الفصول المختارة – محمد بن محمد بن النعمان المفيد

الفصول المختارة

الشيخ المفيد


[ 1 ]

الفصول المختارة أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي الشيخ المفيد (336 – 413 ه‍) تحقيق السيد علي مير شريفي دار المفيد طباعة – نشر – توزيع ب جميع الحقوق الطبع محفوظة الطبعة الثانية 1414 هجرية 1993 ميلادية طبعت بموافقة اللجنة الخاصة المشرفة على المؤتمر العالمي لالفية الشيخ المفيد دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع بيروت. لبنان. ص. ب 25 / 304


[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم كلمة الناشر الحمد لله رب العالمين – والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين واصحابه المنتجبين. كان لانعقاد المؤتمر الالفي للشيخ المفيد في مدينة قم سنة 1413 ومشاركة الوفود العالمية في ذلك المؤتمر، وما القي فيه من دراسات وبحوث – كان ذلك حافزا للكثيرين إلى التنبه لاحياء آثار هذا العالم العظيم الذي كان له في تاريخ الثقافة الاسلامية والفكر العربي ما كان، سواء في مدرسته الكبرى التي اقامها في بغداد، أو في مجالسه العلمية التي كانت تنعقد في داره، أو في مؤلفاته الي تطرقت إلى أنواع شتى من المعرفة، ما خلدها على مر العصور. وقد كان من أهم ما تنبه إليه المفكرون والمحققون هو وجوب جمع تلك المؤلفات في حلقات متتابعة يسهل على المتتبع الوصول إليها. وقد كان ذلك فجمعت تلك المؤلفات والمصنفات في سلسلة مترابطة في حلقاتها لتكون بين يدي القارئ سهلة المأخذ، يستفيد منها العالم والمتعلم، والاستاذ والتلميذ، وتصبح موردا لكل ظامئ إلى العلم، صاد إلى الثقافة. وقد رأت دارنا (دار المفيد) ان تقوم بطبع هذه المؤلفات في طبعة جديدة عارضة لها على شداة الحقيقة العلمية الفكرية اينما وجدوا، وهو ما يراه القارئ بين يديه فيما يلي، كتابا بعد كتاب. وإننا لنرجو أن نكون بذلك قد ارضينا الله اولا، ثم ارضينا قراءنا الذين عودناهم فيما مضى من أيامنا على ان نبذل لهم كل جديد. سائلين من الله التوفيق والتسديد واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين دار المفيد


[ 4 ]

بسم الله الرحمن الرحيم حول هذه الطبعة بعد أن عزمنا على إعداد كتاب ” الفصول المختارة ” – وهو مختار احدى مصنفات الشيخ المفيد رضوان الله تعالى عليه – للطبع والنشر علمنا بأن حجة الاسلام والمسلمين السيد نور الدين جعفريان الاصبهاني وبعض أعوانه قد سبقوا في ذلك حيث قابلوا الطبعة النجفية من الكتاب مع نسختين مخطوطتين، فوضعوا جهودهم مشكورين – بناء على طلب المؤتمر – في متناول أيدينا بكل رحابة صدر ثم بعد ذلك قام ححة الاسلام والمسلمين الشيخ يعقوب الجعفري بمقابلة الكتاب مع نسخة مخطوطة ثالثة وبذل جهدا حثيثا في تقويم نص الكتاب.


[ 5 ]

وأخيرا قام حجة الاسلام والمسلمين الشيخ محسن الاحمدي قبل مراجعته النهائية للكتاب، بمقابلة أخيرة مع نسخ مخطوطة أخرى. وهكذا وبعد هذه الجهود المضنية نضع الكتاب بين يدي القارئ الكريم مع اعترافنا بأن هناك مجالا واسعا للعمل في هذا الكتاب، حيث إن ضيق الوقت قد أجبرنا على الاسراع في إخراج الكتاب، برغم احساسنا بوجود الخلل في بعض النواحي كضبط الاعلام وتقويم بعض النصوص الغامضة، والابيات الشعرية فيه…. ونأمل أن يوفق الله تعالى العاملين في مجال إحياء التراث للمزيد من التحقيق حول هذا الاثر الخالد (1). مؤتمر الفية الشيخ المفيد


[ 6 ]

الصفحة الاولى من النسخة 7820 من المكتبة الرضوية.


[ 7 ]

الصفحة اأخيرة من النسخة 7820 من المكتبة الرضوية.


[ 8 ]

الصفحة الاولى من النسخة 2538 من المكتبة ملك – تهران.


[ 9 ]

الصفحة اأخيرة من النسخة 2538 من المكتبة ملك – تهران.


[ 10 ]

الصفحة الاولى من النسخة 9882 من المكتبة الرضوية.


[ 11 ]

الصفحة الاخيرة من النسخة 9882 من المكتبة الرضوية.


[ 12 ]

الصفحة الاولى من النسخة 7819 من المكتبة الرضوية.


[ 13 ]

الصفحة الاخيرة من النسخة 7819 من المكتبة الرضوية.


[ 14 ]

الصفحة الاولى من النسخة 11864 من المكتبة الرضوية.


[ 15 ]

الصفحة الاخيرة من النسخة 11864 من المكتبة الرضوية.


[ 16 ]

الفصول المختارة من العيون والمحاسن تأليف: السيد الشريف المرتضى (355 – 436 ه‍) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله المتوحد بالقدم، العام لجميع خلقه بالنعم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله معادن الدين والكرم، وسلم كثيرا. سألت أيدك الله أن أجمع لك فصولا من كلام شيخنا ومولانا المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان في المجالس، ونكتا من كتابه المعروف ب (العيون والمحاسن) لتستريح إلى قراءته في سفرك، وتنشر ذكره في مستقرك وبلدك، وقد أجبتك أيدك الله إلى ذلك إيثارا لوفاق مسرتك، ورغبة فيما عند الله سبحانه باجابتك، والله الكريم يوفقك برحمته لذلك، ويتفضل بحراستك إنه قريب مجيب.


[ 18 ]

فصل اتفق للشيخ المفيد أبى عبد الله أيده الله اجتماع مع القاضي أبي بكر أحمد بن سيار في دار السلام بدار الشريف أبي عبد الله محمد بن محمد بن طاهر الموسوي رحمه الله، وكان بالحضرة جمع كثير يزيد عددهم على مائة إنسان، وفيهم أشراف من بني علي – عليه السلام – وبني العباس رحمة الله عليه، ومن وجوه الناس والتجار حضروا في قضاء حق للشريف رحمه الله فجرى من جماعة من القوم خوض في ذكر النص على أمير المؤمنين علي بن أبى طالب – عليه السلام – وتكلم الشيخ أبو عبد الله أيده الله في ذلك بكلام يسير على ما اقتضاه الحال فقال له القاضي أبو بكر أحمد بن سيار: أخبرني ما النص في الحقيقة وما معنى هذه اللفظة ؟ فقال له الشيخ أيده الله: النص هو الاظهار والابانة من ذلك قولهم: فلان قد نص قلوصه إذا أبانها بالسير وأبرزها من جملة الابل ولذلك سمي المفرش العالي منصة لان الجالس عليه يبين بالظهور من الجماعة، فلما أظهره المفرش سمي منصة على ما ذكرناه، ومن ذلك أيضا قولهم قد نص فلان مذهبه إذا أظهره وأبانه ومنه قول امرء القيس: وجيد كجيد الريم ليس بفاحش * * إذا هي نصته ولا بمعطل يريد به إذا هي أظهرته وقد قيل إذا هي نصته والمعنى في هذا يرجع إلى


[ 19 ]

الاظهار فأما هذه اللفظة فإنها قد جعلت مستعملة في الشريعة على المعنى الذي قدمت ومتى أردت حد المعنى منها قلت: حقيقة النص هو القول المنبى عن المقول فيه على سبيل الاظهار فقال القاضي: ما أحسن ما قلت ولقد أصبت فيما أوضحت وكشفت فخبرني الآن إذا كان النبي (ص) قد نص على إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب – عليه السلام – فقد أظهر فرض طاعته وإذا أظهره استحال أن يكون مخفيا، فما بالنا لا نعلمه إن كان الامر على ما ذكرت في حد النص وحقيقته ؟ فقال الشيخ أيده الله: أما الاظهار من النبي (ص) فقد وقع ولم يك خافيا في حال ظهوره، وكل من حضره فقد علمه ولم يرتب فيه ولا اشتبه عليه، فأما سؤالك عن علة فقدك العلم به الان وفي هذا الزمان، فإن كنت لا تعلمه على ما أخبرت به عن نفسك فذلك لدخول الشبهة عليك في طريقه لعدولك عن وجه النظر في الدليل ا لمفضي بك إلى حقيقته، ولو تأملت الحجة فيه بعين الانصاف لعلمته. ولو كنت حاضرا في وقت إظهار النبي (ص) له لما أخللت بعلمه ولكن العلة في ذهابك عن اليقين فيه ما وصفناه. فقال. وهل يجوزأن يظهر النبي (ص) شيئا في زمانه فيخفى على من ينشأ بعد وفاته حتى لا يعلمه إلا بنظر ثاقب واستدلال عليه ؟ قال له الشيخ أيده الله تعالى: نعم يجوز ذلك، بل لابد لمن غاب عن المقام في علم ما كان فيه من النظر والاستدلال. وليس يجوز أن يقع له به علم الاضطرار لانه من جملة الغائبات غير أن الاستدلال في هذا الباب يختلف في الغموض والظهور والصعوبة والسهولة على حسب الاسباب المعترضات في طرقه وربما عرى طريق ذلك من سبب فيعلم بيسير من الاستدلال على وجه يشبه الاضطرار إلا أن


[ 20 ]

طريق النص حصل فيه من الشبهات للاسباب التي اعترضته ما تعذر معها العلم به إلا بعد نظر ثاقب وطول زمان في الاستدلال. فقال: فإذا كان الامر على ما وصفت فما أنكرت أن يكون النبي (ص) قد نص على نبي آخر معه في زمانه أو نبي يقوم من بعده مقامه وأظهر ذلك وشهره على حد ما أظهر به إمامة أمير المؤمنين – طيه السلام – فذهب عنا علم ذلك كما ذهب عنا علم النص باسبابه. فقال الشيخ أيده الله: أنكرت ذلك من قبل أن العلم حاصل لي ولك ولكل مقر بالشرع ومنكر له، بكذب من ادعى ذلك على رسول الله (ص) ولو كان ذلك حقا لما عم الجميع علم بطلانه وكذب مدعيه ومضيفه إلى النبي (ص) ولو تعرى بعض العقلاء من سامعي الاخبار عن علم ذلك لاحتجت في إفساده إلى تكلف دليل غير ما وصفت لكن الدليل الذي ذكرت يغنيني عن اعتماد غيره، فإن كان النص على الامامة نظيره فيجب أن يعم العلم ببطلانه جميع سامعي الاخبار حتى لا يختلف في اعتقاد ذلك اثنان، وفي تنازع الامة فيه واعتقاد جماعة صحته والعلم به واعتقاد جماعة بطلانه، دليل على فرق ما بينه وبين ما عارضت به. ثم قال الشيخ أيده الله: هلا أنصف القاضي من نفسه والتزم ما ألزمه خصومه فيما شاركهم فيه من نفي ما تفردوا به ففصل بينه وبين خصومه في قوله إن النبي (ص) قد نص على رجم الزاني وفعله، وموضع قطع السارق وفعله، وعلى صفة الطهارة والصلاة وحدود الصوم والحج والزكاة وفعل ذلك، وبينه وكرره وشهره. ثم التنازع موجود في ذلك وإنما يعلم الحق فيه وما عليه العمل من غيره، بضرب من الاستدلال. بل في قوله: إن انشقاق القمر لرسول الله (ص) كان ظاهرا في حياته ومشهورا في عصره وزمانه. وقد أنكر ذلك جماعة من المعتزلة وغيرهم من


[ 21 ]

أهل الملل والملحدة وزعموا أن ذلك من توليد أصحاب السير ومؤلفي ا لمغازي وناقلي الاثار وليس يمكنه أن يدعي على من خالف فيما ذكرناه علم الاضطرار وإنما يعتمد على غلطهم في الاستدلال. فما يؤمنه أن يكون النبي (ص) قد نص على نبي من بعده وإن عرى من العلم بذلك على سبيل الاضطرار ؟ وبم يدفع أن يكون قد حصلت له شبهات حالت بينه وبين العلم بذلك كما حصل لخصومه فيما عددناه ووصفناه ؟ وهذا ما لا فصل فيه. فقال له: ليس يشبه أمر النص على أمير المؤمنين – عليه السلام – جميع ما ذكرت لان فرض النص عندك فرض عام وما وقع فيه الاختلاف فيما قدمت فانها فروض خاصة ولو كانت في العموم كهو لما وقع فيها الاختلاف. فقال له الشيخ أدام الله عزه: فقد انتقض الآن جميع ما اعتمدته وبان فساده واحتجت في الاعتماد إلى غيره وذلك انك جعلت موجب العلم وسبب ارتفاع الخلاف، ظهور الشئ في زمان ما واشتهاره بين الملا ولم تضم إلى ذلك غيره ولا شرطت فيه موصوفا سواه فلما نقضناه عليك ووضح لك دماره، عدلت إلى التعلق بعموم الفرض وخصوصه. ولم يك هذا جاريا فيما سلف والزيادة في الاعتلال انقطاع والانتقال من اعتماد إلى اعتماد أيضا انقطاع على أنه ما الذي يؤمنك أن ينص على نبي يحفظ شرعه ويكون فرض العمل به خاصا في العبادة كما كان الفرض فيما عددناه خاصا، فهل فيها من فصل يعقل ؟ فلم يأت بشئ تجب حكايته.


[ 22 ]

فصل وذكرت بحضرة الشيخ أبي عبد الله أدام الله عزه ما ذكره أبو جعفر محمد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي رحمه الله في كتاب (الانصاف) حيث ذكر أن شيخا من المعتزلة أنكر أن تكون العرب تعرف المولى سيدا وإماما. قال: فانشدته قول الاخطل: فما وجدت فيها قريش لامرها أعف وأولى من أبيك وأمجدا وأورى بزنديه ولو كان غيره غداة اختلاف الناس أكدى وأصلدا فأصبحت مولاها من الناس كلهم وأحرى قريش أن تهاب وتحمدا قال أبو جعف فأسكت الشيخ كأنما القم حجرا، وجعلت أستحسن ذلك. فقال لي الشيخ أبو عبد الله أدام الله عزه: قد قال لي أيضا شيخ من المعتزلة: إن الذي تدعونه من النص الجلي على أمير المؤمنين – عليه السلام – شئ حادث ولم يك معروفا عند متقدمي الشيعة ولا اعتمده أحد منهم في حجته وإنما بدأ به وادعاه ابن الراوندي في كتابه في الامامة وناضل عليه ولم يسبقه إليه أحد، ولو كان معروفا فيما سلف لما أخل السيد إسماعيل بن محمد رحمه الله به في شعره ولا ترك ذكره في نظمه مع اغراقه في ذكر فضائل أمير المؤمنين – عيه السلام – ومناقبه حتى تعلق بشاذ الحديث وأورد من الفضائل ما لم نسمع به إلا منه، فما باله إن كنتم صادقين لم يذكر النص الجلي ولا اعتمده في شئ من مقاله ؟ وهو الاصل المعول عليه لو ثبت.


[ 23 ]

فقلت له: قد ذهب عنك أيها الشيخ مواضع مقاله في ذلك لعدولك عن العناية برواية شعر هذا الرجل ولو كنت ممن صرف همته إلى تصفح قصائده لعرفت ما ذهب عليك من ذلك وأسكنتك المعرفة به عن الاعتماد على ما اعتمدته من خلو شعره على ما وصفت في استدلالك بذلك، وقد قال السيد إسماعيل بن محمد رحمه الله في قصيدته الرائية التي يقول في أولها: الحمد لله حمدا كثيرا * * ولي المحامد ربا غفورا حتى انتهى إلى قوله: وفيهم علي وصي النبي * * بمحضرهم قد دعاه أميرا وكان الخصيص به في الحياة * * وصاهره واجتباه عشيرا أفلا ترى أنه قد أخبر في نظمه أن رسول الله (ص) دعا عليا – عليه السلام – في حياته بإمرة المؤمنين واحتج بذلك فيما ذكره من مناقبه – علبه السلام – فسكت الشيخ وكان منصفا. فصل وحدثني الشيخ أبو عبد الله أيده الله قال أبو الحسن علي بن ميثم أبا الهذيل العلاف فقال له: أليس تعلم أن إبليس ينهى عن الخير كله ويأمر بالشر كله ؟ فقال: نعم. قال: أفيجوز أن يأمر بالشر كله وهو لا يعرفه وينهى عن الخير كله وهو لا يعرفه ؟ قال: لا. فقال له أبو الحسن رحمه الله: قد ثبت أن إبليس يعلم الشر كله والخير كله ؟. قال أبو الهذيل: أجل. قال: فأخبرني عن إمامك الذي تأتم به بعد الرسول (ص) هل يعلم الخير كله والشر كله ؟ قال: لا. قال له: فإبليس أعلم من إمامك إذن. فانقطع أبو الهذيل.


[ 24 ]

وقال أبو الحسن علي بن ميثم يوما آخر لابي الهذيل. أخبرني عمن اقر على نفسه بالكذب وشهادة الزور هل تجرز شهادته في ذلك المقام على آخرين ؟ قال أبو الهذيل: لا يجوز ذلك. قال له أبو الحسن: أفلست تعلم أن الانصار ادعت الامرة لنفسها ثم أكذبت أنفسها في ذلك المقام وشهدت عليها بالزور ثم أقرت بها لابي بكر وشهدت بها له. فكيف تجوز شهادة قوم قد أكذبوا أنفسهم وشهدوا عليها بالزور مع ما أخذنا رهنك به من القول في ذلك. فقال لي الشيخ أيده الله: هذا كلام موجز في البيان والمعنى فيه على الايضاح أنه إذا كان الدليل عند من خالفنا على إمامة أبي بكر إجماع المهاجرين عليه فيما زعمه والانصاز وكان معترفا ببطلان شهادة الانصار له من حيث أقرت على أنفسها بباطل ما ادعته من استحقاق الامامة، فقد صار وجود شهادتهم كعدمها وحصل الشاهد بامامة أبي بكر من بعض الامة لا كلها، وبطل ما ادعوه من الاجماع عليها. ولا خلاف بيننا وبين خصومنا أن إجماع بعض الامة ليس بحجة فيما ادعاه وان الغلط جائز عليهم، وفي ذلك فساد الاستدلال على إمامة أبي بكر بما ادعاه القوم وعدم البرهان عليها من جميع الوجوه. فصل وحدثني الشيخ أدام الله عزه قال. وحدث عن الحسين بن زيد (1)، قال: حدثني مولاي، قال: كنت مع زيد بن علي – عليه السلام – بواسط فذكر توم أبا بكر وعمر وعليا – عليه السلام – فقدموا أبا بكر وعمر عليه، فلما قاموا قال لي زيد رحمه الله: قد سمعمت كلام هؤلاء وقد قلت أبياتا فادفعها إليهم وهي.


(1) – في نسخة من نسخ الرضوية: يزيد (*).

