرف، والقول، والتصريف، والمخبر عن القول، وعن القضايا المؤلفة من اسم وحرف، وثالث ورابع كقولنا: النار هي حارة، وما يعرض في ذلك، وفي


(1 و 2) بياض في الاصل. (*)

[ 129 ]

الفحص عن أي القضايا أشد تناسبا الموجبة لسالبها أم الموجبة للموجبة المضادة لها. وإنما سماه كتاب التفسير لانه أراد المقالة على الجزم، والبسيط المقول، الذي ليس فيه اشتراك اسم، وأراد أن يفصل بينه وبين القول الذي ليس بجازم، الذي يكذب ولا يصدق، وهو تسعة: الاستخبار كقولك: من أين جئت ؟ والدعاء كقولك: يا فلان اقبل ! والراغب كقولك في الامر: إني أطلب إليك أن تفعل كذا وكذا، والتعجب كقولك في الامر: ما الذي يكون من هذا ؟ والقسم كقولك: أقسمت بالله لتذهبن، والشك كقولك لعل الامر على ما قيل، والوضع كقولك: تكون هذه الضيعة وقفا على المساكين، والمجازي كقولك: ان فعلت كذا وكذا أجزتك بكذا. والمقالة قد تلقب ؟، ألقابا شتى في جهات مختلفة، فإذا كان القول يوجب شيئا لشئ سمي موجبة، وإذا كان يفلت شيئا من شئ سمي سالبة، وإذا كان مقدما ليستخرج منه شئ سمي مقدمة، فإذا كان مستخرجا من مقدمات قبله سمي نتيجة، وإذا كانت مقدمات ونتيجتها معها سمي صيغة. والثالث المسمى انوليطيقا ومعناه النقائض، وغرضه فيه الابانة عن الجوامع المرسلة، أعني ما هي، وكيف هي، ولم هي، وغرضه النوع الجامع للمعاني الثلاثة، وما قيل على الجامعة المرسلة، ووجود الجامعة، وكيف تركيب الجوامع، ولكم نوع يكون، وما الذي يظهر من صوادقها بذاته، وما الذي يظهر من الحركة، والكتاب الرابع المسمى ابودقطيقا ومعناه الاصلاح، وغرضه فيه الابانة عن الامور المتضحة البرهانية، وكيف هي، وماذا ينبغي أن يؤلف، ويسمى هذا الكتاب البيان والبرهان، لانه يصف فيه التمييز الذي يميز به الحق من الباطل، والصدق من الكذب، فيقول: ان المقدمات على جهة المقدمة المجتمعة عليها، المعروفة عند العامة، المركبة من الجزئين السابقين في العلم، بمنزلة قول القائل: كل انسان حي.


[ 130 ]

والثانية الموجبة للمجادلة، فإنها، وإن كانت صحيحة في نفسها، مجهولة عند العامة، وهي تحتاج إلى وساطة يعرف بها صحتها، بمنزلة قولنا: كل إنسان جوهر. فأما كتابه الخامس المسمى طوبيقا فغرضه فيه الابانة عن الاسماء الخمسة التي هي: الجنس، والنوع، والفصل، والخاصة، والعرض، عن الحد، فتعرف ماهية الجنس، وماهية النوع، لئلا يذهب عن أحدها الجنس والنوع، فإنما يعرف هذا بالفصل الذي يفصل بين النوع والجنس، وما خاصية كل واحد منهما، أو ما الاعراض من الجواهر. وأما كتابه السادس، وهو المسمى سوفسطيقا، فغرضه فيه القول على المغالطة، ويقول كم نوعا تكون المغالطة، ويخبر كيف الاحتراس من قبول تلك الاغاليط، وهو الذي رد فيه على السوفسطائية. وأما كتابه السابع، وهو المسمى ريطوريقا، ومعناه البلاغة، فغرضه فيه القول في الانواع الثلاثة: في الحكومة، وفي المشورة، وفي الحمد، وفي الذم، والجامع لها التقريظ. وأما كتابه الثامن، وهو المسمى فوايطيقا، فغرضه فيه القول على صناعة الشعر، وما يجوز فيه الشعر، وما يستعمل من الاوزان، وكل نوع… (1)، فهذه أغراضه في كتبه المنطقيات الاربعة المقدمة، والاربعة الثانية. فأما كتبه الطبيعية فالاول كتاب سمع الكيان، وهو الخبر الطبيعي بين فيه عن الاشياء الطبيعية، وهي خمسة، المشتملة على الطبائع كلها التي لا وجود لشئ من الطبائع دونها، وهي: العنصر، والصورة، والمكان، والحركة، والزمان، فإنه لا وجود لزمان إلا بحركة، ولا وجود لحركة إلا بمكان، ولا وجود لمكان إلا بصورة، ولا وجود لصورة إلا بعنصر، وهذه الخمسة


1) بياض في الاصل (*).

[ 131 ]

منها اثنان جوهران، وهما: العنصر والصورة، وثلاثة أعراض جوهرية. والثاني هو المسمى كتاب السماء والعالم، وغرضه فيه الابانة عن الاشياء الفلكية غير ذوات الفساد، وهي صنفان: أحدهما صنف مستدير الصنعة، وحركته الاستدارة، وهو الفلك المحيط بالاشياء، وهو ركن خامس لا يلزمه الكون، ولا الفساد، والصنف الثاني الفلكي المستدير بالتكوين، وإن لم يكن مستديرا بالحركة، وهي الاربعة الاركان: النار والهواء والارض والماء، فإن هذه ليست بمستديرة الحركة بل مستقيمة الحركة، مستديرة بالكون، والمستديرة الكون هي التي يكون بعضها من بعض، بالانقلاب، بمنزلة الشئ الذي يستدير وينقلب، بمنزلة النار التي تستدير وتنقلب فتكون من الهواء، والهواء من الماء، والماء من الارض، وكل واحد من هذه الاركان يستدير بالكون بعضه على بعض، فالنار والهواء إلى فوق، والماء والارض إلى أسفل. وكتابه الثالث هو المسمى كتاب الكون والفساد، وغرضه فيه الابانة عن ماهية الكون والفساد، ككون الماء هواء، والهواء ماء، وكيف يكون، وكيف يفسد بالطبيعة. والكتاب الرابع في الشرائع، وهو كتاب المنطق في الآثار العلوية، وغرضه فيه الابانة عن عرض الكون والفساد، وكون كل كائن وفساده، مما بين نهاية فلك القمر إلى مركز الارض، فيما بين الجو وما على الارض، وما في بطنها، وعن الآثار العارضة فيها: كالسحاب، والضباب، والرعد، والبرق، والريح، والثلج، والمطر، وغير ذلك. وكتاب في المعادن، وهو الخامس، وغرضه فيه الابانة عن كون الاجرام المتكونة في باطن الارض، وكيفياتها، وخواصها، وعوامها، والمواضع الخاصة بها. والكتاب السادس في الابانة عن علل النبات، وكيفياته، وخواصه، وعوامه، وعلل أعضائه، والمواضع الخاصة به، وحركاته، فهذه أغراضه


[ 132 ]

في كتبه الطبيعية. فأما كتبه النفسانية، فهما كتابان: فكتابه الاول منهما كتاب النفس، وغرضه فيه الابانة عن ماهية النفس، وقوامها، وفصولها، وتفصيل الحس، وتعديد أنواعه، وفضائل النفس وعاداتها، والامور المحمودة منها، والامور المذمومة منها، فالمحمودة: المنطق، والعدل، والحكمة، والحكم، والحلم، والشجاعة، والقوة، والجرأة، وشرف النفس، والتحرج، والامور المذمومة منها: الجور، والفسق، والنفاق، والغش، والكذب، والنميمة، والخيانة. والكتاب الثاني في الحس والمحسوس والابانة عن علل الحس للمحسوس، وغرضه فيه أن يخبر ما الحسن والمحسوس، وكيف يقبل الحس الاشياء المحسوسة، وكيف يكون الحس والمحسوس شيئا واحدا، وهما مختلفان في الادوات، وهل الاشياء بذواتها وأجرامها أم بذواتها دون أجرامها. ثم كتابه في الكلام الروحاني، وغرضه فيه ذكر الصورة المجردة من الهيولى، التي في العالم الاعلى، والقوى الروحانية، ومعرفة اتصال قوى تلك الصور بالقوى الطبيعية، وهل هي بحركة، أو بلا حركة، وكيف تدير تلك القوى هذه القوى، وان كل واحد من القوى الجرمية الغليظة جزء من تلك الاشياء الشريفة، وبين ما العقل، وما المعقول، وما النفس الكلية، وما هبوطها وطلوعها. ثم كتابه في التوحيد، فقال: ان العلية الثانية علة العلل، والدهر تحتها، وهي مبدعة الاشياء، والابداع لها، وقال في هذا قولا بين فيه التوحيد. فأما كتبه في الخلق…. (1) والابانة عن أخلاق النفس، والسعادة في النفس والبدن، وتدبير العامة والخاصة، وتدبير الرجل امرأته، والسياسة،


1) بياض في الاصل (*).

[ 133 ]

وتدبير المدن، وقصص أهل التدبير للمدن، فهذه أغراض كتب أرسطاطاليس الحكيم المذكورة الشريفة، وما بعدها من الكتب فتبع لها. ومن حكماء اليونانيين بطليموس وهو الذي وضع كتاب المجسطي، وكتاب ذات الحلق، وذات الصفائح، وهي الاسطرلاب والقانون، فأما كتاب المجسطي، ففي علم النجوم، والحركات، وتفسير المجسطي الكتاب الاكبر، وهو ثلاث عشرة مقالة، فابتدأ المقالة الاولى من المجسطي بذكر الشمس، لانها الاس لا يوصل إلى علم شئ من حركات الفلك إلا بها، فقال في الباب الاول: إن الشمس فلك خارج المركز عن مركز العالم قد سمت ناحية منه، مصعدة نحو ما يحاذي بها من فلك البروج، متباعدة عما مركز الارض، ودنت الناحية الاخرى منه، منحدرة نحو الارض، متباعدة عما يحاذي بها من فلك البروج، فموضع السمو هو الموضع الذي فيه تبطئ الشمس، وموضع الدنو هو الذي فيه تسرع، ثم تكلم في ذلك بقول واضح. والباب الثاني في قدر كلية الارض عند كلية السماء…. (1) ووضعت وضع الفلك المائل، وموضع عمران الارض، ومقادير ساعاتها فيما بين خط الاستواء إلى القطب الشمالي، واختلاف ما بين هذين الموضعين، وقدر ذلك الاختلاف في نواحي الافق من قبل اختلاف مواضع أهل الارض، وحركة الشمس والقمر. والباب الثالث في الكرة المستقيمة مع قسي فلك البروج المفروضة. والمقالة الثانية ثلاثة عشر بابا: الباب الاول في المواضع المسكونة من الارض. الباب الثاني في معرفة مقدار ما بين الفلك المستقيم وبين مطلع الفلك المائل من تقويس دائر أفق المطلع، ومقادير النهار في كل يوم في طوله وقصره.


1) بياض في الاصل (*).

[ 134 ]

الباب الثالث في معرفة ارتفاع القطب وانخفاض…. (1) الاخرى التي هي مقابلته، وهو عرض الاقليم من الصفة والرسوم قبل ارتفاع القطب، وما بقي إلى منتهى سمت الرؤوس التي في تدوير وسط السماء. الباب الرابع في معرفة مر الشمس في سمت رؤوس أهل البلاد أين يكون ذلك، ومتى يكون، وفي أي موضع من أجزاء البروج تكون الشمس يومئذ فوق رؤوسهم. الباب الخامس في مقدار الظل نصف النهار في برجي الاستواء، وبرجي التغير. الباب السادس في خواص المواضع من طريق ما بين المشرق والمغرب، والخطوط التي يوازي بعضها بعضا في استواء ما بينها من العرض. الباب السابع في اختلاف مطالع الفلك المائل عن طلوع الفلك المستقيم. الباب الثامن في جدولة مطالع خطوط أقاليم الارض ومطلع طريقه خطا خطا. الباب التاسع في معرفة طول الليل والنهار من ازمان ساعات الاقاليم، ومعرفة مطالع أجزاء البروج، والجزء الطالع، والجزء المتوسط السماء. الباب العاشر في الزوايا التي تقع فيما بين الفلك المائل، وبين تدوير منتصف النهار الذي في وسط السماء. الباب الحادي عشر في الزوايا التي تقع بين الفلك المائل، وتدوير أفق المطلع إلى حد الجنوب من ربع الدوائر في كل اقليم من الاقاليم. الباب الثاني عشر في الزوايا والتقاويس التي تكون في دائرة الافق التي تدور على قطب دائرة الافق، في مواضع الاقاليم. الباب الثالث عشر في وضع جداول القسي والزوايا التي في أقاليم الارض، فهذه أبواب المقالة الثانية.


1) بياض في الاصل (*).

[ 135 ]

المقالة الثالثة من المجسطي عشرة أبواب، فالباب الاول في معرفة مقدار طول السنة، وعدد أيامها. الباب الثاني في وضع الجداول لحركة الشمس الوسطى. الباب الثالث في معرفة جهات الحركة المستديرة المتفقة. الباب الرابع في معرفة ما يظهر من اختلاف حركة الشمس في المنظر والرؤية. الباب الخامس في الابحاث الجزئية عن الاختلاف. الباب السادس في صنعة فصول جداول القطع الجزئية الاختلاف. الباب السابع في وضع جداول اختلاف حركة الشمس. الباب الثامن في معرفة موضع الشمس في مسيرها الاوسط. الباب التاسع في حساب الشمس ومعرفة حقيقة موضعها. الباب العاشر في معرفة اختلاف الايام ما بين نهار يوم وليلته وبين نهار يوم آخر وليلته. المقالة الرابعة من المجسطي أحد عشر بابا، فالباب الاول: من أي الارصاد ينبغي أن يكون البحث عن القمر. الباب الثاني في معرفة أزمان أدوار القمر. الباب الثالث في معرفة تقسيم حركات القمر الوسطى. الباب الرابع في وضع جداول تكون فيها حركات القمر الوسطى. الباب الخامس في ان الجهتين جهة مركز الخارج وجهة فلك التدوير، في حركات القمر، تدلان على أمر واحد. الباب السادس في برهان اختلاف حركة القمر الاولى المفردة. الباب السابع في تقويم مسير القمر في الطول والاختلاف. الباب الثامن في معرفة موضع حركات القمر الوسطى في الطول والاختلاف. الباب التاسع في تقويم مسير القمر الاوسط في العرض وفي ابتدائه. الباب العاشر في وضع جداول اختلاف القمر المفرد.


[ 136 ]

الباب الحادي عشر في أي مقدار يكون اختلاف القمر. فهذه الاربع المقالات تجزي عن جميع ما يحتاج إليه من كتاب المجسطي، وتسع مقالات بعدها في صفة المراكز، وتقديم حركة التدوير، وصنعة جداول الحركة، وجداول طول الكواكب. وأما كتاب: في ذات الحلق، فإنه ابتدأ بذكر عمل ذات الحلق، وهي تسع حلقات، بعضها في جوف بعض، احداهن ذات علاقة، والثانية المعترضة فيها من المشرق والمغرب، والثالثة الحلقة التي تدور بهاتين الحلقتين على ما بين أسفلها إلى أعلاها، والرابعة الجارية تحت الحلقة ذات العلاقة، والخامسة حاملة نطاق البروج، وفيها تركيب المحور، والسادسة حاملة نطاق البروج الاثني عشر، والسابعة تحت حلقتي الفلك، وهي حلقة مركبة في المحور ليؤخذ بها عرض الكواكب الثابتة، الجارية فيما بين أرباع الفلك، والحلقة الثامنة جارية في حجري المحور، والحلقة التاسعة مركبة في الحلقة الثانية لمجرى الفلك المستقيم…. (1) يحط في الجنوب، ويرفع السماء على قدر انتقال الفلك المستقيم، ويذكر فيه كيف يبتدأ بعملها، وكيف يكتب عليها، وكيف تركب كل واحدة في الاخرى، وكيف تجزى وتخطط وتسمر حتى لاتزول، وكيف تنصب. ثم يذكر العمل بها في تسعة وثلاثين بابا، فالباب الاول من أبواب مواضع العمل في ذات الحلق والتداوير التي فيها. الباب الثاني في امتحانها. الباب الثالث في أخذ ظل الشمس بها. الباب الرابع إذا أردت أن تأخذ بها عرض اقليم، أو مدينة، أو موضع. الباب الخامس إذا أردت أن تأخذ بها عرض كل اقليم ما هو. الباب السادس إذا أردت أن تعرف النهار كيف يقصر ويطول في السرطان.


1) بياض في الاصل (*).

[ 137 ]

الباب السابع إذا أردت معرفة مقدار كل يوم من أيام السنة. الباب الثامن إذا أردت معرفة استواء الليل والنهار في الاقليم الاول. الباب التاسع إذا أردت أن تعلم كيف تطلع البروج في الاقاليم بأقل من ثلاثين جزءا أو أكثر. الباب العاشر علم رد أجزاء البروج إلى جزء الفلك المستقيم. الباب الحادي عشر في معرفة كل برج، وكيف يغيب بمطلع نظيره، ويطلع بمغيبة في الاجزاء. الباب الثاني عشر إذا أردت أن تعلم كيف تطلع البروج وسط السماء على اختلاف من أجزائها. الباب الثالث عشر إذا أردت معرفة كل برج منها. الباب الرابع عشر إذا أردت معرفة الطالع والاوتاد الاربعة بالنهار من قبل الشمس. الباب الخامس عشر إذا أردت معرفة الطالع بالليل من القمر والكواكب. الباب السادس عشر إذا أردت أن تعلم كم ساعة مضت من النهار. الباب السابع عشر إذا أردت أن تعلم أي ساعة يظهر القمر، أو كوكب من الكواكب الثابتة. الباب الثامن عشر إذا أردت أن تعلم ساعات القرانات. الباب التاسع عشر إذا أردت أن تعرف مقدار المشرقين والمغربين في كل بلد. الباب العشرون إذا أردت أن تعلم لكل برج مقدار مطلعه من المشرق، ومغربه من المغرب الباب الحادي والعشرون إذا أردت أن تعلم الكواكب التي تغيب في كل بلد. الباب الثاني والعشرون إذا أردت أن تعلم الطرائق الخمس التي ذكرها الحكماء في الفلك في كل بلد. الباب الثالث والعشرون إذا أردت أن تعرف الاقاليم السبعة.


[ 138 ]

الباب الرابع والعشرون إذا أردت معرفة كل اقليم منها. الباب الخامس والعشرون إذا أردت أن تعرف كيف يكون النهار الاقصر، إذا صارت الشمس في الجدي، في الموضع الذي يكون عرضه ثلاثة وستين جزءا، وذلك أقصى ما يسكن من ناحية الشمال، ويكون النهار أربع ساعات ونحوها، وليلة عشرين ساعة، ويكون النهار الاطول فيه عشرين ساعة، وليله أربع ساعات، وهي جزيرة يقال لها جزيرة تولي من أرض اوريبا، وهي شمالي أرض الروم. الباب السادس والعشرون إذا أردت أن تعرف المواضع التي تغيب عنها الشمس ستة أشهر، فيكون ظلمة راتبة، وتطلع عليه الشمس ستة أشهر، فيكون ضوءا راتبا، وهو الموضع الذي يحاذي محور الشمال. الباب السابع والعشرون إذا أردت أن تعلم كل كوكب من الكواكب الثابتة من أي جزء من أجزاء البروج التي تطلع في كل موضع تريد من الارض. الباب الثامن والعشرون إذا أردت أن تعلم كم جزءا بين رأس الحمل والطالع من أجزاء المطالع في كل بلد. الباب التاسع والعشرون إذا أردت أن تعلم لكل مدينة وبلد من أي الاقاليم هي. الباب الثلاثون إذا أردت أن تعلم عرض القمر، أو كوكب من الكواكب. الباب الحادي والثلاثون إذا أردت أن تقوم خط وسط السماء في موضعه من سمت كل بلد. الباب الثاني والثلاثون إذا أردت أن تعرف طول الكواكب وعرضها بعد معرفتك بجري وسط السماء. الباب الثالث والثلاثون إذا أردت أن تعرف موضع رأس التنين وذنبه، وهل تلتقي بفلكي الشمس والقمر. الباب الرابع والثلاثون إذا أردت أن تعرف المطالع من قبل ساعات الما (1).


1) قوله: الما، هكذا في الاصل (*).

[ 139 ]

الباب الخامس والثلاثون إذا أردت أن تعرف مجرى الفلك الذي فيه الكواكب الثابتة. الباب السادس والثلاثون إذا أردت أن تعرف تشريق الكواكب وتغريبها. الباب السابع والثلاثون إذا أردت أن تعرف طول مدينة من المدن. الباب الثامن والثلاثون في معرفة أجزاء طول المدن. الباب التاسع والثلاثون في استخراج القوس من حساب الجبر، فهذه أبواب ذات الحلق. وأما كتاب في ذات الصفائح، وهي الاصطرلاب، فإنه يبتدئ بذكر عملها وكيف تعمل، وحدودها، ومقاديرها، وتركيب حجرها، وصفائحها، وعنكبوتها، وعضادتها، وكيف تجزأ وتقسم وتحفظ على قسمة أجزائها، ومقنطراتها، وميلها، ويشرح ذلك، ويصفه صفيحة إقليم إقليم، وطول كل إقليم وعرضه، ومواضع الكواكب والساعات فيها، والطالع والغارب والمائل، والجنوبي والشمالي، ورأس الجدي، ورأس السرطان، ورأس الحمل، ورأس الميزان، ثم يذكر العمل بها. فالباب الاول امتحانها حتى تصح. الباب الثاني في امتحان طرفي العضادة. الباب الثالث في علم ما مضى من النهار من ساعة وأي برج ودرجة الطالع. الباب الرابع في علم ما مضى من ساعات الليل، وما الطالع من البروج والدرج. الباب الخامس في معرفة موضع الشمس من البروج والدرج. الباب السادس في علم مواضع القمر في أي برج ودرجة هو، وأين الكواكب السبعة. الباب السابع في علم عرض القمر. الباب الثامن في علم مطالع البروج الاثني عشر في الاقاليم السبعة، ومعرفة


[ 140 ]

كل برج منها. الباب التاسع في قطع المطالع للفلك المستقيم، وما يصيب كل درجة من درج السواء. الباب العاشر في علم ساعات الليل والنهار كم تكون في كل زمان، في كل اقليم. الباب الحادي عشر في علم مقدار نهار كل كوكب من الكواكب الثابتة، وما يجري في الفلك من حين طلوع الكواكب إلى حين غروبها. الباب الثاني عشر في معرفة طول الكواكب وعرضها. الباب الثالث عشر في معرفة زوال الكواكب الثابتة، فإنها تزول في كل سنة من سني القمر درجة. الباب الرابع عشر في معرفة ميل البروج عن خط الاستواء الذي هو مدار الحمل والميزان. الباب الخامس عشر في معرفة المدائن أيها أقرب إلى الشمال وإلى الجنوب. الباب السادس عشر في معرفة أقرب المدائن من المشرق وأقربها إلى المغرب. الباب السابع عشر في معرفة عرض كل إقليم. الباب الثامن عشر في علم أي إقليم أنت فيه. الباب التاسع عشر في علم عرض الاقليم وأي المدائن أردت. الباب العشرون في علم تقدير الطرائق، وهي خمس، وكيف مجاريها، ويشرح في كل باب من هذه الابواب شرحا طويلا بين فيه ما يحتاج إليه وإلى معرفته. فهذه أغراضه في ذات الصفائح. وأما كتابه القانون في علم النجوم وحسابها، وقسمة أجزائها، وتعديلها، فمن أتم كتب النجوم وأوضحها، وكان أول ما ابتدأ به في ذكر دور السماء التي تدور فيها هذه الكواكب.


[ 141 ]

باب في علم مسير الكواكب في كل يوم، فيقول: إن مسير الشمس في كل يوم يكون تسعا وخمسين دقيقة، ومسير أوج القمر سبع دقائق، ومسير رأس التنين، وهو الجوزهر، ثلاث دقائق، ومسير زحل دقيقتان، ومسير المشتري خمس دقائق، ومسير المريخ إحدى وثلاثون دقيقة، ومسير الزهرة درجة وست وثلاثون دقيقة، ومسير عطارد أربع درج وخمس دقائق، ومسير قلب الاسد ست ثوان. باب في علم أوساط الكواكب، وتقويمها، وتعديلها، إذا كانت لاتمكن أن تقوم إلا بأوساطها. باب في تحريك أرباع الفلك على ما ذكر أصحاب الطلسمات، ان ارباع الفلك تتحرك ثمانية أجزاء مقبلة، وثمانية أجزاء مدبرة، والجزء درجة فتقبل في كل ثمانين سنة، وتدبر على كل ثمانين سنة جزءا. باب في ميل الشمس وعرض الكواكب الستة، وتباعدها من خط الاستواء إلى الشمال، وإلى الجنوب، ووضع لكل كوكب منها في ذلك جدولا، أما ميل الشمس، فميلها عن خط الاستواء، وأما ميل عرض الكواكب فتباعدها من مسير الشمس. باب في مقام الكواكب السبعة ورجوعها، وكيف يلتمس على ذلك من زحل والمشتري والمريخ، إذا كان بين كل واحد منها وبين الشمس مائة وعشرون، أو مائتان وأربعون درجة، ومن الزهرة وعطارد إذا تباعدا من الشمس تباعدهما الاكبر، فكان بين الزهرة وبينها ست وأربعون درجة، وبين عطارد ثلاث وعشرون درجة. باب في طلوع الكواكب السبعة من تحت شعاع الشمس، ومغيبها من بين يديها ومن خلفها. باب في تقويم الساعات وتعديلها، وإخراجها من الساعات المعوجة إلى الساعات المستوية.


[ 142 ]

باب في علم عرض المدائن وطولها، وقسم مدائن العالم بين الاقاليم السبعة، فجعل لكل مدينة طولا وعرضا، وجعلها في جدول سماه جدول المدائن، ووضعه على ثلاثة أبواب: فالباب الاول فيه تسمية المدائن. والباب الثاني طول كل مدينة. والباب الثالث عرض كل مدينة، وهو انحرافها عن حد رأس الجدي، والميزان إلى الشمال، ووضع لكل إقليم عرضه، وهو انحراف وسطه عن رأس الحمل، والميزان إلى الشمال، وأثبته على رأس جدول مطالعه، فإذا أردت عرض مدينة من مدائن العالم، وكانت مما قد أثبته في تسمية المدائن، وإلا نظر إلى عرض أي إقليم هي أقرب، فأي إقليم وجد عرض تلك المدينة أقرب إلى عرضه، فتلك المدينة من ذلك الاقليم. باب فيه عرض كل إقليم، فقال الاول: ست عشرة درجة ودقيقة، والثاني ثلاث وعشرون درجة وإحدى عشرة دقيقة، والثالث ثلاثون درجة واثنتان وعشرون دقيقة، والرابع ست وثلاثون درجة، والخامس أربعون درجة وست وخمسون دقيقة، والسادس خمس وأربعون درجة واثنتان وثلاثون دقيقة، والسابع ثمان وأربعون درجة واثنتان وثلاثون دقيقة. وباب ذكر فيه انحراف القمر، وهو الذي يسمى البراكفيس، وأخبر انه رؤية القمر، وذلك ان للقمر موضعين مختلفين: أحدهما موضع رؤيته، والآخر منزلته المعتدلة. وباب في اجتماع الشمس والقمر والاستقبال، وكيف يحسب لذلك حتى يصح. وباب في كسوف القمر ونواحيه. وباب في كسوف الشمس، وكيف يحسب في وقت الاجتماع. وباب في تعديل ما يوجد بجداول الكواكب والطالع وغير ذلك. وباب من التعديل في استخراج الطالع وفيه مائة وثمانون جدولا، وبين


[ 143 ]

كل قول بالاشكال. وتسمية ملوك اليونانيين والروم وما ملك كل ملك على ما بينا من أسمائهم آخر هذا الفصل. ملوك اليونانيين والروم وكان أول ملوك اليونانيين، وهم أولاد يونان بن يافث بن نوح، وهو أول من سماه بطليموس في القانون من ملوكهم: فيلفوس، وكان جبارا عاتيا، وكان ملكه سبع سنين. ثم ملك ابنه الاسكندر، وهو الذي يقال له ذو القرنين، واسم أمه الو مفيدا، وكان معلمه أرسطاطاليس الحكيم، فجل قدر الاسكندر، وعظم ملكه، واشتد سلطانه، وأعانته الحكمة والعقل والمعرفة، وكان معه نجدة وبأس، وهمة عالية، دعته إلى أن كتب إلى ملوك الاقاليم والآفاق يدعوهم إلى طاعته، وكان من كان قبله من ملوك اليونانيين يؤدي إلى ملوك أرض بابل من الفرس خرجا، لجلالة تلك المملكة، وعظم قدرها، وصغر الممالك في جنبها، فلما كتب إلى ملك فارس يدعوه إلى طاعته عظم عليه، فسار الاسكندر حتى أتى أرض بابل، وملك الفرس يومئذ دار بن دارا، فحاربه حتى قتله، وحوى خزائن ملكه، وتزوج ابنته. ثم صار إلى أرض فارس، وقتل من بها من المرازبة والرؤساء، وافتتح البلاد. ثم صار إلى أرض الهند، فزحف إليه فور ملك الهند، فحاربه حتى قتله، ثم صير الاسكندر على الهند ملكا من قبله من أهل الهند يقال له كيهن،


[ 144 ]

وانصرف، فشرق، وغرب، ثم رجع إلى أرض بابل بعد أن دوخ الارض. فلما صار في اداني العراق، مما يلي الجزيرة، اعتل، فاشتدت علته، فلما يئس من نفسه، وعلم أن الموت قد نزل به، كتب إلى أمه كتابا يعزيها عن نفسه، وقال لها في آخره: اصنعي طعاما، واجمعي من قدرت عليه من نساء أهل المملكة، ولا يأكل من طعامك من أصيب بمصيبة قط ! فعملت طعاما، وجمعت الناس، ثم أمرتهم ألا يأكل من أصيب بمصيبة قط، فلم يأكل أحد، فعلمت ما أراد. ومات الاسكندر بموضعه الذي كاتب منه، فاجتمع أصحابه، فكفنوه، وحنطوه، وصيروه في تابوت من ذهب، ثم وقف عليه عظيم من الفلاسفة، فقال: هذا يوم عظيم كشف الملك عنه، وأقبل من شره ما كان مدبرا، وأدبر من خيره ما كان مقبلا، فمن كان باكيا على ملك، فعلى ها الملك فليبك، ومن كان متعجبا من حادث، فمن مثل هذا الحادث فليتعجب. ثم أقبل على من حضره من الفلاسفة، فقال: يا معاشر الحكماء ! ليقل كل امرئ منكم قولا يكون للخاصة معزيا، وللعامة واعظا. فقام كل واحد من تلامذه أرسطاطاليس، فضرب بيده على التابوت، ثم قال: أيها المنطيق ما أخرسك ! أيها العزيز ما أذلك ! أيها القانص أنى وقعت موضع الصيد في الشرك من هذا الذي يقنصك ؟ ثم قام آخر فقال: هذا القوي الذي أصبح اليوم ضعيفا، والعزيز الذي أصبح اليوم ذليلا. وقام آخر فقال: قد كانت سيوفك لاتجف، ونقماتك لا تؤمن، وكانت مدائنك لاترام، وكانت عطاياك لا تبرح، وكان ضياؤك لا يكسف، فأصبح ضوءك قد خمد، ونقماتك لا تخشى، وأصبحت عطاياك لا ترجى، وأصبحت سيوفك لاتنتضى، وأصبحت مدائنك لا تمنع. ثم قام آخر فقال: هذا الذي كان للملوك قاهرا، فقد أصبح اليوم


[ 145 ]

للسوقة مقهورا. وقام آخر فقال: قد كان صوتك مرهوبا، وكان ملكك غالبا، فأصبح الصوت قد انقطع، والملك قد اتضع. وقام آخر فقال: لا امتنعت من الموت إذ كنت من الملوك ممتنعا، وهلا ملكت عليه إذ كنت عليهم مملكا. وقام آخر فقال: حركنا الاسكندر بسكونه، وأنطقنا بصمته. وتكلموا بنحو هذا الكلام، ثم أطبق التابوت، وحمل إلى الاسكندرية، فتلقته أمه بعظماء أهل المملكة، فلما رأته قالت: يا ذا الذي بلغت السماء حكمته، وحاز أقطار الارض ملكه، ودانت الملوك عنوة له ! ما لك اليوم نائما لاتستيقظ، وساكتا لا تتكلم ؟ من يبلغك عني أنك قد وعظتني فاتعظت، وعزيتني فتعزيت ؟ فعليك السلام حيا وهالكا، فنعم الحي كنت، ونعم الهالك أنت. ثم أمرت به، فدفن، وكان ملك الاسكندر مع ما نال من الدنيا اثنتي عشرة سنة. ثم ملك بعد ذي القرنين بطليموس خليفة الاسكندر، وكان حكيما عالما، وكان ملكه عشرين سنة، ثم ملك فيلفوس، وكان جبارا، فاشتد سلطانه، وعتا في ملكه، وفي أيامه عملت الطلسمات، وكان ملكه ثمانيا وثلاثين سنة، ثم ملك هور حيطوب الاول خمسا وعشرين سنة، ثم ملك فيلوبطور سبع عشرة سنة، ثم ملك فيفانس أربعا وعشرين سنة، ثم ملك فيلوبطور الثاني خمسا وعشرين سنة، ثم ملك هور حيطوب الثاني سبعا وعشرين سنة.


[ 146 ]

ملوك الروم ثم صار الملك من بعد اليونانيين، أولاد يونان بن يافث بن نوح، إلى الروم، وهم ولد روم بن سماحير بن هوبا بن علقا بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم، فغلبوا على البلد، وتكلموا بلغة القوم، وانتسبوا إلى الرومية، ودرست اليونانية إلا ما بقي في أيدي هؤلاء من فضل حكمهم، وكان أول من ملك من الروم بعد اليونانيين فهاساطق، وهو جاليوس الاصغر، ابن روم، وكان ملكه اثنتين وعشرين سنة. ثم ملك أغسطس، فلما أتى لملكه سنة، ولد المسيح، واتصل ملك أغسطس ثلاثا وأربعين سنة. ثم ملك طباريس اثنتين وعشرين سنة. ثم ملك جايس أربع سنين. ثم ملك قلوديس أربع عشرة سنة…. (1) ثم ملك اسفسيانوس عشر سنين، وكان أهل مملكته يسمونه الاله، ووجه ابنا له يقال له ططوس إلى بيت المقدس، فحصرها أربعة أشهر، وكان قد اجتمع إليها في عيد من أعياد اليهود خلق عظيم، فاشتد عليهم الحصار، حتى أكلوا الصبيان، ومات أكثرهم من الجوع، ثم افتتحها، فقتل وسبى وأحرق الهيكل بالنار. ثم ملك ططوس ثلاث سنين، وانشق في زمانه جبل يقال له أبرمور، وخرجت منه نار أحرقت مدنا كثيرة. ثم ملك دومطيانوس خمس عشرة سنة، وفي زمانه ظهر أبولوس صاحب


1) بياض في الاصل (*).