[ 25 ]

ومن شرف الاقوام يوما برايه * * فان عليا شرفته المناقب وقول رسول الله والحق قوله * * وإن زعمت منهم انوف كواذب بانك مني يا علي معالنا * * كهارون من موسى أخ لي وصاحب دعاه ببدر فاستجاب لامره * * وما زال في ذات الاله يضارب فما زال يعلوهم بم وكانه * * شهاب تلقاه القوابس ثاقب واخبرني الشيخ أدام الله عزه مرسلا، قال: سأل رجل زين العابدين علي بن الحسين – عليه السلام، فقال له: يابن رسول الله أخبرني بما ذا فضلتم الناس جميعا وسدتموهم، فقال له – عليه السلام -: أنا أخبرك بذلك، اعلم أن الناس كلهم لا يخلون من أن يكونوا أحد ثلاثة: إما رجل أسلم على يد جدنا رسول الله (ص) مولى لنا ونحن ساداته وإلينا يرجع بالولاء، أو رجل قاتلناه فقتلناه فمضى إلى النار أو رجل أخذنا منه الجزية عن يد وهو صاغر ولا رابع للقوم، فاي فضل لم نحزه وشرف لم نحصله بذلك ؟ فصل ومن كلام الشيخ أدام الله عزه في إبطال إمامة أبى بكر من جهة الاجماع، ساله المعروف بالكتبي فقال له: ما الدليل على فساد إمامة أيى بكر ؟ فقال له: الادلة على ذلك كثيرة، وأنا أذكر لك منها دليلا يقرب إلى فهمك، وهو) ان الامة مجمعه على أن الامام لا يحتاج إلى إمام وقد أجمعت الامة على أن أبا بكر قال على المنر (وليتكم ولسمت بخيركم فان استقمت فاتبعوني وإن اعوججت فقوموني) فاعترف بحاجته إلى رعيته، وفقره إليهم في تدبيره ولا خلاف بين ذوى العقول أن من احتاج إلى رعيته فهو إلى الامام أحوج، وإذا ثبت حاجة ابى بكر إلى


[ 26 ]

الامام بطلت إمامته بالاجماع المنعقد على أن الامام لا يحتاج إلى إمام. فلم يدر الكتبي بم يعترض وكان بالحضرة رجل من المعتزلة يعرف بعزرالة فقال: ما أنكرت على من قال لك: إن الامة أيضا مجمعة على أن القاضي لا يحتاج إلى قاض، والامير لا يحتاج إلى أمير فيجب على هذا الاصل أن توجب عصمة الامراء والقضاة أو تخرخ عن الاجماع. فقال له الشيخ أدام الله عزه: إن سكوت الاول أحسن من كلامك هذا ! وما كنت أظن أنه يذهب عليك الخطأ في هذا الفصل أو تحمل نفسك عليه مع العلم يوهنه وذلك أنه لا إجماع فيما ذكرت بل الاجماع في ضده لان الامة متفقة على أن القاضي الذي هو دون الامام، يحتاج إلى قاض هو الامام، والامير من قبل الامام يحتاج إلى أمير هو الامام وذلك مسقط ما تعلقت به. اللهم إلا أن تكون أشرت بالامير والقاضي إلى نفس الامام فهو كما وصفت غير محتاج إلى قاض يتقدمه أو امير عليه، وإنما استغنى عن ذلك لعصمته وكماله فأين موضع إلزامك عافاك الله ؟. فلم يأت بشئ فصل ومن كلام الشيخ أدام الله عزه أيضا سأله رجل من المعتزلة يعرف بابي عمرو الشطوي، فقال له: أليس قد أجمعت الامة على أن أبا بكر وعمر كان ظاهرهما الاسلام ؟ فقال له الشيخ: نعم قد أجمعوا على أنهما قد كانا على ظاهر الاسلام زمانا فأما أن يكونوا مجمعين على أنهما كانا في سائر أحوالهما على ظاهر الاسلام فليس في هذا إجماع للاتفاق على أنهما كانا على الشرك، ولوجود طائفة كثيرة العدد تقول:


[ 27 ]

إنهما كانا بعد إظهارهما الاسلام على ظاهر كفر بجحد النص. وأنه كان يظهر منهما النفاق في حياة النبي (ص). فقال الشطوي: قد بطل ما أردت أن أورده على هذا السؤال بما أوردت. وكنت أظن أنك تطلق القول على ما سألتك. فقال له الشيخ أدام الله عزه: قد سمعت ما عندي، وقد علمت ما الذي أردت فلم امكنك منه، ولكني أنا أضطرك إلى الوقوع فيما ظننت أنك توقع خصمك فيه، أليس الامة مجمعة على أنه من اعترف بالشك في دين الله والريب في نبوة رسول الله (ص) فقد اعترف بالكفر وأقر به على نفسه ؟ فقال: بلى. فقال له الشيخ أدام الله عزه: فإن الامة مجمعة لا خلاف بينها على أن عمر بن الخطاب قال: ما شككت منذ يوم أسلمت إلا يوم قاضى فيه رسول الله (ص) أهل مكة، فإني جئت إليه فقلت له: يا رسول الله ألست بنبي ؟ فقال: بلى، فقلت: ألسنا با لمؤمنين ؟ قال: بلى، فقلت: فعلى م تعطي هذه الدنية من نفسك ؟ فقال: إنها ليست بدنية ولكنها خير لك. فقلت له: أليس قد وعدتنا أن ندخل مكة ؟ قال: بلى. قلت: فما بالنا لا ندخلها ؟ قال: أو عدتك أن تدخلها العام ؟ قلت: لا، قال. فسندخلها إن شاء الله تعالى. فاعترف بشكه في دين الله ونبوة رسول (ص) وذكر مواضع شكوكه وبين عن جهاتها وإذا كان الامر على ما وصفناه فقد حصل الاجماع على كفره بعد إظهار الايمان واعترافه بموجب ذلك على نفسه. ثم ادعى خصومنا ضن الناصبة أنه تيقن بعد الشك ورجع إلى الايمان بعد الكفر فأطرحنا قولهم لعدم البرهان عليه واعتمدنا على الاجماع فيما ذكرناه. فلم يأت بشئ أكثر من أن قال: ما كنت أظن أن أحدا يدعي الاجماع على كفر عمر بن الخطاب حتى الآن. فقال الشيخ أدام الله عزه: فالآن قد علمت ذلك وتحققته ولعمري إن هذا مما لم يسبقني إلى استخراجه أحد فان كان عندك شئ فأورده. فلم يأت بشئ.


[ 28 ]

فصل وأخبرني الشيخ أدام الله عزه قال: دخل ضرار بن عمرو الضبي على يحيى بن خالد البرمكي فقال له: يا أبا عمرو هل لك في مناظرة رجل هو ركن الشيعة ؟ فقال ضرار: هلم من شئت. فبعث إلى هشام بن الحكم رحمه الله فأحضره فقال له: يا أبا محمد هذا ضرار وهو من قد علمت في الكلام والخلاف لك فكلمه في الامامة. فقال له: نعم. ثم أقبل على ضرار، فقال: يا أبا عمرو خبرني على ما تجب الولاية والبراءة أعلى الظاهر أم على الباطن ؟ فقال ضرار: بل على الظاهر فان الباطن لا يدرك إلا بالوحي قال هشام: صدقت. فأخبرني الآن أي الرجلين كان أذب عن وجه رسول الله (ص) بالسيف وأقتل لاعداء الله بين يديه وأكثر آثارا في الجهاد أعلي بن أبي طالب أو أبو بكر ؟ فقال: بل علي بن أبي طالب، ولكن أبا بكر كان أشد يقينا. فقال هشام. هذا هو الباطن الذي قد تركنا الكلام فيه وقد اعترفت لعلي – علبه السلام – بظاهر عمله من الولاية وأنه يستحق بها من الولاية ما لم يجب لابي بكر فقال ضرار هذا هو الظاهر نعم. ثم قال له هشام: أفليس إذا كان الباطن مع الظاهر فهو الفضل الذي لا يدفع ؟ فقال له ضرار بلى فقال له هشام: ألست تعلم أن رسول الله (ص) قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا انه لا نبي بعدي ؟ قال ضرار نعم. قال هشام: أفيجوز أن يقول له هذا القول إلا وهو عنده في الباطن مؤمن ؟ قال: لا. قال هشام: فقد صح لعلي – عيه السلام – ظاهره وباطنه ولم يصح لصاحبك لا ظاهر ولا باطن والحمد لله.


[ 29 ]

فصل وأخبرني الشيخ أدام الله عزه أيضا قال: جاء ضرار إلى أبي الحسن علي بن ميثم رحمه الله فقال له: يا أبا الحسن قد جئتك مناظرا. فقال له أبو الحسن: وفيم تناظرني ؟ فقال: في الامامة فقال. ما جئتني والله مناظرا ولكنك جئت متحكما. قال له ضرار: ومن أين لك ذلك ؟ قال أبو الحسن. علي البيان عنه، أنت تعلم أن المناظرة ربما انتهت إلى حد يغمض فيه الكلام فتتوجه الحجة على الخصم فيجهل ذلك أو يعاند وإن لم يشعر بذلك أكثر مستمعيه بل كلهم. ولكني أدعوك إلى منصفة من القول وهو أن تختار أحد الامرين: إما أن تقبل قولي في صاحبي وأقبل قولك في صاحبك فهذه واحدة. قال ضرار لا أفعل ذلك. قال له أبو الحسن: ولم لا تفعله ؟ قال: لانني إذا قبلت قولك في صاحبك قلت لي إنه كان وصي رسول الله (ص) وأفضل من خلفه وخليفته على قومه وسيد المسلمين فلا ينفعني بعد أن قبلت ذلك منك أن صاحبي كان صديقا واختاره المسلمون إماما لان الذي قبلته منك يفسد هذا علي. قال له أبو الحسن: فاقبل قولي في صاحبك وأقبل قولك في صاحبي، قال ضرار وهذا لا يمكن أيضا لاني إذا قبلت قولك في صاحبي، قلت لي كان ضالا مضلا ظالما لال محمد – عليهم السلام – قعد في غير مجلسه ودفع الامام عن حقه وكان في عصر النبي في منافقا، فلا ينفعني قبولك قولي فيه أنه كان خيرا صالحا وصاحبا أمينا لانه قد انتقض بقبولي قولك فيه، بعد ذلك أنه كان ضالا مضلا. فقال له أبو الحسن رحمه الله. فإذا كنت لا تقبل قولك في صاحبك ولاقولي فيه ولا قولك في صاحبي فما جئتني إلا متحكما ولم تأتني مباحثا مناظرا.


[ 30 ]

فصل ومن كلام الشيخ أيده الله أيضا. وحضر الشيخ أدام الله عزه مجلسا للنقيب أبي الحسن العمري أدام الله عزه وكان بالحضرة جمع كثير، وفيه القاضي أبو محمد العماني وأبو بكر بن الدقاق فتخاوضوا في ضروب من الحكايات فجرى ذكر الحسد. فقال أبو بكر سئل الحسن البصري فقيل له: أيها الشيخ هل يكون في أهل الايمان حسد ؟ فقال: سبحان الله أما علمتم ما جرى بين إخوة يوسف ويوسف – عليه السلام -، أو ما قرأتم قصتهم في محكم القران، فكيف يجوز أن يخرج الحسد عن الايمان ؟ فاستحسن هذه الحكاية أبو محمد العماني وهو معتزلي المذهب والحاكي أيضا من المعتزلة. فقال الشيخ أدام الله عزه لهم: إن نفس هذا الاستدلال الذي استحسنتموه يوجب أن تكون كبائر الذنوب لا تخرج أيضا عن الايمان وذلك انه لا خلاف أن ما صنعه إخوة يوسف – عليه السلام – باخيهم من إلقائه في غيابة الجب وبيعه بالثمن البخس وكذبهم على الذئب وما أوصلوه إلى قلب أبيهم نبي الله يعقوب – عليه السلام – من الحزن كان كبيرا من الذنوب. وقد قص الله تعالى قصتهم وأخبر عن سؤالهم أباهم الاستغفار عند توبتهم وندمهم، فإن كان الحسد لا يخرج عن الايمان بما حكي عن الحسن من الاستدلال فالكبير من الذنوب أيضا لا يخرج عن الايمان بذلك بعينه، وهذا نقض مذهب أهل الاعتزال فلم يرد أحد منهم جوابا.


[ 31 ]

فصل ومن كلام الشيخ أدام الله عزه أيضا حضر في دار الشريف أبي عبد الله محمد ابن محمد بن طاهر رحمه الله، وحضر رجل من المتفقهة يعرف بالورثاني وهو من فقهائها فقال له الورثاني: أليس من مذهبك أن رسول الله (ص) كان معصوما من الخطأ، مبرأ من الزلل مامونا عليه من السهو والغلط، كاملا بنفسه غنيا عن رعيته ؟ – فقال له الشيخ أيده الله: بلى كذلك كان (ص) قال له: فما تصنع في قول الله جل جلاله * (وشاورهم في الامر فإذا عزمت فتوكل على الله) * (1). أليس قد أمره الله بالاستعانة بهم في الرأي وأفقره إليهم، فكيف يصح لك ما ادعيت مع ظاهر القران وما فعله النبي (ص) ؟ فقال له الشيخ أدام الله عزه: إن رسول الله (ص) يشاور أصحابه لفقر منه إلى آرائهم ولحاجة دعته إلى مشورتهم من حيث ظننت وتوهمت بل لامرآخر أنا أذكره لك بعد الايضاح عما أخبرتك به، وذلك أنا قد علمنا أن رسول الله (ص) كان معصوما من الكبائر والصغائر وإن خالفت أنت في عصمته من الصغائر وكان أكمل الخلق باتفاق أهل الملة وأحسنهم رأيا وأوفرهم عقلا وأكملهم تدبيرا، وكانت المواد بينه وبين الله سبحانه متصلة والملائكة تتواتر عليه بالتوفيق من الله عزوجل والتهذيب والانباء له عن المصالح، وإذا كان بهذه الصفات لم يصح أن يدعوه داع إلى اقتباس الرأي من رعيته لانه ليس أحد منهم إلا وهو دونه في سائر ما عددناه، وإنما يستشير الحكيم غيره على طريق الاستفادة والاستعانة برأيه إذا تيقن أنه أحسن رأيا منه وأجود تدبيرا وأكمل عقلا أو ظن ذلك، فاما إذا أحاط


(1) – آل عمران / 159 (*).

[ 32 ]

علما بأنه دونه فيما وصفناه، لم يكن للاستعانة في تدبيره برأيه معنى لان الكامل لا يفتقر إلى الناقص فيما يحتاج فيه إلى الكمال، كما لا يفتقر العالم إلى الجاهل فيما يحتاج فيه إلى العلم والاية بينة يدل متضمنها على ذلك ألا ترى إلى قوله تعالى: * (وشاورهم في الامر فإذا عزمت فتوكل على الله) * فعلق وقوع الفعل بعزمه دون رأيهم ومشورتهم، ولو كان إنما أمره بمشورتهم للاستعانة برأيهم لقال له: فإذا أشاروا عليك فاعمل وإذا اجتمع رأيهم على شئ فامضه، فكان تعلق فعله بالمشورة دون العزم الذي يختص، به فلقا جاء الذكر بما تلوناه سقط ما توهمته. فاما وجه دعائهم إلى المشورة عليه (ص) فان الله أمره أن يتالفهم بمشورتهم ويعلمهم بما يصنعونه عند عزماتهم ليتادبوا باداب الله عزوجل فاستشارهم لذلك لا للحاجة إلى ارائهم، على أن هاهنا وجها اخر بينا وهو أن الله سبحانه أعلمه أن في امته من يبتغي له الغوائل ويترتبص به الدوائر ويسر خلافه ويبطن مقته ويسعى في هدم أمره ويناقضه في دينه ولم يعرفه باعيانهم ولا دله عليهم باسمائهم، فقال عز اسمه: * (ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم) * (1) وقال جل اسمه: * (وإذا ما انزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بانهم قوم لا يفقهون) * (2) وقال تبارك اسمه: * (يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا منهم فان الله لا يرضى عن القوم الفاسقين) * (3) وقال: * (ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون) * (4) وقال عز من قائل. * (وإذا رأيتهم


(1) – التوبة / 101. (2) – التوبة / 127. (3) – التوبة / 96. (4) – التوبة / 56 (*).

[ 33 ]

تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون) * (1) وقال جل جلاله: * (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يرآءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا) * (2)، * (ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون) * (3). ثم قال سبحانه بعد أن أنبأه عنهم في الجملة * (ولو نشاء لاريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم ي لحن القول) * (4) فدله عليهم بمقالهم وجعل الطريق إلى معرفتهم ما يظهر من نفاقهم في لحن قولهم، ثم أمره بمشورتهم ليصل بما يظهر منهم إلى علم باطنهم، فإن الناصح تبدو نصيحته في مشورته، والغاش المنافق يظهر ذلك في مقاله، فاستشارهم (ص) لذلك، ولان الله جل جلاله جعل مشورتهم الطريق إلى معرفتهم. ألا ترى أنهم لما أشاروا ببدر عليه (ص) في الاسرى فصدرت مشورتهم عن نيات مشوبة في نصيحته كشف الله تعالى ذلك له وذمهم عليه وأبان عن إدغالهم فيه، فقال جل وتعالى * (ما كان لنبي ان يكون له أسرى حتى يثخن في الارض تريدون عرض الدنيا والله يريد الاخرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) * (5) فوجه التوبيخ إليهم والتعنيف على رأيهم وأبان لرسوله (ص) عن حالهم فيعلم أن المشورة لهم لم تكن للفقر إلى ارائهم وإنما كانت لما ذكرناه.


(1) – ا لمنافقون / 4. (2) – النساء / 142. (3) – التوبة / 54. (4) – محمد / 30. (5) – ا لانفال / 67 – 68 (*).

[ 34 ]

فقال شيخ من القوم يعرف بالجراحي وكان حاضرا: يا سبحان الله أترى أن أبا بكر وعمر كانا من أهل النفاق ؟ كلا ما نظن أنك أيدك الله تطلق هذا وما رأينا أن النبي (ص) استشار ببدر غيرهما، فإن كانا هما من المنافقين فهذا ما لا نصبر عليه ولا نقوى على استماعه، وإن لم يكونا من جملة أهل النفاق فاعتمد على الوجه الاول، وهو أن النبي (ص) أراد أن يتألفهم با لمشورة ويعلمهم كيف يصنعون في امورهم. فقال له الشيخ أدام الله عزه: ليس هذا من الحجاج أيها الشيخ في شئ وإنما هو استكبار واستعظام معدول به عن الحجة والبرهان ولم نذكر إنسانا بعينه وإنما أتينا بمجمل من القول فغصله الشيخ وكان غنيا عن تفصيله. فصاح الورثاني وأعلى صوته بالصياح يقول: الصحابة أجل قدرا من أن يكونوا من أهل النفاق وسيما الصديق والفاروق، وأخذ في كلام نحو هذا من كلام السوقة والعامة وأهل الشغب والفتن. فقال له الشيخ أدام الله عزه: دع عنك الضجيج وتخلص مما أوردته عليك من البرهان واحتل لنفسك وللقوم فقد بان الحق وزهق الباطل باهون سعي والحمد لله. فصل ومن كلام الشيخ أدام الله عزه وقد سأله بعض أصحابه فقال له: إن المعتزلة والحشوية يدعون أن جلوس أبي بكر وعمر مع رسول الله (ص) في العريش كان أفضل من جهاد أمير المؤمنين – عليه السلام – بالسيف لانهما كانا مع النبي (ص) في مستقره يدبران الامر معه ولولا أنهما أفضل الخلق عنده لما اختصهما بالجلوس معه


[ 35 ]

فبأي شئ يدفع هذا ؟ فقال له الشيخ أدام الله عزه: سبيل هذا القول أن يعكس وهذه القضية أن تقلب وذلك أن النبي (ص) لو علم أنهما لو كانا في جملة المجاهدين بانفسهما يبارزان الاقران ويقتلان الابطال ويحصل لهما جهاد يستحقان به الثواب، لما حال بينهما وبين هذه المنزلة التي هي أجل وأشرف وأعلى وأسنى من القعود على كل حال بنص الكتاب حيث يقول الله سبحانه: * (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير اولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله باموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما) * (1). فلما رأينا الرسول (ص) قد منعهما هذه الفضيلة وأجلسهما معه، علمنا أن ذلك لعلمه بأنهما لو تعرضا للقتال أو عرضا له لافسدا، إما بأن ينهزما، أو يوليا الدبر كما صنعا في يوم احد وخيبر وحنين، فكان يكون في ذلك عظيم الضرر على المسلمين ولا يؤمن وقوع الوهن فيهم بهزيمة شيخين من جملتهم، أو كانا لفرط ما يلحقهما من الخوف والجزع يصيران إلى أهل الشرك مستأمنين أو غير ذلك من الفساد الذي يعلمه الله تعالى، ولعله لطف للامة بان أمر نبيه (ص) بحبسهما عن القتال، فاما ما توهموه من أنه حبسهما للاستعانة برأيهما، فقد ثبت أنه كان كاملا وأنهما كانا ناقصين عن كماله، وكان معصوما وكانا غي معصومين، وكان مؤيدا بالملائكة وكانا غير مؤيدين، وكان يوحى إليه وينزل القران عليه ولم يكونا كذلك، فأي فقر يحصل له مع ما وصفناه إليهما لولا عمى القلوب وضعف الرأي وقلة الدين.


(1) – النساء / 95 (*).

[ 36 ]

والذي يكشف لك عن صحة ما ذكرناه آنفا في وجه اجلاسهما معه في العريش، قول الله سبحانه: * (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والانجيل والقرآن) * الآية (1)، فلا يخلو الرجلان من أن يكونا مؤمنين أو غير مؤمنين، فإن كانا مؤمنين، فقد اشترى الله أنفسهما منهما بالجنة، على شرط القتال المؤدي إلى القتل منهما لغيرهما أو قتل غيرهما لهما، ولو كانا كذلك لما حال النبي (ص) بينهما وبين الوفاء بشرط الله عليهما من القتل، وفي منعهما من ذلك دليل على أنهما بغير الصفة التي يعتقدها فيهما الجاهلون، فقد وضح بما بيناه أن العريش وبال عليهما ودليل على نقصهما وأنه بالضد مما توهموه لهما والمنة لله. فصل وحدثني الشيخ أدام الله عزه فقال: لما حج الرشيد ونزل المدينة اجتمع إليه بنو هاشم وبقايا المهاجرين والانصار ووجوه الناس، وكان في القوم سيدنا أبو الحسن موسى بن جعفر – عليهما السلام – فقال لهم الرشيد: قوموا إلى زيارة رسول الله. قال: ثم نهض معتمدا على يد أبي الحسن موسى بن جعفر – عليهما السلام – حتى انتهى إلى قبر رسول الله (ص) فوقف ثم قال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا بن عم – افتخارا على قبائل العرب الذين حضروا معه واستطالة عليهم بالنسب – قال: فنرغ أبو الحسن موسى – عليه السلام – يده من يده ثم تقدم فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبة، قال: فتغير لون الرشيد ثم قال: يا أبا الحسن إن هذا لهو الفخر الجسيم.