[ 147 ]

الطلسمات من أهل طوانة، ووثب بدومطيانوس أهل مملكته، فقتلوه. ثم ملك يهودس سنة واحدة. ثم ملك طريانوس تسع عشرة سنة. ثم ملك ادريانوس إحدى وعشرين سنة، ووثب به يهود بيت المقدس، فامتنعوا أن يؤدوا إليه الخراج، فوجه إليهم من قتلهم، وأمر بقتل من بقي منهم ببيت المقدس. ثم ملك هيلوس انطونينوس ثلاثا وثلاثين سنة. ثم ملك مرقس انطونينوس خمسا وعشرين سنة. ثم ملك الاسكندر بن ماميا ثلاث عشرة سنة. ثم ملك مكسيميانوس ثلاث سنين. ثم ملك جورديانوس ثلاث سنين. ثم ملك فيلفوس سنتين. ثم ملك ديقيوس سنة واحدة. ثم ملك جالوس ثلاث سنين. ثم ملك ولريانوس ست سنين…. (1) ثم ملك قروس سبع سنين. ثم ملك دقليطيانوس عشرين سنة. ثم ملك قسطنطين ومكنيوس عشر سنين. وكانت ملوك اليونانيين، ومن ملك بعدهم من الروم، مختلفة، فطائفة منهم على دين الطبائين، وكانوا يسمون الحنفاء، وهم الذين يقرون ويعترفون بخالق، ويزعمون أن لهم نبيا مثل اوراني، وعابيديمون، وهرمس، وهو المثلث بالنعمة، ويقال إنه إدريس النبي، وهو أول من خط بالقلم، وعلم علم النجوم، ويقولون في الخالق، عزوجل، على قول هرمس: اما أن يعقل


1) بياض في الاصل (*)

[ 148 ]

الله، فعسر، وان ينطق به، فلا يمكن، وان الله علة العلل، والمكون للعالم جملة واحدة. وطائفة منهم أصحاب زينون، وهم السوفسطائية، وتفسير هذا الاسم باليونانية المغالطة، وبالعربية التناقضية، يقولون: لاعلم ولا معلوم، واحتجوا باختلاف الناس وانتصاف بعضهم من بعض، وقالوا: نظرنا في قول الناس المختلفين، فوجدناها مختلفة غير متفقة، وأصبناهم في اختلافهم مجتمعين على أن الحق مؤتلف غير مختلف، وان الباطل مختلف غير مؤتلف، وكان في اجتماعهم شاهد لهم أنهم لم يعملوا بالصواب، فلما أقروا بهذا لم يبق للحق موضع يطمع في إصابته إلا في الخاصة منهم، فعلمنا أن ذلك لا يوجد إلا بأحد وجهين: إما بالتسليم للمدعي، وإما بالكشف لدعواه، فنظرنا في الدعوى فأصبنا بما يعمهم، فلم نجز تصديقهم لخلتين: احداهما أن يكذب بعضهم بعضا، والاخرى إجماعهم على أنهم لم يعلموا بالصواب. فلم يبق إلا كشف الدعوى، ففعلنا، فأصبناهم أهل تكافؤ وتجار بدور الغلبة عليهم جميعا بالاستواء بينهم، تقوى هذه مرة، ومخالفتها أخرى، فلم نصب عند طائفة منهم فضلا، ولا تشارك فيه، ولا حجة، ولا تساوي بها، ولا تجاري فيها، فلما أعوز وجود الحق في عامتها وخاصتها بالدعوى بالمناظرة لم يبق للعلم موضع يوجد فيه، ولا للحق مذهب يصاب منه، فقضينا انه لاعلم، ولا معرفة، لان الشئ إذا كان ثابتا لا محالة، فلا بد من الاحاطة في الاتفاق، أو في الاختلاف، فلا يذكر ذاكر، وهو غائب، فقال: فلان غائب، فأصابه، فلو قال هو أو غيره: فلان حاضر، وليس بحاضر، فخرج من الصدق، ثم خالفه مخالف، فقال: بل هو غائب، فكان أحدهما صادقا لا محالة، لانه لا يعدو إذا كان الشئ ثابتا حقا أن يكون حاضرا أو غائبا، فإذا لم يكن شيئا، فكلاهما كاذب فيما قال من أنه حاضر أو غائب، لان الحاضر شئ، والغائب شئ، فإن لم يكن شيئا، فليس بحاضر ولا غائب.


[ 149 ]

واحتجوا بنحو هذا…. (1) آخر فقالوا: ان كانت الاشياء كلها تدرك بالعلم والعلم بالعلم فإلى نهاية أو إلى لا نهاية، فإن تناهى، فإلى غير معلوم، وما لم يكن معلوما، فهو مجهول، فأنى تعلم الاشياء بمجهول، فإن لم تتناه، ولم تكن لذلك غاية، فلا احاطة به، وما لم يحط به، فمجهول أيضا، فكان الوجهان في هذا القياس مجهولين غير معلومين، فأنى يعلم شئ مجهول دون أن يعلم جميع الاشياء، وذلك أبعد. وشققوا في هذين النوعين، وكثر سعيهم، وعظمت مؤنتهم، وقالت طائفة تسمى الدهرية: لا دين، ولا رب، ولا رسول، ولا كتاب، ولا معاد، ولا جزاء بخير، ولا بشر، ولا ابتداء لشئ، ولا انقضاء له، ولا حدوث، ولا عطب، وإنما حدوث ما سمي حدثا تركيبه بعد الافتراق، وعطبه تفريقه بعد الاجتماع، وجميع الوجهين في الحقيقة حضور غائب ومغيب حاضر. وإنما سميت الدهرية لزعمها ان الانسان لم يزل، ولن يزول، وان الدهر دائر لا اول له، ولا آخر، واحتجوا فيما ادعوا بأن قالوا: إنما يعرف في وجود الشئ وفقده حالان لا ثالث لهما: حال الشئ فيها موجود، فأنى يحدث ما قد كان ووجد، وحال لا شئ فيها، فأنى يكون الشئ في حال لا تشبيه لها، وذلك أبعد. وكذلك القول في المدعي العطب فهو لايعرف غير حالين: حال الشئ فيها قائم، فمحال قول من ادعى العطب للشئ، في حال كونه وقيامه، وحال لا شئ فيها، فأنى يكون العطب الادنى، وذلك محال، فإن أقر مخالفونا بصدقنا دخلوا في قولنا ونقضوا قولهم، وإن أنكروا قولنا ادعوا حالا ثالثة لاعدم فيها ولا وجود، فذلك أقبح الثلاثة حالة. وقالت فرقة منهم: ان أصل الاشياء في الازلية حبة كانت، فانفلقت، فبدا منها العالم على ما ترى من اختلافه في ألوانه واحساسه، وزعم بعضهم انه


1) بياض في الاصل (*).

[ 150 ]

غير مختلف في معانيه، وإنما تختلف معانيه من جهة إحساسه، وأنكر بعضهم ذلك، وأثبتوا له اختلافا في معانيه وتحقيقه، وقالت المنكرة لتحقيق الاختلاف: الاشياء إنما تختلف باختلاف الاحساس لها، وانه لاحقيقة لشئ منها تبين بها دون غيرها. وادعوا من الدلالات في ذلك ان أهل المرض الحادث من الصفراء مثل أصحاب اليرقان، إذا ذاق أحد منهم العسل وجده مرا، وأهل السلامة من هذا الداء يجدونه حلوا، وإن الخفاش يغشيه ضوء النهار، ويذكي بصره الليل، فإن كان النور يزيد الابصار نورا، والظلمة مغشية لها، وجب أن يكون نور النهار الظلمة للخفاش وغيره، تغشي بصره النار، وقد يوجد ذلك في بعض الناس وغيرهم من الحيوان والطير وغيره، وإن الليل إذا كان مذكيا للابصار على ما وصفنا، فليلها نور، كما ان النهار نور لمن خالفها، والليل ظلمة لها، فإن قلتم: إن ذلك لآفة دخلت على هذه الاصناف، قلنا لكم: عند من خالفهم أو عند من وافقهم ؟ فإن قلتم: عند من خالفهم، قلنا: بل الآفة دخلت على من وافقهم، فإن قلتم: عند من وافقهم، قلنا: بل الآفة دخلت على من خالفهم عندهم، فلا فضل لاحد الصنفين على أحد. وقالوا: ألا ترون الكاتب يكتب الكتاب عدلا مستقيما، فيراه كذلك من قبل وجهه، فإن نظر إليه من خلفه رآه بخلاف ما كان يعرف، وان ازور عنه معوجا أو خالفه رآه مخالفا، كما تكتب الالف في صورة تميز من جميع الحروف، فإذا استقبلتها رأيتها ألفا، وإذا استدبرتها رأيتها كالباء، وإذا انحرفت عنها رأيتها كالنون، أو كالباء، وان الغائب عن موضعه حاضر موضعا آخر. وكذلك القول في الالوان والاصوات والطعوم والاعيان والملابس، كما ترى الشخص من قرب كبيرا، وصغيرا من بعد، كلما قرب الداني منه ازداد كبرا، وكلما بعد منه ازداد صغرا في عينه.


[ 151 ]

وكذلك الصوت يسمع من قريب قويا ومن بعيد خفيا. وكذلك الطعم تذوق الشئ قليلا، فتجده قليل الحلاوة، فإذا زدت منه كان طعمه كثير الحلاوة. وكذلك اللمس تحس الشئ قليلا، فتجده فاترا، وتلمسه شديدا، فتجده حارا، وترى الصورة من قريب ثابتة مختلفة، فيزداد الرائي لها بعدا، فيرى انها مستوية غير مختلفة. وزعموا أن جميع الاشياء تدور على التكافؤ والتجاري، وكادوا أن يحلفوا بالسوفسطائية. وقالت طائفة أخرى: إن الاشياء فروع لاصول أربعة لم تزل ولا تزول، فولدت وظهر العالم منها، وهي: الافراد السواذج: الحر والبرد، والرطوبة واليبس، تنبت بأنفسها لا باعتماد، ولا إرادة، ولا مشيئة. وقالت طائفة أخرى: ان الاصول أربعة، وهي أمهات ما في العالم، ومعها خامس لم يزل ولا يزول يدبرها ويؤلف بينها بارادة، ومشيئة، وحكمة، ويؤلف بين زوجاتها وتتولد نتائجها عنه، لايمنع أضدادها من القرب بعضها من بعض، وهو العلم. وقالت طائفة، وهم أصحاب الجوهر، وهم الارسطا طاليسية: ان الاشياء شيئان: جوهر وعرض، والجوهر ينقسم قسمين: حي ولا حي، وحده: القائم بنفسه، وافتراقه في الخاصة لافي الحد، والعرض تسعة فمنها: الكمية، وهو العدد، وصورها أربع: الكيل، والمساحة، والوزن، والقول. ثم الكيفية، وصورها ثمان: الكون، والفساد، والهيئة، والحيلة، والقوة، والضعف، والآلف، والمألوف. ثم الاضافة، وصورها أربع: طبيعي، وصناعي، واستحسان، ومودة. ثم متى، وهي الواقعة على الوقت، يعنى بالوقت الزمان، وصور الزمان ثلاث: الماضي، والمستقبل، والدائم.


[ 152 ]

ثم أنى، وهي الواقعة على المكان وهو الست جهات يعني: أمام، وخلف، وأعلى، وأسفل، ويمين، ويسار. ثم الجدة، وهي الملك، وصورة الملك قسمان: اما خارج، واما داخل، فمعنى خارج مثل المملوك والدار والاثاث ونحوه، ومعنى داخل مثل العلم والحكمة. ثم النصبة، ومعنى النصبة هيئة الشئ كقول القائل: فلان قائم، وفلان قاعد، وفلان ذاهب، وفلان جاء. ثم الفاعل وهو قسمان: إما أن يفعل بالاختيار، وإما أن يفعل بالطبع، فالمختار مثل الحي، الباقي، الآكل، الشارب، والفاعل بالطبع كحركة العناصر الاربعة مثل النار تسمو من الوسط إلى العلو تكرر (1) وان كان دون النار، وكالارض. من العلو إلى الوسط، إلى مركزها الاخص بها، والماء من العلو إلى دون الارض. ثم المنفعل، وهو القابل للتأثير الفاعل فيه حال طينته المحتملة لان يديرها ويربعها في جميع الاشكال، فهذه مقالات اليونانيين ومن تلاهم من الروم، ومذاهب متكلميهم وفلاسفتهم وحكمائهم وأهل النظر منهم.


1) قوله: تكرر هكذا في الاصل (*).

[ 153 ]

ملوك الروم المتنصرة وكان أول من ملك من ملوك الروم، فخرج من مقالة اليونانية إلى النصرانية: قسطنطين، وكان سبب ذلك انه كان يحارب قوما، فرأى في منامه كأن رماحا نزل بها من السماء عليها صلبان، فلما أصبح حمل على رماحه الصلبان، ثم حارب، فظفر، وكان ذلك سبب تنصره، فقام بدين النصرانية، وبنى الكنائس، وجمع الاساقفة من كل بلد لاقامة دين النصرانية، فكان أول اجتماع لهم واجتمع بنيقية ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا، وأربعة بطارخة: بطرخ الاسكندرية، وبطرخ رومية، وبطرخ أنطاكية، وبطرخ القسطنطينية. وكان سبب جمع قسطنطين هؤلاء انه لما تنصر، وحلت النصرانية بقلبه، أراد أن يستقصى علمها، فأحصى مقالات أهلها، فوجد ثلاث عشرة مقالة، فمنها قول من قال إن المسيح وأمه كانا إلهين، ومنها قول من قال انه من الاب بمنزلة شعلة نار انفصلت من شعلة نار، فلم ينقص الاولى انفصال الثانية، ومنها مقالة من قال بتألهه، ومنها مقالة من قال بتعبيده، ومنها مقالة من قال: ان جسده كان خيالا مثل متى وأصحابه، ومنها مقالة من قال: هو الكلمة، ومنها قول من قال: هو الابن، ومنها مقالة من قال: هو روح قديمة، ومنها مقالة من قال: هو ابن يوسف، ومنها مقالة من قال: هو نبي من الانبياء، ومنها مقالة من قال: هو لاهوتي وناسوتي، فجمع قسطنطين ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا وأربعة بطارخة ولم يكن في ذلك العصر غيرهم. وكان بطرخ الاسكندرية يقول: ان المسيح مألوه مخلوق، فلما اجتمعوا ناظروه في ذلك، فأجمع مقالة القوم جميعا ان قالوا: ان المسيح ولد من الاب قبل كون الخلائق، وهو من طبيعة الاب، ولم يذكروا روح القدس، ولا اثبتوه


[ 154 ]

خالقا ولا مخلوقا، ولكن وافقوا على أن الاب الاله والابن إله منه، وخرجوا من نيقية، وكان ملك قسطنطين خمسا وخمسين سنة. ثم ملك يوليانوس سنة واحدة، ثم ملك دسيوس سنة واحدة، وفي أيامه ظهر أصحاب الكهف بعد أن كانوا قد ماتوا بعد دهر طويل، وكانوا عدة نفر وراع، ومعهم كلب الراعي، وأسماؤهم: مكسلمينا، ومراطوس، وشاه بولبوش، وبطربوش، ودواس، وبوالس، وكنيفرطو، وبوطر، (1) والراعي مليخا، وهو صاحب الكلب، واسم الكلب قطمير، فخرجوا بعد مائة سنة، ويقال: ثلاثمائة سنة وتسع سنين، وبعثوا بعضهم ومعه دراهم يمتار لهم طعاما، فأنكرت السوقة ضرب دراهمه، ثم اتبعوه حتى صاروا إلى المغارة، فعمي أمرهم على القوم، وبني على المغارة مسجد يصلى فيه. ثم ملك والنطيانوس أربع سنين، ثم ملك تيدوسوس الاكبر، وكان في عصره الاجتماع الثاني للنصرانية، فاجتمع له بالقسطنطينية مائة وخمسون أسقفا وثلاثة بطارخة، ولم يحضرها بطرخ رومية، فوضعوا صحيفة الامانة، وأثبتوا روح القدس، وكانت صحيفة الامانة التي وضعوها: اومن بالله الواحد الاب، ملك كل شئ، خالق السماوات والارض، وما يرى وما لا يرى، وبالرب المسيح ابن الله الذي ولد قبل الدهر، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود ليس بمخلوق، ومن سوس الاب، به كان كل شئ، من أجلنا البشر، ومن أجل خلاصنا، نزل من السماء وتجسد بروح القدس ومن مريم العذراء، فصار بشرا، وصلب من أجلنا على عهد بلاطس البنطي، وأصيب، وقبر، وقام لثلاثة أيام، كما هو في الكتب، وصعد إلى السماء، وجلس عن يمين الاب الذي ليس لملكه فناء، وبروح القدس الرب الذي من الاب اشتق الذي تكلم فيه الانبياء، وبواحدة القدسية الكنيسة السليحية للحواريين، اومن


1) ورد بعض هذه الاسماء بلا نقط في الاصل (*).

[ 155 ]

بمعمودية واحدة، بمغفرة الخطايا وقيام الاموات، وحرموا من قال بعد هذا شيئا، وافترقوا من القسطنطينية، وكان ملك تيدوسوس سبع عشرة سنة. ثم ملك بعده ابن أخيه تيدوسوس الاصغر والنطيانوس، وكان الجمع الثالث للنصرانية، فاجتمع بافسس، وحضر مائتا أسقف، وخالف نسطور على القوم جميعا، وقال: ان المسيح جوهران وكيانان، إله تام بجوهره وكيانه، فالاب ولد الاله، ولم يلد إنسانا، والام ولدت إنسانا، ولم تلد الاله، فقال له قريلس: إن كان الامر كما قلت، فمن عبد المسيح، فهو مسئ، لانه قد يكون عبد قديما ومحدثا، ومن ترك عبادته، فقد كفر، لانه يكون قد ترك عبادة القديم كما ترك عبادة المحدث، ومن عبد الاله دون الانسان، فلم يعبد المسيح، إذ كان لا يستحق أن يقال مسيحا من إحدى جهتيه دون الاخرى، فأوجب ذلك على من حضر، وخالفه بطرخ أنطاكية، فقال نسطور: بطرخ أنطاكية يقول بمثل قولي. وهرب نسطور إلى أرض العراق، فصارت النسطورية بالعراق، وصيروا رئيسهم، مكان البطرخ، جاثليق، فافترقوا على هذا، وكان ملك تيدوسوس الاصغر سبعا وعشرين سنة. ثم ملك مرقيانوس، وكان في عهده الاجتماع الرابع، وكان سبب ذلك ان طرسيوس، صاحب اليعقوبية، قال: ان المسيح جوهر واحد وطبيعة واحدة، فأنكرته النصارى، فاجتمع ستمائة وثلاثون أسقفا بالقسطنطينية، وناظروا طرسيوس، فقالوا له: ان كان المسيح، كما زعمت، طبيعة واحدة، فالطبيعة القديمة هي الطبيعة المحدثة، وإن كان القديم من المحدث، فالذي لم يزل هو الذي لم يكن، فلم يرجع عن مقالته، فحرموه، فصار إلى أرض مصر والاسكندرية، وكان طبيبا، فأقام بها. وكان ملك مرقيانوس خمس سنين. ثم ملك بعده اليون واليموس (1) سبع عشرة سنة، ثم ملك زينون ثماني عشرة


1) بلا فقط في الاصل (*).

[ 156 ]

سنة، ثم ملك انسطاسيوس، وكان الجمع الخامس للنصرانية في عصره، وذلك ان قوما من رؤساء النصارى قالوا: ان جسد المسيح كان خيالا على غير حقيقة، فاجتمعوا لذلك وقالوا: ان كان جسده خيالا، فيجب أن يكون فعله خيالا على غير حقيقة، وهذا بقول السوفسطائية أشبه منه بقول النصارى، ولعن أولئك الذين قالوا هذا، وبرئت النصارى منهم. وكان ملك انسطاسيوس سبعا وعشرين سنة. ثم ملك يوسطوس الثاني تسعا وعشرين سنة، وفي عصره ولد محمد رسول الله، ثم ملك يوسطوس الثالث عشرين سنة، ثم ملك طيبريوس أربع سنين، ثم ملك هرقل وقسطنطين ابنه، وكان في أيامه الجمع السادس للنصرانية، وذلك ان قورس الاسكندراني زعم أن المسيح مشيئة واحدة وفعل واحد فقال: وهذا شبيه بقول اليعقوبية، فاجتمعوا لذلك، ورضوا ببطرخ رومية، وكتب كتابا ولم يحضر، ولم يكن للنصرانية جمع بعدها. وكان ملك هرقل وقسطنطين ابنه اثنتين وثلاثين سنة. ثم ملك قسطنطينوس ثماني عشرة سنة، ثم ملك بطرخ رومية ثلاث سنين، ثم ملك ؟ فلسعررنى أربع سنين، ثم ملك اليون وقسطنطين ابنه تسعا وعشرين سنة. وكانت شهور الروم التي يجرون عليها حسابهم وتأريخاتهم اثني عشر شهرا، أولها: كانون الآخر، وهو الشهر الذي يسمونه بالرومية ينوارس، وهو رأس السنة عندهم. وهذه أسماء شهورهم: ينوارس، وهو كانون الآخر، وبلياس (2)، وهو شباط، ونرلس وهو آذار، وابرلس، وهو نسيان، ومايس، وهو أيار، ويولس، وهو حزيران، وأغسطس، وهو تموز، وستنبرس، وهو آب، واقطبرس، وهو أيلول، ونونبرس، وهو تشرين الاول، واكبرس وهو تشرين الآخر، ومورس، وهو كانون الاول (3).


(1 و 2) بلا نقط في الاصل. 3) الاسماء الرومية مذكورة هنا بصورة مغايرة لما هو معروف اليوم (*).

[ 157 ]

وكانت مملكتهم من حد الفرات إلى حد الاسكندرية، مما صار في أرض الاسلام، سوى ما بأرض الروم، مما هو في أيديهم إلى هذه الغاية. وكانت أعظم مدائنهم: الرها من أرض الجزيرة، وهي من ديار مضر، ثم أنطاكية، وبها كرسي بطرس وكف يحيى بن زكرياء في كنيسة القسيان، وهي الكرسي الرابع، والبطرك الكبير. فما كان في مملكة الروم، وصار في الاسلام: أرض الجزيرة من حران والرها وسائر كورها، وبالس، وسميساط، وملطية، وأذنة، وطرسوس، وجند قنسرين، والعواصم وسائر كورها، وجند حمص، ومدينة حمص إحدى المدن المعدودة في مملكة الروم، ثم اللاذقية، وهي من حمص أيضا، وجند دمشق، وكان عمال ملك الروم بها آل جفنة من غسان، وجند الاردن، وكانت إليهم أيضا، وعمالها من قبل ملك الروم من آل جفنة الغسانيين، وجند فلسطين بكوره، وتنيس، ودمياط، والاسكندرية، فهذه مملكة الروم الخالصة مما صارت في أرض الاسلام. ثم لهم ما خلف الدرب إلى بلاد الصقالبة والالان والافرنج، ومن المدن التي في بلاد الروم المشهورة المعروفة مثل: رومية، ونيقية، وقسطنطينية، واماسية، وخرشنة، وقره، وعمورية، وصمله، والقلمة، وسلندوا، وهرقلة، وصقلية، وقلطينه (1)، وانطاكية المحترقة، ودهبرناطه، وملوية، وسلوقية، وامريه (2)، وقونية، وجيوس (3)، وبلوس، وبراوعس 4، وسلنيقة.


(1 و 2 و 3 و 4) بلا نقط في الاصل (*).

[ 158 ]

ملوك فارس فارس تدعي لملوكها أمورا كثيرة، مما لا يقبل مثلها، من الزيادة في الخلقة، حتى يكون للواحد عدة أفواه وعيون، ويكون للآخر وجه من نحاس، ويكون على كتفي آخر حيتان تطعمان أدمغة الرجال، وطول المدة في العمر، ودفع الموت عن الناس، وأشباه ذلك مما تدفعه العقول ويجرى فيه مجرى اللعبات والهزل، ومما لاحقيقة له. ولم يزل أهل العقول والمعرفة من العجم، ومن له شرف، والبيت الرفيع من أبناء ملوكهم ودهاقينهم، وذوي الرواية والادب، لا يحققون هذا، ولا يصححونه، ولا يقولونه. ووجدناهم إنما يحسبون ملك فارس من لدن اردشير بابكان، فمن كان عندهم من أول ملوكهم والمملكة الاولى قبل اردشير: شيومرث سبعين سنة، اوشهنج فيشداد أربعين سنة، طهمورث ثلاثين سنة، جم شاد سبعمائة سنة، الضحاك ألف سنة، افريدون خمسمائة سنة، منوجهر مائة وعشرين سنة، افراسياب، ملك الترك، مائة وعشرين سنة، زوطهماسب خمس سنين، كيقباذ مائة سنة، كي كاووس مائة وعشرين سنة، كي خسرو ستين سنة، كي لهراسب مائة وعشرين سنة، كي بشتاسب مائة واثنتي عشرة سنة، كي اردشير مائة واثنتي عشرة سنة، خماني بنت جهرزاد ثلاثين سنة، دارا بن جهرزاد اثنتي عشرة سنة، ثم قتله الاسكندر الذي يقال له ذو القرنين، فافترق ملك فارس، وملك ملوك يسمون ملوك الطوائف، وهؤلاء كان ملكهم ببلخ. ويزعم النسابون انهم من ولد عامورا بن يافث بن نوح، وكانوا على دين الصابئين، يعظمون الشمس والقمر والنار والنجوم السبعة، ولم يكونوا مجوسا،


[ 159 ]

ولكنهم كانوا على شرائع الصابئين، وكان كلامهم السرياني، به يتكلمون، وبه يكتبون، وهذا رسم خط السرياني (1)، ولهم أخبار قد أثبتت رأينا أكثر الناس ينكرونها ويستبشعونها، فتركناها، لان مذهبنا حذف كل مستبشع. المملكة الثانية من اردشير بابكان وملك اردشير، وهو أول ملوك الفرس المتمجسة، وكان ملكه باصطخر، وامتنع عليه بعض كور فارس، فحاربهم حتى فتحها، ثم صار إلى أصبهان، ثم صار إلى الاهواز، ثم إلى ميسان، ثم رجع إلى فارس، فحارب ملكا يقال له اردوان، فقتله، وسمي اردشير شاهنشاه، وبنى بيت نار بأردشير خره، ثم صار إلى الجزيرة وأرمينية واذربيجان، ثم صار إلى سواد العراق، فسكنه، وصار إلى خراسان، فافتتح كورا منها، ولما دوخ البلاد عقد لابنه سابور الملك بعده، وتوجه، وسماه الملك. وتوفي اردشير، وكان ملكه أربع عشرة سنة. وملك سابور بن أردشير، فغزا بلاد الروم، وفتح منها عدة بلدان، وأسر خلقا من الروم، فبنى مدينة جنديسابور، وأسكنها سبي الروم، وهندس له رئيس الروم القنطرة التي على نهر تستر، وعرضه أل ذراع. وفي أيام سابور بن أردشير ظهر ماني بن حماد الزنديق، فدعا سابور إلى الثنوية، وعاب مذهبه، فمال سابور إليه، وقال ماني: ان مدبر العالم اثنان، وهما شيئان قديمان: نور وظلمة، خالقان، فخالق خير، وخالق شر، فالظلمة والنور كل واحد منهما في نفسه اسم لخمسة معان: اللون، والطعم،


1) لم يثبت هذا الرسم في الاصل (*).

[ 160 ]

والرائحة، والمجسة، والصوت، وانهما سميعان بصيران عالمان، وانه ما كان من خير ومنفعة، فهو من قبل النور، وما كان من ضرر وبلاء، فهو من قبل الظلمة، وانهما كانا غير ممتزجين، ثم امتزجا، والدليل على ذلك انه لم تكن صورة ثم حدثت، وان الظلمة هي بدأت للنور بالممازجة، وانهما كانا متماسين على مثال الظل والشمس، والدليل على ذلك استحالة كون شئ لامن شئ، الدليل على أن الظلمة بدأت للنور بالممازجة، انه لما كانت مخالطة الظلام للنور مفسدة له كان محالا أن يكون النور بدأها لان النور من شأنه الخير. والدليل على أنهما اثنان قديمان خير وشر انه لما وجدت المادة الواحدة لا يكون منها فعلان مختلفان مثل النار الحارة المحرقة لا يكون منها التبريد، والذي يكون منه التبريد لا يكون منه التسخين، فذلك الذي يكون منه الخير لا يكون منه الشر، والذي يكون منه الشر لا يكون منه الخير. والدليل على أنهما حيان فاعلان ان الخير تثبت له فعلا، والشر تثبت له فعلا. فأجابه سابور إلى هذه المقالة، وأخذ بها أهل مملكته، فعظم ذلك عليهم، فاجتمع حكماء أهل مملكته ليصدوه عن ذلك، فلم يفعل. ووضع ماني كتبا يثبت بها الاثنين، ومما وضع كتابه الذي يسميه كنز الاحياء يصف ما في النفس من الخلاص النوري والفساد الظلمي، وينسب الافعال الردية إلى الظلمة. وكتاب يسميه الشابرقان يصف فيه النفس الخالصة والمختلطة بالشياطين، والعلل، ويجعل الفلك مسطوحا، ويقول: ان العلم على جبل مائل يدور عليه الفلك العلوي. وكتاب يسميه كتاب الهدى والتدبير، واثنا عشر انجيلا يسمي كل انجيل منها بحرف من الحروف، ويذكر الصلاة وما ينبغي أن يستعمل لخلاص الروح.


[ 161 ]

وكتاب سفر الاسرار الذي يطعن فيه على آيات الانبياء. وكتاب سفر الجبابرة، وله كتب كثيرة ورسائل. فأقام سابور على هذه المقالة بضع عشرة سنة، ثم أتاه الموبذ، فقال: ان هذا قد أفسد عليك دينك، فاجمع بيني وبينه لاناظره ! فجمع بينهما، فظهر عليه الموبذ بالحجة، فرجع سابور عن الثنوية إلى المجوسية، وهم بقتل ماني، فهرب، فأتى إلى بلاد الهند، فأقام بها حتى مات سابور. ثم ملك بعد سابور هرمز بن سابور، وكان رجلا شجاعا، وهو الذي بنى مدينة رامهرمز، ولم تطل أيامه، وكان ملكه سنة واحدة. ثم ملك بهرام بن هرمز وكان مشغوفا بالعبيد والملاهي، وكتب تلاميذ ماني إليه: ان قد ملك ملك حديث السن، كثير التشاغل، فقدم إلى أرض فارس، واشتهر أمره، وظهر موضعه، فأحضره بهرام، فسأله عن أمره، فذكر له حاله، فجمع بينه وبين الموبذ، فناظره، ثم قال له الموبذ: يذاب لي ولك رصاص يصب على معدتي ومعدتك، فأينا لم يضره ذلك، فهو على الحق. فقال: هذا فعل الظلمة ! فأمر به بهرام فحبس، وقال له: إذا أصبحت دعوت بك، فقتلتك قتلة ما قتل بها أحد قبلك، فلم يزل ماني ليله يسلح حتى خرجت نفسه، وأصبح بهرام، فدعا به، فوجدوه قد مات، فأمر بجز رأسه، وحشا جسده بالتبن، وتتبع أصحابه، فقتل منهم خلقا عظيما. وكان ملك بهرام بن هرمز ثلاث سنين. ثم ملك بهرام بن بهرام، وكان ملكه سبع عشرة سنة، ثم ملك بعده ابنه بهرام بن بهرام بن بهرام، فكان ملكه أربع سنين، ثم ملك أخوه نرسي بن بهرام تسع سنين. ثم ملك هرمز بن نرسي تسع سنين، وولد له ابن سماه سابور، وعقد له الملك، ومات هرمز وسابور صبي في المهد، فأقام أهل مملكته متلومين عليه، حتى ترعرع وشب، ثم ظهر منه عتو وجبرية، فغزا بلاد العرب، وغور


[ 162 ]

عليهم المياه، وغزاه ملك الروم، وهو إليانوس، فأعانته العرب من جميع القبائل، ثم تسرعت قبائل العرب إلى سابور، فاوقعت به في دار ملكه، حتى هرب، وخلا ملكه فانتهبت مدينته وخزائنه، ثم جاء سهم غرب فقتل إليانوس ملك الروم، فملكت الروم يوبنيانوس، فصالح سابور. وأقام سابور على معاداة العرب لا يظفر بأحد منهم إلا خلع كتفه، فلذلك سمي سابور ذا الاكتاف. وكان ملكه اثنتين وسبعين سنة. ثم ملك أردشير بن هرمز أخو سابور، فساءت سيرته، وقتل الاشراف والعظماء منهم، فخلع بعد أن ملك أربع سنين. وملكت الفرس سابور بن سابور، فخضع له أردشير المخلوع ومنحه الطاعة، وسقط على سابور فسطاط فقتله، وكان ملكه خمس سنين. وملك بعد سابور بهرام بن سابور، وكتب إلى الآفاق يعدهم العدل، والنصفة، والاحسان، وأقام على ملكه إحدى عشرة سنة، ثم ثار عليه قوم فقتلوه. ثم ملك يزدجرد بن سابور، وكان فظا، غليظا، مستطيلا، سئ السيرة، قليل الخير، كثير الشر، فسامهم سوء العذاب، ثم رمحه فرس، فقتله. وكان ملكه إحدى وعشرين سنة. ثم ملك بهرام جور بن يزدجرد، وكان قد نشأ بأرض العرب، وكان أبوه قد دفعه إلى النعمان، فأرضعته نساء العرب، ونشأ على أخلاق جميلة. وقد كان لما مات يزدجرد كرهت الفرس ان تولي ابنا له لسوء مذهبه، وقالوا: بهرام ابنه قد نشأ بأرض العرب، لا علم له بالملك ! وأجمعوا على أن يملكوا رجلا غيره، فسار بهرام في العرب، فلما لقي الفرس هابته، فأخذوا تاج الملك والزينة التي تلبسها الملوك، فوضعوهما بين أسدين، وقالوا لبهرام ولكسرى: أيكما أخذ التاج والزينة من بين هذين الاسدين، فهو الملك. فقالوا لبهرام، فأخذ جرزا، وتقدم، فضرب الاسدين حتى قتلهما، وأخذ


[ 163 ]

التاج والزينة، فأذعنوا له، وأعطوه الطاعة، فوعدهم من نفسه خيرا، وكتب إلى الآفاق يعدهم بذلك، ويعلمهم ما هو عليه من العدل، وتوخى عمارة البلاد، وقدم المنذر بن النعمان عليه، فرفع منزلته. وكان بهرام رجلا مؤثرا للهو، متشاغلا عن الرعية، ثم صار لطلب الصيد واللهو، واستخلف أخاه نرسي على المملكة، فلما بلغ خاقان ملك الترك حال بهرام طمع فيه، فأراد أن يسير نحوه، فبلغ بهرام ذلك، فسار إليه حتى قتله، وكتب إلى عيته بالفتح، ثم خرج يوما يتصيد، فأمعن في طلب عير، ثم طرحه فرسه في موضع حمأة، فمات، فكان ملكه تسع عشرة سنة. ثم ملك يزدجرد بن بهرام، وكان ملكه سبع عشرة سنة، وكان ليزدجرد هذا ابنان يقال لاحدهما هرمز والآخر فيروز، فغلب هرمز على الملك بعد أبيه، فهرب فيروز، ولحق ببلاد الهياطلة، وأخبر ملكها بقصته، وبمذاهب أخيه وجوره، فأمده بجيش، فأقبل بهم، وقاتل أخاه فقتله، وشتت جمعه. وملك فيروز، فنال الناس في أيامه جدب وقحط، ومجاعة شديدة، وغاضت الانهار والعيون، فلم يزل على تلك حالهم ثلاث سنين، ثم خصبت البلاد. وسار فيروز إلى بلاد الترك ليحارب ملكها، وقد كان الصلح وقع بين الفرس والترك، فلما قرب من البلاد أرسل إليه ملك الترك يسأله الرجوع، ويعظم عليه ترك الوفاء، فلم يقبل، فحفر له خندقا عميقا، ثم عماه، فلما قرب منه عبأ عسكره واقتحمه، فسقط وجميع جنده في ذلك الخندق، فمات، وحوى ملك الترك أمواله، وأخذ أختا له. وكان ملكه سبعا وعشرين سنة. فلما بلغ الفرس مقتل فيروز اعظموه، فسار رئيس من رؤسائهم يقال له سوخرا في جمع وعدة، حتى لقي ملك الترك، فحاربه، ونال منه، فدعاه ملك الترك إلى الصلح على أن يدفع إليه كل ما حواه من خزائن فيروز، ويرد أخته، ومن في يده من أصحابه، ففعل ذلك، وانصرف عنه. وملك بلاش بن فيروز، وكانت مدته أربع سنين، ثم ملك أخوه قباذ


[ 164 ]

ابن فيروز، وكان صغير السن، فترك لسوخرا تدبير المملكة، فلما بلغ وصار في حد الرجال لم يرض بتدبير سوخرا، فقتله، وقدم مهران، ثم ان الفرس أزالت قباذ عن ملكه، وحبسته، وملكت أخاه جامسب بن فيروز، فأقام قباذ في الحبس، وأخوه الملك. ثم ان أختا لقباذ دخلت الحبس، فتعرض لها صاحب الحبس، وأطمعته في نفسها، وقالت انها طامث، ثم دخلت، فأقامت عند قباذ يوما، ثم لفته في بساط، وأخرجته على عنق غلام جلد، فهرب قباذ يريد ملك الهياطلة، فلما صار بأبرشهر نزل برجل، فأقام عنده، ثم سأله أن يطلب له امرأة، فأتاه بجارية، فوقع عليها، وأعجبه حسنها وجمالها، ثم مضى إلى ملك الهياطلة، فأقام عنده سنة، ثم بعث معه جيشا، فلما رجع بأبرشهر قال للرجل الذي نزل عنده: ما فعلت تلك الجارية ؟ فأتي بها، وقد ولدت صبيا كأحسن ما يكون من الصبيان، فسماه كسرى أنوشروان. وزحف قباذ إلى بلاده، فغلب على الملك، وقوي أمره، واشتدت شوكته، وغزا بلاد الروم، وكور الكور والطساسيج، وعقد لابنه أنوشروان الملك، ودعاه، فأوصاه بأحسن الوصية وعرفه كل ما يحتاج إليه. وكان ملك قباذ ثلاثا وأربعين سنة. ثم ملك أنوشروان بن قباذ، فكتب إلى أهل مملكته يذكر لهم وفاة قباذ، ويعدهم من نفسه خيرا، ويأمرهم بما لهم فيه الحظ، ويوعز إليهم في الطاعة والمناصحة، وعفا عن قوم كانوا يتحملون عليه، وقتل مزدق الذي كان أمر الناس بأن يتساووا في الاموال والحرم، وقتل زراذشت بن خركان لما ابتدع في المجوسية، وقتل أصحابهما، وقدم أهل المملكة والشرف، وغزا بلدانا عدة مما لم يكن في مملكة الفرس، فضمها إلى ملكه. وجرى بينه وبين يخطيانوس ملك الروم…. (1)، فغزا أنوشروان بلاد


1) بياض في الاصل (*).

[ 165 ]

الروم، فقتل وسبى، وغلب على مدن كثيرة من الجزيرة والشأم منها: الرها، ومنبج، وقنسرين، والعواصم، وحلب، وأنطاكية، وافامية، وحمص وغيرها، وأعجبته أنطاكية، فبنى مدينة مثلها لم يخرم منها شيئا، ثم جاء بسبي أنطاكية، فأرسلهم فيها، فلم ينكروا شيئا. ومسح أنوشروان البلاد، ووضع عليها الخراج، والزم كل جريب من الغلات بقدر احتماله، فلم تزل السنة جارية على ذلك، والبلاد عامرة. ورتب لديوان المقاتلة رجلا رضي حزمه وعزمه، وأخذ مقاتلته مما يحتاج إليه من السلاح، وجعل ديوان العطاء، ودفاتر الاسماء والحلى، وسمات الدواب، وديوان العرض على مثل ذلك. وكان أنوشروان نبيلا، كريما، ظاهر العدل، لا يسأله إنسان شيئا إلا أجابه، فسار إليه سيف بن ذي يزن، فأعلمه أن الحبشة قدمت بلاد اليمن، وغلبت عليها، وانه صار إلى هرقل ملك الروم، فلم يجد عنده ما يحب، فبعث معه بأهل السجون في البحر، وقود عليهم رجلا من مشيخة قواده شجاعا مجربا يقال له وهرز، فصار إلى بلاد اليمن، حتى قتل الحبشة، وأفناهم، ورمى ملكهم ابرهة فقتله، وأقام في البلد وملك سيف بن ذي يزن. وعقد أنوشروان لابنه هرمز الملك من بعده، وكانت أم هرمز بنت خاقان ملك الترك، وكتب له في ذلك كتابا بالعهد، وأمره فيه بما يأمر به مثله، وأوصاه أحسن الوصايا، وامتحنه، فوجده بحيث يحب، وأجابه على كل ما قال له بجواب سديد، وتنكر (1)، ولا يأتيه إلا بقول حسن لطيف، وهلك أنوشروان، وكان ملكه ثمانيا وأربعين سنة. ثم ملك هرمز بن أنوشروان، فقرأ على الناس كتابا عاما يعد فيه بالعدل والانصاف، والعفو والاحسان، ويأمرهم بما فيه الصالح، ونال ظفرا وعزا، ففتح عدة مدائن، ثم اجترأ أعاديه عليه، وغزوا بلاده، وكان أغلظ الاعداء


1) قوله: وتنكر هكذا في الاصل (*).

[ 166 ]

عليه شابه ملك الترك، فإنه زحف في خلق عظيم حتى دخل بلاد خراسان، وكاد أن يحتوي عليها. وأقبل ملك الخزر في جموع حتى نزل اذربيجان، فعظم ذلك عليه، وخاف ألا يكون له طاقة بصاحب الترك، فأتاه رجل من قواده يقال له بهزاد، فأعلمه أن عنده رجلا يقال له مهران ستاد عالما…. (1)، وان خاتون امرأته سألت عما قبلهم، فأخبرها أن ابنتها تلد من ملك الفرس ابنا يلي الملك بعد أبيه، وانه يزحف إليه ملك الترك في خلق عظيم، فيوجه إليه بإنسان ليس بالنبيه يقال له: بهرام شوبين، في شرذمة من الجند، ويقتل ذلك الملك، ويصطلم ملكه. فلما سمع هرمز ذلك سره، ثم طلب بهرام شوبين، فقيل له: ما نعرف هذا إلا رجلا من أهل الري هو باذربيجان ! فوجه إليه، فأقدمه، ثم وجهه إلى شابه ملك الترك في اثني عشر ألف مقاتل، فقال موبذان موبذ لهرمز: ما أخلقه أن ينال ظفرا، غير أن في قرنة حاجبه دليلا على ثلمة يثلمها في ملكك. وقال له زاجر، كان له، مثل ذلك، فكتب هرمز إلى بهرام أن يرجع، فلم يرجع، ووافاه بهرام بهراة، وشابه مغتر، وكان عند شابه رجل وجه به هرمز ليخدعه يقال له هرمز جرابزين، حتى فر منه، ثم ارتحل عنه، فأرسل شابه من عرف خبر بهرام، فانصرف إليه، فأعلمه حاله، فأرسل إليه شابه في الرجوع، فأجابه بهرام بجواب غليظ شديد، ثم لقيه وقد عبأ جنده، وقد كان مع شابه قوم عرافون وسحرة، وكانوا يلبسون على أصحاب بهرام، ثم التحمت الحرب، فاستحر القتل في أصحاب شابه، حتى قتل منهم خلق عظيم، فولوا منهزمين، وقتل بهرام منهم مقتلة عظيمة، ولحق شابه، فرماه بحربة طويلة، فقتله، وأخذ ساحرا كان مع صاحب الترك، فأراد بهرام أن يستبقيه، فيكون عدة له في حروبه، ثم رأى أن قتله أصلح، فكتب بالفتح إلى هرمز، فسر به،


1) بياض في الاصل. (*)

[ 167 ]

وكتب به إلى الآفاق. ثم خرج برموذه بن شابه، فلقي بهرام، فحاربه وبيته، وكانت بينهما حرب شديدة، ثم بيته بهرام، فهزمه، ولحقه، فحصره في حصن، فطلب برموذه بن شابه الامان على أن يكون ذلك من هرمز الملك، فكتب بهرام إلى هرمز، فأجابه، وكتب له كتاب أمان، وكتب إلى بهرام أن يسرحه إليه، فخرج برموذه بن شابه من الحصن، وكان هرمز قد وجه ناسا إلى بهرام شوبين، فصار برموذه إلى هرمز، فأكرمه هرمز، وبره، وأجلسه معه على السرير، وأخبره برموذه بما صار إلى بهرام من الاموال العظام والكنوز، وانه قد كتم ذلك عن أمنائه، وأخبر أمناؤه بمثل ذلك، وان الذي بعث به قليل من كثير، فكتب هرمز إلى بهرام يأمره أن يحمل إليه ما في يده من الاموال، فغلظ ذلك على بهرام، وأخبره به جنده، فذكروا هرمز أقبح ذكر، وخلعه هو وجميع جنده. فلما بلغ ذلك هرمز اغتم له، وكتب إلى بهرام يعتذر إليه وإلى جنده من مثل ذلك، فلم يقبل بهرام ولاجنده قول هرمز، وبعث بهرام إلى هرمز بسفط فيه سكاكين معوجة الرؤوس، فلما رآها هرمز علم انه قد عصى، فقطع أطراف السكاكين، وردها إليه، فعلم بهرام ما أراد، فأرسل إلى خاقان ملك الترك يطلب صلحه على أن يرد عليه كل أرض حازها من بلاده. وسار بهرام حتى صار إلى الري، ثم دبر أن يوقع بين هرمز وبين ابنه كسرى أبرويز شرا، وكان هرمز متهما لابنه، وكان قد بلغه أن قوما قد حملوه على أن يثب بأبيه، فضرب دراهم كثيرة، وصير عليها اسم كسرى ابرويز، وبعث بها إلى مدينة هرمز، فكثرت في أيدي الناس، ولما بلغ هرمز خبرها اشتد غمه، فأراد أن يحبس ابنه كسرى ابرويز، فلما بلغ ابرويز الخبر هرب إلى اذربيجان، فاجتمع إليه من بها من مرازبتها ورؤسائها، وعاقدوه، وبايعوه. ووجه هرمز إلى بهرام بجيش مع رجل يقال له آذينجشنس، فلما صار


[ 168 ]

في بعض الطريق قتله رجل حواري كان آذينجشنس أخرجه من الحبس، وضمه إلى نفسه، وافترق أصحابه، فلما قتل آذينجشنس ضعف أمر هرمز، واجترأ عليه جنده، وكانوا متغضبين له كارهين لولايته، فكتبوا إلى ابنه ابرويز، فقدم بجيش من اذربيجان، فخلعوا هرمز، وملكوا ابرويز، وأخذ هرمز فحبس، وسملت عيناه، فأقام في الحبس أياما، ثم دخل إليه ابنه، فكلمه فقال له هرمز: اقتل من صنع بي هذا. وكان قد احتوى على تدبير الملك بندي وبسطام خالا ابرويز، وكان ملك هرمز اثنتي عشرة سنة. فلما استقام أمر أبرويز، وبلغه مسير بهرام شوبين إليه، خرج في جيشه، ومعه بندي وبسطام، حتى وقف على بهرام بالنهروان، وكلمه وعظم عليه الامر، فأجابه بهرام بجواب غليظ شديد، وكان كردويه أخو بهرام مع كسرى ابرويز، وألحقه بهرام، وانكشف عن كسرى جنده، وأسلمه أصحابه، فمر هاربا، فلما كان في بعض الطريق، رجع بندي وبسطام خالاه، فقتلا هرمز أباه، ولحقاه في بعض الطريق، واستمر به الهرب حتى ساءت حالته، واشتد بؤسه وجزعه، فطلب طعاما فلم يجد إلا خبز شعير. ولحقته خيل بهرام، فاحتال له خاله بندي حتى نجاه، فمضى حتى صار إلى الرها، فأخذ بندي، فأتي به بهرام، فحبسه، ثم أفلت من الحبس، فصار إلى اذربيجان، وصار كسرى إلى الرها يريد مورق ملك الروم، فحبسه صاحب الرها، وكتب إلى مورق ملك الروم يخبره انه أتاه لينصره، فاستشار ملك الروم أصحابه في أمره، فأشار بعضهم بأن لايجاب، وأشار بعضهم بأن يجاب، فأجابه ملك الروم، وزوجه ابنته، ووجه معه بجيش عظيم، وشرط عليه الشروط، إذا تم له نصره، ووجه إليه كسرى بثلاثة نفر من أصحابه، فشرط عليهم كل ما أراد، ووجه بابنته وبالجيش وعليهم أخ له يقال له ثيادوس، ومعه رجل يجري مجرى ألف رجل، فسار كسرى بجيشه، بعد ابتنائه بابنة ملك الروم، إلى ناحية اذربيجان، وكان بندي خاله قد صار إليها،


[ 169 ]

فلما علم بمكانه لقيه في جيش عظيم. ولما علم بهرام شوبين بما اجتمع لكسرى كتب إلى وجوه أصحابه يخبرهم بسوء مذهب آل ساسان، ويصف سيرة ملك ملك، ويدعوهم إلى نفسه، ووقعت الكتب في يد كسرى قبل أن تصل إلى القوم، فكتب إليه بأغلظ الجواب عن القوم، ورد إليه الرسول، فزحف إليهم بهرام حتى صار إلى اذربيجان، فحاربه محاربة شديدة، وأخذت الحرب من الفريقين، وخرج الرومي الذي كان يجري مجرى ألف رجل، فقال لكسرى: أين عبدك هذا الذي غصبك ملكك، حتى اقتله ؟ فقال: هو صاحب الابلق، فحمل عليه وتراجع بهرام إلى ورائه، ثم تراجع عليه، فضربه بسيفه فقده نصفين، فضحك كسرى، وقال: زه، فغضب أخو ملك الروم، وقال: سررت ان قتل رجلنا وصاحبنا ؟ فقال: لا ولكن صاحبكم قال لي: أين العبد الذي غصبك وغلبك ملكك، فأردت أن تعلم أن العبد يضرب في كل يوم عدة ضربات كلا مثل هذه. واشتدت الحرب حتى انهزم كسرى، وصعد في جبل، فكاد يهلك، ثم تاب جند كسرى، وانهزم بهرام شوبين، فمضى منصرفا لا يلوي على شئ، متوجها إلى ملك الترك. واستقام الامر لكسرى ابرويز، فكتب إلى صاحب الروم بذلك، واهدى له ملك الروم ثوبين فيهما الصلب، فلبسهما، فقال الفرس: قد تنصر، ثم كتب في النصارى أن يكرموا، ويقدموا، ويبرزوا، ويخبر بما قد جرى بينه وبين الرومي من العصمة، واللحمة، والموادعة، وانه لم يقل هذا ملك من الملوك قبله. ووثب بندي خال كسرى بثيادوس أخي ملك الروم، فصمه، فوقع الشر، وقال أخو ملك الروم: إما أن تدفع إلي بندي، وإما أن يعود الشر، فسكنه كسرى. وورد بهرام شوبين بلاد الترك، فأكرمه خاقان وبره، وكان لخاقان أخ


[ 170 ]

يقال له بقارس (1) يداريه خاقان، فرآه بهرام، فقال لخاقان: كيف اجترأ هذا عليك هذه الجرأة ؟ فسمع أخو خاقان الكلام، فتوعده، فقال بهرام: متى شئت فابرز، فدفع خاقان ملك الترك إلى أخيه نشابة وإلى بهرام نشابة، ثم أخرجهما إلى الصحراء، فرمى أخو خاقان بهرام، فأصابه، فشك سلاحه، ورماه بهرام، فقلته، فسر خاقان بقتل أخيه لمعاندته له، ولما كان يخافه منه. وكان كسرى يرهب مكان بهرام شوبين مع خاقان، ولا يأمن أن يجري عليه شرا، فوجه برجل من وجوه الفرس يقال له بهرام جرابزين، وكان كبيرا في الفرس، ووجه معه إلى خاقان بهدايا ويسأله أن يبعث إليه بهرام شوبين، وأمر جرابزين أن يتلطف في أمره، فقدم على خاقان بالهدايا، وذكر له أمر بهرام، فلم يجد عنده الذي يحب، فتلطف بخاتون امرأة خاقان، وأهدى لها جوهرا ومتاعا، وسألها في أمر بهرام، فوجهت برجل من أصحابها له إقدام وجرأة قلب، وقالت له: ادخل إلى بهرام شوبين فاقتله ! فانطلق حتى استأذن عليه، وكان نوم بهرام، فلم يأذن له، فقال: ان الملك خاقان وجهني في أمر مهم، فأذن له، فلما دخل عليه قال: إن الملك حملني رسالة أخبرك بها سرا من غير حضور أحد. فقام من مجلسه، ودنا منه كأنه يساره، ووجأه بخنجر معه تحت إبطه، وخرج التركي مسرعا، فركب دابته. ودخل أصحاب بهرام، فرأوه بتلك الحال، فقالوا: أيها الليث الضرغام ! من أقصدك ؟ وأيها الجبل المنيف ! من هدك ؟ فقص عليهم القصة، وكتب إلى خاقان يعلمه انه لا وفاء له، ولاشكر، ومات بهرام، فحمل إلى الناووس، ولما علم جرابزين بموته ارتحل إلى كسرى، فأخبره، فسر به، وأظهره في مملكته، وكتب به إلى آفاقه. ولما مات بهرام بعث ملك الترك إلى كردية امرأة بهرام وأصحابه يخبرهم بغمه، وانه قد قتل كل من شرك في قتله، ووجه بأخيه نطرا إليهم، وكتب


1) بلا نقط في الاصل (*).

[ 171 ]

إلى كردية امرأة بهرام شوبين انه يرغب فيها، ويأمرها أن تتزوج نطرا، فحملت كردية امرأة بهرام جند أخيها، وارتحلت بأصحابها ومن معها تريد بلاد الفرس، فلحقها نطرا أخو خاقان، فبرزت إليه في السلاح، وقالت: لا أتزوج إلا منكان في الشجاعة والقوة مثل بهرام، فابرز إلي ! فبرز إليها أخو خاقان، فقتلته، ومضت لوجهها. وكان كسرى قد غضب على خاله بندي، فسمل عينيه، وقطع يديه ورجليه وصلبه حيا لما فعل بأبيه، فلما علم بسطام أخو بندي ما فعل كسرى بأخيه خلع كسرى، وصار إلى الري وجمع، وبلغه ان كردية أخت بهرام وامرأته قد أقبلت من بلاد الترك، فتلقاها ومن معها، فذم إليها كسرى، وخبرها بغدره وفجوره، وسألها أن تقيم عنده بمن معها، وأن تزوجه نفسها، ففعلت، وكتبت إلى أخيها كردي تعلمه ذلك، وتسأله أن يأخذ لها ولمن معها أمانا من كسرى، فأخبر كسرى بمصير كردية، بمن معها من جند بهرام وأصحابه، إلى الري، وتزوج بسطام خاله بها، ومقامها معه، فعلم ذلك كسرى، ودعا كردي أخاها، فسأله أن يتلطف بها حتى تقتل بسطام، وتقدم فيتزوجها. فوجه كردي أبرخه امرأته إلى كردية أخته بما ذكر له الملك، وأنفذ إليها كتب الامانات لها ولمن معها بأوثق ما يكون من العهود، فقبل أصحابها، ووثبوا على بسطام فقتلوه. وقدمت كردية على كسرى، فتزوجها، وأحلها محلا رفيعا، فاستقامت لكسرى أموره، ودانت له بلاده. ثم وثبت الروم بمورق ملكها، فقتلوه، وملكوا غيره، وصار إليه ابن مورق، فوجه معه جيشا، ثم قتل ابن مورق، وملك هرقل، فغزا أصحاب كسرى، فقتلهم وشردهم، وزحف إليهم حتى هزم شهربراز صاحب كسرى. وكان كسرى لما اشتد ملكه قد طغى، وبغى، وعتا، وظلم، وجار، وأخذ أموال الناس، وسفك الدم، فمقته الناس لما نال منهم ولاحتقاره إياهم، وان عظماء الفرس لما رأوا ما هم فيه من الذل والبلاء والمكروه من كسرى


[ 172 ]

خلعوه، وجاءوا بابن له يقال له شيرويه، فملكوه وأدخلوه المدينة، ونادوا شيرويه شاهنشاه، وأخرجوا من في السجون ممن كان كسرى يريد قتلهم، فهرب كسرى، حتى دخل بستانا له، فأخذوه، فحبسوه، ثم قالوا لشيرويه: انه لا يستقيم الملك، وان يكون ابرويز حيا، فاقتله وإلا خلعناك ! فوجه شيرويه إلى أبيه برسالة غليظة يعنفه فيها على فعله، ويذكر له ما نال من أهل مملكته، وما كان من سوء سيرته، فأجابه بجواب تفنيد وتجهيل له، فوجه إليه برجل كان كسرى ابرويز قطع يد أبيه بغير سبب ولا جرم، إلا انه قيل له ان ابن هذا يقتلك، فقطع يده، وكان من خاصته، فلما دخل عليه سأله عن اسمه…. (1) قال له: شأنك وما أمرت به، فضربه، حتى قتله، ثم ان شيرويه حمل أباه إلى الناووس، وقتل قاتله، وكان ملك كسرى ابرويز ثمانيا وثلاثين سنة. ولما ملك شيرويه بن ابرويز أطلق من في المحابس، وتزوج بنساء أبيه، وقتل سبعة عشر أخا له ظلما واعتداء، فلم يستقم ملكه، ولم يصلح حاله، فاشتد سقمه، ومات بعد ثمانية أشهر، وملكت الفرس ابنا لشيرويه طفلا يقال له اردشير، واختاروا له رجلا يقال له مه آذرجشنس، فحضنوه إياه ليقوم بتدبير الملك، فأحسن التدبير، وقام بالامر قياما محمودا، وجرت أمور المملكة. وكان شهربراز الموجه لحرب الروم، قد عظم أمره، فكره موضع مه آذرجشنس، وكتب إلى الفرس أن يوجهوا إليه برجال سماهم، وإلا أقبل إليهم حتى يحاربهم، فلم يفعلوا، فأقبل شهربراز في ستة آلاف إلى جانب مدينة المملكة، وحاصر من فيها، وقاتلهم، ثم فكر، فاحتال حتى دخل المدينة، فأخذ عظماء الفرس، فقتلهم، وفضح نساءهم، وقتل اردشير الملك، وكان ملك اردشير سنة وستة أشهر.


1) بياض في الاصل (*).

[ 173 ]

وجلس شهربراز على سرير الملك، ودعا نفسه ملكا، فلما رأت الفرس فعل شهربراز أعظمته، وقالت: مثل هذا لا يملك علينا ! فوثبوا به، وقتلوه، وجروا برجله. ولما قتلت الفرس شهربراز طلبوا رجلا من أهل الملك، فلم يجدوه، فملكوا بوران بنت كسرى، فأحسنت السيرة، وبسطت العدل والاحسان، وكتبت إلى آفاقها كتابا تعد فيه بالعدل والاحسان، وتأمرهم بجميل المذهب والقصد والسداد، ووادعت ملك الروم. وكان ملكها سنة وأربعة أشهر. ثم ملكت آزرميدخت بنت كسرى، واستقام أمرها، فقال فرخهرمزد اصبهبذ خراسان: أنا اليوم قريع الناس، وعماد مملكة فارس، فزوجيني نفسك ! فقالت: لا يجوز لملكة أن تزوج نفسها، ولكن إذا أردت أن تصل إلي، فأتني بالليل ! فرضي بذلك، فأمرت صاحب حرسها أن يرصده حتى يدخل، ثم يقتله، فلما كان الليل أتى، فدخل وبصر به صاحب الحرس، فقال: من أنت ؟ فقال: أنا فرخهرمزد ! فقال: وما تصنع في مثل هذا الوقت في موضع لا يدخله مثلك ؟ فضربه حتى قتله، وطرحه في الرحبة، فلما غدا الناس رأوه قتيلا، فرفعوا خبره، وكان ابنه رستم، الذي لقي سعد بن أبي وقاص بالقادسية، بخراسان، فقدم، فقتل آزرميدخت، وكان ملكها ستة أشهر. ثم ملك رجل من عقب اردشير بن بابك يقال له كسرى بن مهرجشنس، وقد كان دعي إلى الملك قبل ذلك، فامتنع منه، وكان مقامه بالاهواز، فلما ملك لبس التاج، وجلس على السرير، فقتلوه بعد أيام، فلم يتم له شهر، فأعوز عظماء الفرس من يملكونه من أهل بيت المملكة، ثم وجدوا رجلا يقال له فيروز قد أولده أنوشروان من قبل أمة فملكوه ضرورة، فلما أجلس ليتوج، وكان ضخم الرأس، قال: ما أضيق هذا التاج ! فتطيرت عظماء الفرس من قوله، فقتلوه.


[ 174 ]

وأقبل ابن لكسرى كان قد هرب إلى نصيبين لما قتل شيرويه يقال له فرخزاد خسرو، فتوج وملك، وكان نبيلا، فملك سنة، ثم وجدوا يزدجرد بن كسرى، وكانت أمه حجامة وقع عليها كسرى، فجاءت بيزدجرد، فتطيروا منه، فغيبوه، ثم اضطروا إليه، فجاءوا به وأمورهم مضطربة، وأهل مملكته مجترئون عليه، ولما أتى لملكه أربع سنين قدم سعد بن أبي وقاص القادسية، فبعث إليه برستم، ثم صار المسلمون إلى المدائن، وهي مدينة الملك، يوم النوروز، وقد استعدت الفرس بصنوف الاطعمة، واستعدت أحسن الزينة، فانهزمت الفرس، وهرب يزدجرد، فلم يزل المسلمون يتبعونه، حتى صاروا إلى مرو، فدخل طاحونة، وقتله صاحب الطاحونة، وكان ملكه إلى أن قتل عشرين سنة. وكانت الفرس تعظم النيران، ولا تستنجي بالماء، إنما تستنجي بالدهن، ولا تتخذ لقصورها أبوابا، إنما كانت أبوابها عليها الستور، يحفظها الحرس من الرجال، ولا تأكل إلا بزمزمة، وهو الكلام الخفي، وتنكح الامهات والاخوات والبنات، وتذهب إلى انها صلة لهن، وبر بهن، وتقرب إلى الله فيهن. ولم تكن لها حمامات ولا كنف، وكانت تعظم الماء والنار والشمس والقمر والانوار كلها. وكانت تعد الازمنة على شهورها وأيام أعيادها، وكان الخريف عندهم شهريور ماه، ومهرماه، وآبان ماه، والشتاء آذرماه، ودي ماه، وبهمن ماه، والربيع اسفندار مذماه، وفروردين ماه، وارديبشهت ماه، والقيظ خرداذ ماه، وتير ماه، ومرداذ ماه، وكانت تزيد في الخريف خمسة أيام تسميها أيام الاندركاه، فتكون السنة ثلاثمائة وخمسة وستين يوما، وشهورهم ثلاثين يوما، ورأس سنتهم يوم النوروز، وهو أول يوم من فروردين، ويكون ذلك في نيسان وآذار، وقد مرت الشمس في الحمل، وهو يوم عيدهم المعظم


[ 175 ]

عندهم، ويوم المهرجان، وهو لستة عشر يوما يمضي من مهرماه، ثم يكون بين النوروز والمهرجان مائة وخمسة وسبعون يوما، وذلك خمسة أشهر وخمسة وعشرون يوما، والمهرجان في تشرين الآخر. وكانت الفرس تسمي كل يوم من أيام شهورهم باسم، وهي: الروزات، فأولها هرمز، بهمن، ارديبهشت، شهريور، اسفندارمذ، خرداذ، مرداذ، دي بآذر، آذر آبان، خور ماه، تير، جوش، دي بهمر، مهر سروش، رشن، فروردين، بهرام، رام باذ، دي بدين، دين، ارد، اشتاذ، اسمان، زامياذ، مارسفند، انيران. وكان من قول الجماعة منهم فيما يقولونه من زراذشت الذي يدعون انه نبيهم: ان يكون النور قديما لم يزل، وهم يسمونه زروان، وانه فكر في الشر لهفوة كانت منه علمهم منها لان الحسن مستحيل إلى قبح، والطيب الريح إلى نتن، وان القديم عندهم غير ممتنع من أن يلزمه التغيير والفساد في بعضه لا في كله. فلما فكر القديم في الشر، تنفس الصعداء، فخرج ذلك الغم من جوفه، فامتثل بين يديه، ويسمون ذلك الغم الممتثل بين يدي القديم: اهرمن، ويسمونه أيضا: زروان هرمز. قالوا: فأراد اهرمن محاربة هرمز، فكره ذلك هرمز لئلا يفعل شرا، فصالحه على أن يصير إليه خلق كل ضار فاسد. وزعموا أنهما جسمان وروحان، وبينهما فرجة للحنق لانهما ليسا بملتقيين، وقالوا: ان هرمز النور الفاعل الاجرام وأزواجها، وان اهرمن إنما يفعل المضار في هذه الجواهر، كالسم في الهوام، والغيظ، والغضب، والضجر، والشرور، والتعادي، والحنق، والخوف في الحيوان، فإن الله هو فاعل لاعيان وأعراضها الراتبة. وكانت منازل ملوك الفرس في أول ملك اردشير بن بابكان بإصطخر من كور فارس، ثم لم تزل الملوك تنتقل، حتى ملك انوشروان بن قباذ، فنزل


[ 176 ]

المدائن من أرض العراق، فصارت دار الملك، واجمع العلماء من المنجمين والمتطببين انه ليس في المملكة بلد أصح، ولا أفضل، ولا أعدل من تلك البقعة، وما قرب منها من اقليم بابل. وكانت البلاد التي تملكها الفرس، ويجوز سلطانها فيها، من كور خراسان: نيسابور، وهراة، ومرو، ومرو الروذ، والفارياب، والطالقان، وبلخ، وبخاري، وباذغيس، وباورد، وغرشستان، وطوس، وسرخس، وجرجان، كان على هذه الكور عامل تسميه اصبهبذ خراسان. ومن كور الجبل: طبرستان، والري، وقزوين، وزنجان، وقم، وأصبهان، وهمذان، ونهاوند، والدينور، وحلوان، وماسبذان، ومهر جانقذق، وشهرزور، والصامغان، واذربيجان، وكان لهذه الكور اصبهبذ يقال له اصبهبذ اذربيجان، وكرمان. وفارس، وكورها: اصطخر، وشيراز، والرجان، والنوبندجان، وجور، وكازرون، وفسا، ودارابجرد، واردشير خره، وسابور. والاهواز، وكورها: جنديسابور، والسوس، ونهر تيرى، ومناذر، وتستر، وايذج، ورام هرمز، وعلى هذه اصبهبذ يقال له اصبهبذ فارس. وكور العراق، ولها ثمانية وأربعون طسوجا على الفرات ودجلة، فسقي الفرات: بادوريا، والانبار، وبهرسير، والرومقان، والزاب الاعلى، والزاب الاسفل، والزاب الاوسط، وزندورد، وميسان، وكوثى، ونهر درقيط، وهر جوبر، والفلوجة العليا، والفلوجة السفلى، وبابل، وخطونية، والجبة، والبداة، والسيلحين، وفرات بادقلى، وسورا، وبربسما، ونهر الملك، وباروسما، ونستر. وسقي دجلة: نهر بوق، ونهر بين، وبزرجسابور، والراذان الاعلى، والراذان الاسفل، والزابيين، والدسكرة، وبرازروز، وسلسل، ومهروذ، وجلولاء، والنهروان الاعلى، والنهروان الاوسط، والنهروان الاسفل،


[ 177 ]

وجازر، والمدائن، والبندنجين، ورستقباذ، وابزقباذ، والمبارك، وبادرايا، وباكسايا، ولهم أصبهبذ رابع يسمى أصبهبذ المغرب. وكانت آخر مسالح الفرس مما يلي الفرات: الانبار، ثم تصير إلى مسالح الروم، ومما يلي دجلة…. ثم تصير إلى مسالح الروم، الا أن يتعاور القوم، فيدخل الفرس بلاد الروم على المخالبة، وربما دخل الروم بلاد الفرس. وكل الاسم الواقع على كل ملك للفرس: كسرى، وكانوا إن سموه وذكروه قالوا: كسرى شاهنشاه، معناه ملك الملوك، وكانت تسمي الوزير: بزرجفر مذار، معناه متقلد الامور، وكانت تسمي العالم القيم بشرائع دينهم: موبذ موبذان، ومعناه عالم العلماء، وأول من رفع عليه منها الاسم: زراذشت، وكانت تسمي قيم النار: الهربذ، وكانت تسمي الكاتب: دبيربذ، وكانت تسمي العظيم منهم: الاصبهبذ، ومعناه الرئيس، والذي دونه: الفادوسبان، ومعناه دافع الاعداء، وتسمي رئيس البلد: المرزبان، وتسمي رئيس الكور: الشهريج، وتسمي أصحاب الحروب وقواد الجيوش: الاساورة، وتسمي صاحب المظالم: شاهريشت، وتسمي صاحب الديوان: المرد ما رعد.


[ 178 ]

ممالك الجربى وكان ولد عامور بن توبل بن يافث بن نوح لما قسم فالغ بن عابر بن ارفخشد بن سام بن نوح الارض بين ولد نوح خرجوا في يسرة المشرق، فقطع قوم منهم ولد ناعوما ناحية الجربى على سمت الشمال، فانتشروا في البلاد، فصاروا عدة ممالك، وهم: البرجان، والديلم، والتبر، والطيلسان، وجيلان، وفيلان، واللان، والخزر، والدودانية، والارمن، وكانت الخزر المتغلبة على عامة بلاد ارمينية، وعليها ملك يقال له خاقان، وله خليفة يقال له يزيد بلاش على الران، وجرزان، والبسفرجان، والسيسجان، وكانت هذه الكور تسمى ارمينية الرابعة التي افتتحها قباذ ملك الفرس، فصارت إلى انوشروان، إلى باب اللان، مائة فرسخ، وفيها ثلاثمائة وستون مدينة. وغلب ملك الفرس على الباب والابواب، وطبرسران، والبلنجر، وبنى مدينة قاليقلا، ومدنا كثيرة، فأسكنها قوما من أهل فارس، ثم غلبت الخزر على ما كانت فارس غلبتهم عليه، فأقام في أيديهم حينا، ثم غلبتهم الروم، فملكت على ارمينية الرابعة ملكا يقال له الموريان، وافترقوا عدة رياسات كل رئيس منهم في قلعته وحصنه، فهي لهم ممالك معروفة. وقطع قوم من ولد عامور ما وراء النهر، ثم افترقوا في البلاد، فصارت ممالك مفترقة وأمم كثيرة، فمنهم: الختل، والقواديان، والاشر وسنة، والسغد، والفرغانة، والشاش، والترك، والخرلخية، والتغزغز، والترك الكيماكية، والتبت، وفي الترك قوم أصحاب مدر ومدن وحصون، وفيهم قوم في رؤوس الجبال والصحارى كالبدو، ولهم شعور طوال، ومنازلهم خيام اللبود، فإذا غزوا كان في الخيمة الواحدة عشرون مقاتلا، ويرمون


[ 179 ]

فلا يخطئون، وبيوتهم متصلة من أول كور خراسان إلى جبال التبت وجبال الصين. وأما التبت، فبلد واسع أعظم من الصين، ومملكتهم جليلة، وهم أصحاب منعة وحكمة يضاهون صنعة الصين، وفي بلادهم غزلان سررها المسك، وهم عبدة أصنام، ولهم بيوت نيران، وشوكتهم شديدة، فليس يحاربهم أحد.