(1) – التوبة / 111 (*).

[ 37 ]

فصل وحدثني الشيخ أدام الله عزه أيضا قال: روي أنه لما سار المأمون إلى خراسان وكان معه الرضا علي بن موسى – عليهما السلام -، فبينا هما يسيران إذ قال له المأمون: يا أبا الحسن إني فكرت في شئ ففتح لي الفكر الصواب فيه، فكرت في أمرنا وأمركم ونسبنا ونسبكم فوجدت الفضيلة فيه واحدة ورأيت اختلاف شيعتنا في ذلك محمولا على الهوى والعصبية. فقال له أبو الحسن الرضا – عليه السلام -: إن لهذا الكلام جوابا فإن شئت ذكرته لك وإن شئت أمسكت، فقال له المأمون: إني لم أقله إلا لاعلم ما عندك فيه، قال له الرضا – عليه السلام -: أنشدك الله يا أمير المؤمنين لو أن الله تعالى بعث نبيه محمدا (ص) فخرج علينا من وراء أكمة من هذه الآكام فخطب إليك ابنتك أكنت تزوجه إياها ؟ فقال: يا سبحان الله وهل أحد يرغب عن رسول الله (ص) ؟ فقال له الرضا – عليه السلام -: أفتراه يحل له أن يخطب إلي، قال: فسكت المأمون هنيئة ثم قال: أنتم والله أمس برسول الله (ص) رحما. قال الشيخ أدام الله عزه: وإنما المعنى لهذا الكلام، أن ولد العباس يحلون لرسول الله (ص) كما يحل له البعداء في النسب منه، وأن ولد أمير المؤمنين عليه السلام – من فاطمة – عليها السلام – ومن امامة بنت زينب ابنة رسول الله (ص) يحرمن عليه لانهن من ولده في الحقيقة فالولد ألصق بالوالد وأقرب وأحرز للفضل من ولد العم بلا ارتياب بين أهل الدين، فكيف يصح مع ذلك أن يتساووا في الفضل بقرابة الرسول (ص) فنبهه الرضا – عليه السلام – على هذا المعنى وأوضحه له.


[ 38 ]

فصل وحدثني الشيخ أدام الله عزه أيضا قال: قال المأمون يوما للرضا – عليه السلام -: أخبرني بأكبر فضيلة لامير المؤمنين – عليه السلام – يدل عليها القران قال: فقال له الرضا – عليه السلام -: فضيلته في المباهلة قال الله جل جلاله: * (فمن حاجك فيه من بعدما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذببن) * (1) فدعا رسول الله (ص) الحسن والحسين – عليهما السلام – فكانا ابنيه ودعا فاطمة – عليها السلام – فكانت في هذا الموضع نساءه ودعا أمير المؤمنين – عليه السلام – فكان نفسه بحكم الله عزوجل، وقد ثبت أنه ليس أحد من خلق الله سبحانه أجل من رسول الله (ص) وأفضل فوجب أن لا يكون أحد أفضل من نفس رسول الله (ص) بحكم الله عزوجل. قال: فقال له المأمون: أليس قد ذكر الله الابناء بلفظ الجمع وإنما دعا رسول الله (ص) ابنيه خاصة وذكر النساء بلفظ الجمع وإنما دعا رسول الله (ص) ابنته وحدها، فلم لا جاز أن يذكر الدعاء لمن هو نفسه ويكون المراد نفسه في الحقيقة دون غيره فلا يكون لامير المؤمنين – عليه السلام – ما ذكرت من الفضل ؟ قال: فقال له الرضا – عليه السلام -: ليس بصحيح ما ذكرت يا أمير المؤمنين وذلك أن الداعي إنا يكون داعيا لغيره كما يكون الامرآمرا لغيره ولا يصح أن يكون داعيا لنفسه في الحقيقة كما لا يكون آمرا لها في الحقيقة، وإذا لم يدع رسول الله (ص) رجلا في المباهلة إلا أمير المؤمنين – عليه السلام – فقد ثبت أنه نفسه التي عناها الله تعالى في كتابه وجعل حكمه ذلك في تنزيله. قال. فقال المأمون. إذا ورد الجواب سقط السؤال.


(1) – آل عمران / 61 (*).

[ 39 ]

فصل قال الشيخ أدام الله عزه: وإنني لاستحسن قول الفرزدق في كلمة التي يمدح فيها علي بن الحسين – عليه السلام -، وإنه ليليق بما تقدم في هذه الفصول ويجانسه حيث يقول وهو يعني زين العابدين – عليه السلام -: يكاد يمسكه عرفان راحته * * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم مشتقة من رسول الله نبعته * * طابت عناصره والخيم والشيم ينجاب نور الهدى عن نور غرته * * كالشمس ينجاب عن إشراقها الظلم يغضي حياء ويغضى من مهابته * * فلا يكلم إلا حين يبتسم هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله * * بجده أنبياء الله قد ختموا وليس قولك من هذا بضائره * * العرب تعرف من أنكرت والعجم من معشرحبهم دين وبغضهم * * كفروقربهم منجى ومعتصم يستدفع السؤ والبلوى بحبهم * * ويسترب به الاحسان والنعم مقدم بعد ذكر الله ذكرهم * * في كل فرض ومختوم به الكلم إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم * * أو قيل من خير أهل الارض قيل هم لايستطيع جواد بعد غايتهم * * ولا يدانيهم قوم وإن كرموا هم الغيوث إذما أزمة أزمت * * والاسد أسد الشرى والباس محتدم لا يقبض العسر بسطا من أكفهم * * سيان ذلك إن أثروا وإن عدموا أي الخلايق ليست في رقابهم * * لاولية هذا أوله نعم ما قال لاقط إلا في تشهده * * لولا التشهد كانت لاؤه نعم من يعرف الله يعرف اولية ذا * * فالدين من بيت هذا ناله الامم من جده دان فضل الانبياء له * * وفضل امته دانت له الامم


[ 40 ]

وفي مثله لعلي بن محمد العلوي الحماني رضي الله عنه: بين الوصي وبين المصطفى نسب * * تحتال فيه المعالي والمحاميد كانأكشمس نهارفى البروج كما * * أدارها ثم إحكام وتجويد كسيرها انتقلا من طاهر علم * * إلى مطهرة أبائهاصيد تفرقا عند عبد الله واقترنا * * بعد النبوة توفيق وتسديد وذر ذو العرش ذرا طاب بينهما * * فانبث نور له في الارض تخليد نور تفرع عند البعث فانشعبت * * منه شعوب لهافى الدين تمهيد هم فتية كسيوف الهند طال بهم * * على المطاول آباء مناجيد قوم لماء المعالي في وجوههم * * عند التكرم تصويب وتصعيد يدعون أحمد إن عد الفخار أبا * * والعود ينبت في أفنانه العود والمنعمون إذا ما لم تكن نعم * * والذائدون إذا قل المذاويد أوفوا من المجد والعلياء في قلل * * شم قواعدهن الفضل والجود ما سود الناس إلا من تمكن في * * أحشائه لهم ود وتسويد بسط الاكف إذا شيمت مخايلهم * * أسد اللقاء إذا صد الصناديد يزهي المطاف إذا طافوا بكعبته * * ويستنير لهم منها القواعيد في كل يوم لهم بأس يعاش به * * وللمكارم من أفعالهم عيد محسدون ومن يعقد بحبهم * * حبل المودة يضحى وهو محسود لا ينكر الدهر إن ألوى بحقهم * * فالدهر مذكان مذموم ومحمود ونظير هذا بيتان من قبله رحمه الله أيضا: رأت بيعي على رغم الملاح * * هو البيت المقابل للضراح ووالدي المشار به إذا ما * * دعا الداعي بحي على الفلاخ


[ 41 ]

وفي مثل ذلك قول العباس بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب – عليه السلام – محتجا بفضله على قريش التي هي أفضل الخلق جميعا: وقالت قريش لنا مفخر * * رفيع على الناس لا ينكر فقد صدقوا لهم فضلهم * * وبينهم رتب تقصر وأدناهم رحما بالنبي * * إذا فخروا فيه المفخر بنا الفخر منكم على غيركم * * فاقا علينا فلا تفخروا ففضل النبي عليكم لنا * * أقروا به بعدما أنكروا فان طرتم بسوى مجدنا * * فإن جناحكم الاقصر ومما يدخل في جملة هذا النظم من نثر الكلام قول داود بن القاسم أبي هاشم الجعفري رحمه الله وقد دخل على محمد بن عبد الله بن طاهر بعد قتل يحيى ابن عمر المقتول بشاهي رحمه الله، فقال له: أيها الامير إنا قد جئناك لنهنيك بامر لو كان رسول الله (ص) حيا لعزيناه به. وفي مثله قول بعض الشيعة لرجل من الناصبة في محاورة له في فضل آل محمد – عليهم السلام -: أرأيت لو أن الله بعث نبيه محمدا (ص) أين ترى كان يحط رحله وثقله ؟ فقال له الرجل الناصب: كان يحطه في أهله وولده فقال له المتشيع: فإني قد حططت هو اي حيث يحط رسول الله (ص) رحله وثقله. ومنه قول الكميت بن زيد رحمه الله تعالى: ما ابالي إذا حفظت أبا القا * * سم فيهم ملامة اللوام ما ابالي ولن ابالي فيهم * * أبدا رغم ساخطين رغام فيهم شيعتي وقسمي من الا * * مة حسبي من سائر الاقسام


[ 42 ]

فصل ومن حكايات الشيخ أدام الله عزه وكلامه قال الشيخ أدام الله عزه: قال أبو الحسين الخياط: جاءني رجل من أصحاب الامامة عن رئيس لهم زعم أنه أمره أن يسألني عن قول النبي (ص) لابي بكر * (لا تحزن:) * (1) أطاعة حزن أبي بكر أم معصية ؟ قال: فإن كان طاعة فقد نهاه عن الطاعة، وإن كان معصية فقد عصى أبو بكر قال: فقلت له: دع الجواب اليوم ولكن ارجع إليه فاسأله عن قول الله عز وجل لموسى – عليه السلام -: * (لا تخف) * (2) أيخلو خوف موسى – عليه السلام – من أن يكون طاعة أو معصية ؟ فان يكن طاعة فقد نهاه عن الطاعة، وإن يكن معصية فقد عصى موسى – عليه السلام -. قال: فمضى ثم عاد إلي فقلت له: رجعت إليه ؟ قال نعم، فقلت له: ما قال ؟ قال: قال لي: لا تجلس إليه. قال الشيخ أدام العزه: ولست أدري صحة هذه الحكاية ولا أبعد أن يكون تخرصها الخياط، ولو كان صادقا في قوله إن رئيسا من الشيعة أنفذ يساله عن هذا السؤال لما قصر الرئيس عن اسقاط ما أورده من الاعتراض ويقوى في النفس أن الخياط أراد التقبيح على أهل الامامة في تخرص هذه الحكاية، غير أني أقول له ولاصحابه: الفصل بين الامرين واضح، وذلك أني لو خليت وظاهر قوله تعالى لموسى – عليه السلام -: * (لا تخف) *، وقوله لنبيه (ص): * (ولا يحزنك قولهم) * (3) وما أشبه هذا مما يوجه إلى الانبياء لقطعت على أنه نهي لهم عن قبيح يستحق فاعله الذم


(1) – التوبة / 40. 2 – النمل / 10. 3 – يونس / 65.

[ 43 ]

عليه لان في ظاهره حقيقة النهي من قوله: لا تفعل، كما أن في ظاهر خلافه ومقابله في الكلام حقيقة الامر إذا قال له: افعل لكني عدلت عن الظاهر، في مثل هذا لدلالة عقلية أوجبت علي العدول عنه كما توجب الدلالة على المرور مع الظاهر عند عدم الدليل الصارف عنه وهي ما ثبت من عمصمة الانبياء – عليهم السلام – التي تنبى عن اجتنابهم الآثام. وإذا كان الاتفاق حاصلا على أن أبا بكر لم يكن معصوما كعصمة الانبياء وجب أن يجري كلام الله تعالى فيما ضمنه من قصته على ظاهر النهي وحقيقته وقبح الحال التي كان عليها، فتوجه النهي إليه عن استدامتها، إذ لا صارف يصرف عن ذلك من عصمة ولا خبر عن الله تعالى فيه ولا عن رسوله (ص)، فقد بطل ما أورده الخياط وهو في الحقيقة رئيس المعتزلة وبان وهن اعتماده. ويكشف عن صحة ما ذكرناه ما تقدم به مشايخنا رحمهم الله تعالى وهو أن الله سبحانه لم ينزل السكينة قط على نبيه (ص) في موطن كان معه فيه أحد من أهل الايمان إلا عمهم في نزول السكينة وشملهم بها. بذلك جاء القران، قال الله عز وجل: * (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الارض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين) * (1) وقال في موضع اخر: * (فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين) * (2) ولما لم يكن مع النبي (ص) في الغار إلا أبو بكر أفرد الله عزوجل نبيه بالسكينة (ص) دونه وخصه بها ولم يشركه معه وقال الله


(1) – ا لتوبة / 25. 2 – الفتح / 26 (*).

[ 44 ]

عزوجل: * (فانزل الله سكينته عليه وأتده بجنود لم تروها) * (1) فلو كان الرجل مؤمنا لجرى مجرى المؤمنين في عموم السكينة لهم، ولولا أنه أحدث بحزنه في الغار منكرا لاجله توجه النهي إليه عن استدامته، لما حرمه الله تعالى من السكينة ما تفضل به على غيره من المؤمنين الذين كانوا مع رسول الله (ص) في المواطن الاخرى على ما جاء في القران ونطق به محكم الذكر بالبيان، وهذا بين لمن تأمله. قال الشيخ أيده الله: وقد حير هذا الكلام جماعة من الناصبة وضيق عليهم صدورهم فتشعبوا واختلفوا في الحيلة للتخلص منه فما اعتمد منهم أحد إلا على ما يدل على ضعف عقله وسخف رأيه وضلاله عن الطريق، فقال قوم منهم: إن السكينة إنما نزلت على أبي بكر واعتلوا في ذلك بأنه كان خائفا رعبا ورسول الله (ص) كان آمنا مطمئنا وقالوا: والآمن غني عن السكينة وإنما يحتاج إليها الخائف الوجل. فال الشبغ أدام الله عزه: فيقال لهم: قد جنيتم بجهلكم على أنفسكم وطعنتم على كتاب الله عزوجل بهذا الضيف الواهي من استدلالكم، وذلك أنه لو كان ما اعتللتم به صحيحا لوجب أن لا تكون السكينة نزلت على رسول الله (ص) في يوم بدر ولا في يوم حنين لانه لم يكن (ص) في هذين الموطنين خائفا ولارعبا ولا جزعا بل كان امنا مطمئنا متيقنا بكون الفتح له وأن الله عزوجل يظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وفيما نطن به القرآن من نزول السكينة عليه ما يدمر على هذا الاعتلال. فإن قلتم: إن النبي (ص) كان في هذين المقامين خائفا وإن لم يبد خوفه


(1) – التوبة / 40 (*).

[ 45 ]

ولذلك نزلت السكينة عليه فيهما وحملتم أنفسكم على هذه الدعوى. قلنا لكم: وهذه كانت قصته (ص) في الغار فبم تدفعون ذلك ؟ فإن قلتم: إنه (ص) قد كان محتاجا إلى السكينة في كل حال لينتفي عنه الخوف والجزغ ولا يتعلقان به في شئ من الاحوال، نقضتم ما سلف لكم من الاعتلال وشهدتم ببطلان مقالكم الذي قدمناه. على أن نص التلاوة يدل على خلاف ما ذكرتموه، وذلك أن الله سبحانه قال: * (فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها) * (1) فانبأ الله سبحانه خلقه أن الذي نزلت عليه السكينة هو المؤيد بالملائكة إذ كانت الهاء التي في التأييد تدل على ما دلت عليه الهاء التي في نزول السكينة وكانت هاء الكناية في مبتدأ قوله: * (إلا تنصروه فقد نصره الله) * (2) إلى قوله: * (رأيده بجنود لم تروها) * عن مكنى واحد ولم يجز أن تكون عن اثنين غيرين كما لا يجوز أن يقول القائل لقيت زيدا فكلمته وأكرمته فيكون الكلام لزيد بهاء الكناية وتكون الكرامة لعمرو أو خالد أو بكر، وإذا كان المؤيد بالملائكة رسول الله (ص) باتفاق الامة فقد ثبت أن الذي نزلت عليه السكينة هو خاصة دون صاحبه، وهذا ما لا شبهة فيه. وقال قوم منهم: إن السكينة وإن اختص بها النبي (ص) فليس يدل ذلك على نقص الرجل لان السكينة إنما يحتاج إليها الرئيس المتبوع دون التابع، فيقال لهم: هذا أيضا رد على الله تعالى لانه قد أنزلها على الاتباع المرؤوسين ببدر وحنين وغيرهما من المقامات، فيجب على ما أضلتموه أن يكون الله سبحانه فعل بهم ما لم تكن بهم الحاجة إليه، ولو فعل ذلك لكان عابثا تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. قال الشيخ: وهاهنا شبهة يمكن إيرادها هي أقوى مما تقدم غير أن القوم لم يهتدوا إليها ولا أظن أنها خطرت ببال أحد منهم، وهي أن يقول قائل: قد وجدنا


(1) – 12 التوبة / 40 (*).

[ 46 ]

الله سبحانه ذكر شيئين ثم عبر عن أحدهما بالكناية فكانت الكناية عنهما دون أن تختص بأحدهما وهو مثل قوله سبحانه: * (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله) * (1) فأورد لفظ الكناية عن الفضة خاصة وإنما أرادهما جميعا معا وقد قال الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما * * عندك راض والرأي مختلف وإنما أراد: نحن بما عندنا راضون وأنت راض بما عندك، فذكر أحد الامرين واستغنى عن الآخر، كذلك يقول سبحانه: * (فأنزل الله سكينته عليه) * ويريدهما جميعا دون أحدهما. والجواب عن هذا وبالله التوفيق: أن الاقتصار بالكناية على أحد الامرين دون عموم الجميع مجاز واستعارة استعمله أهل اللسان في مواضع مخصوصة وجاء به القرآن في أماكن محصورة، وقد ثبت أن الاستعارة ليست بأصل يجري في الكلام ولا يصح عليها القياس وليس يجوز لنا أن نعدل عن ظواهر القرآن وحقيقة الكلام إلا بدليل يلجى إلى ذلك – ولا دليل في قوله تعالى: * (فانزل الله سكينته عليه) * فيتعدى من أجله المكنى عنه إلى غيره. وشئ اخر وهو أن العرب إنما تستعمل ذلك إذا كان المعنى فيه معروفا والالتباس منه مرتفعا فتكتفي بلفظ الواحد عن الاثنين للاختصار مع الامن من وقوع الشبهة والارتياب، فأما إذا لم يكن الشئ معروفا وكان الالتباس عند إفراده متوهما لم يستعمل ذلك ومن استعمله كان عندهم ملغزا معميا، ألا ترى أن الله


(1) – التوبة / 34 (1).

[ 47 ]

سبحانه لما قال: * (والذين يكنزرن الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله) * علم كل سامع للخطاب أنه أرادهما معا بما قدمه من كراهة كنزهما المانع من انفاقهما فلما عم الشيئين بذكر يتضمنهما في ظاهر المقال بما يدل على معنى ما أخره من ذكر الانفاق، اكتفى بذكر أحدهما للاختصار. وكذلك قوله تعالى: * (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها) * (1) إنما اكتفى بالكناية عن أحدهما في ذكرهما معا لما قدمه في ذكرهما من دليل ما تضمنته الكناية فقال تعالى: * (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها) * فاوقع الرؤية على الشيئين جميعا وجعلهما سببا للاشتغال بما وقعت عليه منهما عن ذكر الله عزوجل والصلاة، وليس يجوز أن يقع الالتباس في أنه أراد أحدهما مع ما قدمه من الذكز إذ لو أراد ذلك لخلا الكلام عن الفائدة المعقولة فكان العلم بذلك يجزي في الاشارة إليه. وكذلك قوله تعالى. * (والله ورسوله أحق أن يرضوه) * (2) لما تقدم ذكر الله على التفصيل وذكر رسوله على البيان دل على أن الحق في الرضا لهما جميعا وإلا لم يكن ذكرهما جميعا معا يفيد شيئا على الحد الذي قدمناه وكذلك قول الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما * * عندك راض والرأي مختلف لو لم يتقدمه قوله: نحن بما عندنا، لم يجز الاقتصار على الثاني لانه لو حمل الاول على إسقاط المضمر من قوله راضون لخلا الكلام عن الفائدة فلما كان سائر ما ذكرناه معلوما عند من عقل الخطاب جاز الاقتصار فيه على أحد المذكورين للايجاز والاختصار


(1) – الجمعة / 11. 2 – التوبة / 62 (*).