[ 180 ]

ملوك الصين ذكرت الرواة وأهل العلم ومن صار إلى بلاد الصين، فأقام بها الدهر الطويل، حتى فهم أمرهم، وقرأ كتبهم، وعرف أخبار المتقدمين منهم، ورأوه في كتبهم، وسمعوه من أخبارهم، ومكتوب على ابواب مدنهم وبيوت أصنامهم، ومنقور في الحجارة قد أجري فيه الذهب: ان أول من ملك الصين صاين بن باعور بن يرج بن عامور بن يافث بن نوح بن لمك، فإنه كان عمل فلكا حكى به فلك نوح، فركب فيه، ومعه جماعة من ولده وأهله، حتى قطع البحر، فصار إلى موضع استحسنه، وأقام به، فسمي ذلك الموضع الصين باسمه، فكثر ولده، وتناسلت ذريته، فكانت ذريته على دين قومه، واتصل ملكه ثلاثمائة سنة. ومنهم عرون الذي شيد البنيان، وعمل الصنعة، واتخذ الهياكل المذهبة، وعمل فيها صورة أبيه، وجعلها في صدر الهيكل، فكان إذا دخل سجد لتلك الصورة تعظيما لصورة أبيه، وكان لصاين اسم تفسيره بالعربية ابن السماء، فمن ذلك الزمان صارت الاوثان تعبد في بلاد الصين، وكان ملك عرون مائة وأربعين سنة. ومنهم عير الذي سار في بلاد الصين طولا وعرضا، وبنى المدن العظام، وشيد القباب من الجزلان والنحاس المذهب، وعمل صورة أبيه من ذهب مكلل بالجوهر والرصاص والنحاس المزوق، فاتخذها أهل مملكته جميعا في مدنهم وبلدانهم، وقالوا: ينبغي للرعية أن تعمل صورة ملك قد ملكها من السماء، وعدل فيها. واتصل ملك عير مائة وثلاثين سنة. ومنهم عينان الذي سام أهل مملكته سوء العذاب، ونفاهم إلى جزائر


[ 181 ]

البحر، فكانوا يصيرون من تلك الجزائر إلى مواضع فيها الثمار ليأكلوا منها، فيجدون بها الوحوش، ولم يزالوا كذلك حتى انسوا بالوحوش، وانست بهم، وكانوا ينزون عليها، وربما نزت تلك على نسائهم فتأتي بينهم الخلق المشوهة. وباد القرن الاول وأتى قرن بعد قرن، فذهبت عنهم لغاتهم، وصاروا يتكلمون ما لا يفهم، ففي الجزائر التي تجتاز منها إلى أرض الصين أمر عظيم من هذا الضرب، وأمم كثيرة، وكان يسمى عينان اسما تفسيره بالعربية خلقه الشر. وكان ملكه مائة سنة. ومنهم خرابات الذي ملك وهو حدث السن، ثم احتنكت سنة، فعلا أمره، وحسن تدبيره، ووجه بوفد من قبله إلى أرض بابل وما اتصل بها من بلاد الروم يتعرفون ما فيها من الحكمة والصنعة، وحمل معهم من صنعة الصين وما يعمل بها من ثياب الحرير وغيره، وما يؤتى به من تلك البلاد من الآلات وغيرها، وأمرهم أن يحملوا إليه كل صنعة وظريفة من أرض بابل وبلاد الروم، وان يتعرفوا شرائع دين القوم، فكان ذلك أول ما دخل من متاع الصين إلى أرض العراق وما اتصل بها. وركب التجار بحر الصين للتجارة، وذلك ان الملوك استظرفت ما أتاهم من متاع الصين، فعملوا المراكب، وحملوا فيها التجارة، فكان ذلك أول دخول التجار إلى الصين. وكان ملك خرابات ستين سنة. ومنهم توتال، وأهل الصين يقولون انهم وجدوا مكتوبا على أبواب مدنهم: انه لم يملكهم ملك قط مثله، ورضوا به رضا لم يرضوا مثله بأحد قط، وهو الذي سن لهم كل سنة هم عليها في أديانهم، وأفعالهم، وصناعاتهم، وشرائعهم وأحكامهم. وكان ملكه ثمانيا وسبعين سنة، فلما مات أقاموا يبكون عليه زمانا طويلا، ويحملونه على أسرة الذهب وعجل الفضة، ثم جمعوا له العود والعنبر والصندل وسائر الطيب، وألهبوه بالنار، وطرحوه فيها، وجعل خاصته يلقون أنفسهم في تلك النار أسفا عليه ووفاء له، وصار هذا سنة فيهم، وجعلوا


[ 182 ]

صورته على دنانيرهم، وهم يسمون الدنانير الكونح، وعلى أبواب منازلهم الصور. وبلاد الصين بلاد واسعة، فمن أراد الصين في البحر قطع سبعة أبحر، كل بحر منها له لون وريح وسمك ونسيم ليس هو في البحر الذي يليه، فأولها بحر فارس الذي يركب فيه من سيراف، وآخره رأس الجمحة، وهو ضيق فيه مغائص اللؤلؤ. والبحر الثاني الذي مبتدأه من رأس الجمحة يقال له لاروى، وهو بحر عظيم، وفيه جزائر الوقواق، وغيره من الزنج، وفي تلك الجزائر ملوك، وإنما يسار في هذا البحر بالنجوم، وله سمك عظيم، وفه عجائب كثيرة وأمور لاتوصف. ثم البحر الثالث الذي يقال له هركند، وفيه جزيرة سرنديب، وفيه الجوهر والياقوت وغيره، ولها جزائر فيها ملوك، ولهم ملك عليهم، وفي جزائر هذا البحر الخيزران والقنا. والبحر الرابع يقال له كلاه بار، وهو بحر قليل الماء، وفيه حيات عظام، وربما ركبت الريح فيه، فقطعت المراكب، وفيه جزائر فيها شجر الكافور. والبحر الخامس يقال له سلاهط، وهو بحر عظيم كثير العجائب. والبحر السادس يقال له كردنج، وهو كثير الامطار. والبحر السابع يقال له بحر صنجي، ويقال له أيضا كنجلي، وهو بحر الصين، وإنما يسار فيه بريح الجنوب، حتى يصيروا إلى بحر عذب عليه المسالح والعمران، حتى ينتهوا إلى مدينة خانفو. ومن أراد الصين على البر سار في نهر بلخ، وقطع بلاد السغد، وفرغانة، والشاش، والتبت، حتى يصير إليها، والملك في حصن له منفرد، وصاحب شرطته خادم، وصاحب خراجه خادم، وصاحب حرسه خادم، وصاحب أخباره خادم، وأكثر أعوانه الخدم، وهم ثقاته، وخراجهم من


[ 183 ]

رؤوس الرجال يوجبون على كل رجل بالغ جزية، لانهم لا يدعون رجلا بغير صناعة، فإذا تعطل عن العمل بعلة، أو هرم، أنفقوا عليه من مال الملك. وهم يعظمون أمواتهم، ويطول حزنهم عليهم، وأكثر عقوباتهم القتل، فهم يقتلون على الكذب، ويقتلون على السرقة، ويقتلون على الزنا إلا قوما معروفين، ومن تظلم من عامل الاعمال، فصحت مظلمته، قتل ذلك العامل، وإلا قتل المتظلم منه إن كان كاذبا مبطلا وحدود الصين من البر ثلاثة حدود، ومن البحر حد واحد، فالحد الاول: الترك، والتغزغز، ولم تزل بينهم حروب متصلة، ثم اصطلحوا، وتصاهروا. والحد الثاني: التبت، وبين التبت والصين جبل عليه مسالح للصين يحترسون من التبت، ومسالح للتبت يحترسون من الصين، وهم ما بين حد البلدين. والحد الثالث: إلى قوم يقال لهم المانساس، لهم مملكة منفردة، وهم في بلاد واسعة، ويقال ان سعة بلادهم طول عدة سنين في عرض مثل ذلك لايعرف أحد من وراءهم، وهم قوم يقاربون أهل الصين. والحد الواحد الذي يلي البحر، فمنه يأتي المسلمون، على ما ذكرنا من عدد البحور وديانتهم عبادة الاوثان والشمس والقمر، ولهم أعياد لاصنامهم، أعظمها عيد في أول السنة يقال له الزارار، يخرجون إلى مجمع، ويعدون فيه الاطعمة والاشربة، ثم يأتون برجل قد حبس نفسه على ذلك الصنم العظيم، وعلى جميع شهواته، وتمكن من كل ما يريد، فتقدم إلى ذلك الصنم، وقد صير على أصابع يده شيئا يشعل بالنار، ثم يحرق أصابعه بالنار ويسرجها بين يدي ذلك الصنم، حتى يحترق، ويقع منها ميتا، فيقطع، فمن نال منه شظية، أو خرقة من ثيابه، فقد فاز، ثم يأتون برجل آخر يريد أن يحبس نفسه للصنم للسنة


[ 184 ]

المجدودة، فيقف موضعه، ويلبس الثياب، ويضرب عليه بالصنوج، ثم يفترقون، فيأكلون ويشربون، ويقيمون أسبوعا، ينصرفون. وهذا الشهر الذي هذا العيد فيه تسميه جناح، وهو أول يوم من حزيران، وللصين حساب أيضا، وتسمى الشهور بأسماء مختلفة على حساب قد فهموه، فأولها: جناح، ورداح، ورائح، ومالح، وكسران، ونارد، ونمرود، وكنعان، وزاغ، وهراه، وهرهر، وباهر (1).


1) بعض اسماء هذه الشهور تنقصه النقط (*).

[ 185 ]

ملوك مصر من القبط وغيرهم وكان بيصر بن حام بن نوح، لما خرج من بابل بولده وأهل بيته، وكانوا ثلاثين نفسا، أربعة أولاد له، وهم: مصر، وفارق، وماح، وياح، ونساؤهم، وأولادهم قد سار بهم إلى منف، وكان بيصر قد كبر وضعف، وكان مصر أكبر ولده وأحبهم إليه، فاستخلفه، وأوصاه بإخوته، واقتطع مصر لنفسه وولده، مسيرة شهرين من أربعة أوجه، وكان منتهى ذلك من الشجرتين بين رفح والعريش إلى اسوان طولا، ومن برقة إلى ايلة عرضا. وأقام مصر متملكا بعد أبيه دهرا، وكان له أربعة أولاد، وهم: قفط، واشمن، واتريب، وصا، فقسم لهم شط النيل، وقطع لكل واحد قطيعة يحوزها هو وولده. ثم ملك بعد مصر قفط بن مصر، ثم ملك اشمن بن مصر، ثم ملك اتريب ابن مصر، ثم ملك صا بن مصر، ثم ملك تدارس بن صا، ثم ملك ماليق ابن تدارس، ثم مالك حرايا بن ماليق، ثم ملك أخوه ماليا بن حرايا، ثم ملك لوطس بن ماليا، فلما حضرت لوطس الوفاة ملكت ابنته حوريا، فلما حضرت حوريا الوفاة ملكت بنت عم لها يقال لها زالفا بنت ماموم. وكان أولاد بيصر قد كثروا وامتلات البلاد منهم، فلما ملكوا النساء طمعت فيهم العمالقة ملوك الشأم، فغزاهم ملك العمالقة، وهو يومئذ الوليد ابن دومع، ووطئ البلاد، فرضوا أن يملكوه عليهم، فأقام دهرا طويلا. ثم ملك بعده آخر من العمالقة يقال له الريان بن الوليد، وهو فرعون يوسف. ثم ملك آخر من العمالقة يقال له دارم بن الريان.


[ 186 ]

ثم ملك بعده كاسم بن معدان. ثم ملك فرعون موسى، وهو الوليد بن مصعب، فاختلفت الرواة في نسبه، فقالوا: هو رجل من لخم، وقالوا من غيرها من قبائل اليمن، وقالوا من العمالقة، وقالوا من قبط مصر يقال له ظلما، وهو الذي كان من أمره مع موسى ما قد قصه الله عزوجل، فعاش عمرا طويلا، وعتا وبغى، حتى قال: انا ربكم الاعلى، ثم غرقه الله وجنوده في بحر القلزم، فلما غرق الله فرعون ومن معه لم يبق في البلد إلا الذرية والعبيد والنساء، فاجتمع رأيهم على أن يملكوا امراة يقال لها دلوكة، فخافت أن يتخطى إليها ملوك الارض، فبنت حائطا يحيط بأرض مصر من القرى والمزارع والمدن، وعملت أعمالا كثيرة، وكان ملكها عشرين سنة. ثم ملكت دركون بن بلوطس. ثم ملك بودس بن دركون. ثم ملك لقاس بن بودس. ثم ملك دنيا بن بودس. ثم نمادس بن مرينا، فطغى وعتا، فقتلوه. ثم ملك بلوطس بن مناكيل. ثم ملك ما ليس بن بلوطس. ثم ملك نوله بن مناكيل، وهو فرعون الاعرج الذي سبى ملك بيت المقدس، وصنع ببني إسرائيل ما لم يصنعه أحد، وعتا، وبلغ مبلغا لم يبلغه أحد قبله بعد فرعون، فصرعته دابته، فدقت عنقه. ثم ملك مرينوس. ثم ملك نقاس بن مرينوس. ثم ملك قومس بن نقاس.


[ 187 ]

ثم ملك مناكيل اددامه (1) الاعرج، وهو لخسائر سر (2) الذي غزاه بخت نصر، فهزمه، وخرب مصر، وسبى أهلها، فأقاموا بعد ذلك يملكهم الروم، فتنصروا في ذلك الوقت. ثم غلبت فارس على الشأم في أيام انوشروان، فملكوهم عشر سنين، ثم ظهرت الروم، فكان أهل مصر يؤدون إلى الروم خراجا وإلى فارس خراجا، يدفعون شر الفريقين. ثم خرجت فارس عن الشأم، وصار أمرهم إلى الروم، فدانوا بدين النصرانية. وكان حكيم القبط هرمس القبطي، وهم أصحاب البرابي الذين يكتبون بخط البرابي، و هو ذا الخط الموجود…. (3) وفي دهرنا قد عدم الناس معرفة قراءته، والسبب في ذلك أنه لم يكن يكتب به منهم إلا الخواص، وكانوا يمنعون العوام، والذين يقومون به منهم حكماؤهم وكهانهم، وكانت فيه أسرار دينهم وأصول مقالتهم التي لا يطلعون عليها إلا كهانهم، ولا يعلمون بها أحدا إلا أن يأمر الملك بتعليمه. فلما قهرتهم الروم، وملكتهم بسطوة شديدة وسلطان، أبطلوا ما كانوا يقومون به من سعيهم وأعمالهم، وحملوهم في بدء أمورهم على شرائع اليونانيين، حتى فسدت لغتهم، ومازج كلامهم كلام الروم، ثم تنصرت الروم، فحملوهم على التنصر، فدرس جميع ما كانوا فيه من أمر دينهم وسنتهم، وقتل الروم كهانهم وعلمائهم، فهلك من كان يفهم ذلك الكتاب، ومنع من بقي منهم من تعليمه والنظر فيه، فلذلك ليس يوجد أحد يقرأه منهم ولا غيرهم. وكانت ديانتهم عبادة الكواكب، والقول بأنها مدبرة مختارة، وهم أصحاب القضايا بالنجوم، وانها تسعد وتنحس، لانهم زعموا أنها آلهتهم


1 و 2) بلا فقط في الاصل. 3) بياض في الاصل (*).

[ 188 ]

التي تحييهم، وتميتهم، وترزقهم، وتسقيهم. وكان من قولهم: ان الارواح قديمة كانت في الفردوس الاعلى، وانه في كل ستة وثلاثين ألف سنة يفنى جميع ما في العالم إما من تراب، يريدون الارض وزلزلتها وخسوفها، أو من نار وإحراق، وسموم مهلك، وإما من ريح هواء ردي فاسد، غليظ عام، يسد الانفاس لغلظه، فيهلك الحيوان، ويتلف الحرث والنسل، ثم يحيي الطبيعة من كل جنس من أجناس الحرث والنسل، ويرجع العالم بعد فساده. وكانت عندهم من هذه الارواح آلهة تنزل، فتصير في الاصنام، فتتكلم الاصنام لذلك، وإنما كانوا يخدعون عوامهم بذلك، ويسترون العلة التي بها كانت تتكلم أصنامهم، وهي بصنعة كان كهانهم يصنعونها، وعقاقير يستعملونها، وحيل يحتالونها، حتى تصفر، وتصيح بصنعة يحكون بها من خلقة الصنم كخلقة الطير، أو البهيمة، فيكون صوت ذلك الصنم مثل صوت جنسه من الحيوان، ثم يترجم كهانهم ذلك الصوت من الصنم على ما يريدون القضاء به، مما قد اتفقوا به من حساب النجوم، وعلم الفراسة. ويخبرون أن الارواح، إذا خرجت، صارت إلى هذه الآلهة، التي هي الكواكب، فتغسلها، وتطهرها ان كانت لها ذنوب، ثم تصعد إلى الفردوس حيث كانت. ويقولون ان أنبياءهم كانت تكلمهم الكواكب وتعلمهم أن الارواح تنزل إلى الاصنام، فتسكن فيها، وتخبر بالحادث قبل أن يحدث. وكانت لهم فطنة عجيبة دقيقة يوهمون بها العوام انهم يكلمون الكواكب، وانها تنبئهم بما يحدث، ولم يكن ذلك إلا لجوذة علمهم بالاسرار التي للطوالع، وصحة الفراسة، فلم يكونوا يخطئون إلا القليل، وادعوا علم ذلك عن الكواكب، وانها تنبئهم بما يحدث، وهذا باطل غير معقول، ثم ملكهم اليونانيون، فدخلوا في ملتهم، ثم ملكهم الروم، فتنصروا.


[ 189 ]

وكانت مملكة القبط أرض مصر من كور الصعيد: منف، ووسيم، والشرقية، والقيس، والبهنسا، وأهناس، ودلاص، والفيوم، وأشمون، وطحا، وأبشاية، وهو، وقفط، والاقصر، وأرمنت، ومن كور أسفل الارض: أتريب، وعين شمس، وتنوا، وتمي، وبنا، وبوصير، وسمنود، ونوسا، والاوسية، والبجوم، وبسطة، وطرابية، وقربيط، وصان، وإبليل، وسخا، وتيدة، والافراحون، ونقيزة، والبشرود، وطوة، ومنوف العليا، ومنوف السفلى، ودمسيس، وصا، وشباس، والبذقون، وإخنا، ورشيد، وقرطسا، وخربتا، وترنوط، ومصيل، ومليدش. والقبط تحسب سنيها على ثلاثمائة وخمسة وستين يوما، وشهورها اثنا عشر شهرا، كل شهر ثلاثون يوما، ولها خمسة أيام تسميها النسئ، فأول شهور القبط الذي يجعلونه رأس سنتهم: توت، ويسمون أول يوم منه نيروز، ويقولون إن فيه ابتداء عمارة الارض، وهذه أسماء شهورهم: توت، بابه هتور، كيهك، طوبه، امشير، برمهات، برموذه، بشنش، بونه، ابيب، مصرى، وكانت الخمسة الايام التي ينسئونها بين مسرى وتوت. والخط الذي تكتب به القبط بين اليوناني والرومي، وهو على هذا الرسم (1).


1) لم يثبت رسم الخط في الاصل (*).

[ 190 ]

ممالك البربر والافارقة وكانت البربر والافارقة، وهم أولاد فارق بن بيصر بن حام بن نوح، لما ملك اخوتهم بأرض مصر، فأخذوا من العريش إلى اسوان طولا، ومن أيله إلى برقة عرضا، خرجوا نحو المغرب، فلما جازوا أرض برقة أخذوا البلاد، فغلب كل قوم منهم على بلد، حتى انتشروا بأرض المغرب. فأول من ملك منهم: لواته في أرض يقال لها أجد ابية من جبال برقة، وملكت مزاته في أرض يقال لها ودان، فنسب هؤلاء القوم إلى أبيهم، وجاز قوم منهم إلى بلد يقال له تورغة، فملكوا هناك، وهم هواره، وسار آخرون إلى بلاد ارميك، وهم بذرعه، وسار قوم إلى طرابلس يقال لهم المصالين، وجاز قوم إلى غربي طرابلس يقال لهم وهيله. ثم استعلت بهم الطريق، فأخذ قوم إلى القيروان يقال لهم برقشانه، وأخذ آخرون ذات الشمال، فصاروا إلى تاهرت، وهم الذين يقال لهم كتامه وعجيسه، وأخذ قوم آخرون إلى سجلماسة، وهم الذين يقال لهم نفوسه ولمايه، وأخذ قوم إلى جبال هكان، وهم الذين يقال لهم لمطه ويسمون العبالات (1)، وهم في بادية، في غير مساكن، وأخذ قوم إلى طنجة يقال لهم مكناسه، وأخذ قوم إلى السوس الاقصى، وهم الذين يقال لهم مداسه. وقد ذكر قوم من البربر والافارقة أنهم من ولد بربر بن عيلان بن نزار، وقال آخرون: انهم من جذام ولحم، وكانت مساكنهم فلسطين، فأخرجهم بعض الملوك، ولما صاروا إلى مصر منعتهم ملوك مصر النزول، فعبروا النيل،


1) بلا نقط في الاصل (*).

[ 191 ]

ثم غربوا، فانتشروا في البلاد، وقال آخرون: انهم من اليمن نفاهم بعض الملوك من بلد اليمن إلى أقاصي المغرب، وكل قوم ينصرون رواياتهم، والله أعلم بالحق في ذلك. ممالك الحبشة والسودان وكان ولد حام بن نوح قصدوا عند تفرق ولد نوح من أرض بابل إلى المغرب، فجازوا من عبر الفرات إلى مسقط الشمس، وافترق ولد كوش بن حام، وهم الحبشة والسودان، لما عبروا نيل مصر فرقتين، فقصدت فرقة منهم التيمن بين المشرق والمغرب، وهم النوبة، والبجة، والحبشة، والزنج، وقصدت فرقة الغرب، وهم زغاوه، والحبس (1)، والقاقو، والمرويون، ومرندة، والكوكو، وغانه. فأما النوبة فإنها لما صارت في الجانب الغربي من النيل جاورت مملكة القبط، وهم ولد بيصر بن حام بن نوح تملكوا هناك، فصارت النوبة مملكتين، فإحداهما: مملكة الذين يقال لهم مقرة، وهم في شرق النيل وغربه، ومدينة مملكتهم دنقلة، وهم الذين سالموا المسلمين، وأدوا إليهم البقط، وبلادهم بلاد نخل وكرم وزرع، واتساع المملكة شبيه بشهرين. والمملكة الثانية من النوبة الذين يقال لهم علوة، أعظم خطرا من مقرة، ومدينة مملكتهم يقال لها سوبة، ولهم بلاد واسعة شبيهة بثلاثة أشهر، والنيل متشعب عندهم في عدة خلجان.


1) بلا نقط في الاصل. (*)

[ 192 ]

مملكة البجة وهم بين النيل والبحر، ولهم عدة ممالك، في كل بلد ملك منفرد. فأول مملكة البجة من حد أسوان، وهي آخر عمل المسلمين من التيمن بين المشرق والمغرب إلى حد بركات، وهم الجنس الذي يقال له: نقيس، ومدينة المملكة يقال لها: هجر، ولهم قبائل وبطون كما تكون للعرب، فمنهم: الحدرات، وحجاب (1)، والعماعر، وكوير، مناسه، ورسفه، وعريريعه، والزنافج، وفي بلادهم المعادن من التبر، والجوهر، والزمرد، وهم مسالمون للمسلمين، والمسلمون يعملون في بلادهم في المعادن. والمملكة الثانية من البجة، مملكة يقال لها: بقلين، كثيرة المدن، واسعه يضارعون في دينهم المجوس والثنوية، فيسمون الله، عزوجل، الزنجير الاعلى، ويسمون الشيطان صحي حراقه، وهم الذين ينتفون لحاهم، ويقلعون ثناياهم، ويختتنون، وبلادهم بلاد مطر. ثم المملكة الثالثة يقال لها: بازين، وهم يتاخمون مملكة علوة من النوبة، ويتاخمون بقلين من البجة، ويحاربون هؤلاء، وزعهم الذي يأكلونه… (2)، وهو طعامهم واللبن. والمملكة الرابعة يقال لها: جارين، ولهم ملك خطير، وملكه ما بين بلد يقال له: باضع، وهو ساحل البحر الاعظم إلى حد بركات من مملكة بقلين، إلى موضع يقال له: حل الدجاج، وهم قوم يقلعون ثناياهم من فوق وأسفل، ويقولون: لا يكون لنا أسنان كأسنان الحمير، وينتفون لحاهم.


1) أكثر أسماء هذه القبائل تنقصه النقط. 2) بياض في الاصل (*).

[ 193 ]

والمملكة الخامسة يقال لها: قطعة، وهي آخر ممالك البجة، ومملكتهم واسعة من حد موضع يقال له: باضع، إلى موضع يقال له: فيكون، ولهم حد شديد، وشوكة صعبة، ولهم دار مقاتلة يقال لها دار السوا، فيها احداث شباب، جلد، مستعدون للحرب والقتال. ثم المملكة السادسة، وهي مملكة النجاشي، وهو بلد واسع، عظيم الشأن، ومدينة المملكة كعبر، ولم تزل العرب تأتي إليها للتجارات، ولهم مدن عظام، وساحلهم دهلك، ومن في بلاد الحبشة من الملوك، فهم من تحت يد الملك الاعظم يعطونه الطاعة، ويؤدون إليه الخراج، والنجاشي على دين النصرانية اليعقوبية، وآخر مملكة الحبشة الزنج، وهم يتصلون بالسند وما ضارع هذه البلدان، ويتصل أيضا بما دون الزنج مما يتاخم السند والكرك، وهم قوم لهم حساب، واجتماع قلوب. وأما السودان الذين غربوا وسلكوا نحو المغرب فإنهم قطعوا البلاد، فصارت لهم عدة ممالك، فأول مالكهم: الزغاوه، وهم النازلون بالموضع الذي يقال له: كانم، ومنازلهم اخصاص القصب، وليسوا بأصحاب مدن، ويسمى ملكهم كاكره. ومن الزغاوه صنف يقال لهم: الحوضن، ولهم ملك هو من الزغاوه. ثم مملكة أخرى يقال لهم: ملل، وهم يبادون صاحب كانم، ويسمى ملكهم: ميوسى. ثم مملكة الحبشة (1)، ولهم مدينة يقال لها: ثبير، ويسمى ملك هذه المدينة مرح، ويتصل بهم القاقو، إلا أنهم معولون، وملكهم ملك ثبير. ثم مملكة الكوكو، وهي أعظم ممالك السودان، وأجلها قدرا، وأعظمها أمرا، وكل الممالك تعطي لملكها الطاعة، والكوكو اسم المدينة، ودون هذا عدة ممالك يعطونه الطاعة، ويقرون له بالرئاسة على أنهم ملوك بلدانهم، فمنهم


1) بلا نقطة بعد الحاء (*).

[ 194 ]

مملكة المرو، وهي مملكة واسعة، وللملك مدينة يقال لها: الحيا، ومملكة مردنه (1)، ومملكة الهربر، ومملكة صنهاجه، ومملكة تذكرير، ومملكة الزيانير، ومملكة ارور، ومملكة بقاروت، فهذه كلها تنسب إلى مملكة الكوكو. ثم مملكة غانه، وملكها أيضا عظيم الشأن، وفي بلاده معادن الذهب، وتحت يده عدة ملوك، فمنهم مملكة: عام، ومملكة: سامه، وفي هذه البلاد كلها الذهب.


1) بعض اسماء هذه الممالك تنقصه النقط (*).

[ 195 ]

ملوك اليمن ذكرت الرواة، ومن يدعي العلم بالاخبار وأحوال الامم والقبائل: ان أول من ملك من ولد قحطان بن هود النبي: ابن عابر بن شالح بن ارفخشد ابن سام بن نوح سبا بن يعرب بن قحطان، وكان اسم سبا عبد شمس، لانه كان أول من ملك من ملوك العرب، وسار في الارض، وسبى السبايا، وكان يعرب ابن قحطان أول من حيي: بانعم صباحا وأبيت اللعن. ثم ملك بعد سبا حمير بن سبا، واسم حمير زيد، وكان أول ملك لبس التاج من الذهب مفصصا بالياقوت الاحمر. ثم ملك بعد حمير أخوه كهلان بن سبا، فطال عمره حتى هرم. ثم ملك بعد كهلان أبو مالك بن عميكرب بن سبا، فدام ملكه ثلاثمائة سنة. ثم ملك بعد أبي مالك حنادة بن غالب بن زيد بن كهلان، وكان أول من صنع السيوف المشرفية، وكان يصنع الطعام للجن بالليل، وملك مائة وعشرين سنة. وملك بعد حنادة الحارث بن مالك بن افريقيس بن صيفي بن يشجب بن سبا مائة وأربعين سنة. ثم ملك بعد الحارث بن مالك الرائش، وهو الحارث بن شداد بن ملطاط ابن عمرو بن ذي ابين بن ذي يقدم بن الصوار بن عبد شمس بن وائل بن الغوث ابن حيدان بن قطن بن عريب بن ايمن بن الهميسع بن حمير بن سبا، وهو أول من غزا وأصاب الاموال وأدخل اليمن الغنائم من غيرها فسمى الرائش فغلب اسمه، وكان ملكه مائة وخمسا وعشرين سنة. ثم ملك بعد الرائش ابنه ابرهة بن الرائش، وهو ابرهة ذو منار، وذلك


[ 196 ]

انه صار إلى ناحية المغرب، وكان إذا غلب على بلد ضرب عليها النار، وكان ملكه مائة وثمانين سنة. ثم ملك بعد ابرهة ابنه افريقيس بن ابرهة، فسلك سبيل أبيه، وكان ملكه مائة وأربعا وستين سنة. ثم ملك بعد افريقيس أخوه العبد بن ابرهة، وكان يسمى ذا الاذعار لانه ذعر العدو، وكان يأتي بقوم عجيبة خلقهم، وكان ملكه خمسا وعشرين سنة. ثم ملك بعد ذي الاذعار الهدهاد بن شرحبيل بن عمرو بن الرائش، وكان ملكه سنة واحدة. ثم ملك بعد الهدهاد زيد، وهو تبع الاول بن نيكف، فطال عمره، وطغى، وبغى، وعتا، فيزعم الرواة انه ملك أربعمائة سنة، ثم قتلته بلقيس. وملكت بلقيس بنت الهدهاد بن شرحبيل، فكان ملكها مائة وعشرين سنة، ثم كان من أمرها مع سليمان ما كان، فصار ملك اليمن لسليمان بن داود ثلاثمائة وعشرين سنة، ثم ملك رحبعم بن سليمان بن داود عشر سنين، ثم رجع الامر إلى حمير، فملك ياسر ينعم بن عمرو بن يعفر بن عمرو بن شرحبيل، واشتد سلطانه، فكان ملكه خمسا وثمانين سنة. ثم ملك شمر بن افريقيس بن ابرهة ثلاثا وخمسين سنة. ثم ملك تبع الاقرن بن شمر بن عميد، فغزا الهند، وأراد أن يغزو الصين، وكان ملكه مائة وثلاثا وستين سنة. ثم ملك ملكيكرب بن تبع، فغزا البلاد، ففرق قومه في أقاصي الارض، ونقلهم إلى سجستان وخراسان، واجتمعوا عليه، فقتلوه، وكان ملكه ثلاثمائة وعشرين سنة. ثم ملك حسان بن تبع، فأقام زمانا لا يغزو، ثم وقع بين طسم وجديس ما وقع، فسار إليهم تبع، فلما قرب منهم قال له رجل من طسم كان معه: إن معهم امرأة يقال لها اليمامة تنظر فلا تخطئ، فأخاف أن تنذرهم، فأمر


[ 197 ]

أصحابه، فقطعوا من شجر الزيتون وقال: ليحمل كل واحد منكم غصنا عظيما من الزيتون خلفه ! فحمل كل رجل غصنا عظيما، فلما نظرت قالت: أرى شجرا تمشي ! قالوا: وهل تمشي الشجر ؟ قالت: نعم ورب كل حجر ومدر، وانها لخلف رجال حمير ! فكذبوها، وصبحهم حسان، فقتلهم. ومله قومه، وثقلت عليهم وطأته، فواطأوا أخاه عمرو بن تبع على قتله خلا ذا رعين، فإنه نهى عن ذلك، فقتله، وكان ملكه خمسا وعشرين سنة. ثم ملك عمرو بن تبع بعد أن قتل أخاه، فذهب عنه النوم، وتنغص عيشه، فقتل كل من أشار بقتل أخيه، حتى بلغ إلى ذي رعين، فقال: قد أشرت عليك أن لا تفعل، فكتبت بيتي شعر هما عندك. وكان قد دفع إليه رقعة فيها: ألا من يشتري سهرا بنوم، * سعيد من يبيت قرير عين فإما حمير غدرت وخانت، * فمعذرة الاله لذي رعين وكان ملك عمرو أربعا وستين سنة. ثم ملك تبع بن حسان بن بحيلة (1) بن ملكيكرب بن تبع الاقرن، وهو أسعد أبو كرب، وهو الذي سار من اليمن إلى يثرب، وكان الفطيون قد تملك على الاوس والخزرج، فسامهم سوء العذاب، فخرج مالك بن العجلان الخزرجي، فشكا ذلك إلى تبع، فأعلمه غلبة قريظة والنضير عليهم، فسار تبع إليهم، فقتل قوما من اليهود، وكان تبع خلف ابنا له بين اظهرهم، فقتلوه، فزحف إليهم، وحاربهم. وكان رئيس الانصار عمرو بن طلحة الخزرجي من بني النجار، وكانوا يحاربونه بالنهار، ويقرونه بالليل، فيقول: ان قومنا لكرام. وجمع عظماء


1) لعلها بجيلة (*).

[ 198 ]

اليهود وقال: اني مخرب هذه البلدة، يعني المدينة، فقالت الاحبار وعظماء اليهود: إنك لا تقدر على ذلك ! قال: ولم ؟ قالوا: لانها لنبي من بني إسماعيل يكون مخرجه من عند البيت المحرم، فخرج، وأخرج معه قوما من أحبار اليهود، فلما قرب من مكة أتاه نفر من هذيل، فقالوا له: ان هذا البيت الذي بمكة فيه أموال وكنوز وجوهر، فلو أتيته فأخذت ما فيه. وإنما أرادوا أن يفعل، فيهلكه الله. وقيل: إنما أشار عليه قوم أن يهدمه، ويحول حجارته إلى اليمن، فيبني بها هناك بيتا تعظمه العرب، فدعا تبع أحبار اليهود، فذكر ذلك لهم، فقالوا: ما نعلم لله بيتا في الارض غير هذا البيت، وما أراده أحد بسوء إلا أهلكه الله. واعترضته علة في ليلته، فقال له الاحبار: ان كنت أضمرت لهذا البيت مكروها، فارجع عنه، وعظمه، فرجع عما كان أضمر، فأذهب الله عنه العلة، فقتل من أشار عليه بهدمه، وطاف به وعظمه، ونحر، وحلق رأسه، ورأى في النوم ان اكسه، فكساه الخصف، فتجافى، فرأى في نومه ان اكسه، فكساه الملاء المعضد، وقال شعرا فيه: وكسونا البيت الذي حرم الل‍ * – ه ملاء معضدا، وبرودا ونحرنا بالشعب ستة آلا * ف ترى الناس نحوهن ورودا وأمرنا أن لا تقرب للكع‍ * بة ميتا، ولا دما مصفودا ثم طفنا بالبيت سبعا وسبعا، وسجدنا عند المقام سجودا وأقمنا فيه من الشهر سبعا، وجعلنا لبابه إقليدا ثم رجع إلى اليمن ومعه الاحبار من اليهود، فتهود هو وقومه، وكان ملكه ثمانيا وسبعين سنة. ثم تفرقت ملوك قحطان، وملكوا أقواما متفرقين منهم: عمرو بن تبع، ثم نزعوه، وملكوا مرثد بن عبد كلال أخا تبع لامه، فأقام أربعين سنة.


[ 199 ]

ثم ملك وليعة بن مرثد تسعا وثلاثين سنة. ثم ملك ابرهة بن الصباح، وكان من أحكم ملوك اليمن وأغلظهم، وكان ملكه ثلاثا وتسعين سنة. ثم ملك عمرو بن ذي قيقان. ثم ملك ذو الكلاع. ثم ملك لخيعة ذو شناتر، فكان من أخبث ملوك حمير وأرداها، وكان يعمل عمل قوم لوط، يبعث إلى الغلام من أبناء الملوك، فيلعب به، ثم يتطلع في غرفة له، وفي فمه السواك، حتى بعث إلى ذي نواس بن أسعد ليلعب به، فدخل، ومعه سكين، فلما خلا به، وثب عليه ذو نواس، وقتله، وحز رأسه، وصيره في الموضع الذي يتطلع منه، فلما خرج صاح به من بالباب من الجيش: يا ذا نواس، لا بأس ! فقال: البأس على صاحب الرأس ! فنظروا، فإذا به قد قتله، فملكوا ذا نواس. وكان ملك ذي شناتر سبعا وعشرين سنة. وملك ذو نواس بن أسعد، وكان اسمه زرعة، فعتا، وهو صاحب الاخدود، وذلك انه كان على دين اليهودية، وقدم اليمن رجل يقال له عبد الله بن الثامر، وكان على دين المسيح، فأظهر دينه باليمن، وكان إذا رأى العليل والسقيم قال: أدعو الله لك حتى يشفيك، وترجع عن دين قومك ! فيفعل ذلك، فكثر من اتبعه. وبلغ ذانواس، فجعل يطلب من قال بهذا الدين، ويحفر لهم في الارض الاخدود، ويحرق بالنار، ويقتل بالسيف، حتى أتى عليهم، فسار رجل منهم إلى النجاشي، وهو على دين النصرانية، فوجه النجاشي إلى اليمن بجيش عليهم رجل يقال له ارياط، وهم في سبعين ألفا، ومع ارياط في جيشه ابرهة الاشرم، فسار إليه ذو نواس، فلما التقوا انهزم ذو نواس، فلما رأى ذو نوس افتراق قومه وانهزامهم ضرب فرسه، واقتحم به البحر، فكان آخر


[ 200 ]

العهد به. وكان ملك ذي نواس ثمانيا وستين سنة. ودخل ارياط الحبشي اليمن، فأقام بها عدة سنين، ثم نازعه ابرهة الاشرم الامر، فافترقت الحبشة مع ارياط طائفة، ومع ابرهة طائفة، وخرجا للحرب، وسار كل واحد إلى صاحبه، فلما التقوا قال ابرهة لارياط: ما نصنع يا ارياط بأن نقتل الناس بيني وبينك ؟ ابرز إلي وأبرز إليك، فأينا أصاب صاحبه انصرف إليه جنده عنه ! فبرز كل واحد إلى صاحبه، فضربه ارياط بالحربة، فشرم عينيه، وضربه غلام لابرهة، فقتله، واجتمعت الحبشة باليمن على ابرهة، فلما بلغ النجاشي غضب، وحلف ليطأن أرضه برجله، أو ليجزن ناصيته ! فحلق ابرهة رأسه، وبعث بها إليه، وبجراب من تراب أرضه، وقال: إنما أنا عبدك، وارياط عبدك، اختلفنا في أمرك، وكل طاعته لك، فرضي عنه. وخرج سيف بن ذي يزن إلى قيصر يستجيش على الحبشة، فأقام قبله سبع سنين، ثم رده، وقال: هم قوم على دين النصرانية لا أحاربهم ! فسار إلى كسرى، فوجه بأهل السجون، ووجه معهم رئيسا يقال له وهرز، فلما قدم البلد حارب الحبشة، فقتل ابرهة الحبشي، وغلب على البلد، ثم ملك سيف بن ذي يزن بن ذي أصبح، وسيف الذي يقول فيه امية بن أبي الصلت: لا يطلب الثأر إلا ابن ذي يزن، * أقام في البحر للاعداء أحوالا أتى هرقل، وقد شالت نعامته، * فلم يجد عنده الامر الذي قالا ثم انتحى نحو كسرى بعد سابعة * من السنين، لقد أبعدت ايغالا حتى أتى ببني الاحرار يقدمهم، * اذهب إليك، لقد أسرعت قلقالا وكانت ملوك اليمن يدينون بعبادة الاصنام في صدر من ملكهم، ثم دانوا بدين اليهود، وتلوا التوراة، وذلك ان أحبارا من اليهود صاروا إليهم، فعلموهم دين اليهودية، ولم يكونوا ينجاوزون اليمن إلا ان يغيروا على البلاد، ثم يرجعون إلى دار ملكهم.


[ 201 ]

وكور بلاد اليمن تسمى مخاليف، وهي أربعة وثمانون مخلافا، وهذه أسماؤها: اليحضبين، ويكلا، وذمار، وطمؤ، وعيان، وطمام، وهمل، وقدم، وخيوان، وسنحان، وريحان، وجرش، وصعدة، والاخروج، ومجيح، وحراز، وهوزن، وقفاعة، والوزيرة، والحجر، والمعافر، وعنة، والشوافي، وجبلان، ووصاب، والسكون، وشرعب، والجند، ومسور، والثجة، والمزدرع، وحيران، ومأرب، وحضور، وعلقان، وريشان، وجيشان، والنهم، وبيش، وضنكان، وقربى، وقنونا، ورنية، وزنيف، والعرش، والخصوف، والساعد، وبلجة، والمهجم، والكدراء، والمعقر، وزبيد، ورمع، والركب، وبني مجيد، ولحج، وأبين، والواديين، وألهان، وحضرموت، ومقرى، وحيس، وحرض، والحقلين، وعنس، وبني عامر، ومأذن، وحملان، وذي جرة، وخولان، والسرو، والدثينة، وكبيبة، وتبالة. ومن السواحل: عدن، وهي: ساحل صنعاء، والمندب، وغلافقة، والحردة، والشرجة، وعثر، والحمضة، والسرين، وجدة. هذه بلاد مملكة اليمن وبلدانها، وكانوا ربما أغاروا على البلدان، فيرجعون إلى بلادهم. واليمن قبائل كثيرة، إذا دخلت فيهم قضاعة، فقد روي ان رجلا سأل رسول الله، فقال: يا رسول الله ! أيما أكثر نزار أو قحطان ؟ قال: ما شاب قضاعة، وقضاعة في هذا الوقت مقيمة على أنها ولد ملك بن حمير. وهذه جماهير قبائل اليمن مع ما دخل فيهم من نزار من قضاعة، وجذام، ولخم، وبجيلة، وخثعم. وكان أول من ذكر اسمه وعرف قدره: سبا بن نشجب بن يعرب بن قحطان، فمن ولده كهلان بن سبا، وحمير بن سبا. فمن قبائل كهلان طئ بن أدد بن زيد بن عريب بن كهلان، والاشعر بن


[ 202 ]

أدد بن زيد، وعنس بن قيس بن الحارث بن مرة بن أدد، وجذام، ولخم، وعاملة، وهم بنو عمرو بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد، ومذحج ابن أدد بن زيد بن عريب بن كهلان. فمن قبائل مذحج سعد العشيرة بن مذحج، ومراد بن مذحج، والنخع ابن عمرو بن علة بن جلد بن مذحج، وحكم وجعفى ابنا سعد العشيرة بن مذحج، وخولان بن عمرو بن سعد العشيرة بن مذحج، وزبيد بن الصعب بن سعد العشيرة بن مذحج. وهمدان، واسمه أو سلة بن خيار بن ربيعة بن مالك بن زيد بن كهلان. وخثعم وبجيلة ابنا انمار بن نزار بن عمرو بن الحبار بن الغوث بن نبت ابن مالك بن زيد بن كهلان. والازد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان. فمن قبائل الازد: عك بن عدنان بن الذنب بن عبد الله بن الازد، على ان عكا تنسب إلى عدنان ابن أدد، والعتيك بن أسد بن عمرو بن الازد، وغسان، وهو مازن ابن الازد. فمن قبائل غسان خزاعة، وهو ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن غسان…. (1) بن وادعة بن عمران بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس، والاوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة بن غسان، قال حسان بن ثابت الانصاري: ونحن بنو الغوث بن نبت بن مالك ب‍ * – ن زيد بن كهلان وأهل المفاخر ومن قبائل حمير قضاعة، وقضاعة، فيما يزعم النسابون، ابن نزار بن معد بن عدنان، وكان نزار يكنى أبا قضاعة. فمن قبائل قضاعة: نهد بن زيد بن ليث بن سود بن اسلم بن الحاف بن


1) بياض في الاصل (*).

[ 203 ]

قضاعة، وجهينة بن زيد بن ليث بن سود بن اسلم بن الحاف بن قضاعة، وعذرة بن سعد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة، وسليح ابن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وكلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان ابن عمران بن الحاف بن قضاعة، والقين بن جسر بن الاسد بن وبرة بن تغلب ابن حلوان، وتنوخ، وهو مالك بن فهم بن تيم الله بن الاسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان، فهذه جماهير قضاعة. ومن حمير بن سبا: الصدف بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن وائل بن عبد شمس بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن الهميسع ابن حمير بن سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان. والناس في حضرموت مختلفون، وقد ذكر قوم انهم من الامم الخالية التي تقطعت مثل طسم، وجديس، وعملاق، وعاد، وثمود، وعبس الاولى، واوبار، وجرهم. وكان تفرق أهل اليمن في البلاد وخروجهم عن ديارهم بسبب سيل العرم، وكان أول ذلك، على ما حملته الرواة: ان عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الازد كان رئيس القوم، وكان كاهنا، فرأى ان بلاد اليمن تغرق، فأظهر غضبه على بعض ولده، وباع مرباعه، وخرج هو وأهل بيته، فصار إلى بلاد عك، ثم ارتحلوا إلى نجران، فحاربتهم مذحج، ثم ارتحلوا عن نجران، فمروا بمكة، وبها يومئذ جرهم، فحاربوهم حتى أخرجوهم عن البلد، فصاروا إلى الجحفة، ثم ارتحلوا إلى يثرب، فتخلف بها الاوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، ولحق بهم جماعة من الازد غير ابني حارثة، فصار بعضهم حلفاء، ودخل بعضهم معهم. وتفرقت الازد بيثرب، وكانت يثرب منازل اليهود، فنازعتهم، وغلبتهم اليهود بكثرتهم، وقهروهم، حتى كان الرجل من اليهود ليأتي منزل الانصاري، فلا يمكنه دفعه عن أهله وماله، حتى دخل رجل منهم يقال له الفطيون إلى


[ 204 ]

دار مالك بن العجلان، فوثب عليه، فقتله، ثم صار إلى بعض ملوك اليمن، فشكا إليه ما يلقون من اليهود، فسار ذلك الملك إليهم بجيشه حتى قتل من اليهود مقتلة عظيمة، فصلحت حال الاوس والخزرج وغرس النخل، وأنشأوا المنازل. وسار باقي القوم يؤمون الشأم، حتى صاروا إلى أرض السراة، فأقام ازد شنوءة بالسراة وما حولها، وخرج منهم قبائل إلى عمان، فكان أول من صار منهم إلى عمان: مالك بن فهم بن غنم بن دوس بن عدثان بن عبد الله بن زهران ابن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الازد، وتزوج مالك بامرأة من عبد القيس، فولدت له عدة أولاد، فيقال ان أصغر ولده قتله إذ كان معه في ابل له، فقام مالك بن فهم يطوف في الابل، فرفع رأسه، فتوهمه ابنه سارقا، فرماه فقتله، وكان يقال لامه سليمة، فيقال ان مالك ابن فهم قال: أعلمه الرماية كل يوم، * فلما استد ساعده رماني ثم لحق بعد مالك بن فهم جماعة من بطون الازد منهم: الربيعة وعمران بنو عمرو بن عدي بن حارثة بن عمرو بن عامر، وهم: بارق، وغالب، ويشكر بن قيس بن صعب بن دهمان، وقوم من عامر، وقوم من حوالة بعمان، فلما صاروا بعمان انتشروا بالبحرين وهجر. وكان بأرض تهامة من الازد الجدرة وهم من ولد عمرو بن خزيمة بن جعثمة بن يشكر بن مبشر بن صعب بن دهمان بن نصر بن زهران بن كعب ابن الحارث بن كعب بن مالك بن نصر بن الازد، وذلك ان عمرا بنى جدار الكعبة، فسمي الجادر، وسار منهم نفر إلى هراة من أرض خراسان. وسارت غسان إلى الشأم، حتى نزلت بأرض البلقاء، وكان بالشأم قوم من سليح قد دخلوا ذمة الروم، وتنصروا، فسألتهم غسان أن تدخل معهم في ذلك، فكتبوا إلى ملك الروم، فأجابهم ملك الروم إلى ذلك، ثم ساء مجاورتهم


[ 205 ]

عامله على دمشق، فحمل عليهم صاحب الروم (1) بجماعة من العرب من قضاعة من قبل ملك الروم، ثم ان غسان طلبت الصلح، فأجابهم ملك الروم، وكان رئيس غسان يومئذ جفنة بن علية بن عمرو بن عامر، فتنصرت غسان، فأقامت بالشأم مملكة من قبل صاحب الروم، وسار ولد حوالة بن الهنو بن الازد إلى الموصل، فنزلوها، وكان أهل اليمن يرون ان بلدهم يغرق من سد مأرب، فحصنوه، وحرسوه، فلما بعث الله عليهم سيل العرم دخل عليهم الماء من جحر لجرذ كان يحفر في السد، فغرقهم.


1) قوله: صاحب الروم، لا معنى لها هنا ولعلها محرفة (*).

[ 206 ]

ملوك الشأم وكانت الشأم دار ملك بني إسرائيل، فيقال ان أول من ملك بدمشق بالغ بن بعور. ثم ملك يوباب، وهو أيوب بن زارح الصديق، وكان من خبره ما قد قصه الله، عزوجل. ثم ملك مينسوس، وكانت بنو إسرائيل تحاربهم. ثم ملك هو سير من أهل لد. ثم انقطعت الممالك، فكانت ملوك بني إسرائيل، حتى انقرضوا. وغلبت الروم على ملكها، فخرج القوم عن البلاد، فكانت قضاعة أول من قدم الشأم من العرب، فصارت إلى ملوك الروم، فملكوهم، فكان أول الملك لتنوخ بن مالك بن فهم بن تيم الله بن الاسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان ابن عمران بن الحاف بن قضاعة، فدخلوا في دين النصرانية، فملكهم ملك الروم على من ببلاد الشأم من العرب، فكان أول من ملك منهم: النعمان بن عمرو بن مالك. ثم غلبت بنو سليح، وهم بنو سليح بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وأقامت بنو سليح زمانا على ذلك، فلما تفرقت الازد، وصار من صار منهم إلى تهامة، ومن صار إلى يثرب، ومن صار إلى عمان وغير ذلك من البلدان، فصارت غسان إلى الشأم، فقدموا أرض البلقاء، فسألوا سليحا أن يدخلوا معهم فيما دخلوا فيه من طاعة ملك الروم، وان يقيموا في البلاد، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، فكتب رئيس سليح، وهو يومئذ دهمان بن العملق، إلى ملك الروم، وهو يومئذ نوشر، وكان منزله انطاكية، فأجابهم


[ 207 ]

إلى ذلك، وشرط عليهم شروطا، فأقاموا. ثم جرى بينهم وبين ملك الروم مشاجرة بسبب الاتاوة التي يقبضها ملك الروم، حتى ان رجلا من غسان يقال له جذع ضرب رجلا من أصحاب ملك الروم بسيفه، فقتله، فقال بعضهم: خذ من جذع ما أعطاك ! فذهب مثلا، فحاربهم صاحب الروم، فأقاموا مليا يحاربونه ببصرى من أرض دمشق، ثم صاروا إلى المخفف، فلما رأى ملك الروم صبرهم على الحرب، ومقاومتهم جيوشه، كره أن تكون ثلمة عليهم، وطلب القوم الصلح على أن لا يكون عليهم ملك من غيرهم، فأجابهم ملك الروم إلى ذلك، فملك عليهم جفنة ابن علية بن عمرو بن عامر، واستقام الذي بينهم وبين الروم، وصارت أمورهم واحدة. وكان أول ملك جل قدره وعلا ذكره من غسان، بعد جفنة بن علية: الحارث بن مالك بن الحارث بن غضب بن جشم بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة ابن عمرو بن عامر بن ثعلبة بن حارثة بن عدي بن امرئ القيس بن مازن بن الازد. وملك بعده الحارث الاكبر بن كعب بن علية بن عمرو بن عامر وكعب هو جفنة، وهو ابن مارية، وأمه مارية بنت عاديا بن عامر. ثم ملك أخوه الحارث الاعرج، فنزل الجولان. ثم ملك أخوه الحارث الاصغر. ثم ملك جبلة بن المنذر. ثم ملك الحارث بن جبلة. ثم ملك الايهم بن جبلة. ثم جبلة بن الايهم. وكان الحارث بن أبي شمر بن الايهم مملكا بالاردن، وكان منزل جبلة دمشق، وفي جبلة بن الايهم وأهله يقول حسان بن ثابت: لله در عصابة نادمتهم * يوما بجلق، في الزمان الاول


[ 208 ]

بيض الوجوه كريمة أحسابهم * شم الانوف من الطراز الاول أولاد جفنة حول قبر أبيهم، * قبر ابن مارية الكريم المفضل يغشون حتى ما تهر كلابهم، * لا يسألون عن السواد المقبل يسقون من ورد البريص عليهم * بردى يصفق بالرحيق السلسل ملوك الحيرة من اليمن قالت الرواة، وأهل العلم: انه لما تفرق أهل اليمن قدم مالك بن فهم ابن غنم بن دوس، حتى نزل أرض العراق في أيام ملوك الطوائف، فأصاب قوما من العرب من معد وغيرهم بالجزيرة فملكوه عشرين سنة ثم أقبل جذيمة الابرش، فتكهن، وعمل صنمين يقال لهما الضيزنان، فاستهوى احياء من احياء العرب، حتى صار بهم إلى أرض العراق، وبها دار اياد بن نزار، وكانت ديارهم بين أرض الجزيرة إلى أرض البصرة، فحاربوه، حتى إذا صار إلى ناحية يقال لها بقة على شط الفرات، بالرب من الانبار، وكان يملك الناحية امرأة يقال لها الزباء، وكانت شديدة الزهادة في الرجال، فلما صار جذيمة إلى أرض الانبار، واجتمع له من أجناده ما اجتمع، قال لاصحابه: اني قد عزمت على أن أرسل إلى الزباء، فأتزوجها، وأجمع ملكها إلى ملكي ! فقال غلام له يقال له قصير: ان الزباء لو كانت ممن تنكح الرجال لسبقت إليها ! فكتب إليها، فكتبت إليه: ان أقبل إلي أزوجك نفسي ! فارتحل إليها، فقال له قصير: لم أر رجلا يزف إلى امرأة قبلك، وهذه فرسك العصا قد صنعتها، فاركبها، وانج بنفسك ! فلم يفعل، فلما دخل عليها


[ 209 ]

كشفت عن فخذها، فقالت: اداب عروس ترى ؟ قال: دأب فاجرة، بظراء، غادرة. فقطعته الزباء، وركب قصير الفرس العصا ونجا. ولما قتل جذيمة ملك مكانه ابن أخته عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة بن عمرو بن الحارث بن مالك بن عمم بن نمارة بن لخم، فقال قصير لعمرو: لا تعصني أنت ! قال: قل ما بدا لك ! قال: اجدع أنفي، واقطع أذني، وخلني ! ففعل ذلك، فصار إلى الزباء، وقال: اني كنت من النصح لجذيمة على ما رأيت، ولعمرو ابن أخته، حتى ملكته، فكان جزائي عنده أن فعل بي ما ترين، فجئتك لاكون في خدمتك، ولعل الله أن يجري قتل عمرو على يدك. ولم يزل يحتال لها حتى وجهته في تجارة فأتاها بأموال كثيرة مرة بعد مرة، فأعجبها ذلك، فوثقت به، فلما استحكمت ثقتها به صار إلى عمرو، فقال: اقعد الرجال في الصناديق ! فحمل أربعة آلاف رجل على ألفي جمل، معهم السيوف، ثم أدخلهم مدينتها، وفيهم عمرو، وفرق الصناديق في منازل أصحابها، وأدخل عدة منها دارها، فلما كان الليل خرجوا، وقتلوا الزباء وخلقا من أهل مملكتها. وملك عمرو بن عدي خمسا وخمسين سنة. ثم ملك امرؤ القيس بن عمرو خمسا وثلاثين سنة. ثم ملك أخوه الحارث بن عمرو سبعا وثمانين سنة. ثم ملك عمرو بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي أربعين سنة. ثم ملك المنذر بن امرئ القيس، وهو محرق، وإنما سمي محرقا لانه أخذ قوما حاربوه، فحرقهم، فسمي لذلك محرقا. ثم ملك النعمان، وهو الذي بنى الخورنق، فبينما هو جالس ينظر منه إلى ما بين يديه من الفرات وما عليه من النخل والاجنة والاشجار، إذ ذكر الموت، فقال: وما ينفع هذا مع نزول الموت وفراق الدنيا ! فتنسك، واعتزل الملك، وإياه عنى عدي بن زيد حيث يقول:


[ 210 ]

وتفكر رب الخورنق إذ أش‍ * – رف يوما وللهدى تفكير سره حاله، وكثرة ما يم‍ * – لك، والبحر معرض، والسدير فارعوى قلبه، وقال: وما غب‍ * طة حي إلى الممات يصير ؟ وملك بعده المنذر بن النعمان ثلاثين سنة. ثم ملك عمرو بن المنذر، وهو الذي قتل الحارث بن ظالم عنده خالد بن جعفر بن كلاب، فنذر دمه، وطلبه، فطلب الحارث ابنه، وكان مسترضعا في آل سنان، فقتله. ثم ملك عمرو بن المنذر الثاني، وهو ابن هند، وكان يلقب مضرط الحجارة، وكان قد جعل الدهر يومين: يوما يصيد فيه، ويوما يشرب، فإذا جلس لشربه أخذ الناس بالوقوف على بابه، حتى يرتفع مجلس شرابه، فقال فيه طرفة بن العبد: فليت لنا مكان الملك عمرو * رغوثا، حول حجرتنا تخور قسمت الدهر في زمن رخي، * كذاك الدهر يعدل، أو يجور من الزمرات أسبل قادماها، * فضرتها مركنة درور لعمرك ! إن قابوس بن هند * ليخلط ملكه نوك كثير لنا يوم، وللكروان يوم، تطير البائسات، ولا نطير فأما يومهن، فيوم سوء، * تطاردهن بالخسف الصقور وأما يومنا، فنظل ركبا، * وقوفا لانحل، ولا نسير ولم يزل طرفة يهجوه ويهجو أخاه قابوسا، ويذكرهما بالقبيح، ويشبب بأخت عمرو، ويذكرها بالعظيم، فكان مما قال فيه: إن شرار الملوك قد علموا * طرا، وأدناهم من الدنس


[ 211 ]

عمرو، وقابوس، وابن أمهما، * من يأتهم للخنا بمحتبس يأت الذي لا تخاف سبته، * عمرو وقابوس قينتا عرس يصبح عمرو على الامور، وقد * خضخض ما للرجال كالفرس وكان المتلمس حليفا لطرفة، فكان يساعده على هجائه، فقال لهما عمرو: قد طال ثواكما، ولا مال قبلي، ولكن قد كتبت لكما إلى عاملي بالبحرين يدفع لكل واحد منكما مائة ألف درهم، فأخذ كل واحد منهما صحيفة، فاستراب المتلمس بأمره، فلما صارا عند نهر الحيرة لقيا غلاما عباديا فقال له المتلمس: أتحسن أن تقرأ ؟ قال: نعم ! قال: اقرأ هذه الصحيفة ! فإذا فيها: إذا أتاك المتلمس، فاقطع يديه ورجليه، فطرح الصحيفة، وقال لطرفة: في صحيفتك مثل هذا، قال: ليس يجترئ على قومي بهذا، وأنا بذلك البلد أعز منه. فمضى طرفة إلى عامل البحرين، فلما قرأ صحيفته قطع يديه ورجليه، وصلبه. ثم ملك أخوه قابوس بن المنذر. ثم ملك المنذر بن المنذر أربع سنين، وكان هؤلاء الملوك من قبل الاكاسرة يؤدون إليهم الطاعة، ويحملون الخراج. وكانت قبائل معد مجتمعة عليهم، وكان أشدها امتناعا غطفان وأسد بن خزيمة، وكان يأتيهم الرجل من معد على جهة الزيارة، فيحيونه، ويكرمونه، وكان ضمن اياهم من رؤساء القبائل الربيع بن زياد العبسي، والحارث بن ظالم المري، وسنان بن أبي حارثة، والنابغة الذبياني الشاعر، وكانت الملوك تعظم الشعراء، وترفع أقدارهم لما يبقون لهم من المدح والذكر، فكان النابغة مقدما عند ملوكهم، ثم شبب بامرأة المنذر في قصيدته التي يقول فيها: سقط النصيف، ولم ترد إسقاطه، * فتناولته واتقتنا باليد


[ 212 ]

فنذر المنذر دمه، فهرب إلى الشأم إلى ملوك غسان، ثم اعتذر إلى المنذر يعشره الذي يقول فيه: فإنك كالليل الذي هو مدركي، * وإن خلت أن المنتأى عنك واسع ويقول: نبئت أن أبا قابوس أوعدني، * ولا قرار على زأر من الاسد وكان مع المنذر أهل بيت من بني امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم، وكان من أهل ذلك البيت عدي بن زيد العبادي، وكان خطيبا شاعرا قد كتب العربية والفارسية، وكان المنذر قد جعل عندهم ابنه النعمان، فأرضعوه، وكان في حجورهم، فكتب كسرى إلى المنذر أن يبعث له بقوم من العرب يترجمون الكتب له، فبعث بعدي بن زيد وأخوين له، فكانوا في كتابه يترجمون له، فلما مات المنذر قال كسرى لعدي بن زيد: هل بقي أحد من أهل هذا البيت يصلح للملك ؟ قال: نعم ! ان للمنذر ثلاثة عشر ولدا، كلهم يصلح لما يريد الملك، فبعث، فأقدمهم، وكانوا من أجمل أهل بيت المنذر، إلا ما كان من النعمان، فإنه كان أحمر ابرش قصيرا، فكان أهل بيت عدي بن زيد الذين ربوه، وأمه سبية يقال لها سلمى، يقال انها من كلب، فأنزلهم عدي بن زيد كل واحد على حدته، وكان يفضل اخوة النعمان عليه في النزل، ويريهم انه لا يرجوه، ويخلو بهم رجلا رجلا، ويقول لهم: ان سألكم الملك هل تكفوني العرب ؟ فقولوا له: لن نكفيكهم، إلا النعمان. وقال للنعمان: ان سألك الملك عن إخوتك، فقل: ان عجزت عنهم، فأنا عن العرب أعجز. وكان من بني المنذر رجل يقال له الاسود، وكانت أمه من بني الرباب، وكان من الرجال، وكان يحضنه أهل بيت من الحيرة يقال لهم بنو مرينا،


[ 213 ]

كانوا أشرافا، وكان منهم رجل يقال له عدي بن أوس بن مرينا، كان ماردا شاعرا، وكان يقول للاسود بن المنذر: أخي النعمان، إنك قد عرفت اني لك راج، وان طلبتي إليك ورغبتي ان تخالف عدي بن زيد، فإنه والله ما ينصحك أبدا ! فلم يلتفت إلى قوله، فلما أمر كسرى عدي بن زيد ان يدخلهم عليه، جعل يدخلهم رجلا رجلا، فكان يرى رجالا ما رأى مثلهم، فإذا سألهم: هل تكفوني ما كنتم تكفون ؟ قالوا: لن نكفيك العرب، إلا النعمان. فلما دخل عليه النعمان رأى رجلا وسيما، فكلمه فقال: هل تستطيع أن تكفيني العرب ؟ قال: نعم ! قال: فكيف تصنع بإخوتك ؟ قال: ان عجزت عنهم، فأنا عن غيرهم أعجز ! فملكه، وكساه وألبسه اللؤلؤ، فلما خرج وقد ملك قال عدي بن أوس بن مرينا للاسود: دونك قد خالفت الرأي. ومضى النعمان مملكا على عدي بن مرينا، فأمر قوما من خاصة النعمان وأصحابه أن يذكروا عدي بن زيد عنده، ويقولوا: انه يزعم ان الملك عامله، وانه هو ولاه، ولولاه ما ولي، وكلاما نحو هذا، فلم يزالوا يتكلمون بحضرة النعمان، حتى احفظوه وأغضبوه على عدي بن زيد، فكتب النعمان إلى عدي: عزمت عليك إلا زرتني ! فاستأذن كسرى، وقدم عليه، فلما صار إلى النعمان أمر بحبسه في حبس لا يصل إليه فيه أحد. وكان له مع كسرى أخوان يقال لاحدهما أبي والآخر سمي، وكانا عند كسرى، وكان أحدهما يسره هلاكه، والآخر يحب صلاحه، فجعل عدي يقول الشعر في محبسه، ويستعطف النعمان، ويذكر له حرمته، ويغظه بذكر الملوك المتقدمين، فلم ينفعه ذلك، وجعل أعداؤه من آل مرينا يحملون عليه النعمان، ويقولون له: ان افلت قتلك، وكان سبب هلاكك، فلما يئس عدي أن يجد عند النعمان خيرا كتب إلى أخيه: أبلغ أبيا على نأيه، * وهل ينفع المرء ما قد علم


[ 214 ]

بأن أخاك شقيق الفؤا * د وكنت به والها ما سلم لدى ملك موثق بالحدي‍ * د، إما بحق، وإما ظلم فلا تلفين كذاك الغلا * م الا تجد عارما يعتزم فأرضك أرضك إن تأتنا * تنم نومة ليس فيها حلم وكتب إلى ابنه عمرو بن عدي، وكانت له ناحية من كسرى: لمن ليل بذي حبس طويل، عظيم شقه، حزن، دخيل وما ظلم امرئ في الجيد غل، * وفي الساقين ذو حلق طويل ألا هبلتك أمك، عمرو بعدي ! * أتقعد لا أفك، ولا تصول ألم يحزنك أن أباك عان، * وأنت مغيب غالتك غول تغنيك ابنة القين ابن جسر، * وفي كلب فيصحبك الشمول فلو كنت الاسير، ولا تسكنه، إذا علمت معد ما أقول وإن أهلك، فقد أبليت قومي * بلاء كله حسن جميل وما قصرت في طلب المعالي، * فتقصرني المنية، أو تطول فقام أخوه وابنه ومن معهما إلى كسرى فكلماه في أمره، فكتب كسرى إلى النعمان يأمره بتخلية سبيله، ووجه في ذلك رسولا قال: فسأل أبي بن زيد الرسول أن يبتدئ بعدي، فابتدأ الرسول به، فقال عدي: انك ان فارقتني قتلت ! قال: كلا ! انه لا يجترئ النعمان على الملك ! فبلغ النعمان مصير رسول كسرى إلى عدي، فلما خرج من عنده، وجه إليه النعمان من قتله، ووضع على وجهه وسادة، حتى مات، ثم قال للرسول: ان عديا قد مات، وأعطاه وأجازه، وتوثق منه ألا يخبر كسرى إلا انه وجده ميتا، وكتب إلى كسرى انه مات. وكان عمرو بن عدي يترجم الكتب لكسرى، وطلب كسرى جارية،


[ 215 ]

ووصف صفتها، فلم توجد له، فقال له عمرو بن عدي بن زيد: أيها الملك ! عند عبدك النعمان بنات له وقرابات على أكثر مما يطلب الملك، ولكنه يرغب بنفسه عن الملك، ويزعم انه خير منه، فوجه كسرى إلى النعمان يأمره أن يبعث إليه ابنته ليتزوجها، فقال النعمان: اما في عين السواد وفارس ما بلغ الملك حاجته ؟ فلما انصرف الرسول خبر كسرى بقول النعمان، فقال كسرى: وما يعني بالعين ؟ قال عمرو بن عدي بن زيد: أراد البقر، ذهابا بابنته عن الملك، فغضب كسرى، وقال: رب عبد قد صار إلى أكبر من هذا، ثم صار أمره إلى تباب ! فبلغت النعمان، فاستعد. وأمسك عنه كسرى شهرا، ثم كتب إليه بالقدوم عليه، فعلم النعمان ما أراد، فحمل سلاحه وما قوي عليه، ولحق بجبلي طي، وكانت سعدى بنت حارثة عنده، فسأل طيئا أن يمنعوه من كسرى، فقالوا: لا قوة لنا به ! فانصرف عنهم، وجعلت العرب تمتنع من قبوله، حتى نزل في بطن ذي قار، في بني شيبان، فلقي هانئ بن مسعود بن عامر بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان، فدفع إليه سلاحه، وأودعه بنته وحرمته، ومضى إلى كسرى، فنزل ببابه، فأمر به ققيد، ثم وجه به إلى خانقين، فلقيه عمرو بن عدي بن زيد، فقال: يا نعيم ! تصغيرا به، لقد شددت لك أواخي لا يقلعها إلا المهر الارن ! فقال: أرجو أن تكون قد قرنتها بقارح ! فلما مضى به إلى خانقين طرح به تحت الفيلة، فداسته، حتى قتلته، وقرب للاسود فأكلته. ووجه كسرى إلى هانئ بن مسعود: ان ابعث إلي مال عبدي الذي عندك وسلاحه وبناته، فلم يفعل هانئ، فوجه إليه كسرى بجيش، فاجتمعت ربيعة، وكانت وقعة ذي قار، فمزقت العرب العجم، وكان أول يوم ظفرت فيه العرب بالعجم. ويروى عن رسول الله أنه قال: هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم، وبي نصروا.


[ 216 ]

حرب كندة وكان بين كندة وحضرموت حروب أفنت عامتهم، وكانت كندة قد اجتمعت على رجلين أحدهما سعيد بن عمرو بن النعمان بن وهب، وكان على بني الحارث بن معاوية عمرو بن زيد، وشرحبيل بن الحارث على السكون، واجتمعت حضرموت على عدة رؤساء منهم: مسعر بن مستعر، وسلامة ابن حجر، وشراحيل بن مرة، وعدة بعد هؤلاء، فزال هؤلاء كلهم. وطالت الحرب بينهم، وفتنت رجالهم، ودامت حتى ضرستهم، وكثر القتل في كندة. وملكث حضرموت علقمة بن ثعلب، وهو يومئذ غلام، فلانت كندة بعض اللين وكرهت محاربة حضرموت، ودخل أهل اليمن التشتيت والتفريق، فلما افترق أهل اليمن وانتشروا في البلاد ملك كل قوم عظيمهم، وصارت كندة إلى أرض معد، فجاورتهم، ثم ملكوا رجلا منهم كان أول ملوكهم يقال له مرتع بن معاوية بن ثور، فملك عشرين سنة. ثم ملك ابنه ثور بن مرتع، فلم يقم إلا يسيرا حتى مات، فملك بعده معاوية بن ثور. ثم ملك الحارث بن معاوية، فكان ملكه أربعين سنة. ثم ملك وهب بن الحارث عشرين سنة. ثم ملك بعده حجر بن عمرو، آكل المرار، ثلاثا وعشرين سنة، وهو الذي حالف بين كندة وربيعة، وكان تحالفهم بالذنائب. ثم ملك بعده عمرو بن حجر أربعين سنة، وغزا الشأم، ومعه ربيعة، فلقيه الحارث بن أبي شمر، فقتله، فملك بعده الحارث بن عمرو، وأمه ابنة عوف بن محلم الشيباني، ونزل بالحيرة، وفرق ملكه على ولده.


[ 217 ]

وكان له أربعة أولاد: حجر، وشرحبيل، وسلمة الغلفاء، ومعديكرب، فملك حجرا في أسد وكنانة، وملك شرحبيل على غنم وطئ والرباب، وملك سلمة الغلفاء على تغلب والنمر بن قاسط، وملك معديكرب على قيس بن عيلان، وكانوا يحاورون ملوك الحيرة، فقتل الحارث، وقام ولده بما كان في أيديهم، وصبروا على قتال المنذر، حتى كافأوه. فلما رأى المنذر تغلبهم على أرض العرب نفسهم ذلك، وأوقع بينهم الشرور، فوجه إلى سلمة الغلفاء بهدايا، ثم دس إلى شرحبيل من قال له: ان سلمة أكبر منك، وهذه الهدايا تأتيه من المنذر، فقطع الهدايا، فأخذها، ثم أغرى بينهما، حتى تحاربا، فقتل شرحبيل، فكانت معه تميم وضبة، فلما قتل خاف الناس أن يقولوا لاخيه سلمة: ان أخاك قد قتل، وجعل يسمع قولهم، فجزع لقتل أخيه، وندم على ان المنذر إنما أراد أن يقتل بعضهم بعضا، فقال: إن جنبي عن الفراش لناب، * كتجافي الاسر فوق الظراب من حديث نمى إلي، فما ير * قأ دمعي، ولا أسبغ شرابي وتنكرت بنو أسد بحجر بن عمرو، وساءت سيرته فيهم، وكانت عنده فاطمة بنت ربيعة، أخت كليب ومهلهل، فولدت له هندا، فلما خاف على نفسه حملها، فاجتمعت بنو أسد على قتله، فقتلوه، وادعى قبائل من بني أسد قتل حجر، وكان القائم بأمر بني أسد علباء بن الحارث أحد بني ثعلبة. وكان امرؤ القيس بن حجر غائبا، فلما بلغه مقتل أبيه جمع جمعا، وقصد لبني أسد، فلما كان في الليلة التي أراد أن يغير عليهم في صبيحتها نزل بجمعه ذلك، فذعر القطا، فطار عن مجاثمه، فمر ببني أسد، فقالت بنت علباء: ما رأيت كالليلة قطا أكثر ! فقال علباء: لو ترك القطا لغفا ونام، فارسلها مثلا.