[ 48 ]

وليس كذلك قوله تعالى: * (فانزل الله سكينته عليه) * لان الكلام يتم فيها وينتظم في وقوع الكناية عن النبي (ص) خاصة دون الكائن معه في الغار، ولا يفتقر إلى رد الهاء عليهما معا مع كونها في الحقيقة كناية عن واحد في الذكر وظاهر اللسان، ولو أراد بها الجميع لحصل الالتباس والتعمية والالغاز لانه كما يكون التلبيس واقعا عند دليل الكلام على انتظامها للجميع متى اريد بها الواحدة مع عدم الفائدة لو لم يرجع على الجميع، كذلك يكون التلبيس حاصلا إذا اريد بها الجميع عند عدم الدليل الموجب لذلك وكمال الفائدة مع الاقتصار على الواحد في ا لمراد. ألا ترى أن قائلا لو قال: لقيت زيدا ومعه عمرو فخاطبت زيدا وناظرته، وأراد بذلك مناظرة الجميع لكان ملغزا معميا لانه لم يكن في كلامه ما يفتقر إلى عموم الكناية عنهما، ولو جعل هذا نظيرا للآيات التي تقدمت لكان جاهلا بفرق ما بينها وبينه مما شرحناه. فيعلم أنه لا نسبة بين الامرين. وشئ آخر وهو أن الله سبحانه وتعالى كنى بالهاء التالية للهاء التي في السكينة عن النبي (ص) خاصة فلم يجز أن يكون أراد بالاولة غر النبي (ص) خاصة لانه لا يعقل في لسان القوم كناية عن مذكورين بلفظ الواحد وكناية تردفها على النسق عن واحد من الاثنين. وليس لذلك نظير في القرآن ولا في الاشعار ولا في شئ من الكلام فلما كانت الهاء في قوله تعالى: * (وأيده بجنود لم تروها) * كناية عن النبي (ص) بالاتفاق، ثبت أن التي قبلها من قوله: * (فانزل الله سكينته عليه) * كناية عنه (ص) خاصة وبأن مفارقة ذلك لجميع ما تقدم ذكره من الآي والشعر الذي استشهدوا به والله الموفق للصواب بمنه.


[ 49 ]

فصل وأخبرني الشيخ أدام الله عزه قال: سأل يحيى بن خالد البرمكي بحضرة الرشيد، هشام بن الحكم رحمه الله، فقال له: أخبرني يا هشام عن الحق هل يكون في جهتين مختلفتين ؟ قال هشام: لا، قال. فخبرني عن نفسين اختصما في حكم في الدين وتنازعا واختلفا هل يخلوان من أن يكونا محقين أو مبطلين أو يكون أحدهما مبطلا والاخر محقا ؟ فقال له هشام: لا يخلوان من ذلك وليس يجوز أن يكونا محقين على ما قدمت من الجواب، قال له يحيى بن خالد: فخبرني عن علي – عليه السلام – والعباس لما اختصما إلى أبي بكر في الميراث أيهما كان المحق من المبطل إذ كنت لا تقول إنهما كانا محقين ولا مبطلين ؟. قال هشام. فنظرت فإذا إنني إن قلت بأن عليا – عليه السلام – كان مبطلا، كفرت وخرجت عن مذهبي، وإن قلت إن العباس كان مبطلا ضرب الرشيد عنقي ووردت علي مسألة لم أكن سئلت عنها قبل ذلك الوقت ولا أعددت لها جوابا. فذكرت قول أبي عبد الله – عليه السلام – وهو يقول لي: يا هشام لا تزال مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك. فعلمت أني لا اخذل وعن لي الجواب في الحال فقلت له: لم يكن من أحدهما خطأ وكانا جميعا محقين ولهذا نظير قد نطق به القران في قصة داود – عليه السلام – حيث يقول الله جل اسمه: (وهل أتاك نبؤا الخصم إذ تسوروا المحراب) إلى قوله: (خصمان بغى بعضنا على بعض) (1) فأي الملكين كان مخطئا وأيهما كان مصيبا أم تقول إنهما كانا مخطئين فجوابك في ذلك جوابي بعينه ؟. فقال يحيى: لست أقول إن الملكين أخطئا بل أقول إنهما أصابا، وذلك أنهما


(1) – ص / 21 – 22 (*).

[ 50 ]

لم يختصما في الحقيقة ولا اختلفا في الحكم وإنما أظهرا ذلك لينبها داود – عليه السلام – على الخطيئة ويعرفاه الحكم ويوقفاه عليه. قال: فقلت له: كذلك علي – عليه السلام – والعباس لم يختلفا في الحكم ولا اختصما في الحقيقة وإنما أظهرا الاختلاف والخصومة لينبها أبا بكر على غلطه ويوقفاه على خطئه ويدلاه على ظلمه لهما في الميراث، ولم يكونا في ريب من أمرهما وإنما كان ذلك منهما على حد ما كان من الملكين فلم يحر جوابا واستحسن ذلك الرشيد. فصل وأخبرني الشيخ أدام الله عزه أيضا قال: أحب الرشيد أن يسمع كلام هشام ابن الحكم مع الخوارج فأمره بإحضاره وإحضار عبد الله بن يزيد الاباضي وجلس بحيث يسمع كلامهما ولا يرى القوم شخصه، وكان بالحضرة يحيى بن خالد. فقال يحيى لعبد الله بن يزيد: سل أبا محمد – يعني هشاما – عن شئ. فقال هشام: إنه لا مسألة للخوارج علينا. فقال عبد الله بن يزيد: وكيف ذلك ؟ فقال هشام: لانكم قوم قد اجتمعتم معنا على ولاية رجل وتعديله والاقرار بإمامته وفضله ثم فارقتمونا في عداوته والبراءة منه فنحن على اجتماعنا وشهادتكم لنا، وخلافكم علينا غير قادح في مذهبنا، ودعواكم غير مقبولة علينا إذ الاختلاف لا يقابل الاتفاق وشهادة الخصم لخصمه مقبولة وشهادته عليه مردودة. فقال يحيى بن خالد: لقد قربت قطعه يا أبا محمد ولكن جاره شيئا فإن أمير المؤمنين أطال الله بقاه يحب ذلك. قال: فقال هشام: أنا أفعل ذلك غير أن الكلام ربما انتهى إلى حد يغمض ويدق على الافهام فيعاند أحد الخصمين أو يشتبه عليه، فإن أحب الانصاف فليجعل بيني وبينه واسطة عدلا إن خرجت من الطريق ردني إليه وإن جار في حكمه شهد عليه. فقال عبد الله بن يزيد: لقد دعا


[ 51 ]

أبو محمد إلى الانصاف. فقال هشام: فمن يكون هذا الواسطة وما يكون مذهبه أيكون من أصحابي أو من أصحابك أو مخالفا للملة أو لنا جميعا ؟ فقال عبد الله بن يزيد: اختر من شئت فقد رضيت به. قال هشام: أما أنا فأرى أنه إن كان من أصحابي لم يؤمن عليه العصبية لي وإن كان من أصحابك لم آمنه في الحكم علي، وإن كان مخالفا لنا جميعا لم يكن مأمونا علي ولا عليك ولكن يكون رجلا من أصحابي ورجلا من أصحابك لينظران فيما بيننا ويحكمان علينا بموجب الحق ومحض الحكم بالعدل. فقال عبد الله بن يزيد: قد أنصفت يا أبا محمد وكنت أنتظر هذا منك، فأقبل هشام على يحيى بن خالد فقال له: قد قطعته أيها الوزير ودمرت على مذاهبه كلها بأهون سعي ولم يبق معه شئ واستغنيت عن مناظرته. قال: فحرك الرشيد الستر فأصغى يحيى بن خالد فقال له: هذا متكلم الشيعة وافق الرجل موافقة لم تتضمن مناظرة ثم ادعى عليه أنه قد قطعه وأفسد عليه مذهبه فمره أن يبين عن صحة ما ادعاه على الرجل. فقال يحيى بن خالد لهشام. إن أمير المؤمنين يأمرك أن تكشف عن صحة ما ادعيت على هذا الرجل. قال: فقال هشام: إن هؤلاء القوم لم يزالوا معنا على ولاية أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب – عليه السلام – حتى كان من أمر الحكمين ما كانه فأكفروه بالتحكيم وضللوه بذلك وهم الذين اضطروه إليه، والآن قد حكم هذا الشيخ وهو عماد أصحابه مختارا غير مضطر رجلين مختلفين في مذهبهما أحدهما يكفره والآخر يعدله، فإن كان مصيبا في ذلك فأمير المؤمنين – عليه السلام – أولى بالصواب منه، وإن كان مخطئا كافرا فقد أراحنا من نفسه بشهادته بالكفر عليها، والنظر في كفره وإيمانه أولى من النظر في إكفاره عليا – عليه السلام -، قال: فاستحسن ذلك الرشيد وأمر بصلته وجائزته.


[ 52 ]

فصل قال الشيخ أدام الله عزه: وهشام بن الحكم كان من أكبر أصحاب أبي عبد الله جعفر بن محمد – عليه السلام -، وكان فقيها، وروى حديثا كثيرا وصحب أبا عبد الله – عليه السلام – وبعده أبا الحسن موسى – عليه السلام -، وكان يكنى أبا محمد وأبا الحكم، وكان مولى بني شيبان، وكان مقيما بالكوفة وبلغ من مرتبته وعلوه عند أبي عبد الله جعفر بن محمد – عليه السلام – أنه دخل عليه بمنى وهو غلام أول ما اختط عارضاه وفي مجلسه شيوخ الشيعة كحمران بن أعين وقيس الماصر ويونس بن يعقوب وأبي جعفر الاخول وغيرهم فرفعه على جماعتهم وليس فيهم إلا من هو أكبر سنا منه. فلما رأى أبو عبد الله – عليه السلام – أن ذلك الفعل قد كبر على أصحابه قال: هذا ناصرنا بقلبه ولسانه ويده، وقال له أبو عبد الله – عليه السلام – وقد سأله عن أسماء الله تعالى واشتقاقها فأجابه ثم قال له: أفهمت يا هشام فهما تدفع به أعداءنا الملحدين مع الله عزوجل ؟ قال هشام: نعم، قال أبو عبد الله – عليه السلام -: نفعك الله به وثبتك عليه. قال هشام: فو الله ما قهرني أحد في التوحيد حتى قمت مقامي هذا. قال الشيخ أيده الله: وقد روى عن أبي عبد الله – عليه السلام – ثمانية رجال كل واحد منهم يقال له هشام، فمنهم أبو محمد هشام بن الحكم مولى بني شيبان هذا، ومنهم هشام بن سالم مولى بشر بن مروان، وكان من سبي الجوزجان، ومنهم هشام الكندي الذي يروي عنه علي بن الحكم، ومنهم هشام المعروف بأبي عبد الله البزاز ومنهم هشام الصيداني، ومنهم هشام الخياط، ومنهم هشام بن يزيد، ومنهم هشام بن المثنى الكوفي.


[ 53 ]

فصل ومن كلام الشيخ أدام الله عزه، قال له رجل من أصحاب الحديث ممن يذهب إلى مذهب الكرابيسي: ما رأيت أجسر من الشيعة فيما يدعونه من المحال وذلك أنهم زعموا أن قول الله سبحانه * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * (1) نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين مع ما في ظاهر الآية من أنها نزلت في أزواج رسول الله. وذلك أنك إذا تأملت الاية من أولها إلى اخرها وجدتها منتظمة لذكر الازواج خاصة ولم نجد لمن ادعوها له ذكرا. فقال له الشيخ أيده الله: أجسر الناس على ارتكاب الباطل وأبهتهم وأشدهم إنكارا للحق وأجهلهم، من قام مقامك في هذا الاحتجاج ودفع ما عليه الاجماع والاتفاق، وذلك أنه لا خلاف بين الامة أن الاية من القران قد يأتي أولها في شئ واخرها في غيره ووسطها في معنى وأولها في سواه وليس طريق الاتفاق في معنى إحاطة وصف الكلام با لآي. وقد نقل المخالف والموافق أن هذه الآية نزلت في بيت ام سلمة رضي الله تعالى عنها ورسول الله في البيت ومعه علي وفاطمة والحسن والحسين – عليهم السلام – وقد جللهم بعباءة خيبرية وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي. فأنزل الله عزوجل: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * فتلاها رسول الله (ص) فقالت له ام سلمة رضي الله عنها: يا رسول الله ألست من أهل بيتك ؟ فقال لها: إنك إلى خير ولم يقل إنك من أهل بيتي. حتى روى أصحاب الحديث أن عمر سئل عن هذه الاية فقال: سلوا عنها


(1) – الاحزاب / 33 (*).

[ 54 ]

عائشة. فقالت عائشة: إنها نزلت في بيت اختي ام سلمة فاسألوها عنها فإنها أعلم بها مني. فلم يختلف أصحاب الحديث من الناصبة ولا أصحاب الحديث من الشيعة في خصوصها فيمن عددناه، وحمل القران في التأويل على ما جاء به الاثر أولى من حمله على الظن والترجيم. مع أن الله سبحانه قد دل على صحة ذلك بمتضمن الاية حيث يقول جل وعلا: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) * وإذهاب الرجس لا يكون إلا بالعصمة من الذنوب لان الذنوب من أرجس الرجس والخبر عن الارادة هنا إنما هو خبر عن وقوع الفعل خاصة دون الارادة التي يكون بها لفظ الامر أمرا لا سيما على ما أذهب إليه في وصف القديم بالارادة، وأفرق بين الخبر عن الارادة هاهنا والخبر عن الارادة في قوله. * (يريد الله ليبين لكم) * (1) وقوله: * (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) * (2) إذ لو جرت مجرى واحدا لم يكن لتخصيص أهل البيت بها معنى إذ الارادة التي يقتضي الخبر والبيان يعم الخلق كلهم على وجهها في التفسير ومعناها، فلما خص الله أهل البيت – عليهم االسلام – بإرادة إذهاب الرجس عنهم دل على ما وصفناه من وقوع إذهابه عنهم وذلك موجب للعصمة على ما ذكرناه، وفى الاتفاق على ارتفاع العصمة عن الازواج دليل على بطلان مقال من زعم أنها فيهن. مع أن من عرف شيئا من اللسان وأصله، لا يرتكب هذا القول ولا توهم صحته وذلك أنه لا خلاف بين أهل العربية أن جمع المذكر بالميم وجمع المؤنث – بالنون وأن الفصل بينهما بهاتين العلامتين، ولا يجوز في لغة القوم وضع علامة


(1) – النساء / 26. (2) – البقرة / 185 (*).

[ 55 ]

المؤنث على المذكر ولا وضع علامة المذكر على المؤنث ولا استعملوا ذلك في حقيقة ولا مجاز ولما وجدنا السبحانه قد بدأ في هذه الآية بخطاب النساء فاورد علامة جمعهن من النون في خطابهن فقال: * (يا نساء النبي لستن كاحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول) * إلى قوله: * (وأطعن الله ورسوله) * (1) ثم عدل بالكلام عنهن بعد هذا الفصل إلى جمع المذكر فقال. * (إنما يربد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * فلما جاء بالميم وأسقط النون علمنا أنه لم يتوجه هذا القول إلى المذكور الاول بما بيناه من أصل العربية وحقيقتها، ثم رجع بعد ذلك إلى الازواج، فقال: * (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من ايات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا) * (2). فدل ذلك على إفراد من ذكرناه من آل محمد – عليهم السلام – بما علقه عليهم من حكم الطهارة الموجبة للعصمة وجليل الفضيلة. وليس يمكنكم معشر المخالفين أن تدعوا انه كان في الازواج مذكورا رجل غير النساء وذكر ليس برجل فيصح التعلق منكم بتغليب المذكر على المؤنث إذا كان في الجمع ذكر وإذا لم يمكن ادعاء ذلك وبطل أن يتوجه إلى الازواج فلا غير لهن توجهت إليه إلا من ذكرناه ممن جاء فيه الاثر على ما بيناه.


(1) – الاحزاب / 32. (2) – الاحزاب / 34 (*).

[ 56 ]

فصل ومن كلامه أيضا في الدلالة على أن أمير المؤمنين – عليه السلام – لم يبايع أبا بكر، قال الشيخ أدام الله عزه: قد أجمعت الامة على أن أمير المؤمنين – عليه السلام – تأخر عن بيعة أبي بكر فالمقلل يقول: كان تأخره ثلاثة أيام، ومنهم من يقول: تأخر حتى ماتت فاطمة – عليها السلام – ثم بايع بعد موتها، ومنهم من يقول: تأخر أربعين يوما، ومنهم من يقول: تأخر ستة أشهر والمحققون من أهل الامامة يقولون: لم يبايع ساعة قط فقد حصل الاجماع على تأخره عن البيعة ثم اختلفوا في بيعته بعد ذلك على ما قدمنا به الشرح. فمما يدل على أنه لم يبايع البتة أنه ليس يخلو تأخره من أن يكون هدى وتركه ضلالا أو يكون ضلالا وتركه هدى وصوابا، أو يكون صوابا وتركه صوابا، أو يكون خطأ وتركه خطأ، فلو كان التأخر ضلالا وباطلا، لكان أمير المؤمنين – عليه السلام – قد ضل بعد النبي (ص) بترك الهدى الذي كان يجب المصير إليه وقد أجمعت الامة على أن أمير المؤمنين – عليه السلام – لم يقع منه ضلال بعد النبي (ص) ولا في طول زمان أبي بكر وأيام عمر وعثمان وصدرا من أيامه حتى خالفت الخوارج عند التحكيم وفارقت الامة، وبطل أن يكون تأخره عن بيعة أبي بكر ضلالا. وإن كان تأخره هدى وصوابا وتركه خطا وضلالا فليس يجوز أن يعدل عن الصواب إلى الخطا ولا عن الهدى إلى الضلال لا سيما والاجماع واقع على أنه لم يظهر منه ضلال في أيام الثلاثة الذين تقدموا عليه، ومحال أن يكون التاخر خطا وتركه خطا للاجماع على بطلان ذلك أيضا ولما يوجبه القياس من فساد هذا المقال.


[ 57 ]

وليس يصح أن يكون صوابا وتركه صوابا لان الحق لا يكون في جهتين مختلفتين ولا على وصفين متضادين،. ولان القوم المخالفين لنا في هذه المسالة مجمعون على أنه لم يكن إشكال في جواز الاختيار وصحة إمامة أبي بكر وإنما الناس بين قائلين قائل من الشيعة يقول: إن إمامة أبي بكر كانت فاسدة فلا يصح القول بها أبدا. وقائل من الناصبة يقول: إنها كانت صحيحة ولم يكن على أحد ريب في صوابها إذ جهة استحقاق الامامة هو ظاهر العدالة والنسب والعلم والقدرة على القيام بالامور ولم تكن هذه الامور تلتبس على أحد في أبي بكر عندهم. وعلى ما يذهبون إليه فلا يصح مع ذلك أن يكون المتأخر عن بيعته مصيبا أبدا لانه لا يكون متاخرا لفقد الدليل بل لا يكون متاخرا لشبهة وإنما يتاخر إذا ثبت أنه تأخر للعناد. فثبت بما بيناه أن أمير المؤمنين – عليه السلام – لم يبايع أبا بكر على شئ من الوجوه كما ذكرناه وقدمناه وقد كانت الناصبة غافلة عن هذا الاستخراج في موافقتها على أن أمير المؤمنين – عليه السلام – تأخر عن البيعة وقتا ما، ولو فطنت له لسبقت بالخلاف فيه عن الاجماع وما أبعد أنهم سيرتكبون ذلك إذا وقفوا على هذا الكلام غير أن الاجماع السابق لمرتكب ذلك يحجه ويسقط قوله فيهون قصته ولا يحتاج معه إلى الاكثار


[ 58 ]

فصل وأخبرني الشيخ أدام الله عزه قال: قال أبو الحسن علي بن ميثم رحمه الله لرجل نصراني: لم علقت الصليب في عنقك ؟ قال: لانه شبيه الشئ الذي صلب عليه عيسى – عليه السلام -. قال أبو الحسن: فكان عيسى – عليه السلام – يحب أن يمثل به ؟ قال: لا. قال: فأخبرني عن عيسى – عليه السلام – أكان يركب الحمار ويمضي عليه في حوائجه ؟ قال: نعم. قال: أفكان يحب بقاء الحمار حتى يبلغ عليه حاجته ؟ قال: نعم، قال: فتركت ما كان يحب عيسى بقاه وما كان يركبه في حياته بمحبة منه وعمدت إلى ما حمل عليه عيسى – عليه السلام – بالكره منه وركبه بالبغض له فعلقته في عنقك، فقد كان ينبغي على هذا القياس ان تعتق الحمار في عنقك وتطرح الصليب وإلا فقد تجاهلت ! فصل وأخبرني الشيخ أدام الله عزه قال: لما أراد رسول الله (ص) الاختفاء من قريش والهرب منهم إلى الشعب لخوفه على نفسه، استشار أبا طالب رحمة الله عليه في ذلك فأشار به عليه، ثم تقدم أبو طالب إلى أمير المؤمنين – عليه السلام – أن يضطجع على فراش رسول الله (ص) ليقيه بنفسه فأجابه إلى ذلك، فلما نامت العيون جاء أبو طالب ومعه أمير المؤمنين – عليه السلام – فأقام رسول الله (ص) وأضجع أمير المؤمنين – عليه السلام – مكانه فقال أمير المؤمنين – عليه السلام – يا أبتاه إني مقتول. فقال أبو طالب


[ 59 ]

رحمه الله: إصبرن يا بني فالصبر أحجى * * كل حي مصيره لشعوب قد بذلناك والبلاء شديد * * لفداء النجيب وابن النجيب لفداء الاغر ذي الحسب الثا * * قب والباع والفناء الرحيب إن يصبك المنون فالنبل يبرى * * فمصيب منها وغير مصيب كل حي وإن تملى بعيش * * آخذ من سهامها بنصيب قال: فقال أمير المؤمنين – عليه السلام -: أتأمرني بالصبر في نصر أحمد * * ووالله ما قلت الذي قلت جازعا ولكنني أحببت إظهار نصرتي * * وتعلم أني لم أزل لك طائعا وسعيي لوجه الله في نصر أحمد * * نبي الهدى المحمود طفلا ويافعا وقا ل أمير المؤمنين – عليه السلام – بعد ذلك: وقيت بنفسي خيرمن وطئ الحصى * * ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر رسول إله الخلق إذ مكروا به * * فنجاه ذو الطول الكريم من المكر وبات رسول الله بالشعب آمنا * * وذلك في حفظ الاله وفي ستر وبت اراعيهم وهم ينبؤنني * * وقد صبرت نفمعي على القتل والاسر أردت به نصر الاله تبتلا * * وأضمرته حتى اوسد في قبري قال الشيخ أدام الله عزه: وأكثر الاخبار جاءت بمبيت أمير المؤمنين – عليه السلام – على فراش رسول الله (ص) في ليلة مضي رسول الله (ص) إلى االغار وهذا الخبر


[ 60 ]

وجدته في ليلة مضيه إلى الشعب، ويمكن أن يكون قد بات – عليه السلام – مرتين على فراش الرسول (ص) وفي مبيته – عليه السلام – حجج على أهل الخلاف من وجوه شتى: أحدها في قولهم إن أمير المؤمنين آمن برسول الله (ص) وهو ابن خمس سنين أو سبع سنين أو تسع سنين ليبطلوا بذلك فضيلة إيمانه ويقولوا إنه وقع منه على سبيل التلقين دون المعرفة واليقين، إذ لو كانت سنه عند دعوة رسول الله (ص) على ما ذكروا له، لم يكن أمره يلتبس عند مبيته على الفراش وتشبهه برسول الله (ص) حتى يتوهم أنه هو فيرصدونه إلى وقت السحر لان جسم الطفل لا يلتبس بجسم الرجل الكامل، فلما التبس على قريش الامر في ذلك حتى ظنوا أن عليا – عليه السلام – رسول الله (ص) بائتا على حاله في مكانه، وكان هذا في أول الدعوة وابتدائها وعند مضيه إلى الشعب، دل على أن أمير المؤمنين – عليه السلام – كان عند إجابته للرسول (ص) بالغا كاملا في صورة الرجال ومثلهم في الجسم ومقاربهم. وإن كانت الحجج على صحة إيمانه وفضيلته وأنه لم يقع إلا بالمعرفة، لا يفتقر إلى ذكر هذا وإنما أوردناه استظهارا. ومنها أن الله سبحانه قص علينا في محكم كتابه قصة إسماعيل في تعبده بالصبر على ذبح أبيه إبراهيم – عليه السلام – له ثم مدحه بذلك وعظمه وقال: * (إن هذا لهو البلاء المبين) * (1) وقال رسول الله (ص) في افتخاره بآبائه: أنا ابن الذبيحين يعني إسماعيل – عليه السلام – و عبد الله، ولعبد الله في الذبح قصة مشهورة يطول شرحها يعرفها أهل السير وأن أباه عبد المطلب فداه بمائة ناقة حمراء. وإذا كان ما أخبر الله تعالى به من محنة إسماعيل – عليه السلام – بالذبح يدل على أجل فضيلة وأفخر منقبة، احتجنا أن ننظر في حال مبيت أمير المؤمنين – عليه السلام –


(1) – الصافات / 106 (*).

[ 61 ]

على الفراش وهل يقارب ذلك أو يساويه فوجدناه يزيد في الظاهر عليه، وذلك أن إبراهيم – عليه السلام – قال لابنه إسماعيل – عليه السلام -: * (إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين) * (1) فاستسلم لهذه المحنة مع علمه باشفاق الوالد على الولد ورأفته به ورحمته له وأن هذا الفعل لا يكاد يقع من الوالد بولده بل لم يقع فيما سلف ولم يتوهم فيما يستقبل، وكان هذا أمرا يقوى في ظن إسماعيل أن المقال مع أبيه خرج مخرج الامتحان له في الطاعة دون تحقق العزم على إيقاع الفعل فيزول كثير من الخوف معه وترجى السلامة عنده. وأمير المؤمنين – عليه السلام – دعاه أبو طالب رحمه الله إلى المبيت على فراش النبي (ص) وفدائه بنفسه وليس له من الطاعة عليه ما للانبياء – عليهم السلام – على البشر، ولم يامره بذلك عن وحي من الله تعالى كما أمر إبراهيم – عليه السلام – ابنه وأسند أمره إلى الوحي، ومع علم أمير المؤمنين – عليه السلام – أن قريشا أغلظ الناس على رسول الله (ص) وأقساهم قلبا وما يعرفه كل عاقل من الفرق بين الاستسلام للعدو المناصب والمبغض المعاند الذي يريد أن يشفي نفسه ولا يبلغ الغاية في شفائها إلا بنهاية التنكيل وغاية الاذى بضروب الالام، وبين الاستسلام للولي المحب والوالد المشفق الذي يغلب في الظن أن إشفاقه يحول بينه وبين إيقاع الضرر بولده، إما مع طاعة الله تعالى بالمسالة والمراجعة أو بارتكاب المعصية ممن يجوز عليه ارتكاب المعاصي أو بحمل ذلك منه على ما قدمناه من الاختبار والتورية في الكلام ” ليصح له مطلوبه من الامتحان. وإذا كانت محنة أمير المؤمنين – عليه السلام – أعظم من محنة إسماعيل


(1) – الصافات / 102 (*).

[ 62 ]

– عليه السلام – بما كشفناه ثبت أن الفضل الذي حصل به لامير المؤمنين – عليه السلام – يرجح على كل فضيلة حصلت لاحد من الصحابة وأهل البيت – عليهم السلام – وبطل قول من رام المفاضلة بينه وبين أبي بكر من العامة والمعتزلة الناصبة له – عليه السلام – إذ قد حصل له – عليه السلام – فضل يزيد على الفضل الحاصل للانبياء. ولعل قائلا يقول عند سماع هذا: كيف يسوغ لكم ما ادعيتموه في هذه المحنة وتعظيمها على محنة إسماعيل – عليه السلام – وذلك نبي وهذا عندكم وصي نبي وليس يجوز أن يكون من ليس بنبي أفضل من أحد الانبياء – عليهم السلام -. فانه يقال لهم: ليس في تفضيلنا هذه المحنة على محنة إسماعيل – عليه السلام – تفضيل لامير المؤمنين – عليه السلام – على أحد الانبياء – عليهم السلام -، وذلك أن عليا – عليه السلام – وإن حصل له فضل لم يجزه نبي فيما مضى، فان الذي حازته الانبياء من الفضل الذي لم يحصل منه شئ لأمير المؤمنين – عليه السلام – يوجب فضلهم عليه ويمنع من المساواة بينه وبينهم أو تفضيله عليهم كما بيناه، وبعد فان الحجة إذا قامت على فضل أمير المؤمنين – عليه السلام – على نبي من الانبياء ولاح على ذلك البرهان، وجب علينا القول به وترك الخلاف فيه ولم يوحشنا منه خلاف العامة الجهلاء. وليس في تفضيل سيد الوصيين وإمام المتقين وأخي رسول رب العالمين سيد المرسلين ونفسه بحكم التنزيل وناصره في الدين وأبي ذريته الائمة الراشدين الميامين على بعض الانبياء المتقدمين، أمر يحيله العقل ولا يمنع منه السنة ولا يرده القياس ولا يبطله الاجماع إذ عليه جمهور شيعته، وقد نقلوا ذلك عن الائمة من ذريته – عيهم السلام – وإذا لم يكن فيه إلا خلاف الناصبة والمستضعفين ممن يتولاه لم يمنع من القول به.


[ 63 ]

فإن قال قائل: إن محنة إسماعيل – عليه السلام – أجل قدرا من محنة أمير المؤمنين – عليه السلام – وذلك أن أمير المؤمنين – عليه السلام – قد كان عالما بان قريش إنما تريد غيره وليس غرضها قتله وإنما قصدها لرسول الله (ص) دونه فكان على ثقة من السلامة وإسماعيل – عليه السلام – كان متحققا لحلول الذبح به من حيث امتثل الامر الذي نزل الوحي به فشتان بين الامرين. قيل له: إن أمير المؤمنين – عليه السلام – وإن كان قد كان عالما بان قريشا إنما قصدت رسول الله (ص) دونه، فقد كان يعلم بظاهر الحال وما يوجب غالبا الظن من العادة الجارية شدة غيظ قريش على من فوت غرضهم في مطلوبهم ومن حال بينهم وبين مرادهم من عدوهم ومن لبس عليهم الامر حتى ضلت حيلتهم وخابت امالهم من أنهم يعاملونه باضعاف ما كان في أنفسهم أن يعاملوا صاحبه لتزايد حقنهم وحقدهم واعتراء الغضب لهم، فكان الخوف منه عند هذه الحال أشد من خوف الرسول (ص)، واليأس من رجوعهم عن إيقاع الضرر به أقوى من يأس النبي (ص). وهذا هو المعروف الذي لا يختلف فيه اثنان لانه قد كان يجوز منهم عند ظفرهم بالنبي (ص) أن تلين قلوبهم له ويتعطفوا للنسب والرحم التي بينهم وبينه ويلحقهم من الرقة عليه ما يلحق الظافر بالمظفور به فيبرد قلوبهم ويقل غيظهم وتسكن نفوسهم، وإذا فقدوا المأمول من الظفر به وعرفوا وجه الحيلة عليهم في فوتهم غرضهم وعلموا الله بعلي – عليه السلام – تم ذلك، ازدادت الدواعي لهم إلى الاضرار به وتوفرت عليه وكانت البلية أعظم على ما شرحناه. على أن إسماعيل – عليه السلام – قد كان يعلم أن قتل الوالد لولده لم يجر به عادة من الانبياء والصالحين ولا وردت به فيما مضى عبادة فكان يقوى في نفسه أنه على


[ 64 ]

ما قدمناه من الاختبار ولو لم يقع له ذلك لجوز نسخه لغرض توجيه الحكمة أو كان يجوز أن يكون في باطن الكلام خلاف ما في ظاهره أو يكون تفسير المنام بضد حقيقته، أو يحول الله عزوجل بين أبيه وبين مراده بالاخترام أو شغل يعوقه عنه. ولا محالة أنه قد خطر بباله ما فعله الله من فدائه وإعفائه عن الذبح ولو لم يخطر ذلك لكان مجوزا عنده، إذ لو لم يجز في عقله لما وقع من الحكيم سبحانه وعلى أنه متى تيقن الفعل تيقنه من مشفق رحيم. وإذا تيقنه أمير المؤمنين – عليه السلام – تيقنه من عدو قاس حقود، فكان الفصل بين الامرين لا خفاء به عند ذوي العقول. فإن قال قائل منهم في الجواب الاول: إذا كنتم فضلتم عليا على إسماعيل في محنة الاستسلام للقتل ولم يمنع ذلك من فضل إسماعيل – عليه السلام – عليه في امور توجب التفاوت بينه وبينه في الفضل فما أنكرتم أن يكون علي أفضل من أبي بكر بهذه الحال ولا يمنع ذلك من فضل أبي بكر عليه في طاعات اخر. قيل له: الفصل بين الامرين واضح، وذلك أنا إنما فضلنا إسماعيل – عليه السلام – على أمير المؤمنين – عليه السلام – مع اختصاصه بهذه الفضيلة منه، لاحاطة العلم منا بفضل النبوة لاسماعيل – عليه السلام – الذي لم يحصل لامير المؤمنين – عليه السلام – مثله ولا حصل له معنى يوازيه ولفضيلة الوحي بنزول الملائكة وغير ذلك، فلو كان لابي بكر فضل يوازي هذه الفضيلة أو يزيد عليها لوجب أن يكون معروفا، فلما وجدنا أبا بكر عريا من فضيلة المبيت على الفراش وعريا من فضيلة الجهاد ووجدنا كل فضل تدعيه أصحابه له قد شاركه فيه أمير المؤمنين – عليه السلام – وزاد عليه في معناه، بطل مقال من أوجب الشك في حاله على ما ذكرناه. ولو جاز ذلك لقائل يقترحه بغير برهان، لجاز لاخر أن يوجب الشك في فضل بعض امة النبي (ص) على كثير من الانبياء – عليهم السلام – وإن لم يظهر منهم فعل


[ 65 ]

يقارب النبوة ويعتمد في ذلك على المبهم من القول والشك في البواطن دون الظواهر والموجود من الاعمال، ولوجب أن لا يقطع على فضل أحد على غيره في الظاهر، لانا لا نأمن أن يكون مع المفضول في الظاهر أعمال باطنة توفي في الفضل على ما عرفناه، وفي ذلك أنه يجب على من خالفنا أن لا يامن أن يكون قد كان في بعض الاعراب أو غيرهم ممن صحب النبي (ص) وقتامامن يزيد في فضله عند الله على أبي بكر وعمر وعثمان، وهذا نقض مذاهبهم باسرها وهو لازم لهم على ما أوردوه من السؤال. فصل وأخبرني الشيخ أدام الله عزه مرسلا عن علي بن عاصم عن عطاء بن السائب عن ميسرة أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب – عليه السلام – مر برحبة القصارين بالكوفة فسمع رجلا يقول: لا والذي احتجب بسبع طباق، قال: فعلاه بالدرة وقال له: ويلك إن الله لا يحجبه شئ عن شئ، فقال الرجل. فاكفر عن يميني يا أمير المؤمنين ؟ فقال: لا، إنك حلفت بغير الله تعالى. قال الشيخ أدام الله عزه: وفي هذا الحديث حجة على المشبهة، وحجة على مذهبي في المعرفة والارجاء وقولي في ذبائح أهل الكتاب، فاقا المشبهة فانها زعمت أن الله تعالى في السماء دون الارض وأنه محتجب عن خلقه بالسماوات السبع، وفي دليل العقل على أن الذي يحويه مكان ويستره حجاب لا يكون إلا جسما أو جوهرا والجسم محدث والبرهان قائم على قدم الله سبحانه، ما يمنع من التشبيه ويفسده. وقول الله سبحانه: * (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير) * (1) وقول


(1) – الشورى / 11 (*).

[ 66 ]

أمير المؤمنين – عليه السلام – بصريحه يفسد ذلك أيضا على ما تقدم به الشرح. وأما قولي في المعرفة فإنني أقول: إنه ليس يصح أن يعرف الله تعالى من وجه ويجهل من وجه وإنما يصح ذلك في المحسوسات فتعرف بالحس وتجهل حقائقها لتعلق العلم بها بالاستنباط. وأما مذهبي في الارجاء فإنني أقول: لا طاعة مع كافر لانه لا يعرف ربه وإذا لم يعرفه لم تصح منه طاعة إذ الفعل إنما يكون طاعة بقصد الفاعل به إلى المطاع، وإذا كان جاهلا با لمطاع لم يصح منه توجيه الفعل إليه، وفي قول أمير المؤمنين – عليه السلام – للحالف لا كفارة عليك لانك لم تحلف بالله دليل على صحة ما ذهبت إليه وبطلان قول من خالفني في هذا الباب من الفرق كلما. وأصحابي خاصة الذين يثبتون للكافر طاعات يزعمون أن الله يثيبه عليها في الدنيا. وأما قولي في ذبائح أهل الكتاب فانني احرمها لقول الله تعالى ذكره: * (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) * (1) وإذا ثبت أن اليهودي لا يعرف الله سبحانه لاعتقاده أن الله عزوجل أبد شرع موسى – عليه السلام – وأكذب محمدا (ص) وكفره بمرسل محمد (ص) واعتقاده أن الذي أرسله الشيطان دون الرحمن، وكذلك النصراني لايعرف الله لانه يعتقد أن الله جل اسمه ثالث ثلاثة وأنه ثلاثة أقانيم جوهر واحد وأن المسيح ابنه اتحد به، وكفرهم بمن أرسل محمدا – (ص) واعتقادهم أنه جاء من قبل الشيطان مع أن أكثر اليهود مشبهة مجبرة يزعمون أن إلههم شيخ كبير أبيض الرأس واللحية ويعتمدون في ذلك على ما زعموا أنهم وجدوه في بعض كتب الانبياء أنه قال: صعدت إلى عتيق الايام (الانام ن خ) فوجدته جالسا على


(1) – الانعا م / 121 (*).

[ 67 ]

كرسي وحوله الملائكة فرأيته أبيض الرأس واللحية.، وإذا ثبت أن القوم لا يعرفون الله تعالى، ثبت أن الذي يظهر منهم من التسمية ليس يتوجه إلى الله تعالى وأن جهلهم بالله تعالى يوجه الاسم إلى ما يعتقدونه إلها وذلك غير الله في الحقيقة، وإذا لم يقع منهم التسمية لله في الحقيقة لم تحل ذبائحهم. والذي يخالفنا في هذا الباب من أصحابنا لا يعرف معاني هذا الكلام ولا يعمل فيما يذهب إليه على الواضح من الاخبار وإنما يعتمد في ذلك على أحاديث، شواذ واخر لها معاني وتاويلات، ولم أقصد للنقض عليهم فاستقصي الكلام وإنما ذكرت هذه النكتة لما اقتضاه شرح الحديث الذي قدمناه. فصل قال الشيخ أدام الله عزه: حكى أبو القاسم الكعبي في كتاب الغرر عن أبي الحسن الخياط، قال: حدثني أبو مخالد قال: مر أبو عمرو بن العلاء بعمرو بن عبيد وهو يتكلم في الوعيد فقال – يعني أبا عمرو -: إنما أتيتم من العجمة لان العرب لا ترى ترك الوعيد ذما وإنما ترى ترك الوعد ذما وأنشد: وإني وإن أوعدته ووعدته * * لاخلف إيعادي وأنجز موعدي قال: فقال له عمر أفليس يسقى تارك الايعاد مخلفا ؟ قال. بلى. قال: فنسمي الله عزوجل مخلفا إذا لم يفعل ما أوعد ؟. قال: لا قال: فقد أبطلت شاهدك.