[ 218 ]

وعرف أن جيشا قد قرب منه، فارتحل، وأصبح امرؤ القيس، فأوقع بكنانة، فأصاب فيهم وجعل يقول: يا للثارات ! فقالوا: والله ما نحن إلا من كنانة ! فقال: ألا يا لهف نفسي، بعد قوم، * هم كانوا الشفاء، فلم يصابوا وقاهم جدهم ببني أبيهم، * وبالاشقين ما كان العقاب وأفلتهن علباء جريضا، * ولو أدركنه صفر الوطاب وفي هذا الوقت يقول عبيد بن الابرص الاسدي لامرئ القيس بن حجر في قصيدة طويلة: يا هذا المعيرنا بقت‍ * ل أبيه إذلالا وحينا أزعمت أنك قد قتل‍ * ت سراتنا كذبا ومينا هلا على حجر بن أ * م قطام تبكي لا علينا إنا إذا عض الثقا * ف برأس صعدتنا لوينا نحمي حقيقتنا، وبع‍ * ض القوم يسقط بين بينا وفي هذا يقول أيضا عبيد في قصيدة له طويلة: يا أيها السائل عن مجدنا ! * إنك مستغبى بنا جاهل إن كنت لم تأتك أنباؤنا * فاسأل بنا يا أيها السائل سائل بنا حجرا، غداة الوغى، * يوم يؤتى جمعه الحافل يوم لقوا سعدا على مأقط، * وحاولت من خلفه كاهل فأوردوا سربا له ذبلا، * كأنهن اللهب الشاعل ومضى امرؤ القيس إلى اليمن لما لم يكن به قوة على بني أسد ومن معهم من


[ 219 ]

قيس، فأقام زمانا، وكان يد من مع ندامى له، فأشرف يوما، فإذا براكب مقبل، فسأله: من أين أقبلت ؟ قال: من نجد ! فسقاه مما كان يشرب، فلما أخذت منه الخمرة رفع عقيرته، وقال: سقينا امرأ القيس بن حجر بن حارث * كؤوس الشجا حتى تعود بالقهر وألهاه شرب ناعم وقراقر، * وأعياه ثأر كان يطلب في حجر وذاك لعمري كان اسهل مشرعا * عليه من البيض الصوارم والسمر ففزع امرؤ القيس لذلك، ثم قال: يا أخا أهل الحجاز ! من قائل هذا الشعر ؟ قال: عبيد بن الابرص. قال: صدقت ! ثم ركب، واستنجد قومه، فأمدوه بخمسمائة من مذحج، فخرج إلى أرض معد، فأوقع بقبائل من معد، وقتل الاشقر بن عمرو، وهو سيد بني أسد، وشرب في قحف رأسه، وقال امرؤ القيس في شعر له: قولا لدودان: عبيد العصا، * ما غركم بالاسد الباسل يا أيها السائل عن شأننا، * ليس الذي يعلم كالجاهل حلت لي الخمر، وكنت امرا * عن شربها في شغل شاغل وطلب قبائل معد امرأ القيس، وذهب من كان معه، وبلغه ان المنذر ملك الحيرة قد نذر دمه، فأراد الرجوع إلى اليمن، فخاف حضرموت، وطلبته بنو أسد وقبائل معد، فلما علم أنه لاقوة به على طلب المنذر واجتماع قبائل معد على طلبه، ولم يمكنه الرجوع، سار إلى سعد بن الضباب الايادي، وكان عاملا لكسرى على بعض كور العراق، فاستتر عنده حينا، حتى مات سعد ابن الضباب، فلما مات سعد خرج امرؤ القيس إلى جبلي طي، فلقي طريف ابن…. (1) الطائي، فسأله أن يجيره، فقال: والله ما لي من الجبلين إلا


1) بياض في الاصل (*).

[ 220 ]

ضع ناري ! فنزل بقوم من طئ ثم لم يزل ينتقل في طئ مرة، وفي جديلة مرة وفي نبهان مرة، حتى صار إلى تيماء، فنزل بالسموأل بن عادياء، فسأله أن يجيره، فقال له: أنا لا أجير على الملوك، ولا أطيق حربهم، فأودعه ادراعا، وانصرف عنه يريد ملك الروم، حتى صار إلى قيصر ملك الروم، فاستنصره، فوجه معه تسعمائة من أبناء البطارقة. وكان امرؤ القيس قد مدح قيصر فسار الطماح الاسدي إلى قيصر فقال له: ان امرأ القيس شتمك في شعره وزعم انك علج اغلف. فوجه قيصر إلى امرئ القيس بحلة قد نضح فيها السم، فلما ألبسها تقطع جلده وأيقن بالموت فقال: تأوبني دائي القديم فغلسا، * أحاذر أن يزداد دائي، فأنكسا لقد طمح الطماح، من بعد أرضه * ليلبسني من دائه ما تلبسا فلو أنها نفس تموت جميعة، ولكنها نفس تساقط أنفسها وهذه الابيات في قصيدة له طويلة. وقال أيضا في حاله تلك: ألا أبلغ بني حجر بن عمرو * وأبلغ ذلك الحي الحريدا بأني قد بقيت بقاء نفس، * ولم أخلق سلاما أو حديدا ولو أني هلكت بأرض قومي * لقلت الموت حق لا خلودا ولكني هلكت بأرض قوم، * سحيقا، من دياركم، بعيدا بأرض الشأم لانسب قريب، * ولا شاف فيسعف أو يجودا ومات امرؤ القيس بأنقره من أرض الروم.


[ 221 ]

ولد إسماعيل بن إبراهيم وإنما أخرنا خبر إسماعيل وولده، وختمنا بهم أخبار الامم، لان الله، عزوجل، ختم بهم النبوة والملك، واتصل خبرهم بخبر رسول الله والخلفاء. ذكرت الرواة والعلماء: ان إسماعيل بن إبراهيم أول من نطق بالعربية، وعمر بيت الله الحرام بعد أبيه إبراهيم، وقام بالمناسك، وانه كان أول من ركب الخيل العتاق، وكانت قبل ذلك وحوشا لاتركب. وقال بعضهم: ان إسماعيل أول من شق الله فاه باللسان العربي، فلما شب أعطاه الله القوس العربية، فرمى عنها، وكان لا يرمي شيئا إلا أصابه، فلما بلغ أخرج الله من البحر مائة فرس، فأقامت ترعى بمكة ما شاء الله، ثم ساقها الله إليه، فأصبح وهي على بابه، فرسنها وركبها، وأنتجها، وكانت دواب الناس البراذين، وركبها إسماعيل وبنوه وولده، وفي إسماعيل يقول بعض شعراء معد: أبونا الذي لم تركب الخيل قبله، * ولم يدر شيخ قبله كيف تركب ويقال إنما سميت أجياد مكة لان الخيل كانت فيها، فأوحى الله، عزوجل، إلى إسماعيل أن يأتي الخيل، فأتاها، فلم تبق فرس إلا أمكنته من ناصيتها، فركبها وركبها ولده، فكان إسماعيل أول من ركب الخيل، وأول من اتخذها، وأول من نفى أهل المعاصي عن الحرم، فقال: أعربه ! فسميت العربة بذلك. وكان ولد جرهم بن عامر، لما صار إخوتهم من بني قحطان بن عامر إلى اليمن، فملكوا، صاروا هم إلى أرض تهامة، فجاوروا إسماعيل بن إبراهيم،


[ 222 ]

فتزوج إسماعيل الحنفاء بنت الحارث بن مضاض الجرهمي، فولدت له اثني عشر ذكرا، وهم: قيدار، ونابت، وادبيل، ومبشام، ومسمع، ودوما، ومسا، وحداد، وتيما، ويطور، ونافس، وقيدما، وهذه الاسماء تختلف في الهجاء واللغة لانها مترجمة من العبرانية، فلما كملت لاسماعيل مائة وثلاثون سنة توفي، فدفن في الحجر، فلما توفي إسماعيل ولي البيت بعده نابت بن إسماعيل، ويقال وليه قيدار، وبعد قيدار نابت بن إسماعيل. وافترق ولد إسماعيل يطلبون السعة في البلاد، وحبس قوم أنفسهم على الحرم، فقالوا: لانبرح من حرم الله. ولما توفي نابت، وقد تفرق ولد إسماعيل، ولي البيت المضاض بن عمرو الجرهمي، جد ولد إسماعيل، وذلك ان من بقي في الحرم من ولد إسماعيل كانوا صغارا، فلما ولي المضاض نازعه السميدع بن هوبر، ثم ظهر عليه المضاض، فمضى السميدع إلى الشأم، وهو أحد ملوك العمالقة، واستقام الامر لمضاض حتى توفي. ثم ملك بعده الحارث بن مضاض، ثم ملك عمرو بن الحارث بن مضاض، ثم ملك المعتسم بن الظليم، ثم ملك الحواس بن جحش بن مضاض، ثم ملك عداد بن صداد بن جندل بن مضاض، ثم ملك ؟ فنحص (1) بن عداد بن صداد، ثم ملك الحارث بن مضاض بن عمرو، وكان آخر من ملك من جرهم. وطغت جرهم، وبغت، وظلمت، وفسقت في الحرم، فسلط الله عليهم الذر، فأهلكوا به عن آخرهم، وكان ولد إسماعيل منتشرين في البلاد يقهرون من ناوأهم، غير انهم كانوا يسلمون الملك لجرهم للخؤولة، وكانت جرهم تطيعهم في أيامهم، ولم يكن أحد يقوم بأمر الكعبة في أيام جرهم غير ولد إسماعيل تعظيما منهم لهم، ومعرفة بقدرهم، فقام بأمر الكعبة بعد نابت أمين، ثم يشجب بن أمين، ثم الهميسع، ثم أدد، فعظم شأنه في قومه، وجل قدره، وأنكر على جرهم أفعالها، وهلكت جرهم في عصره، ثم عدنان بن أدد،


1) هكذا بدون نقط في الاصل (*).

[ 223 ]

ثم معد بن عدنان، ثم افترق ولد عدنان في البلاد، ولحق قوم منهم باليمن، منهم: عك، والديث، والنعمان، فولد لعك من بنت ارغم بن جماهر الاشعري، ثم هلك، وبقي ولده بعده، فانتموا إلى الاخوال والدار. وكان عدنان أول من وضع الانصاب وكسا الكعبة، وكان معد بن عدنان أشرف ولد إسماعيل في عصره، وكانت أمه من جرهم، ولم يبرح الحرم، فكان له من الولد عشرة أولاد، وهم: نزار، وقضاعة، وعبيد الرماح، وقنص، وقناصة، وجنادة، وعوف، وأود، وسلهم، وجنب، وكان معد يكنى أبا قضاعة، فانتسب عامة ولد معد في اليمن، وكان لهم عدد كثير، وانتمت قضاعة إلى ملك حمير، وقضاعة، فيما يقال، ولد على فراش معد، وكان معد أول من وضع رحلا على جمل وناقة، وأول من زمها بالنسع. وكان نزار بن معد سيد بني أبيه وعظيمهم، ومقامه بمكة، وأمه ناعمة بنت جوشم بن عدي بن دب الجرهمية، وكان له من الولد أربعة: مضر، واياد، وربيعة، وأنمار، وأمهم سودة بنت عك بن عدنان، ويقال ان أم مضر واياد حيية بنت عك بن عدنان، وأم ربيعة وانمار جدالة بنت وعلان ابن جوشم الجرهمي. ولما حضرت نزار الوفاة قسم ميراثه على ولده الاربعة، فأعطى مضر وإيادا وربيعة وانمارا ماله، فمضر وربيعة: الصريحان من ولد إسماعيل، فأعطى مضر ناقته الحمراء وما أشبهها من الحمرة، فسمي مضر الحمراء، وأعطى ربيعة الفرس وما أشبهها، فسمي ربيعة الفرس، وأعطى إيادا غنمه وعصاه، وكانت الغنم برقاء، فسمي إياد البرقاء ويقال إياد العصا، وأعطى انمارا جارية له تسمى بجيلة فسمي بها، وامرهم إن تخالفوا ان يتحاكموا إلى الافعى بن الافعى الجرهمي، فكان منزله بنجران، فتحاكموا إليه. فأما انمار بن نزار، فإنه تزوج في اليمن، فانتسب ولده إلى الخوؤلة،


[ 224 ]

فمنهم: بجيلة وخثعم لم يخرج من ولد نزار غيرهم. وأما ربيعة بن نزار، فإنه فارق إخوته، فصار مما يلي بطن عرق إلى بطن الفرات، فولد له أولاد منهم: أسد، وضبيعة، وأكلب، وتسعة بعدها، ولا ينسبون في اليمن. وانتشر ولد ربيعة بن نزار وولد ولده حتى كثروا، وامتلات منهم البلاد، فجماهير قبائل ربيعة: بهثة بن وهب بن جلي بن أحمس بن ضبيعة بن ربيعة، وعنزة بن أسد بن ربيعة، وعبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد ابن ربيعة، ويشكر بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى، وحنيفة ابن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط، وعجل بن لجيم ابن صعب بن علي بن بكر، وقيس بن ثعلبة بن عكابة بن علي بن بكر، وتيم اللات بن ثعلبة بن عكابة. وكانت الحكومة والرئاسة من ربيعة في بني ضبيعة ولد بهثة بن وهب بن جلي بن أحمس بن ضبيعة بن ربيعة، ثم تحولت الحكومة والرئاسة في ولد عنزة بن أسد بن ربيعة، ثم تحولت في عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة، ثم سارت عبد القيس، حتى نزلت اليمامة بسبب حرب كانت بينهم وبين بني النمر بن قاسط، وكانت إياد باليمامة، فأجلوهم، ثم صارت الرئاسة في النمر بن قاسط، ثم تحولت من النمر بن قاسط، فصارت في بني يشكر بن صعب بن علي بن بكر، ثم تحولت الرئاسة من يشكر بن صعب، فصارت في بني تغلب، ثم صارت في بني شيبان. وكانت لربيعة أيام مشهورة وحروب معروفة، فمن مشهور أيامهم: يوم السلان، فإن مذحج أقبلت تريد غزو أهل تهامة ومن بها من أولاد معد، فاجتمع ولد معد لحرب مذحج، وكان أكثرهم ربيعة، فرأسوا عليهم ربيعة ابن الحارث بن مرة بن زهير بن جشم بن بكر، فالتقوا ومذحج بالسلان، فهزموا مذحجا، وكان لهم الظفر.


[ 225 ]

وأما يوم خزاز، فإن اليمن أقبلت، وعليهم سلمة بن الحارث بن عمرو الكندي، فرأست ولد معد كليب بن ربيعة بن الحارث بن مرة، فلما رأى سلمة كثرة القوم استجار ببعض الملوك، فأمده، فالتقوا بخزاز، وعلى ولد معد كليب، ففضت جموع اليمن. وأما يوم الكلاب، فإن سلمة وشرحبيل ابني الحارث بن عمرو الكندي تحاربا، فكان مع سلمة ربيعة ومع شرحبيل قيس، فكثرت ربيعة قيسا، فقتلت شرحبيل بن الحارث بن عمرو، وكان لهم العلو. وأما أيام البسوس فإنها بين بني شيبان وتغلب بسبب قتل جساس بن مرة ابن ذهل بن شيبان كليب بن ربيعة بن الحارث بن مرة بن زهير بن جشم التغلبي، فاشتبكت الحرب، واتصلت حتى أفنتهم، ودامت أربعين سنة. وأما يوم ذي قار، فإنه لما قتل كسرى ابرويز النعمان بن المنذر بعث إلى هانئ بن مسعود الشيباني: ابن ابعث إلي ما كان عبدي النعمان استودعك من أهله وماله وسلاحه، وكان النعمان أودعه ابنته وأربعة آلاف درع، فأبى هانئ وقومه أن يفعلوا، فوجه كسرى بالجيوش من العرب والعجم، فالتقوا بذي قار، فأتاهم حنظلة بن ثعلبة العجلي، فقلدوه أمرهم، فقالوا لهانئ: ذمتك ذمتنا، ولا نخفر ذمتنا، فحاربوا الفرس، فهزموهم ومن معهم من العرب، وكان مع الفرس إياس بن قبيصة الطائي وغيره من إخوة معد، وقحطان، فأتى عمرو بن عدي بن زيد كسرى، وأخبره الخبر، فخلع كتفه، فمات، فكان أول يوم انتصرت فيه العرب من العجم. وأما إياد بن نزار، فإنه نزل اليمامة، فولد له أولاد انتسبوا في القبائل، فيقول النسابون: ان ثقيفا قسي بن النبت بن منبه بن منصور بن يقدم ابن أفصى بن دعمي بن إياد، وإنهم انتسبوا إلى قيس. وكانت ديار إياد، بعد اليمامة، الحيرة، ومنازلهم الخورنق والسدير وبارق، ثم أجلاهم كسرى عن ديارهم، فأنزلهم تكريت، مدينة قديمة على


[ 226 ]

شط دجلة، ثم أخرجهم عن تكريت إلى بلاد الروم، فنزلوا بأنقرة من أرض الروم، ورئيسهم يومئذ كعب بن مامة، ثم خرجوا بعد ذلك، فجماهير قبائل إياد أربعة: مالك، وحذاقة، ويقدم، ونزار، فهذه بطون إياد، وفيهم يقول الاسود بن يعفر التميمي: أهل الخورنق والسدير وبارق، * والقصر ذي الشرفات من سنداد الواطئون على صدور نعالهم، * يمشون في الدفني والابراد عفت الرياح على محل ديارهم، * فكأنما كانوا على ميعاد نزلوا بأنقرة يسيل عليهم * ماء الفرات يجئ من أطواد بلد تخيرها، لطول مقيلها، * كعب بن مامة وابن أم دؤاد وذكر أبودؤاد الايادي بعض ذلك، وكان أبودؤاد أشعر شعرائهم، وبعده لقيط بالعراق، فلما بلغه أن كسرى آلى على نفسه أن ينفي آيادا من تكريت، وهي من أرض الموصل، كتب صحيفة بعث بها إليهم، وفيها: سلام في الصحيفة من لقيط * إلى من بالجزيرة من إياد فإن الليث يأتيكم بياتا، * فلا يشغلكم سوق النقاد أتاكم منهم سبعون ألفا، * يزجون الكتائب كالجراد وأما مضر بن نزار، فسيد ولد أبيه، وكان كريما حكيما، ويروى عنه انه قال لولده: من يزرع شرا يحصد ندامة، وخير الخير أعلجه، فاحملوا أنفسكم على مكروهها، فيما أصلحكم، واصرفوها عن هواها، فيما أفسدكم، فليس بين الصلاح والفساد إلا صبر ووقاية. وروي أن رسول الله قال: لاتسبوا مضر وربيعة، فإنهما كانا مسلمين، وفي حديث آخر: فإنهما كانا على دين إبراهيم، فولد مضر بن نزار الياس


[ 227 ]

ابن مضر وعيلان بن مضر، وأمهما الحنفاء بنت إياد بن معد، فولد عيلان ابن مضر قيس بن عيلان، فانتشر ولده وكثروا، وصار فيه العدد والمنعة، فجماهير قبائل قيس بن عيلان: عدوان بن عمرو بن قيس، وفهم بن عمرو ابن قيس، ومحارب بن خصفة بن قيس، وباهلة بن اعصر بن سعد بن قيس، وفزارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس، وسليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس، وعامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر ابن هوازن، ومازن بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس، وسلول بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، وثقيف، وهو قسي بن منبه بن بكر بن هوازن، وثقيف ينسب إلى إياد بن نزار، وكلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وعقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وقشير بن كعب بن ربيعة، والحريش بن كعب بن ربيعة ابن عامر، وعوف بن عامر بن ربيعة بن عامر، والبكاء بن عامر بن ربيعة. وكانت الرئاسة والحكومة في قيس، وانتقلت في عدوان، وكان أول من حكم منهم ورأس: عامر بن الضرب، ثم صارت في فزارة، ثم صارت في عبس، ثم صارت في بني عامر بن صعصعة، ولم تزل فيهم. وكانت لقيس أيام مشهورة وحروب متصلة منها: يوم البيداء، ويوم شعب جبلة، ويوم الهباءة، ويوم الرقم، ويوم فيف الريح، ويوم الملبط، ويوم رحرحان، ويوم العرى، ويوم حرب داحس والغبراء بين عبس وفزارة. وكان الياس بن مضر قد شرف وبان فضله، وكان أول من أنكر على بني إسماعيل ما غيروا من سنن آبائهم، وظهرت منه أمور جميلة، حتى رضوا به رضا لم يرضوه بأحد من ولد إسماعيل بعد أدد، فردهم إلى سنن آبائهم حتى رجعت سنتهم تامة على أولها، وهو أول من أهدى البدن إلى البيت، وأول من وضع الركن بعد هلاك إبراهيم، فكانت العرب تعظم الياس تعظيم أهل


[ 228 ]

الحكمة، وكان لالياس من الولد: مدركة، واسمه عامر، وطابخة، واسمه عمرو، وقمعة، واسمه عمير، وأمهم جميعا خندف، واسمها ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة. وكان إلياس قد أصابه السل، فقالت خندف امرأته: لئن هلك لا أقمت ببلد مات به ! وحلفت الا يظلها بيت، وأن تسيح في الارض. فلما مات خرجت سائحة في الارض حتى هلكت حزنا. وكانت وفاته يوم الخميس، فكانت تبكيه، وإذا طلعت شمس ذلك اليوم بكت حتى تغيب، فصارت مثلا. وقيل لرجل من إياد هلكت امرأته: ألا تبكيها ؟ فقال: لو انه أغنى بكيت كخندف * على الياس، حتى ملها السر تندب إذا مؤنس لاحت خراطيم شمسه * بكت غدوة حتى ترى الشمس تغرب يعني بقوله مؤنس: يوم الخميس، لان العرب كانت تسمي الايام بغير أسمائها في هذا الوقت، فكانت تسمي الاحد الاول، والاثنين اهون، والثلاثاء جبار، والاربعاء دبار، والخميس مؤنسا، والجمعة عروبة، والسبت شيار، وكانوا يسمون أيام الشهر عشرة أسماء كل ثلاث ليال اسم، فالثلاث التي أول الهلال الغرر، ثم النفل، ثم التسع، ثم العشر، ثم البيض، ثم الظلم، ثم الخنس، ثم الحنادس، ثم المحاق، والآخر ليلة السرار، إذا استسر الهلال، وكانوا يسمون المحرم مؤتمرا، وصفرا ناجرا، وربيعا الاول خوان، وربيعا الآخر وبصان، وجمادى الاولى حنين، وجمادى الآخرة ربى، ورجبا الاصم، وشعبان العاذل، ورمضان ناتقا، وشوالا وعلا، وذا القعدة ورنة، وذا الحجة بركا، وكان آخرون من العرب يسمون الثلاث ليال من أول الشهر هلالا، ثم ثلاث قمر حين يقمر، ثم ثلاث بهر حين يضئ ويبهر لونه، وثلاث نقل، وثلاث بيض، وثلاث درع، وثلاث ظلم، وثلاث حنادس، وثلاث دآدي، وليلتان محاق، وليلة سرار. وولد لطابخة بن إلياس اد بن طابخة، فتفرقت من ولد اد بن طباخة أربع


[ 229 ]

قبائل، وهي: تميم بن مر بن اد، والرباب، وهو عبد مناة بن اد، وضبة بن أد، ومزينة بن أد، وكان العدد في تميم بن مر بن أد، حتى امتلات منهم البلاد، وافترقت قبائل تميم، فمن جماهير قبائل تميم: كعب بن سعد بن زيد مناة، وحنظلة بن مالك بن زيد مناة، وهم يسمون البراجم، وبنو دارم، وبنو زرارة بن عدس، وبنو أسد، وعمرو بن تميم، فهؤلاء ولد أد بن طابخة بن إلياس بن مضر، وفيهم العدد والمنعة والبأس والنجدة والشعر والفصاحة، وكانت الرئاسة في تميم، وكان أول رئيس فيهم: سعد بن زيد مناة بن تميم، ثم حنظلة بن مالك بن زيد مناة، وكانت لهم أيام مشهورة وحروب معروفة، فمنها يوم الكلاب، ويوم المروت، ويوم جدود، ويوم النسار. وكان مدركة بن إلياس سيد ولد نزار قد بان فضله، وظهر مجده، وخرج أخوه قمعة إلى خزاعة، فتزوج فيهم، وصار ينسب ولده معهم، وكان ولده فيهم، وكان من ولده عمرو بن لحي بن قمعة، وهو أول من غير دين إبراهيم، وولد مدركة بن إلياس خزيمة، وهذيلا، وحارثة، وغالبا، وأمهم سلمى ابنة الاسود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة، ويقال: بنت أسد بن ربيعة بن نزار، وأما حارثة فدرج صغيرا، وأما غالب فانتسبوا في بني خزيمة، وأما هذيل بن مدركة، فإن العدد منهم في بني سعد بن هذيل، ثم تميم بن سعد، ثم في معاوية بن تميم، والحارث بن تميم وهذيل شجعان أصحاب حروب وغارات ونجدة وفصاحة وشعر. وكان خزيمة أحد حكام العرب، ومن يعد له الفضل والسؤدد، فولد خزيمة بن مدركة كنانة، وأمه عوانة بنت قيس بن عيلان، واسد والهون، وأمهم برة بنت مر بن أد بن طابخة أخت تميم بن مر، فأما أسد بن خزيمة، فإن ولده انتشروا في اليمن، وهم: جذام، ولخم، وعاملة بنو عمرو بن أسد، وكانت مضر تدعي جذاما خاصة، وبنو أسد مقيمون على أنهم منهم يواصلونهم على ذلك، ويعدونهم منهم، قال امرؤ القيس بن حجر الكندي:


[ 230 ]

صبرنا عن عشيرتنا، فبانوا، * كما صبرت خزيمة عن جذام وقال عبد المطلب بن هاشم في شعر له: فقل لجذام إن أتيت بلادهم، * وخص بني سعد بها ثم وائل أنيلوا، وأدنوا من وسائل قومكم * فيعطف منكم قبل قطع الوسائل وقال عبيد بن الابرص في شعر له طويل: أبلغ جذاما ولخما ان عرضت لهم، * والقوم ينفعهم علم إذا علموا بأنكم في كتاب الله إخوتنا، إذا تقسمت الارحام والنسم ويقال ان هذا الشعر لشمعان بن هبيرة الاسدي، فأما جذام بن عدي ابن الحارث، فإنها مقيمة على نسبها في اليمن، فتقول: جذام بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن يشجب بن عريب بن مالك بن كهلان، وكان لاسد ابن خزيمة من الولد: دودان، وكاهل، وعمرو، وهند، والعصب، وتغلب، وكان العدد في دودان، ومنه افترقت قبائل بني أسد. وقبائل بني اسد قعين، وفقعس، ومنقذ، ودبان، ووالبة، ولاحق، وحرثان، ورئاب، وبنو الصيداء، وكانت اسد منتشرة من لدن قصور الحيرة إلى تهامة، وكانت الطئ محالفة متفقة معها، ودارهما تكاد ان تكون واحدة، وكانت محاربة لكندة، حتى قتلت حجر بن الحارث بن عمرو الكندي، وهرب امرؤ القيس، وذلت كندة، ثم حاربت بني فزارة، حتى قتلت بدر ابن عمرو، ثم اختلف الذي بينها وبين طئ، فتحارب الحيان أسد وطئ حتى قتلوا لام بن عمرو الطائي، وأسروا زيد بن مهلهل، وهو زيد الخيل، وأخذوا السبايا، وقال زيد الخيل: ألا أبلغ الا قياس: قيس بن نوفل * وقيس بن اهبان وقيس بن جابر


[ 231 ]

بني أسد ردوا علينا نساءنا، * وأبناءنا، واستمتعوا بالاباعر وبالمال، إن المال أهون هالك، * إذا طرقت إحدى الليالي الغوابر ولا تجعلوها سنة يقتدي بها * بنو أسد، واعفوا بأيد قوادر فأطلقوه وردوا ظعائنهم لما سمعوا هذا الشعر، وبقي بفرس لزيد، وكان زيد يحب الخيل، فقال زيد: يا بني الصيداء ردوا فرسي، * إنما يفعل هذا بالذليل عودوا مهري الذي عودته * دلج الليل، وايطاء القتيل فردوا عليه فرسه، وكانت بنو أسد تقول: قتلنا أربعة كلهم بنو عمرو، وكل سيد قومه، قتلنا حجر بن عمرو ملك كندة، ولام بن عمرو الطائي، وصخر بن عمرو السلمي، وبدر بن عمرو الفزاري. والهون بن خزيمة، وهو القارة، وإنما سموا القارة لان بني كنانة لما خرجت بنو أسد بن خزيمة من تهامة، وخالفوا كنانة، وضموا القليل إلى الكثير، جعلوا بني الهون بن خزيمة قارة بينهم لاحد دون أحد. ويقال ان بني الهون نزلوا أرضا منخفضة، والعرب يسمون الارض المنخفضة القارة، فقيل لهم: أصحاب القارة، والقارة المرامي، فقال بعضهم: قد أنصف القارة من راماها، ويقال ان حربا جرت بين الهون بن خزيمة وبين بكر بن كنانة، فقال رجل من بني بكر: أيما أحب إليكم، المراماة، أو المسابقة ؟ فقال رجل منهم: قد علمت سلم، ومن والاها، * أنا نصد الخيل عن هواها قد أنصف القارة من راماها، * أما إذا ما فئة نلقاها نردها دامية كلاها


[ 232 ]

وقبائل بني الهون بن خزيمة عضل وديش ابنا ييثع بن الهون بن خزيمة، فأما الحكم بن الهون بن خزيمة، فإنه صار إلى اليمن، فحل بلاد مذحج، فولد له بها أولاد، ومات، فانتسب ولده إلى حكم بن سعد العشيرة. وظهر في كنانة بن خزيمة فضائل لا يحصى شرفها، وعظمته العرب، فروي ان كنانة أتي، وهو نائم في الحجر، فقيل له: تخير يا أبا النضر بين الهضيل أو الهدر، أو عمارة الجدر، أو عز الدهر ! فقال: كل هذا يا رب ! فأعطيه، فولد كنانة بن خزيمة النضر، وحدال، وسعدا، ومالكا، وعوفا، ومخرمة، وأمهم هالة بنت سويد بن الغطريف، وهو حارثة بن امرئ القيس ابن ثعلبة بن مازن بن الغوث، وعليا، وغزوان، وأمهما برة بنت مر، وجرولا، والحارث، وأمهما من ازد شنوءة، وعبد مناة، وأمه الذفراء، واسمها فكيهة بنت هني بن بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، فأما مخرمة، فيقال انهم بنو ساعدة، رهط سعد بن عبادة، وبنو عبد مناة بن كنانة، فهم عدد كنانة، فمنهم: بنو ليث بن بكر بن عبد مناة، وبنو الدئل بن بكر، وبنو ضمرة بن بكر منهم: بنو غفار بن مليك بن ضمرة، وبنو جذيمة بن عامر بن عبد مناة الذين أصابهم خالد بن الوليد بالغميصاء، وبنو مدلج بن مرة بن عبد مناة. ومن بني مالك بن كنانة بن خزيمة: بنو فقيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة ابن الحارث بن مالك بن كنانة، ومن بني فقيم كان النسأة، وهم القلامس، كانوا ينسئون ويحلون ويحرمون، وكان أولهم حذيفة بن عبد فقيم الذي يسمى القلمس، ثم صار ذلك في ولده، فقام بعده عباد بن حذيفة ابنه، ثم بعد عباد قلع بن عباد، ثم أمية بن قلع، ثم عوف بن أمية، ثم جنادة بن عوف، وهو أبو ثمامة، ومنهم فراس بن غنم بن مالك بن كنانة، فهذه جماهير قبائل كنانة. وأما النضر بن كنانة، فكان أول من سمي القرشي، يقال انه سمي القرشي لتقرشه وارتفاع همته، وقيل لتجارته وبساره، ويقال لدابة في


[ 233 ]

البحر تسمى القرش، سمته أمه قريشا تصغير قرش، فمن لم يكن من ولد النضر بن كنانة، فليس بقرشي، فولد النضر بن كنانة مالكا، ويخلد، والصلت، وكان النضر أبا الصلت، وأم ولد النضر عكرشة بنت عدوان ابن عمرو بن قيس بن عيلان، وأما يخلد فلم يبق منهم أحد يعرف، وأما ولد الصلت، فصاروا في خزاعة، وكان من ولده كثير بن عبد الرحمن الشاعر، وهو الذي يقول في النسب: أليس أبي بالصلت أم ليس إخوتي * بكل هجان من بني النضر أزهرا وكان مالك بن النضر عظيم الشأن، وكان له من الولد: فهر، والحارث، وشيبان، وأمهم جندلة بنت الحارث بن مضاض بن عمرو بن الحارث الجرهمي، ويقال ان اسم فهر بن مالك: قريش، وإنما فهر لقب، والاسم قريش. وظهر في فهر بن مالك علامات فضل في حياة أبيه، فلما هلك أبوه قام مقامه، وكان لفهر بن مالك بن الولد: غالب، والحارث، ومحارب، وجندلة، وأمهم ليلى بنت الارث بن تميم بن سعد بن هذيل، فمن ولد الحارث ابن فهر ضبة بن الحارث رهط أبي عبيدة بن الجراح، ومن ولد محارب بن فهر شيبان بن محارب: رهط الضحاك بن قيس، وكان غالب بن فهر أفضلهم وأظهرهم مجدا، فيروى أن فهر بن مالك قال لابنه غالب، حين حضرته الوفاة: اي بني ! ان في الحذر انغلاق النفس، وإنما الجزع قبل المصائب، فإذا وقعت مصيبة برد حرها، وإنما القلق في غليانها، فإذا قامت، فبرد حر مصيبتك بما ترى من وقع المنية أمامك وخلفك، وعن يمينك وعن شمالك، وما ترى في آثارها من محق الحياة، ثم اقتصر على قليلك، وإن قلت منفعته، فقليل ما في يدك أغنى لك من كثير مما أخلق وجهك إن صار إليك، فلما مات فهر شرف غالب بن فهر وعلاه أمره، وكان له من الولد لؤي، وتيم الادرم، وأمهما عاتكة بنت يخلد بن النضر بن كنانة، وتغلب، ووهب،


[ 234 ]

وكثير، وحراق، هؤلاء لابقية لهم، فأما تيم الادرم، فإنه أعقب. وكان لؤي بن غالب سيدا شريفا بين الفضل، يروى انه قال لابيه غالب ابن فهر، وهو غلام حدث: يا ابه ! رب معروف قل إخلافه، ونصر، يا ابه، من أخلفه اخمله، وإذا أخمل الشئ لم يذكر، وعلى المولى تكبير صغيره ونشره، وعلى المولى تصغير كبيره وستره. فقال له أبوه: يا بني اني أستدل بما أسمع من قولك على فضلك، واستدعي بن الطول لك في قومك، فإن ظفرت بطول، فعد على قومك، واكف غرب جهلهم بحلمك، والمم شعثهم برفقك، فإنما يفضل الرجال الرجال بأفعالهم، فإنها على أوزانها (1)، وأسقط الفضل، ومن لم تعل له درجة على آخر لم يكن له فضل، وللعليا أبدا على السفلى فضل. فلما مات غالب بن فهر قام لؤي بن غالب مقامه. وكان للؤي من الولد: كعب، وعامر، وسامة، وخزيمة، وأمهم عائذة، وعوف، والحارث، وجشم، وأمهم ماوية بنت كعب بن القين، وسعد بن لؤي، وأمه يسرة بنت غالب بن الهون بن خزيمة، فأما سامة بن لؤي، فإنه هرب من أخيه عامر بن لؤي، وذلك انه كان بينهما شر، فوثب سامة على عامر ففقأ عينه، فأخافه عامر، فهرب منه، فصار إلى عمان، فيقال انه مر ذات يوم على ناقة له، فوضعت الناقة مشفرها في الارض، فعلقتها أفعى ونفضتها، فوقعت على سامة، فنهشت الافعى ساقه، فقتلته، فقال فيما يزعمون، حين أحس بالموت: عين فابكي لسامة بن لؤي، * علقت ما بساقه العلاقه لم يروا مثل سامة بن لؤي، * يوم حلوا به، قتيلا لناقه بلغا عامرا وكعبا رسولا * أن نفسي إليهما مشتاقه إن تكن في عمان داري، فإني * ماجد قد خرجت من غير فاقه


1) سقط بعض الكلام هنا (*).

[ 235 ]

رب كأس هرقت يابن لؤي * حذر الموت لم تكن مهراقه رمت دفع الحتوف، يابن لؤي، * ما لمن رام ذاك بالحتف طاقه فأما خزيمة بن لؤي، وهو عائذة، فإنه نزل في شيبان، فانتسب ولده في ربيعة، وأما الحارث، وهو جشم وسعد، فإنهم نزلوا في هزان فانتسبوا فيهم، وفيهم يقول جرير بن الخطفى: بني جشم لستم لهزان، فانتموا * لاعلى الروابي من لؤي بن غالب وأما عوف بن لؤي، فإنه خرج فيما يزعمون في ركب من قريش، حتى إذا كان في أرض غطفان أبطأ به بعيره، فانطلق من كان معه من قومه، فأتاه ثعلبة بن سعد بن ذبيان، فاحتبسه، وجعله له أخا، فصار نسبه في عوف ابن سعد بن ذبيان، قال الحارث بن ظالم، وهو من بني مرة بن عوف: وما قومي بثعلبة بن سعد، * ولا بفزارة الشعر الرقابا وقومي إن سألت بني لؤي، * بمكة علموا مضر الضرابا سفهنا باتباع بني بغيض، * وترك الاقربين لنا انتسابا وقال الحارث بن ظالم في ذلك أيضا: إذا فارقت ثعلبة بن سعد * وإخوتهم نسبت إلى لؤي إلى نسب كريم غير… (1)، * وحي هم أكارم كل حي فإن يبعد بهم نسبي، فمنهم * قرابين الاله بنو قصي وللحارث بن ظالم في هذا شعر كثير، وقد كان عمر بن الخطاب دعا بني عوف إلى أن يردهم إلى نسبهم في قريش، فشاوروا علي بن أبي طالب،


1) بياض في الاصل (*).