[ 68 ]

قال الشيخ أدام الله عزه: ووجدت أبا القاسم قد اعتمد على هذا الكلام واستحسنه ورأيته قد وضعه في أماكن شتى من كتبه واحتج به على أصحابنا الراجئة. فيقال له: إن عمرو بن عبيد ذهب عن موضع الحجة في الشعر وغالط أبا عمرو بن العلاء أو جهل مواضع العمدة من كلامه، وذلك أنه إذا كانت العرب والعجم وكل عاقل يستحسن العفو بعد الوعيد ولا يعلقون بصاحبه ذما فقد بطل أن يكون العفو من التعالى مع الوعيد قبيحا، لانه لو جاز أن يكون منه قبيحا ما هو حسن في الشاهد عند كل عاقل، لجاز أن يكون منه حسناماهو قبيح في الشاهد عند كل عاقل، وهذا نقض العدل، والمصير إلى قول أهل التجوير والجبر. مع أنه إذا كان العفو مستحسنا مع الخلف فهو اولى بان يكون حسنا مع عدم الخلف ونحن إذا قلنا إن الله سبحانه يعفو مع الوعيد فانما نقول بانه توعد بشرط يخرجه عن الخلف في وعيده لانه حكيم لا يعبث. وإذا كان حسن العفو في الشاهد منا يغمر قبح الخلف حتى يسقط الذم عليه وهو لو حصل في موضع لم يجر به إلى العفو أو ما حصل في معناه من الحسن لكان الذم عليه قائما ويجعل وجود الخلف كعدمه في ارتفاع اللوم عليه، فهو في إخراج الشرط المشهور عن القبح إلى صفة الحسن وإيجاب الحمد والشكر لصاحبه أخرى وأولى من إخراجه الخلف عما كان يستحق عليه من الذم عند حسن العفو وأوضح في باب البرهان وهذا بين لمن تدبره. وشئ آخر وهو أنا لا نطلق على كل تارك الايعاد الوصف بانه مخلف لانه نجوز أن يكون قد شرط في وعيده شرطا أخرجه به عن الخلف، وإن أطلقنا ذلك في البعض فلاحاطة العلم أو عدم الدليل على الشرط فنحكم على الظاهر وإن كان أبو عمرو بن العلاء أطلق القول في الجواب إطلاقا فانما أراد به


[ 69 ]

الخصوص دون العموم وتكلم على معنى البيت الذي استشهد به. وما رأيت أعجب من متكلم يقطع على حسن معنى مع مضامته لقبيح ويجعل حسنه مسقطا للذم على القبيح ثم يمتنع من حسن ذلك المعنى مع تعريه من ذلك القبيح ثم يفتخر بهذه النكتة عند أصحابه ويستحسنون احتجاجه المؤدي إلى هذه المناقضة ولكن العصبية ترين القلوب ! فصل وأخبرني الشيخ أدام الله عزه قال: سئل أبو الحسن علي بن إسماعيل بن ميثم رحمه الله فقيل له: لم صلى أمير المؤمنين – عليه السلام – خلف القوم ؟ قال: جعلهم بمثل سواري المسجد، قال السائل: فلم ضرب الوليد بن عقبة الحد بين يدي عثمان ؟ قال: لان الحد له وإليه فإذا أمكنه إقامته أقامه بكل حيلة، قال: فلم أشار على أبي بكر وعمر ؟ قال. طلبا منه أن يحيى أحكام الله عزوجل ويكون دينه القيم كما أشار يوسف – عليه السلام – على ملك مصر نظرا منه للخلق، ولان الارض والحكم فيها إليه فإذا أمكنه أن يظهر مصالح الخلق فعل وإذا لم يمكنه ذلك بنفسه توصل إليه على يدي من يمكنه طلبا منه لاحياء أمر الله تعالى. قال: فلم قعد عن قتالهم ؟. قال: كما قعد هارون بن عمران عن السامري وأصحابه وقد عبدوا العجل، قال: أفكان ضعيفا ؟ قال: كان كهارون – عليه السلام – حيث يقول: * (يابن ام إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني) * (1) وكان كنوح – عليه السلام -، إذ قال: * (إني مغلوب فانتصر) * (2) وكان كلوط – عليه السلام إذ قال: * (لو


(1) – الاعراف / 150. (2) – القمر / 10 (*).

[ 70 ]

أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد) * (1) وكان كموسى وهارون – عليهما السلام – إذ قال موسى: * (رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي) * (2) قال: فلم قعد في الشورى ؟ قال: اقتدارا منه على الحجة وعلما منه بان القوم إن ناظروه وأنصفوا كان هو الغالب، ولو لم يفعل وجبت الحجة عليه لاثه من كان له حق فدعي إلى أن يناظر فيه فان ثبت له الحجة سلم الحق إليه واعطيه فإن لم يفعل بطل حقه وأدخل بذلك الشبهة على الخلق، وقد قال – عليه السلام – يرمئذ: اليوم ادخلت في باب إن انصفت فيه وصلت إلى حقي، يعني أن أبا بكر استبد بها يوم السقيفة ولم يشاوره. قال: فلم زوج عمر بن الخطاب ابنته ؟ قال: لاظهاره الشهادتين وإقراره بفضل رسول الله (ص) وأراد بذلك استصلاحه وكفه عنه وقد عرض لوط – عليه السلام – بناته على قومه وهم كفار ليردهم عن ضلالتهم فقال: * (هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد) * (3). فصل وأخبرني الشيخ أدام الله عزه مرسلا عن عمرو بن وهب اليماني قال: حدثني عمرو بن سعد (4) عن محمد بن جابر عن أبي إسحاق السبيعي قال: قال شيخ من أهل الشام حضر صفين مع أمير المؤمنين – عليه السلام – بعد انصرافهم من صفين: أخبرنا يا أمير المؤمنين عن مسيرنا إلى الشام أكان بقضاء من الله وقدر ؟ قال: نعم يا


(1) – هود / 80. (2) – المائدة / 25. (3) – هود / 78. (4) – في نسخة عمرو بن كعب (*).

[ 71 ]

أخا أهل الشام والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما وطئنا موطئا ولا هبطنا واديا ولا علونا تلعة إلا بقضاء من الله وقدره. فقال الشامي: عند الله تعالى أحتسب عناي إذا يا أمير المؤمنين وما أظن أن لي أجرا في سعيي إذا كان الله قضاه علي وقدره لي. فقال أمير المؤمنين – عليه السلام -: إن الله قد أعظم لكم الاجر على مسيركم وأنتم سائرون وعلى مقامكم وأنتم مقيمون ولم تكونوا في شئ من حالاتكم مكرهين ولا إليها مضطرين ولا عليها مجبرين. فقال الشامي: فكيف يكون ذلك والقضاء والقدر ساقانا وعنهما كان مسيرنا وانصرافنا ؟ فقال له أمير المؤمنين – عليه السلام -: ويحك يا أخا أهل الشام لعلك ظننت قضاء لازما وقدرا حتما لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب وسقط الوعد والوعيد والامر من الله عزوجل والنهي منه، وما كان المحسن أولى بثواب الاحسان من المسئ ولا المسئ أولى بعقوبة الذنب من المحسن. تلك مقالة عبدة الاوثان وحزب الشيطان وخصماء الرحمن وشهداء الزور وقدرية هذه الامة ومجوسها، إن الله أمر عباده تخييرا ونهاهم تحذيرا وكلف بسيرا وأعطى على القليل كثيرا ولم يطع مكرها ولم يعص مغلوبا ولم يكلف عسيرا ولم يرسل الانبياء لعبا ولم ينزل الكتب على العباد عبثا * (وما خلق السماوات والارض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذبن كفررا فويل للذين كفروا من النار) * (1). قال الشامي: فما القضاء والقدر اللذان كان مسيرنا بهما وعنهما ؟ قال. الامر من الله تعالى في ذلك والحكم منه ثم تلا * (وكان أمر الله قدرا


(1) – ص / 27 (*).

[ 72 ]

مقدورا) * (1). فقام الشامي مسرورا فرحا لما سمع هذا المقال وقال: فرجت عني يا أمير المؤمنين فرج الله عنك وأنشأ يقول: أنت الامام الذي نرجو بطاعته * * يوم النشور من الرحمن رضوانا أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا * * جزاك ربك عنا فيه إحسانا نفى الشكوك مقال منك متضح * * وزاد ذا العلم والايمان إيقانا فلن أرى عاذرا في فعل فاحشة * * ماكنت راكبها ظلما وعدوانا كلا ولا قائلا يوما لداهية * * أرداه فيها لدينا غير شيطانا ولا أراد ولاشاء الفسوق لنا * * قبل البيان لنا ظلما وعدوانا نفسي الفداء لخير الخلق كلهم * * بعد النبي علي الخير مولانا أخي النبي ومولى المؤمنين معا * * وأول الناس تصديقا وإيمانا وبعل بنت رسول الله سيدنا * * أكرم به وبها سرا وإعلانا فصل وأخبرني الشيخ أيده الله أيضا قال: قال أبو حنيفة: دخلت المدينة فاتيت جعفر بن محمد فسلمت عليه وخرجت من عنده فرأيت ابنه موسى في دهليز قاعدا في مكتب له وهو صبي صغير السن فقلت له: يا غلام أين يحدث الغريب عندكم إذا أراد ذلك ؟ فنظر إلي ثم قال: يا شيخ اجتنب شطوط الانهار ومسقط الثمار وفئ النزال وأفنية الدور والطرق النافذة والمساجد وارفع وضع بعد ذلك حيث شئت.


(1) – الاحزاب / 38 (*).

[ 73 ]

قال: فلما سمعت هذا القول منه نبل في عيني وعظم في قلبي فقلت له: جعلت فداك ممن المعصية ؟ فنظر إلي نظرا ازدراني به ثم قال: إجلس حتى أخبرك فجلست بين يديه فقال: إن المعصية لابد من أن تكون من العبد أو من خالقه أو منهما جميعا، فان كانت من الله تعالى فهو أعدل وأنصف من أن يظلم عبده ويأخذه بما لم يفعله، وإن كانت منهما فهو شريكه والقوي أولى بانصاف عبده الضعيف، وإن كانت من العبد وحده فعليه وقع الامر وإليه توجه النهي وله حق الثواب وعليه العقاب ووجبت له الجنة والنار قال أبو حنيفة: فلما سمعت ذلك قلت: * (ذرية بعضها من بعضى والله سميع عليم) * (1). قال الشيخ أيده الله: وفي ذلك يقول الشاعر لم تخل أفعالنا اللاتي يذم بها * * إحدى ثلاث معان حين ناتيها إما تفرد بارينا بصنعتها * * فيسقط اللوم عنا حين ننشيها أو كان يشركنا فيها فيلحقه * * ما سوف يلحقنا من لائم فيها أو لم يكن لالهي في جنايتها * * ذنب فما الذنب إلا ذنب جانيها


(1) – آل عمران / 34 (*).

[ 74 ]

فصل وأخبرني الشيخ أدام الله عزه أيضا مرسلا قال: مر فضال بن الحسن بن فضال الكوفي بابي حنيفة وهو في جمع كثير يملي عليهم شيئا من فقهه وحديثه، فقال لصاحب كان معه: والله لا أبرح أو أخجل أبا حنيفة، فقال صاحبه: إن أبا حنيفة ممن قد علمت حاله ومنزلته وظهرت حجته، فقال: مه هل رأيت حجة كافر علت على مؤمن، ثم دنا منه فسلم عليه فرد ورد القوم باجمعهم السلام. فقال: يا أبا حنيفة رحمك الله إن لي أخا يقول: إن خير الناس بعد رسول الله (ص) علي بن أبي طالب وأنا أقول: إن أبا بكر خير الناس بعد رسول الله (ص) وبعده عمر فما تقول أنت رحمك الله ؟ فاطرق مليا ثم رفع رأسه فقال: كفى بمكانهما من رسول الله كرما وفخرا أما علمت أنهما ضجيعاه في قبره فاي حجة أوضح لك من هذه ؟ فقال له فضال: إني قد قلت ذلك لاخي، فقال. والله لئن كان الموضع لرسول الله يردونهما فقد ظلما بدفنهما في موضع ليس لهما فيه حق، وإن كان الموضع لهما فوهباه لرسول الله (ص) لقد أساءا وما أحسنا إليه إذ رجعا في هبتهما ونكثا عهدهما. فاطرق أبو حنيفة ساعة، ثم قال قل له: لم يكن لهما ولا له خاصة ولكنهما نظرا في حق عائشة وحفصة فاستحقا الدفن في ذلك الموضع بحقوق ابنتيهما، فقال له فضال: قد قلت له ذلك، فقال: أنت تعلم أن النبي (ص) مات عن تسع حشايا فنظرنا فإذا لكل واحدة منهن تسع ثم نظرنا في تسع الثمن فإذا هو شبر في شبر فكيف يستحق الرجلان أكثر من ذلك، وبعد فما بال عائشة وحفصة ترثان رسول الله (ص) وفاطمة ابتنه تمنع الميراث ؟ فقال أبو حنيفة: يا قوم نحوه عني فانه والله رافضي خبيث.


[ 75 ]

فصل ومن كلام الشيخ أدام الله عزه على عبد الله بن كلاب، قال الشيخ أيده الله: استدل ابن كلاب على أن معنى المكلم غير معنى المتكلم بان قال: قد يقول القائل فلان مكلم لفلان ولا يصح أن يقول هو متكلم لفلان قال: فتعلم أن لفظة متكلم لا تدل على أكثر من موصوف بالكلام وهر يجري مجرى العالم والمعلم في أنه ليس معنى أحدهما معنى الاخر فيقال له ليس بيننا وبينك خلاف في اختلاف المعنيين وأن أحد الوصفين يتعدى والاخر لا يتعدى وإنما الخلاف بيننا وبينك في وجه اخر وهو أن هذا الوصف لابد من أن يتعدى إذا كان الموصوف به حكيما ولم يك محتاجا وإلا بطل ا لمعقول. ألا ترى أنه متى تعرى المتكلم من الافة والحاجة لم يعقل في الشاهد إلا وهو مكلم وإنما يخرج عن هذا الوصف المتعدي إلى ما يختص به من لفظ متكلم بافة تعرض له أو لحاجة به إلى فعل الكلام، ولا متكلم غيره كالمغني ليطرب والمحدث نفسه للضجر والمتحفظ لكلامه قد سمعه أو يريد تأليفه أو يكون مألوفا بالنوم الذي يغمر عقله أو الجنة أو ضرب من السوداء وما جانسها مما يغمر العقل فيقع الكلام منه مع عدم القصد، وإذا ثبت أن القديم تعالى ليس بمحتاج ولا يصح عليه تعلق الآفات به فقد ثبت أنه لا يكون متكلما إلا وهو مكلم فلو جاز خلاف ذلك مع كون الحقيقة في الشاهد على ما بيناه لجاز قلب الحقائق كلها وهو محال فاسد. على أنه يقال له. أليس قد ثبت أن المكلم لا يكون مكلما إلا بكلام كما أن


[ 76 ]

المحرك لا يكون محركا إلا بحركة ولا مسكنا إلا بسكون، فلا يخلو أن القديم تعالى في كلامه لموسى بن عمران – عليه السلام – من إحدى منزلتين إما أن يكون مكلما له بكلامه الذي هو عنده قديم فيلزم أن يكون فيما لم يزل مكلما له كما أنه لو حركه بحركة لم تزل لوجب أن يكون فيما لم يزل له محركا، وفي هذا نقض مذهبه الذي اجتباه لنفسه في الفرق بين المكلم والمتكلم وإثبات القديم متكلما دون أن يكون مكلما، أو يكون مكلما له بكلام غير كلامه القديم فيكون مكلما بالكلام المحدث وذلك أيضا نقض مذهبه لقوله إنه لا يكون مكلما إلا بكلامه ومحال أن يكون كلامه محدثا. فصل وأخبرني الشيخ أدام الله حراسته أيضا قال: دخل أبو الحسن علي بن ميثم رحمه الله على الحسن بن سهل وإلى جانبه ملحد قد عظمه والناس حوله، فقال. لقد رايت ببابك عجبا، قال: وما هو ؟ قال: رأيت سفينة تعبر بالناس من جانب إلى جانب بلا ملاح ولا ماصر قال: فقال له صاحبه الملحد وكان بحضرته: إن هذا أصلحك الله لمجنون، قال: فقلت: وكيف ذاك ؟ قال. خشب جماد لا حيلة له ولا قوة ولا حياة فيه ولا عمل كيف يعبر بالناس ؟ قال: فقال أبو الحسن: فايهما أعجب هذا أو هذا الماء الذي يجري على وجه الارض يمنة ويسرة بلا روح ولا حيلة ولا قوى، وهذا النبات الذي يخرج من الارض والمطر الذي ينزل من السماء تزعم أنت أنه لا مدبر لهذا كله وتنكر أن تكون سفينة تحرك بلا مدبر وتعبر بالناس، قال: فبهت الملحد.


[ 77 ]

فصل وأخبرني الشيخ أدام الله عزه أيضا مرسلا قال. وقف رجل من بني أسد على أمير المؤمنين – عليه السلام – فقال. يا أمير المؤمنين العجب فيكم يا بني هاشم كيف عدل بهذا الامر عنكم وأنتم الاعلون نسبا واشد نوطا بالرسول (ص) وفهما للكتاب ؟ فقال أمير المؤمنين – عليه السلام -: يابن دودان إنك لقلق الوضين ضيق المجم ترسل عن غير ذي سدد ولك ذمامة الصهر – لانه من أصهاره – عليه السلام – وحق المسالة وقد استعلمت فاعلم، كانت أثرة سخت بها نفوس قوم وشحت عليها نفوس قوم آخرين (فدع عنك نهبا صيح في حجراته) وهلم الخطب في أمر أبي سفيان فلقد أضحكني الدهر بعد إبكائه، ولا غرو يئس القوم والله من خفضي وهينتي وحاولوا الادهان في ذات الله وهيهات ذلك مني، فان تنجر عنا محن البلوى، أحملهم من الحق على محضه، وإن تكن الاخرى * (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ولا تاس على القوم الفاسقين) * (1). قال الشيخ أدام الله عزه: وهذا القول من أمير المؤمنين – عليه السلام – أدل دليل على أنه لم تستقر به الدار ولم يتمكن من إنفاذ حكم من الاحكام، وأنه إنما عدل عن قبض فدك وترك حقه لضروب من الاستصلاح وقد أبان عن ذلك أيضا بكلامه المشهور عند الخاصة والعامة، حيث يقول: ” أما والله لو ثنيت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم وبين أهل الانجيل بانجيلهم وبين أهل الزبور بزبورهم وبين أهل الفرقان بفرقانهم حتى يزهر كل كتاب من هذه الكتب ويقول يا رب إن عليا قضى بقضائك).


(1) – فاطر / 8 (*).

[ 78 ]

فدل على أنه – عليه السلام – غير متمكن من إنفاذ جميع الاحكام، وقد روت الناصبة عنه – عليه واله السلام – أنه قال حين اففي الامر إليه لقضاته – وقد قالوا له: بم نقضي يا أمير المؤمنين ؟ – فقال: ” اقضوا بما كنتم تقضون حتى تكون الناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي، فدل على أنه – عليه السلام – قد اخر القضاء بمذهبه في كثير من الاحكام لمكان الاختلاف عليه وانتظر الاجتماع من المختلفين أو وجود المصلحة. فصل ومن حكايات الشيخ أدام الله عزه وكلامه قال. وقال أبو القاسم الكعبي: سمعت أبا الحسين الخياط يحتج في إبطال قول المرجئة في الشفاعة بقوله تعالى: * (أفمن حق عليه كلمة العذاب أفانت تنقذ من في النار) * (1) قال: والشفاعة لا تكون إلا لمن استحق العقاب. قال: فيقال له: ما كان أغفل أبا الحسين وأعظم رقدته أترى أن الراجئة إذا قالت إن النبي (ص) يشفع فيشفع فيمن يستحق العقاب، قالوا إنه هو الذي ينقذ من في النار أم يقولون إن الله سبحانه هو الذي أنقذه بتفضله ورحمته وجعل ذلك إكراما لنبيه (ص) فاين وجه الحجة فيما تلاه ؟ أو ما علم أن من مذهب خصومه القول بالوقف في الاخبار وأنهم لا يقطعون بالظاهر على العموم والاستيعاب، فلو كان القول يتضمن نفي خروج أحد من النار لما كان ذلك ظاهرا ولا مقطوعا به عند القوم، وكيف ونفس الكلام يدل على الخصوص دون العموم بقوله * (أفمن حق عليه كلمة العذاب) *، وإنما يعلم من المراد بذلك بدليل دون نفسه وقد حصل


(1) – الزمر / 19 (*).

[ 79 ]

الاجماع على أنه توجه إلى الكفار وليس أحد من أهل القبلة يدين بجواز الشفاعة للكفار فيكون ما تعلق به الخياط حجة عليه. ثم قال أبو القاسم: وكان أبو الحسين – يعني الخياط – يتلو في ذلك أيضا قوله عزوجل: * (تالله إن كنا لفي ضلال مبين * إذ نسويكم برب العالمين * وما أضلنا إلا المجرمون * فما لنا من شافعين * ولا صديق حميم) * (1). قال الشيخ أدام الله عز،: فيقال لهم: ما رأيت أعجب منكم يا معاشر المعتزلة تتكلمون فيما قد شارككم الناس فيه من العدل والتوحيد احسن كلام حتى إذا صرتم إلى الكلام في الامامة والارجاء صرتم فيهما عامة حشوية تخبطون خبط عشواء لا تدرون ما تأتون وما تذرون، ولكن لا أعجب العجب من ذلك وأنتم إنما جودتم فيما عاونكم عليه غيركم واستفدتموه من سواكم وقصرتم فيما تفردتم به لا سيما في نصرة الباطل الذي لا يقدر على نصرته في الحقيقة قادر، ولكن العجب منكم في ادعائكم الفضيلة والبينونة بها من سائر الناس، ولو والله حكى هذا الاستدلال مخالف لكم لارتبنا بحكايته، ولكن لا ريب وشيوخكم يحكونه عن مشايخهم ثم لا يقنعون حتى يوردوه على سبيل التبجح به والاستحسان له، وأنت أيها الرجل من غلوك فيه جعلته أحد الغرر فانت وإن كنت أعجمي الاصل والمنشا فانت عريى اللسان صحيح الحس، وظاهر الاية في الكفار خاصة ولا يخفى ذلك على الانباط فضلا عن غيرهم حيث يقول الله تعالى حاكيا عن الفرقة بعينها وهي تعني معبوداتها دون الله وتخاطبها فتقول: * (إذ نسويكم برب العالمين) * فيعترفون بالشرك بالله ثم يقولون: * (وما أضلنا إلا المجرمون) * وقبل ذلك يقسمون فيقولون: * (تالله إن كنا لفي ضلال مبين) *.