[ 236 ]

فقال لهم: أنتم أشراف في قومكم، فلا تكونوا مستلحقين في قريش، فأما عامر بن لؤي فإنه كان له من الولد حسل بن عامر، ومعيص بن عامر، وعويص بن عامر، وأمهم امرأة من قرن، وليس لعويص بن عامر بقية، والبقية في حسل ومعيص. فأما كعب بن لؤي، فكان أعظم ولد أبيه قدرا، وأعظمهم شرفا، وكان أول من سمى يوم الجمعة بالجمعة، وكانت العرب تسميه عروبة، فجمعهم فيه، وكان يخطب عليهم، فيقول: اسمعوا، وتعلموا، وافهموا، واعلموا أن الليل ساج، والنهار ضاح، والارض مهاد، والسماء عماد، والجبال أوتاد، والنجوم أعلام، والاولون كالآخرين، والابناء ذكر، فصلوا أرحامكم، واحفظوا أصهاركم، وثمروا أموالكم، فهل رأيتم من هالك رجع، أو ميت نشر الدار أمامكم، والظن غير ما تقولون، وحرمكم زينوه وعظموه، وتمسكوا به، فسيأتي نبأ عظيم، وسيخرج منه نبي كريم، ثم يقول: نهار وليل كل يؤوب بحادث، * سواء علينا ليلها ونهارها يؤوبان بالاحداث حين يؤوبا، * وبالنعم الضافي علينا ستورها صروف، وأنباء تغلب أهلها، * لها عقد ما يستحل مريرها على غفلة يأتي النبي محمد، فيخبر أخبارا صدوقا خبيرها ثم يقول: يا ليتني شاهد نجوى دعوته، لو كنت ذا سمع، وذا بصر ويد ورجل تنصبت له تنصب العجل، وارقلت ارقام الجمل، فرحا بدعوته، جذلا بصرخته، فلما مات كعب أرخت قريش من موت كعب. وكان لكعب من الولد: مرة، وهصيص، وأمهما وحشية ابنة شيبان ابن محارب بن فهر بن مالك، وعدي بن كعب، وأمه حبيبة بنت بجالة بن سعد بن فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان، فعدي بن كعب رهط عمر بن


[ 237 ]

الخطاب، وولد هصيص بن كعب سهما وجمحا. وكان مرة بن كعب سيدا هماما، فتزوج هند بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة، وكان سرير أول من نسأ الشهور، فولدت هند لمرة كلابا، ثم تزوج مرة…. (1) بنت سعد بن بارق، فولدت له تيما ويقظة، فتيم بن مرة رهط أبي بكر، ومخزوم بن يقظة بن مرة رهطه أيضا. وشرف كلاب بن مرة، وجل قدره، واجتمع له شرف الاب والجد من قبل الام لانهم كانوا يجيزون الحج، ويحرمون الشهور، ويحللونها، فكانوا يسمون النسأة والقلامس، وكان لكلاب بن مرة من الولد: قصي، وزهرة، وفيهما قال رسول الله: صريحا قريش بن كلاب، وأمهما فاطمة بنت سعد بن سيل الازدي، وكان سعد بن سيل أول من حليت له السيوف بالذهب والفضة، وله يقول الشاعر: لاأرى في الناس شخصا واحدا، * فاعلموا ذاك، كسعد بن سيل فلما مات كلاب تزوجت فاطمة بنت سعد بن سيل ربيعة بن حرام العذري، فخرج بها إلى بلاد قومه، فحملت قصيا معها، وكان اسمه زيدا، فلما بعد من دار قومه سمته قصيا، فلما شب قصي، وهو في حجر ربيعة، قال له رجل من بني عذرة: الحق بقومك، فإنك لست منا ! فقال: ممن أنا ؟ فقال: سل أمك ! فسألها، فقالت: أنت أكرم منه نفسا، وولدا، ونسبا ! أنت ابن كلاب بن مرة، وقومك آل الله، وفي حرمه. وكانت قريش لم تفارق مكة، إلا أنهم لما كثروا قلت المياه عليهم، فتفرقوا في الشعاب، فكره قصي الغربة، وأحب أن يخرج إلى قومه، فقالت له أمه: لا تعجل حتى يدخل الشهر الحرام، فتخرج في حجاج قضاعة، فإني أخاف عليك ! فلما دخل الشهر الحرام شخص معهم حتى قدم مكة،


1) بياض في الاصل (*).

[ 238 ]

وأقام قصي بمكة، حتى شرف وعز وولد له الاولاد. وكانت حجابة البيت إلى خزاعة، وذلك ان الحجابة كانت إلى إياد، فلما أرادوا الرحيل عن مكة حملوا الركن على جمل، فلم ينهض الجمل، فدفنوه، وخرجوا، وبصرت بهم امرأة من خزاعة حين دفنوه، فلما بعدت إياد اشتد ذلك على مضر، وأعظمته قريش وسائر مضر، فقالت الخزاعية لقومها: اشرطوا على قريش وسائر مضر أن يصيروا إليكم حجابة البيت، حتى أدلكم على الركن، ففعلوا ذلك، فلما أظهروا الركن صيروا إليهم الحجابة، فقدم قصي بن كلاب مكة، والحجابة إلى خزاعة، والاجازة إلى صوفة، وهو الغوث بن مر أخي تميم، وكان الحج واجازة الناس من عرفات إليه، ثم صارت إلى عقبه من بعده، وبنو القيس بن كنانة ينسئون الشهور، ويحلون، ويحرمون، فلما رأى قصي ذلك جمع إليه قومه من بني فهر بن مالك، وحازهم إليه، فلما حضر الحج حال بين صوفة وبين الاجازة، وقامت معه خزاعة وبنو بكر، وعلموا أن قصيا سيصنع بهم كما صنع بصوفة، وانه سيحول بينهم وبين أمر مكة وحجابة البيت، وانحازوا عنه، وصاروا عليه، فلما رأى ذلك أجمع لحربهم، وبعث إلى أخيه من أمه دراج بن ربيعة العذري، فأتاه أخوه بمن قدر عليه من قضاعة، وقيل: وافى دراج، وقصي قد نصب لحرب القوم، ودراج يريد البيت، فأعان أخاه بنفسه وقومه، فاقتتلوا قتالا شديدا بالابطح، حتى كثرت القتلى في الفريقين، ثم تداعوا إلى الصلح، وان يحكم ما بينهم رجل من العرب فيما اختلفوا فيه، فحكموا يعمر بن عوف بن كعب بن ليث ابن بكر بن كنانة، فقضى بينهم بأن قصيا أولى بالبيت وأمر مكة من خزاعة، وان كل دم أصابه قصي من خزاعة وبني بكر موضوع يشدخه تحت قدميه، وان ما أصابت خزاعة وبنو بكر من قريش ففيه الدية، فودوا خمسا وعشرين بدنة وثلاثين حرجا، وان يخلوا بين قصي وبين البيت ومكة، فسمي يعمر الشداخ.


[ 239 ]

ولم يكن بمكة بيت في الحرم، إنما كانوا يكونون بها نهارا، فإذا أمسوا خرجوا، فلما جمع قصي قريشا، وكان أدهى من رئي من العرب، انزل قريشا الحرم، وجمعهم ليلا، وأصبح بهم حول الكعبة، فمشت إليه أشراف بني كنانة، وقالوا: ان هذا عظيم عند العرب، ولو تركناك ما تركتك العرب. فقال: والله لا أخرج منه، فثبت. وحضر الحج، فقال لقريش: قد حضر الحج، وقد سمعت العرب ما صنعتم، وهم لكم معظمون، ولا أعلم مكرمة عند الرب أعظم من الطعام، فليخرج كل إنسان منكم من ماله خرجا ! ففعلوا، فجمع من ذلك شيئا كثيرا، فلما جاء أوائل الحج نحر على كل طريق من طرق مكة جزورا، ونحر بمكة، وجعل حظيرة، فجعل فيها الطعام من الخبز واللحم، وسقى الماء واللبن، وغدا على البيت، فجعل له مفتاحا وحجبة، وحال بين خزاعة وبينه، فثبت البيت في يد قصي، ثم بنى داره بمكة، وهي أول دار بنيت بمكة، وهي دار الندوة. وروى بعضهم انه لما تزوج قصي إلى حليل بن حبشية الخزاعي حبى ابنته، وولدت له، أوصى حليلا عند موته بولاية البيت إلى قصي، وقال: إنما ولدك ولدي، وأنت أحق بالبيت. وكانت حبى بنت حليل بن حبشية قد ولدت لقصي بن كلاب، عبد مناف، وعبد الدار، وعبد العزى، وعبد قصي، وقال آخرون: دفع حليل بن حبشية المفتاح إلى أبي غبشان، وهو سليمان بن عمرو بن بوي بن ملكان بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر، فاشتراه قصي منه وولاية البيت بزق خمر وقعود، فقيل: اخس من صفقة أبي غبشان، ووثبت خزاعة، فقالت: لا نرضى بما صنع أبوغبشان، فوقعت بينهم الحرب، فقال بعضهم: أبوغبشان أظلم من قصي، * وأظلم من بني فهر خزاعه


[ 240 ]

فلا تلحوا قصيا في شراه، * ولوموا شيخكم إذ كان باعه فولي قصي البيت وأمر مكة والحكم، وجمع قبائل قريش، فأمر لهم بأبطح مكة، وكان بعضهم في الشعاب ورؤوس الجبال، فقسم منازلهم بينهم، فسمي مجمعا، وفيهم يقول الشاعر: أبوكم قصي كان يدعى مجمعا، * به جمع الله القبائل من فهر وملكه قومه عليهم، فكان قصي أول من أصاب الملك من ولد كعب ابن لؤي، فلما قسم أبطح مكة أرباعا بين قريش، هابوا أن يقطعوا شجر الحرم ليبنوا منازلهم، فقطعها قصي بيده، ثم استمروا على ذلك. وكان قصي أول من أعز قريشا، وظهر به فخرها، ومجدها، وسناها، وتقرشها، فجمعها، وأسكنها مكة، وكانت قبل متفرقة الدار، قليلة العز، ذليلة البقاع، حتى جمع الله الفتها، وأكرم دارها، وأعز مثواها. وكانت قريش كلها بالابطح خلا بني محارب والحارث ابني فهر، ومن بني تيم بن غالب، وهو الادرم، وبني عامر بن لؤي، فإنهم نزلوا الظواهر، ولما حاز قصي شرف مكة كلها، وقسمها بين قريش، واستقامت له الامور، ونفى خزاعة، هدم البيت، ثم بناه بنيانا لم يبنه أحد، وكان طول جدرانه تسع أذرع، فجعله ثماني عشرة ذراعا، وسقفها بخشب الدوم وجريد النخل، وبنى دار الندوة. وكان لا ينكح رجل من قريش، ولا يتشاورون في أمر، ولا يعقدون لواء بالحرب، ولا يعذرون غلاما، إلا في دار الندوة، وكانت قريش في حياته، وبعد وفاته، يرون أمره كالدين المتبع، وكان أول من حفر بمكة بعد إسماعيل بن إبراهيم، فحفر العجول في أيام حياته، وبعد وفاته، ويقال انها في دار أم هانئ بنت أبي طالب. وكان قصي أول من سمى الدابة الفرس، وكانت له دابة يقال لها


[ 241 ]

العقاب السوداء، وكان لقصي من الولد عبد مناف، وكان يدعى القمر، وهو السيد النهر، واسمه المغيرة، وعبد الدار، وعبد العزى، وعبد قصي، ويقال ان قصيا قال: سميت اثنين بإلهي، وآخر بداري، وآخر بنفسي. وقسم قصي بين ولده، فجعل السقاية والرئاسة لعبد مناف، والدار لعبد الدار، والرفادة لعبد العزى، وحافتي الوادي لعبد قصي، وقال قصي لولده: من عظم لئيما شاركه في لؤمه، ومن استحسن مستقبحا شركه فيه، ومن لم تصلحه كرامتكم، فدلوه بهوانه، فالدواء يحسم الداء. ومات قصي، فدفن بالحجون، ورأس عبد مناف بن قصي، وجل قدره، وعظم شرفه. ولما كبر أمر عبد مناف ابنه جاءته خزاعة وبنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة يسألونه الحلف ليعزوا به، فعقد بينهم الحلف الذي يقال له حلف الاحابيش، وكان مدبر بني كنانة الذي سأل عبد مناف عقد الحلف: عمرو بن هلل بن معيص بن عامر، وكان تحالف الاحابيش على الركن: يقوم رجل من قريش وآخر من الاحابيش، فيضعان أيديهما على الركن، فيحلفان بالله القاتل، وحرمة هذا البيت، والمقام، والركن، والشهر الحرام على النصر على الخلق جميعا، حتى يرث الله الارض ومن عليها، وعلى التعاقد، وعلى التعاون على كل من كادهم من الناس جميعا ما بل بحر صوفة، وما قام حرى وثبير، وما طلعت شمس من مشرقها إلى يوم القيامة، فسمي حلف الاحابيش. فولد عبد مناف بن قصي هاشما، واسمه عمرو، وكان يقال له عمرو العلى، وسمي هاشما، لانه كان يهشم الخبز، ويصب عليه المرق واللحم في سنة شديدة نالت قريشا، وعبد شمس، والمطلب، ونوفلا، وأبا عمرو، وحنة، وتماضر، وأم الاخثم، وأم سفيان، وهالة، وقلابة، وأمهم جميعا، إلا نوفلا وأبا عمرو: عاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان ابن ثعلبة بن بهثة بن سليم، فولدت له هؤلاء، وهي التي جرت حلف


[ 242 ]

الاحابيش…. (1) وأم نوفل وأبي عمرو: واقدة بنت أبي عدي، وهو عامر بن عبد نهم من بني عامر بن صعصعة، ويقال ان هاشما وعبد شمس كانا توأمين، فخرج هاشم، وتلاه عبد شمس، وعقبه ملتصق بعقبه، فقطع بينهما بموسى، فقيل: ليخرجن بين ولد هذين من التقاطع ما لم يكن بين أحد. وشرف هاشم بعد أبيه، وجل أمره، واصطلحت قريش على أن يولى هاشم بن عبد مناف الرئاسة والسقاية والرفادة، فكان إذا حضر الحج قام في قريش خطيبا، فقال: يا معشر قريش ! انكم جيران الله وأهل بيته الحرام، وانه يأتيكم في هذا الموسم زوار الله يعظمون حرمة بيته، فهم أضياف الله، وأحق الضيف بالكرامة ضيفه، وقد خيركم الله بذلك، وأكرمكم به، تم حفظ منكم أفضل ما حفظ جار من جاره، فأكرموا ضيفه وزواره، فإنهم يأتون شعثا غبرا من كل بلد على ضوامر كالقداح، وقد أعيوا وتفلوا، وقملوا، وارملوا، فاقروهم، واغنوهم ! فكانت قريش ترافد على ذلك. وكان هاشم يخرج مالا كثيرا، ويأمر بحياض من أدم، فتجعل في موضع زمزم، ثم يسقى فيها من الآبار التي بمكة، فيشرب منها الحاج، وكان يطعمهم بمكة ومنى وعرفة وجمع، وكان يثرد لهم الخبز واللحم والسمن والسويق، ويحمل لهم المياه، حتى يتفرق الناس إلى بلادهم، فسمي هاشما. وكان أول من سن الرحلتين: رحلة الشتاء إلى الشأم ورحلة الصيف إلى الحبشة إلى النجاشي، وذلك ان تجارة قريش لا تعدو مكة، فكانوا في ضيق، حتى ركب هاشم إلى الشأم، فنزل بقيصر، فكان يذبح في كل يوم شاة، ويضع جفنة بين يديه، ويدعو من حواليه. وكان من أحسن الناس وأجملهم، فذكر لقيصر، فأرسل إليه، فلما رآه، وسمع كلامه، أعجبه، وجعل يرسل إليه، فقال هاشم: أيها الملك إن لي قوما، وهم تجار العرب، فتكتب لهم كتابا يؤمنهم ويؤمن تجاراتهم، حتى


1) بياض في الاصل (*).

[ 243 ]

يأتوا بما يستطرف من أدم الحجاز وثيابه، ففعل قيصر ذلك، وانصرف هاشم، فجعل كلما مر بحي من العرب أخذ من أشرافهم الايلاف أن يأمنوا عندهم وفي أرضهم، فأخذوا الايلاف من مكة والشام. قال الاسود بن شعر الكلبي: كنت عسيفا لعقيلة من عقائل الحي اركب الصعبة والذلول، لا اليق مطرحا من البلاد أرتجي فيه ربحا من الاموال، إلا يرغب إليه من الشأم (1) بخرثيه، وأثاثه، أريد كبة العرب، فعدت، ودهم الموسم فدفعت إليها مسدفا، فحبست الركاب، حتى انجلى عني قميص الليل، فإذا قباب سامية مضروبة من أدم الطائف، وإذا جزر تنحر وأخرى تساق وإكلة وجبنة على الظهار… (2) ألا عجلوا ! فبهرني ما رأيت، فتقدمت أريد عميدهم، وعرف رجل شأني، فقال: أمامك ! فدنوت، فإذا رجل على عرش سام تحته نمرقة قد كار عمامة سوداء، وأخرج من ملاثمها جمة فينانة، كأن الشعرى تطلع من جبينه، وفي يده مخصرة، وحوله مشيخة جلة منكسو الاذقان، ما منهم أحد يفيض بكلمة، ودونهم خدم مشمرون إلى انصاف، وإذا برجل مجهر على نشز من الارض ينادي: يا وفد الله، هلموا الغداء ! وانسيان على طريق من طعم يناديان: يا وفد الله ! من تغدى فليرجع إلى العشاء ! وقد كان نمي إلي من حبر من أحبار اليهود: ان النبي الامي هذا أوان توكفه، فقلت: لاعرف ما عنده، يا نبي الله ! فقال: مه، وكأن قد له، فقلت لرجل كان إلى جانبي: من هذا ؟ فقال: أبو نضلة هاشم بن عبذ مناف، فخرجت، وأنا أقول: هذا والله المجد لا مجد آل جفنة، ومر مطرود بن كعب الخزاعي برجل مجاور في بني هاشم، وبنات له وامرأة في سنة شديدة، فخرج يحمل متاعه ورحله هو وولده وامرأته لا يؤويه أحد، فقال مطرود الخزاعي:


1) يوجد هنا سقط في الكلام. 2) بياض في الاصل (*).

[ 244 ]

يا أيها الرجل المحول رحله ! * هلا نزلت بآل عبد مناف ؟ هبلتك أمك لو حللت بدارهم، * ضمنوك من جوع ومن اقراف عمرو العلى هشم الثريد لقومه، * ورجال مكة مسنتون عجاف (1) نسبوا إليه الرحتين كليهما * عند الشتاء ورحلة الاصياف الآخذون العهد في آفاقها، * والراحلون لرحلة الايلاف وخرج هاشم بتجارات عظيمة يريد الشأم، فجعل يمر بأشراف العرب، فيحمل لهم التجارات، ولا يلزمهم لها مؤونة، حتى صار إلى غزة، فتوفي بها. ولما هلك هاشم بن عبد مناف جزعت قريش، وخافت أن تغلبها العرب، فخرج عبد شمس إلى النجاشي ملك الحبشة، فجدد بينه وبينه العهد، ثم انصرف، فلم يلبث أن مات بمكة، ودفن بالحجون، وخرج نوفل إلى العراق، وأخذ عهدا من كسرى، ثم أقبل، فمات بموضع يقال له سلمان، وقام بأمر مكة المطلب بن عبد مناف. وكان لهاشم من الولد عبد المطلب، والشفاء، وأمهما سلمى بنت عمرو ابن زيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، واسم النجار تيم الله ابن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج، ونضلة بن هاشم وأمه أميمة بنت عدي بن عبد الله، وأسد أبو فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب، وأمه قيلة بنت عامر ابن مالك بن المطلب، وأبو صيفي انقرض نسله، إلا من رقيقة بنت أبي صيفي، وصيفي درج صغيرا، وأمهما هند بنت عمرو بن ثعلبة بن الخزرج، وضعيفة، وخالدة، وأمهما واقدة بنت أبي عدي، وحنة بنت هاشم، وأمها أم عدي بنت حبيب بن الحارث الثقفية. وكان هاشم لما أراد الخروج إلى الشأم حمل امرأته سلمى بنت عمرو إلى


1) في هذا البيت إقواء (*).

[ 245 ]

المدينة لتكون عند أبيها وأهلها، ومعه ابنه عبد المطلب، فلما توفي أقامت بالمدينة. وكان المطلب بن عبد مناف قد قام بأمر مكة بعد أخيه هاشم، فلما كبر عبد المطلب بلغ المطلب مكانه ووصف له حاله، ومر رجل من تهامة بالمدينة، فإذا غلمان يتناضلون، وإذا غلام فيهم إذا أصاب قال: أنا ابن هاشم، أنا ابن سيد البطحاء ! فقال له الرجل: من أنت يا غلام ؟ قال: أنا شيبة بن هاشم بن عبد مناف. فانصرف الرجل، حتى قدم مكة فوجد المطلب بن عبد مناف جالسا في الحجر، فقال: يا أبا الحارث، علمت اني جئت من يثرب، فوجدت غلمانا يتناضلون. وقص عليه ما رأى من عبد المطلب قال: وإذا اظرف غلام ما رأيته قط. قال المطلب: اغفلته، أما والله لا أرجع إلى أهلي حتى آتيه ! فخرج المطلب حتى أتى المدينة عشاء، ثم خرج على راحلته حتى أتى بني عدي بن النجار، فلما نظر إلى ابن أخيه قال: هذا ابن هاشم ؟ قال القوم: نعم ! وعرف القوم المطلب، قالوا: هذا ابن أخيك، فإن أردت أخذه الساعة لاتعلم أمه، فإنها ان علمت حلنا بينك وبينه. فأناخ راحلته، ثم دعاه: يا ابن أخي ! أنا عمك وقد أردت الذهاب بك إلى قومك، فاركب ! فما كذب عبد المطلب ان جلس على عجز الراحلة، وجلس المطلب على الرحل، ثم بعثها، فانطلقت، فلما علمت أمه علقت تدعو حربها، فأخبرت ان عمه ذهب به. ودخل المطلب مكة، وهو خلفه، والناس في أسواقهم ومجالسهم، فقاموا يرحبون به، ويحيونه، ويقولون: من هذا معك ؟ فيقول: عبدي ابتعته بيثرب، ثم خرج حتى أتى الحزورة، فابتاع له حلة، ثم أدخله على امرأته خديجة بنت سعيد بن سهم، فلما كان العشي ألبسه، ثم جلس في مجلس بني عبد مناف، وأخبرهم خبره، وجعل بعد ذلك يخرج في تلك الحلة، فيطوف في سكك مكة، وكان أحسن الناس، فتقول قريش: هذا عبد المطلب !


[ 246 ]

فلج اسمه عبد المطلب، وترك شيبة. ولما حضر رحيل المطلب إلى اليمن قال لعبد المطلب: أنت يا ابن أخي أولى بموضع أبيك، فقم بأمر مكة. فقام مقام المطلب، فتوفي المطلب في سفره ذلك بردمان، فقام عبد المطلب بأمر مكة، وشرف وسا، وأطعم الطعام، وسقى اللبن والعسل، حتى علا اسمه، وظهر فضله، وأقرت له قريش بالشرف، فلم يزل كذلك. قال محمد بن حسن: لما تكامل لعبد المطلب مجده وأقرت له قريش بالفضل، رأى، وهو نائم في الحجر، آتيا أتاه، فقال له: قم يا أبا البطحاء، واحفر زمزم حفيرة الشيخ الاعظم. فاستيقظ، فقال: اللهم بين لي في المنام مرة أخرى، فرآه يقول: قم فاحفر برة ! قال: وما برة ؟ قال: مضنة ضن بها على العالمين، وأعطيتها، ثم رأى قائلا يقول له: قم يا أبا الحارث، فاحفر زمزم لا تنزف ولا تذم، تروي الحج الاعظم، ثم رأى ثالثة: قم فاحفر ! قال: وما أحفر ؟ قال: احفر بين الفرث والدم عند مبحث الغراب الاعصم وقرية النمل، فإذا أبصرت الماء، فقل: (هلم إلى الماء الروا، اعطيته على رغم العدا.) فلما استيقن عبد المطلب انه قد صدق جلس عند البيت مفكرا في أمره، وذبحت بقرة بالحزورة، فأفلتت، وأقبلت تسعى، حتى طرحت نفسها موضع زمزم، فسلخت هناك، وقسم لحمها، وبقي الفرث والدم، فقال عبد المطلب: الله أكبر ! ثم سعى لينظر، فإذا قرية نمل مجتمع في الارض، فانطلق، فأتى بمعول، وابنه الحارث وحيده، فاجتمعت إليه قريش فقالوا: ما هذه ؟ قال: أمرني ربي أن أحفر ما يروي الحجيج الاعظم ! فقالوا له: أمر ربك بالجهل، لم لا تحفر في مسجدنا ؟ قال: بذلك أمرني ربي. فلم يحفر إلا قليلا، حتى بدا الطي، فكبر، واجتمعت قريش، فعلمت لما رأت الطي انه قد صدق، وليس له من الولد يومئذ إلا الحارث، فلما رأى وحدته قال: اللهم ! ان لك علي نذرا، إن وهبت لي عشرة ذكورا، أن


[ 247 ]

أنحر لك أحدهم. وحفر حتى وجد سيوفا، وسلاحا، وغزالا من ذهب مقرطا، مجزعا، ذهبا وفضة، فلما رأت قريش ذلك قالوا: يا أبا الحارث… (1) من فوق الارض ومن تحتها، فأعطنا هذا المال الذي أعطاك الله، فإنها بئر أبينا إسماعيل، فأشركنا معك ! فقال: اني لم أؤمر بالمال إنما أمرت بالماء، فأمهلوني ! فلم يزل يحفر حتى بدا الماء، فكثر، ثم قال: بحرها لا تنزف، وبنى عليها حوضا وملاه ماء، ونادى: (هلم إلى الماء الروا، أعطيته على رغم العدا.) وكانت قريش تفسد ذلك الحوض وتكسره، فرأى في المنام: ان قم، فقل: اللهم ! اني لا أحله لمغتسل، ولكن لشارب حل، فقام عبد المطلب، فقال ذلك، فلم يكن يفسد ذلك الحوض أحد إلا رمي بداء من ساعته، فتركوه. ولما استقام له الماء دعا ستة قداح، فجعل لله قدحين أسودين، وجعل للكعبة قدحين أبيضين، وجعل لقريش قدحين أحمرين، ثم أخذها بيده، واستقبل الكعبة، ثم أفاض، وهو يقول: يا رب أنت الاحد الفرد الصمد، * إن شئت ألهمت الصواب والرشد وزدت في المال، وأكثرت الولد، * إني مولاك على رغم معد ثم ضرب فخرج الاسودان لله، فقال قال ربكم: هو مالي، ثم أفاض، وهو يقول: لهم أنت الملك المحمود، * وأنت ربي المبدئ المعيد من عندك الطارف والتليد، * إن شئت ألهمت بما تريد فخرج الابيضان للكعبة، فقال: أخبرني ربي أن المال كله له، فحلى به الكعبة، وجعله صفائح على باب الكعبة، وكان أول من حلى الكعبة.


1) بياض في الاصل (*).

[ 248 ]

ولما رأت قريش ما أعطيه نفست ذلك عليه، فقالت: انا لشركاء معك لانها بئر أبينا إسماعيل، فقال: هذا شئ خصصت به دونكم، فنافروه إلى كاهنة بني سعد، فقضت له عليهم. وروى بعضهم أن ماء عبد المطلب نفد في الطريق ومياه القوم، فخافوا الهلكة، فقال عبد المطلب: ليحفر كل رجل منا لنفسه حفيرا، ثم ليقعد فيه، حتى يأتيه الموت، ففعلوا، ثم قال: ان إلقاءنا بأيدينا لعجز، فلو ركبنا وطلبنا الماء ! فلما استوى على راحلته انفجرت تحت صدرها عين ماء، فقال: ردوا الماء ! فقالوا: لقد قضى لك الله علينا، ولا حاجة في أن نناوئك، فانصرفوا. ولما رأت قريش أن عبد المطلب قد حاز الفخر طلبت أن يحالف بعضها بعضا ليعزوا، وكان أول من طلب ذلك بنو عبدالدار لما رأت حال عبد المطلب، فمشت بنو عبدالدار إلى بني سهم، فقالوا: امنعونا من بني عبد مناف ! فلما رأى ذلك بنو عبد مناف اجتمعوا، خلا بني عبد شمس، فإن الزبيري قال: لم يكن ولد عبد شمس في حلف المطيبين، ولا ولد عبد مناف، وإنما كان فيهم هاشم، وبنو المطلب، وبنو نوفل، وقال آخرون: كانت بنو عبد شمس معهم، فأخرجت لهم أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب طيبا في جفنة، ثم وضعتها في الحجر، فتطيب بنو عبد مناف، وأسد، وزهرة، وبنو تيم، وبنو الحارث بن فهر، فسموا حلف المطيبين، فلما سمعت بذلك بنو سهم ذبحوا بقرة، وقالوا: من أدخل يده في دمها ولعق منه، فهو منا ! فأدخلت أيديها بنو سهم، وبنو عبدالدار، وبنو جمح، وبنو عدي، وبنو مخزوم، فسموا اللعقة، وكان تحالف المطيبين ألا يتخاذلوا، ولا يسلم بعضهم بعضا، وقالت اللعقة: قد أعتدنا لكل قبيلة قبيلة. وكان عبد المطلب لما حفر زمزم صار إلى الطائف فاحتفر بها بئرا يقال لها ذوالهرم، فكان يأتي أحيانا، فيقيم بذلك الماء، فأتى مرة، فوجد به حيين من قيس عيلان، وهم بنو كلاب، وبنو الرباب، فقال عبد المطلب: الماء


[ 249 ]

مائي، وأنا أحق به، وقال القيسيون: الماء ماؤنا، ونحن أحق به. قال: فإني أنافركم إلى من شئتم يحكم بيني وبينكم، فنافروه إلى سطيح الغساني، وكان كاهن العرب يتنافرون إليه، فتعاهد القوم وتعاقدوا على أن سطيحا إن قضى بالماء لعبد المطلب، فعلى كلاب وبني الرباب مائة من الابل لعبد المطلب، وعشرون لسطيح، وإن قضى سطيح بالماء للحيين، فعلى عبد المطلب مائة من الابل للقوم، وعشرون لسطيح، فانطلقوا، وانطلق عبد المطلب بعشرة نفر من قريش، فيهم حرب بن أمية، فجعل عبد المطلب لا ينزل منزلا إلا نحر جزورا وأطعم الناس، فقال القيسيون: إن هذا الرجل عظيم الشأن، جليل القدر، شريف الفعل، وإنا نخشى أن يطمع حاكمنا بهذا، فيقضي له بالماء، فانظروا لا نرضى بقول سطيح حتى نخبئ له خبأ، فإن أخبرنا ما هو رضينا بحكمه، وإلا لم نرض به. فبينا عبد المطلب في بعض الطريق إذ فني ماؤه وماء أصحابه، فاستسقى القيسيين من فضل مائهم، فأبوا أن يسقوهم، وقالوا: أنتم الذين تخاصموننا وتنازعوننا في مائنا، والله لانسقيكم ! فقال عبد المطلب: أيهلك عشرة من قريش، وأنا حي ؟ لاطلبن لهم الماء، حتى ينقطع خيط عنقي، وأبلي عذرا، فركب راحلته، وأخذ الفلاة، فبينا هو فيها، إذ بركت راحلته وبصر به القوم، فقالوا: هلك عبد المطلب ! فقال القرشيون: كلا والله لهو أكرم على الله من أن يهلكه، وإنما مضى لصلة الرحم، فانتهوا إليه، وراحلته تفحص بكركرتها على ماء عذب، روى، قد ساح على ظهر الارض، فلما رأى القيسيون ذلك أهرقوا أسقيتهم، وأقبلوا نحوهم ليأخذوا من الماء، فقال القرشيون: كلا والله، ألستم الذين منعتمونا فضل ماءكم ؟ فقال عبد المطلب: خلوا القوم، فإن الماء لايمنع ! فقال القيسيون: هذا رجل شريف سيد، وقد خشينا أن يقضى له علينا، فلما وصلوا إلى سطيح قالوا: إنا قد خبأنا لك خبأ، وأخذ إنسان منهم تمرة في يده فقال: فأخبرنا ما هو ؟ فقال: خبأتم لي ما طال، فسمك،


[ 250 ]

ثم أينع، فما هلك، ألق التمرة من يدك ! فقالوا: قاتله الله ! أخبئوا له خبأ هو أخفى منه. فأخذ إنسان جرادة، فقالوا له: إنا قد خبأنا لك خبأ، فأخبرنا ما هو ؟ قال: خبأتم لي ما رجله كالمنشار، وعينه كالدينار، قالوا: إي. قال: ما طار، فسطع، ثم قبض، فوقع، فترك الصيد أنفع. قالوا: ما له، قاتله الله ؟ أخبئوا له خبأ هو أخفى من هذا ! فأخذوا رأس جرادة، فجعلوه في خرز مزادة، ثم علقوه في عنق كلب لهم يقال له سوار، ثم ضربوه حتى ذهب، ثم رجع على الطريق، فقالوا: قد خبأنا لك خبأ، فأخبرنا ما هو ؟ قال: خبأتم لي رأس جراده، في خرز مزاده، بين عنق سوار والقلادة. قالوا: اقض بيننا ! قال: قد قضيت. اختصمتم أنتم وعبد المطلب في ماء بالطائف يقال له ذو الهرم، فالماء ماء عبد المطلب، ولا حق لكم فيه، فأدوا إلى عبد المطلب مائة من الابل، وإلى سطيح عشرين، ففعلوا. وانطلق عبد المطلب ينحر ويطعم، حتى دخل مكة، فنادى مناديه: يا معشر أهل مكة ! إن عبد المطلب يسألكم بالرحم، لما قام كل رجل منكم حدثته نفسه أن يغنيني عن هذا الغرم، فأخذ مثل ما حدثته نفسه. فقاموا، وأخذوا من بعير واثنين وثلاثة على قدر ما حدثت كل امرئ منهم نفسه، وفضلت بعد ذلك جزائر، فقال عبد المطلب لابنه أبي طالب: اي بني ! قد أطعمت الناس، فانطلق بهذه الجزائر، فانحرها على أبي قبيس، حتى يأكلها الطير والسباع، ففعل أبو طالب ذلك، فأصابها الطير والسباع. قال أبو طالب: ونطعم حتى يأكل الطير فضلنا، * إذا جعلت أيدي المفيضين ترعد قال أبو إسحاق وغيره من أهل العلم: تزوج عبد المطلب النساء، فولد له الاولاد، ولما كمل عشرة رهط قال: اللهم اني قد كنت نذرت لك نحر أحدهم، واني أقرع بينهم، فأصب بذلك من شئت. فأقرع فصارت القرعة على


[ 251 ]

عبد الله بن عبد المطلب، وكان أحب ولده إليه، وكان ولده العشرة الحارث، وبه يكنى، وقثم وأمهما صفية بنت جندب من ولد عامر بن صعصعة، والزبير، وأبو طالب، وعبد الله، والمقوم، وهو عبدالكعبة، وأم الاربعة فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، وحمزة وأمه هالة بنت أهيب ابن عبد مناف بن زهرة، والعباس، وضرار وأمهما نتيلة بنت جناب بن كليب بن النمر بن قاسط، وأبو لهب، وهو عبد العزى، وأمه لبنى بنت هاجر بن عبد مناف بن ضاطر الخزاعي، والغيداق، وهو جحل، وأمه ممنعة بنت عمرو بن مالك بن نوفل الخزاعي، وكانت بناته ستا: أم حكيم البيضاء، وعاتكة، وبرة، وأروا، وأميمة وأمهن جميعا فاطمة بنت عمرو ابن عائذ بن عمران بن مخزوم، وصفية وأمها هالة بنت أهيب، فانطلق عبد المطلب بعبدالله ليذبحه، وأخذ الشفرة، واتبعه ابنه الحارث، فلما سمعت ذلك قريش لحقته، وقالت: يا أبا الحارث ! إنك إن فعلت ذلك صارت سنة في قومك، ولم يزل الرجل يأتي بولده إلى ههنا ليذبحه، فقال: إني عاهدت ربي، وإني موف له بما عاهدته. فقال له بعضهم: افده ! فقام، وهو يقول: عاهدت ربي، وانا موف عهده، * أخاف ربي إن تركت وعده والله لا يحمد شئ حمده ثم أحضر مائة من الابل، فضرب بالقداح عليها، وعلى عبد الله، فخرجت على الابل، فكبر الناس، وقالوا: قد رضي ربك ! فقال عبد المطلب: لهم رب البلد المحرم، * الطيب، المبارك، المعظم أنت الذي أعنتني في زمزم ثم قال: اني معيد القداح، فأعادها، فخرجت على الابل، فقال:


[ 252 ]

لهم قد أعطيتني سؤالي، * أكثرت بعد قلة عيالي فاجعل فداه اليوم جل مالي ثم ضرب بالقداح ثالثة، فخرجت على الابل، فنحرها، ونادى مناديه: الا فخذوا لحمها ! وانصرف عنها، ووثب الناس يأخذونها، فلذلك يقول مرة بن خلف الفهمي: كما قسمت نهبا ديات ابن هاشم * ببطحاء بسل حيث يعتصب البرك وصارت الدية من الابل على ما سن عبد المطلب. ولما قدم أبرهة ملك الحبشة صاحب الفيل مكة ليهدم الكعبة تهاربت قريش في رؤوس الجبال، فقال عبد المطلب: لو اجتمعنا، فدفعنا هذا الجيش عن بيت الله ؟ فقالت قريش: لابد لنا به ! فأقام عبد المطلب في الحرم، وقال: لا أبرح من حرم الله، ولا أعوذ بغير الله، فأخذ أصحاب ابرهة إبلا لعبد المطلب، وصار عبد المطلب إلى ابرهة، فلما استأذن عليه قيل له: قد أتاك سيد العرب، وعظيم قريش، وشريف الناس، فلما دخل عليه أعظمه ابرهة، وجل في قلبه لما رأى من جماله، وكماله، ونبله، فقال لترجمانه: قل له: سل ما بدا لك ! فقال: إبلا لي أخذها أصحابك، فقال: لقد رأيتك، فأجللتك، وأعظمتك، وقد تراني حيث نهدم مكرمتك وشرفك، فلم تسألني الانصراف، وتكلمني في إبلك ؟ فقال عبد المطلب: أنا رب هذه الابل، ولهذا البيت الذي زعمت انك تريد هدمه رب يمنعك منه. فرد الابل، وداخله ذعر لكلام عبد المطلب، فلما انصرف جمع ولده ومن معه، ثم جاء إلى باب الكعبة، فتعلق به وقال: لهم ! إن تعف فإنهم عيالك…. (1) إلا فشئ ما بدا لك


1) بياض في الاصل. وبيت الشعر مختل الوزن (*).