(1) – الشعراء / 98 – 101 (*).

[ 80 ]

فهل يا أبا القاسم – أصلحك الله – تعرف أحدا من خصومك في الارجاء والشفاعة يذهب إلى جواز الشفاعة لعباد الاصنام المشركين بالله عزوجل، والكفار برسله – عليهم السلام – حتى استحسنت استدلال شيخك بهذه الاية على المشبهة، كما زعمت، والمجبرة ومن ذهب مذهبهم من العامة، فإن ادعيت علم ذلك تجاهلت، وإن زعمت أنه إذا بطلت الشفاعة للكفار فقد بطلت للفساق، أتيت بقياس طريف من القياس الذي حكي عن أبي حنيفة أنه قال فيه: ” البول في المسجد أحيانا أحسن من بعض (نقض ن خ) القياس “. وكيف تزعم ذلك وأنت إنما حكيت مجرد القول في الآية، ولم تذكر وجه الاستدلال منها وإن ما توهمت أن الحجة في ظاهرها غفلة عظيمة حصلت منك على أنه إنما يصح القياس على العلل والمعاني دون الصور والالفاظ، والكفار إنما بطل قول من ادعى الشفاعة لهم – إن لو إدعاها مدع – بصريح القرآن لا غير فيجب ان لا تبطل الشفاعة لفساق أهل الملة إلا بنص القرآن أيضا أو قول من الرسول (ص) يجري مجرى القران في الحجة، وإذا عدم ذلك بطل القياس فيه. مع أنا قد بينا أنك لم تقصد القياس وإنما تعلقت بظاهر القرآن وكشفنا عن غفلتك في المتعلق به، فليتأمل ذلك أصحابك وليستحيوا لك منه. على أنه قد روي عن الباقر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب – عليهم السلام – أنه قال: في هذه الايات دلالة على وجود الشفاعة، قال: وذلك أن أهل النار لو لم يروا يوم القيامة شافعين يشفعون لبعض من استحق العقاب فيشفعون ويخرجون بشفاعتهم من النار أو يعفون منها بعد الاستحقاق، لما تعاظمت حسراتهم ولا صدر عنهم هذا المقال لكنهم لما رأوا شافعا يشفع فيشفع، وصديقا حميما يشفع لصديقه فيشفع، عظمت حسراتهم عند ذلك فقالوا: * (فما لنا من


[ 81 ]

شافعين ولا صديق حميم فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين) *. ولعمري إن مثل هذا الكلام لا يرد إلا عن إمام هدى، أو احد من الائمة أئمة الهدى – عليهم السلام -، فاما ما حكاه أبو القاسم فيليق بمقام الخياطين ونتيجة عقول السخفاء والضعفاء في الدين. فصل ومن كلام الشيخ أدام الله عزه أيضا في إبطال القياس: سئل الشيخ أيده الله في مجلس لبعض القضاة وكان فيه جمع كثير من الفقهاء والمتكلمين، فقيل له: ما الدليل على إبطال القياس في الاحكام الشرعية ؟ فقال الشيخ أدام الله عز ه: الدليل على ذلك أنني وجدت الحكم الذي تزعم خصومي أنه أصل يقاس عليه ويستخرج منه الفرع، قد كان جائزا من الله سبحانه التعبد في الحادثة التي هو حكمها بخلافه مع كون الحادثة على حقيقتها وبجميع صفاتها، فلو كان القياس صحيحا لما جاز في العقول التعبد في الحادثة بخلاف حكمها إلا مع اختلاف حالها وتغير الوصف عليها، وفى جواز ذلك على ما وصفناه دليل على إبطال القياس في الشرعيات. فلم يفهم السائل معنى هذا الكلام ولا عرفه، والتبس على الجماعة كلها طريقه ولم يلح لاحد منهم ولا فطن به، وخلط السائل وعارض على غير ما سلف، فوافقه الشيخ أدام الله عزه على عدم فهمه للكلام وكرره عليه فلم يحصل له معناه. قال الشيخ أيده الله: فاضطررت إلى كشفه على وجه لا يخفى على الجماعة، فقلت: إن النبي (ص) نص على تحريم التفاضل في البر فكان النص في ذلك أصلا


[ 82 ]

زعمتم أيها القايسون أن الحكم بتحريم التفاضل في الارز مقيس عليه وأنه الفرع له، وقد علمنا أن في العقل يجوز أن يتعبد القديم سبحانه وتعالى بإباحة التفاضل في البر وهو على جميع صفاته بدلا من تعبده بحظره فيه، فلو كان الحكم بالحظر لعلة في البر أو صفة هو عليها لاستحال ارتفاع الحظر إلا بعد ارتفاع العلة أو الوصف، وفي تقديرنا وجوده على جميع الصفات والمعاني التي يكون عليها مع الحظر عند الاباحة وهذا دليل على بطلان القياس فيه. ألا ترى أنه لما كان وصف المتحرك إنما لزمه لوجود الحركة، أو لقطعه المكانين، استحال توهم حصول السكون له في الحقيقة مع وجود الحركة أو قطعه للمكانين، وهذا بين لمن تدبره. فلم يات القوم بشئ يجب حكايته. (حكاية مجلس اخر في هذا الاستدلال) قال الشيخ أدام الله عزه. ثم جرى هذا الاستدلال في مجلس اخر فاعترض بعض المعتزلة فقال: ما أنكرت على من قال لك إن هذا الدليل إنما هو على من زعم أن للشرعيات عللا موجبة كعلل العقليات. وليس في الفقهاء من يذهب إلى ذلك، وإنما يذهبون إلى أنها سمات وعلامات غير موجبة لكنها دالة على الحكم، ومنبئة عنه، وإذا كانت سمات وعلامات لم يمتنع من تقدير خلاف الحكم على الحادثة مع كونها على صفاتها، وذلك مسقط لما اعتمدت عليه. قال الشيخ أيده الله: فقلت له. ليس مناقضة الفقهاء الذين أو مات إليهم حجة علي فيما اعتمدته، وقد ثبت أن حقيقة القياس هو حمل الشئ على نظيره في الحكم بالعلة الموجبة له في صاحبه، فإذا وضع هؤلاء القوم هذه السمة على غير الحقيقة فاخطاوا لم يخل خطأهم بموضع الاعتماد، مع أن الذي قدمته يفسد هذا


[ 83 ]

الاعتراض أيضا وذلك أن السمة والعلامة إذا كانت تدل على حكم من الاحكام فمحال وجودها وهي لا تدل لان الدليل لا يصح أن يخرج عن حقيقته، فيكون تارة دليلا وتارة ليس بدليل، وإذا كنتم تزعمون أن العلامة هي صفة من صفات المحكوم عليه بالحكم الذي ورد به النص فقد جرت مجرى العلة في استحالة وجودها مع عدم مدلولها كما يستحيل وجود العلة مع عدم معلولها، وليس بين الامرين فصل. فخلط هذا الرجل تخليطا بينا ثم ثاب إليه فكره، فقال: هذه السمات عندنا سمعية طارئة على الحوادث ولسنا نعلمها عقلا ولا اضطرارا وإنما نعلمها سمعا وبدليل السمع، وعندنا مع ذلك أن العلل السمعية والادلة السمعية قد تخرج أحيانا عن مدلولها ومعلولها وهي كالاخبار العامة التي تدل على استيعاب الجنس باطلاقها ثم تكون خاصة عند قرائنها، وهذا فرق بين الامور العقلية والسمعية. قال الشيخ أيده الله: فقلت له: إن كانت هذه السمات سمعية طارئة على الحوادث وليست من صفاتها اللازمة لها وإنما هي معان متجددة، فيجب أن يكون الطريق إليها السمع خاصة دون العقل والاستنباط لانها حينئذ تجري مجرى الاسماء التي هي الالقاب فلا يصل عاقل إلى حقايقها إلا بالسمع الوارد بها، ولو كان ورد بها سمع لبطل القياس لانه كان حيننذ يكون نصا على الحمل كقول القائل: اقطعوا زيدا فقد سرق من حرز وإثما استحق القطع لانه سرق من حرز لا لغير ذلك من شئ يضام هذا الفعل أو يقاربه، وهذا نص على قطع كل سارق من حرز إذا كان التقييد فيه على ما بيناه. فان كنتم تذهبون في القياس إلى ما ذكرناه فالخلاف بيننا وبينكم في الاسم دون المعنى والمطالبة لكم بعده بالنصوص الواردة في سائر ما استعملتم فيه القياس، فان ثبت لكم زال المراء بيننا وبينكم، وإن لم يثبت علمتم أنكم إنما


[ 84 ]

تدفعون عن مذاهبكم بغير أصل معتمد، ولا برهان يلجأ إليه. فقال: لسنا نقول إن النص قد ورد في الاصول حسبما ذكرت وإنما ندرك السمات بضرب من الاستخراج والتامل. قال الشيخ أيده الله: فقلت: هذا هو الذي يعجز عنه كل أحد إلا أن يلجا إلى استخراج عقلي وقد أفسدنا ذلك فيما سلف، والان فان كنت صادقا فتعاط ذلك، فان قدرت عليه أقررنا لك بالقياس الذي أنكرناه، وإن عجزت عنه بان ما حكمناه به عليك من دفاعك عن الاصل المعروف. فقال:. لا يلزمني ذكر طريق الاستخراج، وجعل يضجع في الكلام، وبان عجزه. فقال أبو بكر بن الباقلاني: لسنا نقول هذه العلامات مقطوع بها، ولا معلومة فنذكر طريق استخراجها، ولكن الذي أذهب إليه – وهو مذهب هذا الشيخ – وأومأ إلى الاول – القول بغلبة الظن في ذلك، فما غلب في ظني عملت عليه وجعلته سمة وعلامة، وإن غلب في ظن غيري سواه وعمل عليه أصاب ولم يخطئ وكل مجتهد مصيب فهل معك شئ على هذا المذهب ؟ فقلت: هذا أضعف من جميع ما سلف وأوهن، وذلك أنه إذا لم يكن لله تعالى دليل على المعنى ولا السمة وإنما تعبدك على ما زعمت بالعمل على غلبة الظن فلابد أن يجعل لغلبة الظن سببا وإلا لم يحصل ذلك في الظن ولم يكن لغلبته طريق، وهب أنا سلمنا لك التعبد بغلبة الظن في الشريعة، ما الدليل على أنه قد يغلب فيما زعمت ؟ وما السبب الموجب له أرناه ؟ فانا نطالبك به كما طالبنا هذا الرجل بجهة الاستخراج للسمة. والعلة السمعية كما وصف فان أوجدتنا ذلك، ساغ لك وإن لم توجدناه


[ 85 ]

بطل ما اعتمدت عليه. فقال: أسباب غلبة الظن معروفة وهي كالرجل الذي يغلب في ظنه إن سلك هذا الطريق نجا وإن سلك غيره هلك، وإن اتجر في ضرب من المتاجر ربح، وإن اتجر في غيره خسر، وإن ركب إلى ضيعة والسماء متغيمة مطر، وإن ركب وهي مصحية سلم، وإن شرب هذا الدواء انتفع، وإن عدل إلى غيره استضر وما أشبه ذلك. ومن خالفني في أسباب غلبة الظن قبح كلامه. فقلت له: إن هذا الذي أوردته لا نسبة بينه وبين الشريعة وأحكامها، وذلك أنه ليس شئ منه إلا وللخلق فيه عادة وبه معرفة فانما يغلب ظنونهم حسب عاداتهم، وإمارات ذلك ظاهرة لهم، والعقلاء يشتركون في أكثرها وما اختلفوا فيه فلاختلاف عاداتهم خاصة، وأما الشريعة فلا عادة فيها ولا أمارة من دربة ومشاهدة لان النصوص قد جاءت فيها باختلاف المتفق في صورته، وظاهر معناه واتفاق المختلف في الحكم وليس للعقول في رفع حكم منها وإيجابه مجال، وإذا لم يك فيها عادة بطل غلبة الظن فيها. ألا ترى أنه من لا عادة له بالتجارة ولا سمع بعادة الناس فيها لا يصح أن يغلب ظنه في نوع منها بربح ولا خسران، ومن لا معرفة له بالطرقات ولا باغيارها ولا له عادة في ذلك ولا سمع بعادة أفلها فليس يغلب ظنه بالسلامة في طريق دون طريق. ولو قدرنا وجود من لا عادة له بالمطر ولا سمع بالعادة فيه، لم يصح أن يغلب في ظنه مجئ المطر عند الغيم دون الصحو، وإذا كان الامر كما بيناه وكان الاتفاق حاصلا على أنه لا عادة في الشريعة للخلق بطل ما ادعيت من غلبة الظن وقمت مقام الاول في الاقتصار على الدعوى. فقال: هذا الان رد على الفقهاء كلهم وتكذيب لهم فيما يدعونه من غلبة


[ 86 ]

الظن ومن صار إلى تكذيب الفقهاء كلهم قبحت مناظرته. فقلت له: ليس كل الفقهاء يذهب مذهبك في الاعتماد في المعاني والعلل على غلبة الظن، بل أكثرهم يزعم أنه يصل إلى ذلك بالاستدلال والنظر فليس كلامنا ردا على الجماعة وإنما هو رد عليك وعلى فرقتك خاصة. فان كنت تقشعر من ذلك فما ناظرناك إلا له، ولا خالفناك إلا من أجله، مع أن الدليل إذا أكذب الجماعة فلا حرج علينا في ذلك ولا لوم، بل اللوم لهم إذا صاروا إلى ما تدل الدلائل على بطلانه وتشهد بفساده. وليس قولي: إنكم معشر المتفقهة تدعون غلبة الظن وليس الامر كذلك باعجب من قولك وفرقتك: إن الشيعة والمعتزلة وأكثر المرجئة، وجمهور الخوارج فيما يدعون العلم به من مذهبهم في التوحيد والعدل مبطلون كاذبون مغرورون، وإنهم في دعواهم العلم بذلك جاهلون، فاي شناعة تلزم فيما وصفت به أصحابك مع الدليل الكاشف عن ذلك ؟ فلم يات بشئ. فصل وأخبرني الشيخ أدام الله عزه قال: سال أبو الهذيل العلاف إبا الحسن علي ابن ميثم رحمه الله عند علي بن رياح فقال له: ما الدليل على أن عليا كان أولى بالامامة من أبي بكر ؟ فقال له: الدليل على ذلك إجماع أهل القبلة على أن عليا – عليه السلام – كان عند وفاة رسول الله (ص) مؤمنا عالما كافيا ولم يجمعوا بذلك على أي بكر، فقال له أبو الهذيل. ومن لم يجمع عليه عافاك الله ؟ قال له أبو الحسن: أنا وأسلافي من قبل وأصحابي الان، فقال له أبو الهذيل: فانت وأصحابك ضلال تائهون، قال له أبو الحسن. ليس جواب هذا الكلام إلا السباب ثم اللطام.


[ 87 ]

فصل قال الشيخ أدام الله عزه: حضرت يوما مجلسا فجرى فيه كلام في رذالة بني تيم بن مرة وسقوط أقدارهم فقال شيخ من الشيعة: قد ذكر أبو عيسى الوراق فيما يدل على ذلك قول الشاع ويقضى الامر حين تغيب تيم * * ولا يستاذنون وهم شهود وإنك لو رأيت عبيد تيم * * وتيما قلت أيهما العبيد فذكر الشاعر أن الرائي لهم لا يفرق بين عبيدهم وساداتهم من الضعة وسقوط القدر فانتدب له أبو العباس هبة الله المنجم فقال له: يا شيخ ما أعرفك باشعار العرب، هذا في تيم بن مرة، أو في تيم الرباب، وجعل يتضاحك بالرجل ويتماجن عليه يقول له. سبيلك إلى أن تؤلف دواوين العرب فان بصرك بها حسن. فقال الشيخ أدام الله عزه: فقلت له. قد جعلت هذا الباب رأس مالك، ولو أنصفت في الخطاب لانصفت في الاحتجاج وإن أخذنا معك في إثبات هذا الشعر تعلق البرهان فيه بالرجال والكتب والمصنفات، واندفع المجلس ومض الوقت ولكن بيننا وبينك كتب السير وكل من اطلع على حديث الجمل وحرب البصرة، فهل ريب في شعر عمير بن الاهلب الضبي وهو يجود بنفسه بالبصرة وقد قتل بين يدي الجمل وهو يقول: لقد أوردتنا حومة الموت أمنا * * فلم ننصرف إلا ونحن رواء نصرنا قريشا ضلة من حلومنا * * ونصرتنا أهل الحجاز عناء لقد كان عن نصر ابن ضبة امه * * وشيعتها مندوحة وغناء نصرنا بني تيم بن مرة شقوة * * وهل تيم إلا أعبد وإماء


[ 88 ]

وهو قول رجل من أنصار عائشة، ومن سفك دمه في ولايتها يقول هذا القول في قبيلتها بلا ارتياب بين أهل السير، ولم يك بالذي يقوله في تلك الحال إلا وهو معروف عند الرجال غير مشكوك فيه عند أحد من العارفين بقبائل العرب من سائر الناس فاخذ في الضجيج ولم يأت بشئ. فصل ومن كلام الشيخ أدام الله عزه في إثبات الحكم بقول فاطمة – عليها السلام – قال الشيخ أيده الله: قد ثبت عصمة فاطمة – عليها السلام – بإجماع الامة على ذلك فتيا مطلقة، وإجماعهم على أنه لو شهد عليها شهود بما يوجب إقامة الحد من الفعل المنافي للعصمة لكان الشهود مبطلين في شهادتهم ووجب على الامة تكذيبهم وعلى السلطان عقوبتهم فإن التعالى قد دل على ذلك بقوله. * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * (1) ولا خلاف بين نقلة الاثار أن فاطمة – عليها السلام – كانت من أهل هذه الاية، وقد بينا فيما سلف أن ذهاب الرجس عن أهل البيت الذين عنوا بالخطاب يوجب عصمتهم ولاجماع الامة أيضا على قول النبي (ص): (من اذى فاطمة فقد اذاني ومن آذاني فقد آذى الله عزوجل “. فلولا أن فاطمة – عليها السلام – كانت معصومة من الخطا، مبرأة من الزلل لجاز منها وقوع ما يجب أذهاب به بالادب والعقوبة، ولو وجب ذلك لوجب أذاها، ولو جاز وجوب أذاها لجاز أذى رسول الله (ص) والاذى لله عزوجل فلقا بطل ذلك دل على أنها – عليها السلام – كانت معصومة حسبما ذكرناه. وإذا ثبت عصمة فاطمة – عليها السلام – وجب القطع بقولها واستغنت عن


(1) – الاحزاب / 33 (*).

[ 89 ]

الشهود في دعواها لان المدعي إنما افتقر للشهود له لارتفاع العصمة عنه وجواز ادعائه الباطل فيستظهر بالشهود على قوله لئلا يطمع كثير من الناس في أموال غيرهم وجحد الحقوق الواجبة عليهم. وإذا كانت العصمة مغنية عن الشهادة وجب القطع على قول فاطمة – عليها السلام – وعلى ظلم مانعها فدكا ومطالبها بالبينة عليها. ويكشف عن صحة ما ذكرناه أن الشاهدين إنما يقبل قولهما على الظاهر مع جواز أن يكونا مبطلين كاذبين فيما شهدا به، وليس يصح الاستظهار على قول من قد أمن منه الكذب بقول من لا يؤمن عليه ذلك، كما لا يصح الاستظهار على قول المؤمن بقول الكافر وعلى قول العدل البر بقول الفاسق الفاجر ويدل أيضا على ذلك أن النبي (ص) استشهد على قوله فشهد خزيمة بن ثابت في ناقة نازعه فيها منازع، فقال له النبي (ص): من أين علمت يا خزيمة أن هذه الناقة لي ؟ أشهدت شراي لها ؟ فقال: لا ولكني علمت أنها لك من حيث علمت أنك رسول الله، فاجاز النبي (ص) شهادته كشهادة رجلين وحكم بقوله، فلولا أن العصمة دليل الصدق (و) تغني عن الاستشهاد لما حكم النبي (ص) بقول خزيمة بن ثابت وحده وصوبه في الشهادة له على ما لم يره ولم يحضره باستدلاله عليه بدليل نبوته وصدقه على الله سبحانه فيما أداه إلى بريته. وإذا وجب قبول قول فاطمة – عليها السلام – بدلائل صدقها واستغنت عن الشهود لها، ثبت أن من منع حقها وأوجب الشهود على صحة قولها قد جار في حكمه وظلم في فعله وآذى الله تعالى ورسوله (ص) بايذانه لفاطمة – عليها السلام -، وقد قال الله جل جلاله: * (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والاخرة وأعد لهم عذابا مهينا) * (1).