[ 253 ]

ثم انصرف وهو يقول: لهم ! إن المرء يمنع رحله فامنع حلالك لا يغلبن صليبهم ومحالهم عدوا محالك ولئن فعلت، فإنه أمر تتم به فعالك وأقام بموضعه، فلما كان من غد بعث ابنه عبد الله ليأتيه بالخبر، ودنا، وقد اجتمعت إليه من قريش جماعة ليقاتلوا معه ان أمكنهم ذلك، فأتى عبد الله على فرس شقراء يركض، وقد جردت ركبته، فقال عبد المطلب: قد جاءكم عبد الله بشيرا ونذيرا، والله ما رأيت ركبته قط قبل اليوم، فأخبرهم ما صنع الله بأصحاب الفيل، وقال عبد المطلب لما كان من أصحاب الفيل ما كان: أيها الداعي لقد أسمعتني، * ثم ناد، عن نداكم، من صمم هل يد الله أمر، أم له * سنة في القوم ليست في الامم قلت، والاشرم تردي خيله: * إن ذا الاشرم غر بالحرم إن للبيت لربا مانعا، * من يرده بأثام يصطلم رامه تبع، فيما قد مضى، * وكذا حمير، والحي قدم فانثنى عنه، وفي أوداجه * حارج أمسك منه بالكظم هلكت بالبغي فيه جرهم، * بعد طسم، وجديس، وجمم وكذا الامر بمن كاده بحر * ب، فأمر الله بالامر اللمم نعرف الله، وفينا سنة، * صلة الرحم، وإيفاء الذمم لم يزل لله فينا حجة، * يدفع الله بها عنا النقم نحن أهل الله في بلدته، * لم يزل ذاك على عهد ابرهم


[ 254 ]

أديان العرب وكانت أديان العرب مختلفة بالمجاورات لاهل الملل، والانتقال إلى البلدان، والانتجاعات، فكانت قريش، وعامة ولد معد بن عدنان، على بعض دين إبراهيم، يحجون البيت، ويقيمون المناسك، ويقرون الضيف، ويعظمون الاشهر الحرم، وينكرون الفواحش والتقاطع والتظالم، ويعاقبون على الجرائم، فلم يزالوا على ذلك ما كانوا ولاة البيت. وكان آخر من قام بولاية البيت الحرام من ولد معد: ثعلبة بن إياد بن نزار ابن معد، فلما خرجت إياد وليت خزاعة حجابة البيت، فغيروا ما كان عليه الامر في المناسك، حتى كانوا يفيضون من عرفات قبل الغروب، ومن جمع بعد أن تطلع الشمس. وخرج عمرو بن لحي، واسم لحي ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر، إلى أرض الشأم، وبها قوم من العمالقة يعبدون الاصنام، فقال لهم: ما هذه الاوثان التي أراكم تعبدون ؟ قالوا: هذه أصنام نعبدها، نستنصرها، فننصر، ونستسقي بها، فنسقى، فقال: ألا تعطونني منها صنما، فأسير به إلى أرض العرب، عند بيت الله الذي تفد إليه العرب ؟ فأعطوه صنما يقال له هبل، فقدم به مكة، فوضعه عند الكعبة، فكان أول صنم وضع بمكة، ثم وضعوا به إساف ونائلة كل واحد منهما على ركن من أركان البيت، فكان الطائف، إذا طاف، بدأ بإساف، فقبله، وختم به، ونصبوا على الصفا صنما يقال له مجاور الريح، وعلى المروة صنما يقال له مطعم الطير، فكانت العرب إذا حجت البيت، فرأت تلك الاصنام، سألت قريشا وخزاعة، فيقولون: نعبدها لتقربنا إلى الله زلفى، فلما رأت العرب ذلك اتخذت أصناما، فجعلت كل


[ 255 ]

قبيلة لها صنما يصلون له تقربا إلى الله، فيما يقولون، فكان لكلب بن وبرة واحياء قضاعة ود منصوبا بدومة الجندل، بجرش، وكان لحمير وهمدان نسر منصوبا بصنعاء، وكان لكنانة سواع، وكان لغطفان العزى، وكان لهند وبجيلة وخثعم ذو الخلصة، وكان لطئ الفلس منصوبا بالحبس، وكان لربيعة وإياد ذو الكعبات بسنداد، من أرض العراق، وكان لثقيف اللات منصوبا بالطائف، وكان للاوس والخزرج مناة منصوبا بفدك، مما يلي ساحل البحر، وكان لدوس صنم يقال له ذو الكفين، ولبني بكر بن كنانة صنم يقال له سعد، وكان لقوم من عذرة صنم يقال له شمس، وكان للازد صنم يقال له رئام، فكانت العرب، إذا أرادت حج البيت الحرام، وقفت كل قبيلة عند صنمها، وصلوا عنده، ثم تلبوا حتى تقدموا مكة، فكانت تلبياتهم مختلفة. وكانت تلبية قريش: لبيك، اللهم، لبيك ! لبيك لا شريك لك، تملكه، وما ملك. وكانت تلبية كنانة: لبيك اللهم لبيك ! اليوم يوم التعريف، يوم الدعاء والوقوف. وكانت تلبية بني أسد: لبيك اللهم لبيك ! يا رب أقبلت بنو أسد أهل التواني والوفاء والجلد إليك. وكانت تلبية بني تميم: لبيك اللهم لبيك ! لبيك لبيك عن تميم قد تراها قد أخلقت أثوابها وأثواب من وراءها، وأخلصت لربها دعاءها. وكانت تلبية قيس عيلان: لبيك اللهم لبيك ! لبيك أنت الرحمن، أتتك قيس عيلان راجلها والركبان. وكانت تلبية ثقيف: لبيك اللهم ! ان ثقيفا قد أتوك وأخلفوا المال، وقد رجوك. وكانت تلبية هذيل: لبيك عن هذيل قد ادلجوا بليل في ابل وخيل.


[ 256 ]

وكانت تلبية ربيعة: لبيك ربنا لبيك لبيك ! إن قصدنا إليك، وبعضهم يقول: لبيك عن ربيعة، سامعة لربها مطيعة. وكانت حمير وهمدان يقولون: لبيك عن حمير وهمدان، والحليفين من حاشد وألهان. وكانت تلبية الازد: لبيك رب الارباب ! تعلم فصل الخطاب، لملك كل مثاب. وكانت تلبية مذحج: لبيك رب الشعرى، ورب اللات والعزى وكانت تلبية كندة وحضرموت: لبيك لا شريك لك ! تملكه، أو تهلكه، أنت حكيم فاتركه. وكانت تلبية غسان: لبيك رب غسان راجلها والفرسان. وكانت تلبية بجيلة: لبيك عن بجيلة في بارق ومخيلة. وكانت تلبية قضاعة: لبيك عن قضاعة، لربها دفاعة، سمعا له وطاعة. وكانت تلبية جذام: لبيك عن جذام ذي النهى والاحلام. وكانت تلبية عك والاشعريين: نحج للرحمن بيتا عجبا، مستترا، مضببا، محجبا. وكانت العرب في أديانهم على صنفين: الحمس والحلة، فأما الحمس، فقريش كلها، وأما الحلة، فخزاعة لنزولها مكة ومجاورتها قريشا، وكانوا يشددون على أنفسهم في دينهم، فإذا نسكوا لم يسلاوا سمنا، ولم يدخروا لبنا، ولم يحولوا بين مرضعة ورضاعها، حتى يعافه، ولم يحزوا شعرا، ولا ظفرا، ولا يدهنوا، ولم يمسوا النساء ولا الطيب، ولم يأكلوا لحما، ولم يلبسوا في حجهم وبرا ولا صوفا ولا شعرا، ويلبسون جديدا، ويطوفون بالبيت في نعالهم لا يطأون أرض المسجد تعظيما له، ولا يدخلون البيوت من أبوابها، ولا يخرجون إلى عرفات، ويلزمون مزدلفة، ويسكنون في حال نسكهم قباب الادم.


[ 257 ]

وكان الحلة، وهي تميم، وضبة، ومزينة، والرباب، وعكل، وثور، وقيس عيلان، كلها، ما خلا عدوان وثقيفا، وعامر بن صعصعة، وربيعة ابن نزار كلها، وقضاعة، وحضرموت، وعك، وقبائل من الازد لا يحرمون الصيد في النسك، ويلبسون كل الثباب، ويسلاون السمن، ولا يدخلون من باب بيت ولا دار، ولا يؤويهم ما داموا محرمين، وكانوا يدهنون ويتطيبون، ويأكلون اللحم، فإذا دخلوا مكة، بعد فراغهم، نزعوا ثيابهم التي كانت عليهم، فإن قدروا على أن يلبسوا ثياب الحمس كراء أو عارية فعلوا وإلا طافوا بالبيت عراة، وكانوا لا يشترون في حجهم، ولا يبيعون، فهاتان الشريعتان اللتان كانت العرب عليهما. ثم دخل قوم من العرب في دين اليهود، وفارقوا هذا الدين، ودخل آخرون في النصرانية، وتزندق منهم قوم، فقالوا بالثنوية، فأما من تهود منهم، فاليمن بأسرها، كان تبع حمل حبرين من أحبار اليهود إلى اليمن، فأبطل الاوثان، وتهود من باليمن، وتهود قوم من الاوس والخزرج، بعد خروجهم من اليمن، لمجاورتهم يهود خيبر، وقريظة، والنضير، وتهود قوم من بني الحارث بن كعب، وقوم من غسان، وقوم من جذام. وأما من تنصر من أحياء العرب، فقوم من قريش من بني أسد بن عبد العزى، منهم: عثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى، وورقة بن نوفل ابن أسد، ومن بني تميم بنو امرئ القيس بن زيد مناة، ومن ربيعة بنو تغلب، ومن اليمن طئ، ومذحج، وبهراء، وسليح، وتنوخ، وغسان، ولخم، وتزندق حجر بن عمرو الكندي.


[ 258 ]

حكام للعرب وكان للعرب حكام ترجع إليها في أمورها، وتتحاكم في منافراتها، ومواريثها، ومياهها، ودمائها، لانه لم يكن دين يرجع إلى شرائعه، فكانوا يحكمون أهل الشرف، والصدق، والامانة، والرئاسة، والسن، والمجد، والتجربة. وكان أول من استقضي إليه، فحكم: الافعى بن الافعى الجرهمي، وهو الذي حكم بين بني نزار في ميراثهم، ثم سليمان بن نوفل، ثم معاوية بن عروة، ثم سخر بن يعمر بن نفاثة بن عدي بن الدئل، ثم الشداخ، وهو يعمر ابن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وسويد بن ربيعة بن حذار بن مرة بن الحارث بن سعد، ومخاشن بن معاوية بن شريف ابن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم، وكان يجلس على سرير من خشب، فسمي ذا الاعواد، وأكثم بن صيفي بن رباح بن الحارث بن مخاشن، وعامر ابن الظرب بن عمرو بن عياذ بن يشكر بن عدوان بن عمرو بن قيس، وهرم ابن قطبة بن سيار الفزاري، وغيلان بن سلمة بن معتب الثقفي، وسنان ابن أبي حارثة المري، والحارث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، وعامر الضحيان بن الضحاك بن النمر بن قاسط، والجعد بن صبرة الشيباني، ووكيع ابن سلمة بن زهير الايادي، وهو صاحب الصرح بالحزورة، وقس بن ساعدة الايادي، وحنظلة بن نهد القضاعي، وعمرو بن حممة الدوسي. وكان في قريش حكام منهم: عبد المطلب، وحرب بن أمية، والزبير ابن عبد المطلب، وعبد الله بن جدعان، والوليد بن المغيرة المخزومي.


[ 259 ]

ازلام العرب وكانت العرب تستقسم بالازلام في كل أمورها، وهي القداح، ولايكون لها سفر ولا مقام، ولا نكاح، ولا معرفة حال، إلا رجعت إلى القداح، وكانت القداح سبعة: فواحد عليه: الله عزوجل، والآخر: لكم، والآخر: عليكم، والآخر: نعم، والآخر: منكم، والآخر: من غيركم، والآخر: الوعد، فكانوا إذا أرادوا أمرا رجعوا إلى القداح، فضربوا بها، ثم عملوا بما يخرج من القداح لا يتعدونه، ولا يجوزونه، وكان لهم أمناء على القداح لا يثقون بغيرهم. وكانت العرب، إذا كان الشتاء ونالهم القحط، وقلت ألبان الابل، استعملوا الميسر، وهي الازلام، وتقامروا عليها، وضربوا بالقداح، وكانت قداح الميسر عشرة: سبعة منها لها أنصب، وثلاثة لا أنصب لها، فالسبعة التي لها أنصب يقال لاولها الفذ، وله جزء، والتوأم، وله جزآن، والرقيب، وله ثلاثة أجزاء، والحلس، وله أربعة أجزاء، والنافس، وله خمسة أجزاء، والمسبل، وله ستة أجزاء، والمعلى، وله سبعة أجزاء، والثلاثة التي لا أنصب لها اغفال ليس عليها اسم يقال لها: المنيح، والسفيح، والوغد. وكانت الجزور تشترى بما بلغت، ولا ينقد الثمن، ثم يدعى الجزار، فيقسمها عشرة أجزاء، فإذا قسمت أجزاؤها على السواء أخذ الجزار أجزاءه، وهي الرأس والارجل، وأحضرت القداح العشرة، واجتمع فتيان الحي، فأخذ كل فرقة على قدر حالهم ويسارهم، وقد احتمالهم، فيأخذ الاول الفذ، وهو الذي فيه نصيب واحد من العشرة أجزاء، فإذا خرج له جزء واحد أخذ من الجزور جزءا، وإن لم يكن يخرج له غرم ثمن جزء من الجزور، ويأخذ الثاني


[ 260 ]

التوأم، وله نصيبان من أجزاء الجزور، فإن خرج أخذ جزئين من الجزور، وإن لم يخرج غرم ثمن الجزئين. وكذلك سائر القداح على ما سمينا منها، فما خرج أخذ صاحبه ما فيه، وما لم يخرج غرم ما فيه من الاجزاء، فإذا عرف كل رجل منهم قدحه دفعوا القداح إلى رجل أخس لا ينظر إليها، معروف أنه لم يأكل لحما قط بثمن، ويسمى الحرضة، ثم يؤتى بالمجول، وهو ثوب شديد البياض، فيجعل على يده، ويعمد إلى السلفة وهي قطعة من جراب، فيعصب بها على كفه لئلا يجد مس قداح يكون له في صاحبه هوى، فيخرجه، ويأتي رجل، فيجلس خلف الحرضة، يسمى الرقيب، ثم يفيض الحرضة بالقداح، فإذا نشز منها قدح استله الحرضة، فلم ينظر إليه حتى يدفعه إلى الرقيب، فينظر لمن هو، فيدفعه لصاحبه، فيأخذ من أجزاء الجزور على نصيبه منها، فإن خرج من الثلاثة الاغفال شئ رد من ساعته، وإن خرج أولا الفذ أخذ صاحبه نصيبه، وضربوا بباقي القداح على التسعة الاجزاء الاخر، فإن خرج التوأم أخذ صاحبه جزئين، وضربوا بباقي القداح على الثمانية الاجزاء الاخر، فإن خرج المعلى أخذ صاحبه نصيبه، وهو السبعة الاجزاء التي بقيت، وخرجوا وفقا، ووقع غرم ثمن الجزور على من خاب سهمه، وهو أربعة: صاحب الرقيب والحلس والنافس والمسبل، ولهذه القداح ثمانية عشر سهما، فيجزأ الثمن على ثمانية عشر جزءا، وأخذ كل واحد من الغرم مثل الذي كان نصيبه من اللحم لو فاز قدحه، وإن خرج المعلى أول القداح أخذ صاحبه سبعة أجزاء الجزور، وكان الغرم على أصحاب القداح التي خابت، واحتاجوا أن ينحروا جزورا أخرى لان في قداحهم المسبل، وله ستة أجزاء، ولم يبق من اللحم إلا ثلاثة أجزاء. ولا ينبغي لمن خاب قدحه في الجزور الاولى أن يأكل منها شيئا، فإنه يعاب به، فإن نحروا الجزور الثانية، وضربوا عليها القداح، فخرج المسبل، أخذ صاحبه ستة أجزاء الجزور الاخرى: الثلاثة الباقية من الجزور الاولى، وثلاثة


[ 261 ]

أجزاء من الجزور الثانية، ولزمه الغرم في الجزور الاولى، ولم يلزمه في الثانية شئ لان قدحه قد فاز، وبقي من الجزور الثانية سبعة أجزاء، فيضرب عليها بقداح من بقي، فإن خرج النافس أخذ صاحبه خمسة أجزاء، ولم يغرم من ثمن الجزور الثانية شيئا، لان قدحه قد فاز، ولزمه الغرم من الاولى، وبقي جزآن من اللحم. وفيما بقي من القداح الحلس له أربعة أجزاء، فيحتاجون أن ينحروا جزورا أخرى لتتمة أربعة، ولا ينبغي لمن خاب قدحه في الجزور الثانية أن يأكل منها شيئا، لانه يعاب به، وإن نحروا الجزور الثالثة وفاز الحلس أخذ صاحبه أربعة أجزاء: جزئين من الجزور الثانية، وجزئين من الجزور الثالثة، ولم يغرم من الجزور الثالثة شيئا لانه فاز قدحه، ويبقى ثمانية أجزاء من الجزور الثالثة فيضرب بباقي القداح عليها، حتى يخرج قداحهم، وفقا لاجزاء الجزور، فهذا حساب غرمهم الثمن كما وصفت. وربما كانت أجزاء اللحم موافقة لاجزاء القداح، فلا يحتاجون إلى نحر شئ إنما تنحر الجزور، إذا قصرت أجزاء اللحم عن بعض القداح، فإن عاد بعض من فاز قدحه ثانية، فخاب غرم من ثمن الجزور التي خاب قدحه منها على هذا الحساب، فإن فضل من أجزاء اللحم شئ، وقد خرجت القداح كلها، كانت تلك الاجزاء لاهل المسكنة من العشيرة، فهذا تفسير الميسر. وكانوا يفتخرون به ويرون أنه من فعال الكرم والشرف، ولهم في هذا أشعار كثيرة يفتخرون بها.


[ 262 ]

شعراء العرب وكانت العرب تقيم الشعر مقام الحكمة وكثير العلم، فإذا كان في القبيلة الشاعر الماهر، المصيب المعاني، المخير الكلام، أحضروه في أسواقهم التي كانت تقوم لهم في السنة ومواسمهم عند حجهم البيت، حتى تقف وتجتمع القبائل والعشائر، فتمسع شعره، ويجعلون ذلك فخرا من فخرهم، وشرفا من شرفهم. ولم يكن لهم شئ يرجعون إليه من أحكامهم وأفعالهم إلا الشعر، فبه كانوا يختصمون، وبه يتمثلون، وبه يتفاضلون، وبه يتقاسمون، وبه يتناضلون، وبه يمدحون ويعابون، فكان ممن قدم شعره في جاهلية العرب على ما أجمعت عليه الرواة وأهل العلم بالشعر، وجاءت به الآثار والاخبار، من شعراء العرب في جاهليتها مع من أدركه الاسلام، فسمي مخضرما، فإنهم دخلوا مع من تقدم، فسموا الفحول، وقدموا على تقدم أشعارهم في الجودة، فإن كان بعضهم أقدم من بعض وهم على ما بينا من أسمائهم ومراتبهم على الولاء، فأولهم امرؤ القيس بن حجر بن الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار بن معاوية ابن ثور، وهو كندة. والنابغة الذبياني، وهو زياد بن معاوية بن ضباب بن جابر بن يربوع بن غيظ ابن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان. وزهير بن أبي سلمى، واسم أبي سلمى ربيعة بن رياح بن قرط بن الحارث ابن مازن بن ثعلبة بن ثور بن هذمة بن لاطم بن عثمان بن عمرو بن أد. والاعشى، وهو أعشى وائل، وهو ميمون بن قيس بن جندل بن شراحيل ابن عوف بن سعد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة.


[ 263 ]

وعبيد بن الابرص بن حنتم بن عامر بن مالك بن زهير بن مالك بن الحارث ابن سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد. ومهلهل وهو امرؤ القيس بن ربيعة بن الحارث بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل. وعلقمة بن عبدة بن ناشرة بن قيس بن عبد بن ربيعة بن مالك بن زيد مناة ابن تميم. والحارث بن حلزة بن مكروه بن يزيد بن عبد الله بن مالك بن عبد بن سعد ابن جشم بن عامر بن ذبيان بن كنانة بن يشكر بن بكر بن وائل. وعمرو بن كلثوم بن مالك بن عتاب بن سعد بن زهير بن جشم بن بكر ابن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل. وسعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن علي بن بكر بن وائل. والاسود بن يعفر بن عبد الاسود بن جندل بن نهشل بن دارم بن مالك ابن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. وسويد بن أبي كاهل بن حارثة بن حسل بن مالك بن عبد بن سعد بن جشم ابن ذبيان بن كنانة بن يشكر بن بكر بن وائل. وأوس بن حجر بن مالك بن حزن بن عمرو بن خلف بن نمير بن اسيد بن عمرو بن تميم بن مر. وذو الاصبع العدواني، وهو حرثان بن حارث بن محرث بن ثعلبة بن سيار بن ربيعة بن هبيرة بن ثعلبة بن ظرب بن عمرو بن عباد بن بكر بن يشكر ابن عدوان، وهو الحارث بن عمرو بن قيس عيلان. وبشر بن أبي خازم، وهو عمرو بن عوف بن حنش بن ناشرة بن أسامة بن والبة. وعنترة بن شداد بن معاوية بن نزار بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة


[ 264 ]

ابن عبس بن بغيض. وعبدة بن الطبيب التميمي. والمتلمس، وهو جرير بن عبدالمسيح بن عبد الله بن زيد بن دوفان بن حرب بن وهب بن أحمس بن ضبيعة بن ربيعة بن نزار. وأبو دؤاد الايادي وهو حوثرة بن الحارث بن الحجاج. والمرقش الاكبر وهو عوف، وقيل عمرو بن سعد بن مالك بن ضبيعة ابن قيس بن ثعلبة. والمرقش الاصغر، وهو ربيعة بن معاوية بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة. والمسيب بن علس بن عمرو بن قضاعة بن عمرو بن زيد بن ثعلبة بن دعدي بن مالك بن جشم بن مالك بن جماعة بن جلي. وعدي بن زيد بن حماد بن زيد بن أيوب بن محروف بن عامر بن عصية ابن المرئ القيس بن زيد مناة بن تميم. وسلامة بن جندل بن عبد عمرو بن عبد الحارث، هو مقاعس بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. وسحيم بن وثيل بن عمرو بن كرز بن وهيب بن حميري بن رياح ابن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. والجميح الاسدي، وهو منقذ بن الطماح بن قيس بن طريف بن عمرو ابن قعين. وحاتم الطائي، وهو حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس ابن عدي بن أخزم بن ربيعة بن جرول بن ثعل بن عمرو بن الغوث. وطفيل الخيل، وهو طفيل بن عوف بن خليف بن ضبيس بن مالك بن سعد بن عوف بن هلان بن غنم بن غني. والسفاح، وهو سلمة بن خالد بن كعب بن زهير بن تيم بن أسامه بن


[ 265 ]

مالك بن بكر بن حبيب بن غنم بن تغلب. وتأبط شرا، وهو ثابت بن جابر بن سفيان بن عدي بن كعب بن فهم بن عمرو بن قيس عيلان. وابن المضلل الاسدي، وهو جلد بن قيس بن مالك بن منقذ بن طريف ابن عمرو بن قعين. وكعب الامثال الغنوي، وهو كعب بن سعد بن علقمة بن ربيعة بن زيد ابن أبي مليل بن رفاعة بن مسلم بن سعد. والحكم بن… (1) ومروان القرظ بن زنباع بن جذيمة بن رواحة بن قطيعة بن عبس. ودريد بن الصمة بن الحارث بن بكر بن علقة بن جداعة بن عرف بن جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن. وأمية بن أبي الصلت، وهو عبد الله بن ربيعة بن عقدة بن غيرة بن عوف بن قسي وهو ثقيف. والافوه الاودي، وهو صلاة بن عمرو بن مالك بن عوف بن الحارث بن عوف بن منبه بن أود بن صعب بن سعد العشيرة بن مذحج. وعمرو بن قمئة بن ذريح بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة. وضابئ بن الحارث بن ارطاة بن شهاب بن عبيد بن حلول بن قيس بن حنظلة بن مالك. وخفاف بن ندبة، وندبة هي أمه، وأبوه عمير بن الحارث بن عمرو بن الشريد بن رياح بن يقظة بن عصية بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم. والمتنخل الهذلي، وهو مالك بن غنم بن سويد بن حبشي بن خناعة ابن الديل بن عادية بن صعصعة بن كعب بن طابخة بن لحيان بن هذيل.


1) بياض في الاصل (*).

[ 266 ]

والذهاب الفحل، وهو مالك بن جندل بن مسلمة بن مجمع بن ضبيعة بن عجل. وعروة بن الورد بن زيد بن عبد الله بن ناشب بن سفيان بن عوذ بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض. والحارث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، وهو فارس النعامة. وأنس بن مدرك بن عمرو بن سعد بن عوف بن العتيك بن حارثة بن عامر ابن تيم الله بن مبشر بن أكلب بن ربيعة بن عفرس بن حلف بن خثعم. والمنخل بن مسعود بن أفلت بن قطن بن سوادة بن مالك بن ثعلبة بن غنم ابن حبيب بن كعب بن يشكر. وأشيم بن شراحيل بن عبد رضى بن عبد عوف بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة. والحارث بن ظالم بن جذيمة بن يربوع بن غيض بن مرة بن عوف بن سعد ابن ذبيان. وصفوان بن حصين بن مالك بن رفاعة بن سالم بن عبيد بن سعد العنزي. والسموأل بن عاديا، وهو ينسب إلى غسان، فيقول بعضهم إنه يهودي من سبط يهوذا. وعمرو بن الاهتم بن سمي بن سنان بن خالد بن منقر بن عبيد بن عمرو ابن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. ومطرود بن كعب بن عرفطة بن النافذ بن مرة من تيم بن سعد بن كعب بن عمرو بن ربيعة الخزاعي. وأوس بن غلفاء بن فقط (1) بن معبد بن عامر بن ؟ يمامة (2). وحصين بن الحمام بن ربيعة بن حرام بن واثلة بن سهم بن مرة بن عوف ابن سعد بن ذبيان بن عامر بن صعصعة.


1 و 2) بلا نقط في الاصل (*).

[ 267 ]

والركاض الاسدي، وهو ركاض بن اباق بن بديل أحد بني دبير. وسويد بن كراع العكلي. والحويدرة، واسمه قطبة بن أوس بن محصن بن جرول بن حبيب الاعظم ابن عبد العزى بن خزيمة بن رزام بن مازن بن ثعلبة بن سعد بن ذبيان. وأعشى بني أسد، وهو قيس بن بجرة بن منقذ بن طريف بن عمرو بن قعين. وابن الزبعرى السهمي، وهو عبد الله بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم من قريش. و…. (1) قطن بن نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة. وابن دجاجة الفقيم، وهو بكير بن نريد (2) بن أنس بن امرئ القيس. وسويد بن سلامة بن حديج بن قيس بن عمرو بن قطن بن نهشل بن دارم ابن مالك بن حنظلة. وقيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن الحارث بن مازن بن قطيعة ابن عبس بن بغيض. ومقيس بن صبابة أخو بني كلب بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن كنانة، أدركه الاسلام، وأسلم، ثم ارتد فقتل يوم فتح مكة كافرا. والمسيب بن الرفيل بن حارثة بن حيان بن قيس بن أبي جابر بن زهير بن جناب بن هبل الكلبي. والبراض بن قيس بن رافع بن قيس بن جدي بم ضمرة الكناني. وسبرة بن عمرو بن اهنان بن دثار بن فقعس. وشافع بن عبد العزى الضمري. وسراقة بن مالك بن جعشم المدلجي.


1) بياض في الاصل. 2) بلا نقط في الاصل (*).

[ 268 ]

ومصروف واسمه عمرو بن قيس بن مسعود بن عامر بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل. وابن رميلة الضبي. وقيس بن مسعود بن عامر بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل. ومرداس بن أبي عامر بن جارية بن عبد بن عبس بن رفاعة بن الحارث ابن بهثة بن سليم بن منصور. ومن شعراء الجاهلية الفحول المتقدمين الذين أدركوا الاسلام: النابغة الجعدي، وكان في السن مثل النابغة الذبياني، واسمه قيس بن عبد الله بن عدس ابن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. ولبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب بن عامر بن صعصعة. وتميم بن أبي بن مقبل بن عوف بن حنيف بن قتيبة بن العجلان بن عبد الله بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. وكعب بن زهير بن أبي سلمى، وهو ربيعة بن رياح بن قرط بن الحارث ابن مازن بن ثعلبة بن ثور بن هذمة بن لاطم بن عثمان بن عمرو بن أد. وعبد الله بن عامر بن كرب الكندي. وأبو سمال الاسدي، واسمه شمعان بن هبيرة بن مساحق. وزيد بن مهلهل، وهو زيد الخيل بن يزيد بن منهب بن عبد رضى بن المحلس بن ثور بن عدي بن كنانة بن مالك بن نبهان بن عمرو بن الغوث. والحطيئة واسمه جرول بن أوس بن مالك بن جوية بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس. وضرار بن الخطاب بن مرداس بن كبير بن عمرو المحاربي. والشماخ بن ضرار بن سنان بن أمية بن عمرو بن جحاش بن بجالة بن مازن بن ثعلبة بن سعد بن ذبيان. وأبو ذؤيب الهذلي، وهو خويلد بن خالد بن محرث بن ربيد بن مخزوم.


[ 269 ]

ابن صاهلة بن كاهل بن تميم بن سعد بن هذيل. وأبو كبير الهذلي، وهو عامر بن الحليس. والحرث بن عمرو بن جرجة بن يربوع بن فزارة. وعبد بني الحسحاس، وهو سحيم بن هند بن سفين بن ثعلبة بن ذودان ابن أسد بن خزيمة.


[ 270 ]

اسواق العرب كانت أسواق العرب عشرة أسواق يجتمعون بها في تجاراتهم، ويجتمع فيها سائر الناس، ويأمنون فيها على دمائهم وأموالهم، فمنها: دومة الجندل، يقوم في شهر ربيع الاول، ورؤساؤها غسان وكلب اي الحيين غلب قام. ثم المشقر بهجر يقوم سوفها في جمادى الاولى، تقوم بها بنو تيم رهط المنذر بن ساوى. ثم صحار يقوم في رجب في أول يوم من رجب، ولايحتاج فيها إلى خفارة، ثم يرتحلون من صحار إلى ريا يعشرهم فيها الجلندى وآل الجلندى. ثم سوق الشحر شحر مهرة، فيقوم سوقها تحت ظل الجبل الذي عليه قبر هود النبي، ولم تكن بها خفارة، وكانت مهرة تقوم بها. ثم سوق عدن يقوم في أول يوم من شهر رمضان ويعشرهم بها الابناء، ومنها كان يحمل الطيب إلى سائر الآفاق. ثم سوق صنعاء يقوم في النصف من شهر رمضان يعشرهم بها الابناء. ثم سوق الرابية بحضرموت، ولم يكن يوصل إليها إلا بخفارة لانها لم تكن أرض مملكة، وكان من عز فيها بز، وكانت كندة تخفر فيها. ثم سوق عكاظ بأعلى نجد يقوم في ذي القعدة، وينزلها قريش وسائر العرب إلا أن أكثرها مضر، وبها كانت مفاخرة العرب، وحمالاتهم، ومهادناتهم. ثم سوق ذي المجاز، وكانت ترتحل من سوق عكاظ وسوق ذي المجاز إلى مكة لحجهم. وكان في العرب قوم يستحلون المظالم إذا حضروا هذه الاسواق، قبر هود النبي، ولم تكن بها خفارة، وكانت مهرة تقوم بها. ثم سوق عدن يقوم في أول يوم من شهر رمضان ويعشرهم بها الابناء، ومنها كان يحمل الطيب إلى سائر الآفاق. ثم سوق صنعاء يقوم في النصف من شهر رمضان يعشرهم بها الابناء. ثم سوق الرابية بحضرموت، ولم يكن يوصل إليها إلا بخفارة لانها لم تكن أرض مملكة، وكان من عز فيها بز، وكانت كندة تخفر فيها. ثم سوق عكاظ بأعلى نجد يقوم في ذي القعدة، وينزلها قريش وسائر العرب إلا أن أكثرها مضر، وبها كانت مفاخرة العرب، وحمالاتهم، ومهادناتهم. ثم سوق ذي المجاز، وكانت ترتحل من سوق عكاظ وسوق ذي المجاز إلى مكة لحجهم. وكان في العرب قوم يستحلون المظالم إذا حضروا هذه الاسواق، فسموا المحلين، وكان فيهم من ينكر ذلك، وينصب نفسه لنصرة المظلوم،


[ 271 ]

والمنع من سفك الدماء، وارتكاب المنكر، فيسمون الذادة المحرمين، فأما المحلون فكانوا قبائل من أسد وطئ وبني بكر بن عبد مناة بن كنانة وقوما من بني عامر بن صعصعة. وأما الذادة المحرمون، فكانوا من بني عمرو بن تميم وبني حنظلة بن زيد مناة، وقوم من هذيل، وقوم من بني شيبان، وقوم من بني كلب بن وبرة، فكان هؤلاء يلبسون السلاح لدفعهم عن الناس، وكان العرب جميعا بين هؤلاء تضع أسلحتهم في الاشهر الحرم.. (1) وكانت العرب تحضر سوق عكاظ، وعلى وجوهها البراقع، فيقال إن أول عربي كشف قناعه ظريف بن غنم العنبري، ففعلت العرب مثل فعله

اترك تعليقاً