(1) – الاحزاب / 57 (*).

[ 90 ]

فصل ومن حكايته أدام الله عزه قال: سئل هشام بن الحكم رحمه الله عما ترويه العامة من قول أمير المؤمنين – عليه السلام – لما قبض عمر، وقد دخل عليه وهو مسجى: ” لو ددت أن ألقى الله بصحيفة هذا المسجى “، وفي حديث اخر لهم ” إني لازجو أن ألقى الله بصحيفة هذا المسخى “. فقال هشام: هذا حديث غير ثابت ولا معروف الاسناد وإنما حصل من جهة القصاص وأصحاب الطرقات، ولو ثبت لكان المعنى فيه معروفا، وذلك أن عمر واطا أبا بكر والمغيرة وسالما مولى أبي حذيفة وأبا عبيدة على كتب صحيفة بينهم يتعاقدون فيها على أنه إذا مات رسول الله (ص) لم يورثوا أحدا من أهل بيته ولم يولوهم مقامه من بعده، فكانت الصحيفة لعمر إذ كان عماد القوم والصحيفة التي ود أمير المؤمنين – عليه السلام – ورجا أن يلقى الله بها هي هذه الصحيفة فيخاصمه بها ويحتج عليه بمتضمنها. والدليل على ذلك ما روته العامة عن أبي بن كعب أنه كان يقول في مسجد رسول الله (ص) بعد أن أفضي الامر إلى أبي بكر بصوت يسمعه أهل المسجد ” ألا هلك أهل العقدة والله ما اسى عليهم إثما آسى على من يضلون من الناس، فقيل له: يا صاحب رسول الله من هؤلاء أهل العقدة ؟ وما عقدتهم ؟ فقال: قوم تعاقدوا بينهم إن مات رسول الله لم يورثوا أحدا من أهل ييته ولا ولوهم مقامه، أما والله لئن عشت إلى يوم الجمعة لاقومن فيهم مقاما ابين به للناس أمرهم، قال: فما أتت عليه الجمعة “.


[ 91 ]

فصل وأخبرني الشيخ أدام الله عزه مرسلا قال. قال الصادق – عليه السلام -: أعربوا حديثنا فإنا قوم فصحاء. وأخبرني الشيخ أدام الله عزه مرسلا عن محمد بن سلام الجمحي أن أبا الاسود الدؤلي دخل على أمير المؤمنين – عليه السلام – فرمى إليه رقعة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم الكلام ثلاثة أشياء: اسم وفعل وحرف جاء لمعنى، فالاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى، والحرف ما أوجد معنى في غيره. فقال أبو الأسود: يا أمير المؤمنين هذا كلام حسن فما تأمرني أن أصنع به فإنني لا أدري ما أردت بإيقافي عليه ؟ فقال أمير المؤمنين – عليه السلام -: إني سمعت في بلدكم هذا لحنا كثيرا فاحشا فأحببت أن أرسم كتابا من نظر إليه ميز بين كلام العرب وكلام هؤلاء فابن على ذلك. فقال أبو الأسود: وفقنا الله بك يا أمير المؤمنين للصواب. قال الشيخ أدام الله عزه: وقد اختلف في معنى النحو ما هو ؟ فقيل. النحو ما قصد له. تقول: نحا نحوه أي قصد قصده، وإنما أرادوا قصد نحو الاعراب. وقال أبو عثمان المازني: النحو ناحية من الكلام، والعربية اسم اللغة، يقال هي اللغة العربية يراد به الجيدة الفصيحة البينة، وقيل للعربي عربي لانه عرب الالفاظ أي بينها. وقال الاصمعي: قال رجل لبنيه: يا بني أصلحوا ألسنتكم فإن الرجل تنوبه النائبة يحب أن يتجمل فيها، فيستعير من أخيه دابته وثوبه، ولا يجد من يعيره لسانه.


[ 92 ]

فصل وأخبرني الشيخ أدام الله عزه مرسلا عن محمد بن أحمد بن أبان النخعي، قال: حدثني معاذ بن سعيد الحميري قال: شهد السيد إسماعيل بن محمد الحميري رحمه الله عند سوار القاضي بشهادة، فقال له: ألست إسماعيل بن محمد الذي يعرف بالسيد ؟ فقال: نعم، فقال له: كيف أقدمت على الشهادة عندي، وأنا أعرف عداوتك للسلف ؟ فقال السيد: قد أعاذني الله من عداوة أولياء الله وإنما هو شئ لزمني ثم نهض، فقال له: قم يا رافضي فوالله ما شهدت بحق، فخرج السيد رحمه الله وهو يقول: أبوك ابن سارق عنز النبي * * وأنت ابن بنت أبي جحدر ونحن على رغمك الرافضو * * ن لاهل الضلالة والمنكر ثم عمل شعرا وكتبه في رقعة وأمر من ألقاها في الرقاع بين يدي سوار قال: فاخذ الرقعة سوار، فلما وقف عليها خرج إلى أبي جعفر المنصور وكان قد نزل الجسر الاكبر ليستعدي على السيد فسبقه السيد إلى المنصور فأنشا قصيدته التي يقول فيها: يا أمين الله يا منصور يا خيره الولاة * * إن سواربن عبد الله من شر القضاة نعثلي جملي لكم غير موات * * جده سارق عنز فجرة من فجرات والذي كان ينادي من وراء الحجرات * * ياهنات اخرج الينا إننا اهل هنات فاكفنيه لاكفاه الله شر الطارقات * * سن فينا سننا كانت مواريث الطغاة قال: فضحك أبو جعفر المنصور وقال: نصبتك قاضيا فامدحه كما


[ 93 ]

هجوته، فأنشد السيد رحمه الله يقولى ؟ إني امرؤ من حمير اسرتي * * بحيث تحوي سروها حمير آليت لا أمدح ذا نائل * * له سناء وله مفخر إلا من الغر بني هاشم * * إن لهم عندي يدا تشكر إن لهم عندي يدا شكرها * * حق وإن أنكرها منكر يا أحمد الخير الذي إنما * * كان علينا رحمة تنشر حمزة والطيار في جنة * * فحيث ما شاء دعا جعفر منهم وهادينا الذي نحن من * * بعد عمانا فيه نستبصر لما دجا الدين ورق الهدى * * وجار أهل الارض واستكبروا ذاك علي بن أبي طالب * * ذاك الذي دانت له خيبر دانت وما دانت له عنوة * * حتى تدهدا عرشه الاكبر ويوم سلع إذ أتى اتيا * * عمرو بن عبد مصلتا يخطر يخطر بالسيف مدلا كما * * يخطر فحل الصرمة الدوسر إذ جلل السيف على رأسه * * أبيض عضبا حده مبتر فخر كالجذع وأوداجه * * ينصب منها حلب أحمر وكان أيضا مما جرى له مع سوار، ما حدث به الحرث بن عبيد الله الربعي قال: كنت جالسا في مجلس المنصور وهو بالجسر الاكبر وسوار عنده والسيد ينشده: إن الاله الذي لا شئ يشبهه * * آتاكم الملك للدنيا وللدين اتاكم الله ملكا لا زوال له * * حتى يقاد إليكم صاحب الصين وصاحب الهند مأخوذ برمته * * وصاحب الترك محبوس على هون


[ 94 ]

حتى أتى على القصيدة والمنصور مسرور فقال سوار: هذا والله يا أمير المؤمنين يعطيك بلسانه ما ليس في قلبه، والله إن القوم الذين يدين بحبهم لغيركم وإنه لينطوي في عداوتكم. فقال السيد: والله إنه لكاذب وإنني في مديحك لصادق ولكنه حمله الحسد إذ رآك على هذه الحال، وإن انقطاعي إليكم ومودتي لكم أهل البيت لمعرق فيها عن أبوي وإن هذا وقومه لاعداؤكم في الجاهلية والاسلام، وقد أنزل الله عزوجل على نبيه – عليه وآله السلام – في أهل بيت هذا: * (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون) * (1) فقال المنصور صدقت. فقال سوا يا أمير المؤمنين إنه يقول بالرجعة، ويتناول الشيخين بالسب والوقيعة فيهما، فقال السيد: أما قوله بأني أقول بالرجعة فان قولي في ذلك على ما قال الله تعالى: * (ويوم نحشر من كل امة فوجا ممن يكذب باياتنا فهم يوزعون) * (2) وقد قال في موضع آخر: * (وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا) * (3) فعلمت أن هاهنا حشرين: أحدهما عام والاخر خاص، وقال سبحانه: * (ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل) * (4)، وقال الله تعالى: * (فاماته الله مائة عام ثم بعثه) * (5) وقال الله تعالى: * (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم الوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم) * (6). فهذا كتاب الله عزوجل، وقد قال رسول الله (ص): ” يحشر المتكبرون في صور


(1) – الحجرات / 4. 2 – النمل / 83. 3 – الكهف / 47. 4 – غافر / 11. 5 – البقرة / 259. 6 – البقرة / 243 (*).

[ 95 ]

الذر يوم القيامة “، وقال (ص): ” لم يجر في بني اسرائيل شئ إلا ويكون في امتي مثله حتى المسخ والخسف والقذف “، وقال حذيفة: ” والله ما أبعد أن يمسخ الكثيرا من هذه الامة قردة وخنازير “. فالرجعة التي لانذهب إليها هي ما نطق به القران وجاءت به السنة، وإنني لاعتقد أن الله تعالى يرد هذا – يعني سوارا – إلى الدنيا كلبا، أو قردا أو خنزيرا، أو ذرة، فانه والله متجبر متكبر كافر، قال: فضحك المنصور وأنشد السيد يقول: جاثيت سوارا أبا شملة * * عند الامام الحاكم العادل فقال قولا خطأ كله * * عند الورى الحافي والناعل ماذب عما قلت من وصمة * * في أهله بل لج في الباطل وبان للمنصور صدقي كما * * قد بان كذب الانوك الجاهل يبغض ذا العرش ومن يصطفي * * من رسله بالنير الفاضل ويشنا الحبر الجواد الذي * * فضل بالفضل على الفاضل ويعتدى بالحكم في معشر * * أدوا حقوق الرسل للراسل فبين الله تزاويقه * * فصار مثل الهائم الهائل قال: فقال المنصور كف عنه، فقال السيد: يا أمير المؤمنين البادئ أظلم يكف عني حتى أكف عنه، فقال المنصور لسوار: تكلم بكلام فيه نصفة، كف عنه حتى لا يهجوك.


[ 96 ]

فصل وأخبرني الشيخ أدام الله عزه: مرسلا عن محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني عن سعيد بن جناح عن سليمان بن جعفر قال: قال لي أبو الحسن العسكري: نمت وأنا أفكر في بيت ابن أبي حفصة: أنى يكون وليس ذاك بكائن * * لبني البنات وراثة الاعمام فإذا إنسان يقول لي: قد كان إذ نزل الكتاب بفضله * * ومضى القضاء به من الاحكام إن ابن فاطمة المنوه باسمه * * حاز الوراثة عن بني الاعمام وبقى ابن نثلة واقفا متحيرا * * يبكي ويسعده ذووا الارحام فصل ومن كلام الشيخ أدام الله عزه سئل في مجلس الشريف أبي الحسن أبن القاسم العلوي المحمدي، فقيل له: ما الدليل على أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كان أفضل الصحابة ؟ فقال: الدليل على ذلك قول النبي (ص): (اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر) فجاء أمير المؤمنين – عليه السلام – وقد ئبت أن أحب الخلق إلى الله سبحانه وتعالى أعظمهم ثوابا عند الله وأن أعظم الناس ثوابا لا يكون إلا لانه أشرفهم أعمالا وأكثرهم عبادة لله تعالى، وفي ذلك برهان على فضل أمير المؤمنين – عليه السلام – على الخلق كلهم سوى


[ 97 ]

النبي (ص). فقال له السائل: وما الدليل على صحة هذا الخبر ؟ وما أنكرت أن يكون غير معتمد لانه إنما رواه أنس بن مالك وحده، وأخبار الآحاد ليست بحجة فيما يقطع على الله تعالى بصوابه. فقال الشيخ أدام الله عزه: هذا الخبر وإن كان من أخبار الاحاد على ما ذكرت من أن أنس بن مالك رواه وحده، فإن الامة بأجمعها قد تلقته بالقبول ولم يرووا أن أحدا رده على أنس ولا أنكر صحته عند روايته، فصار الاجماع عليه هو الحجة في صوابه ولم يخل ببرهانه كونه من أخبار الآحاد كما شرحناه. مع أن التواتر قد ورد بأن أمير المؤمنين – عليه السلام – احتج به في مناقبه يوم الدار فقال: أنشدكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله (ص): ” اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر ” فجاء أحد غيري ؟ فقالوا: اللهم لا، فقال اللهم اشهد فاعترف القوم بصحته ولم يك أمير المؤمنين – عليه السلام – بالذي يحتج بباطل لا سيما وهو في مقام المنازعة والتوسل بفضائله إلى أعلى الرتب التي هي الامامة والخلافة للرسول (ص) وإحاطة علمه بأن الحاضرين معه في الشورى يريدون الامر دونه مع قول النبي (ص): ” علي مع الحق والحق مع علي يدور حيثما دار ” وإذا كان الامر على ما وصفناه دل على صحة الخبر حسبما بيناه. فاعترض بعض المجبرة فقال. إن احتجاج الشيعة برواية أنس من أطرف الاشياء، وذلك أنهم يعتقدون تفسيق أنس بل تكفيره، ويقولون: إنه كتم الشهادة في النص حتى دعا عليه أمير المؤمنين – عليه السلام – ببلاء لا تواريه الثياب فبرص على كبر السن فمات وهو أبرص، فكيف يجوز بأن يستشهد برواية الكافرين ؟ فقالت المعتزلة: قد أسقط هذا الكلام الرجل ولم يجعل الحجة في الرواية


[ 98 ]

أنسا وإنما جعلها الاجماع، وهذا الذي أوردته هذيان قد تقدم إبطاله. فقال السائل: هب أنا سلمنا صحة الخبر، ما أنكرت ألا يفيد ما ادعيت من فضل أمير المؤمنين – عليه السلام – على الجماعة، وذلك أن المعنى فيه االلهم ائتني بأحب الخلق إليك ياكل معي من هذا الطائرا يريد أحب الخلق إلى الله عزوجل في الاكل معه دون أن أراد أحب الخلق إليه في نفسه لكثرة أعماله، إذ قد يجوز أن يكون الله سبحانه يحب ألا ياكل مع نبيه من غيره أفضل منه ويكون ذلك أحب إليه للمصلحة. فقال الشيخ أدام الله عزه: هذا الذي اعترضت به ساقط وذلك أن محبة الله تعالى ليست ميل الطباع وإنما هي الثواب كما أن بغضه وغضبه ليسا باهتياج الطباع وإنما هما العقاب. ولفظ ” أفعل ” في أحب وأبغض لا يتوجه إلا إلى معناهما من الثواب والعقاب، ولا معنى على هذا الاصل لقول من زعم أن ” أحب الخلق إلى الله ياكل مع رسول الله (ص) ” توجه إلى محبة الاكل والمبالغة في ذلك بلفظ ” أفعل ” لانه يخرج اللفظ عما ذكرناه من الثواب إلى ميل الطباع، وذلك محال في صفة الله تعالى سبحانه. وشئ اخر وهو أن ظاهر الخطاب يدل على ما ذكرناه دون ما عارضت به أن لو كانت المحبة على غير معنى الثواب، لانه (ص) قال: ” اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر ” وقوله: ” باحب الخلق إليك ” كلام تام، وقوله بعد ه: ” ياكل معي من هذا الطائر ” كلام مستانف لا يفتقر الاول إليه، ولو كان أراد ما ذكرت لقال: ” الهم ائتني باحب خلقك إليك في الاكل معي ” فلما كان اللفظ على خلاف هذا وكان على ما قد ذكرناه لم يجز العدول عن الظاهر إلى محتمل على المجاز وشئ آخر وهو أنه لو تساوى المعنيان في ظاهر الكلام لكان الواجب علينا


[ 99 ]

تحميلهما اللفظ معا دون الاقتصار على أحدهما إلا بالدليل لانه لا يتنافى الجمع بينهما فيكون أراد بقوله: ” أحب خلقك إليك ” في نفسه وللاكل معي، وإذا كان الامر على ما بيناه سقط اعتراضك. وقال رجل من الزيدية كان حاضرا للسائل: هذا الاعراض ساقط على أصلك وأصلنا، لانا نقول جميعا: إن الله عزوجل لا يريد المباح والاكل مع النبي (ص) مباح وليس بفرض ولا نفل فيكون الله عزوجل يحبه فضلا عن أن يكون بعضه أحب إليه من بعض، وهذا السائل من أصحاب أبي هاشم فلذلك أسقط الزيدي كلامه على أصله إذ كان يوافقه في الاصول على مذهب أبي هاشم فخلط السا ئل هنيأة. ثم قال للشيخ أدام الله عزه: فأنا أعترض باعتراض آخر وهو أن أقول: ما أنكرت أن يكون هذا القول إنما أفاد أن عليا – عليه السلام – كان أفضل الخلق في يوم الطائر ولكن بم يدفع أن يكون قد فضله قوم من الصحابة عند الله عز وجل بكثرة الاعمال والمعارف بعد ذلك، وهذا أمر لا يعلم بالعقل وليس معك سمع في نفس الخبر يمنع من ذلك ويدل على أنه – عليه السلام – أفضل الصحابة كلهم إلى وقتنا هذا. فإنا لا نسألك عن فضله عليهم وقتا بعينه. فقال الشيخ أدام الله عزه: هذا السؤال أوهن مما تقدم والجواب عنه أيسر وذلك أن الامة مجمعة على إبطال قول من زعم أن أحدا اكتسب أعمالا زادت على الفضل الذي حصل لامير المؤمنين – عليه السلام – على الجماعة من قبل أنهم بين قا ئلين: فقائل يقول: إن أمير المؤمنين – عليه السلام – كان أفضل من الكل في وقت الرسول (ص) ولم يساوه أحد بعد ذلك وهم الشيعة الامامية والزيدية وجماعة من شيوخ المعتزلة وجماعة من أصحاب الحديث.


[ 100 ]

وقائل يقول. إنه لم يبن لامير المؤمنين في وقت من الاوقات فضل على سائر الصحابة يقطع به على الله عزوجل وتجزم الشهادة بصحته ولا بان لاحد منهم فضل عليه وهم الواقفة في الاربعة من المعتزلة، منهم أبو علي وأبو هاشم وأتبا عهما. وقائل يقول: إن أبا بكر كان أفضل من علي أمير المؤمنين في وقت الرسول (ص) وبعده، وهم جماعة من المعتزلة، وبعض المرجئة وطوائف من أصحاب الحديث. وقائل يقول: إن أمير المؤمنين خرج عن فضله بحوادث كانت منه فساواه غيره وفضل عليه من أجل ذلك من لم يكن له فضل عليه وهم الخوارج وجماعة من المعتزلة، منهم الاصم، والجاحظ. وجماعة من أصحاب الحديث أنكروا قتال أهل القبلة، ولم يقل أحد من الامة إن أمير المؤمنين كان أفضل عند الله سبحانه تعالى من الصحابة كلهم ولم يخرج عن ولاية الله عزوجل ولا أحدث معصية لله تعالى، ثم فضل عليه غيره بعمل زاد به ثوابه على ثوابه ولا جوز ذلك فيكون معتبرا، وإذا بطل الاعتبار به للاتفاق على خلافه سقط، وكان الاجماع حجة يقوم مقام قول التعالى في صحة ما ذهبنا إليه فلم يات بشئ. وذاكرني الشيخ أدام الله عزه في هذه المسالة بعد ذلك فزادني فيها زيادة ألحقتها وهي أن قال: إن الذي يسقط ما اعترض به السائل في تأويل قول النبي (ص): ” اللهم ائتني باحب خلقك إليك، على المحبة للاكل معه دون محبته في نفسه باعظام ثوابه، بعد الذي ذكرناه في إسقاطه، أن الرواية جاءت عن أنس بن مالك أنه قال: لما دعا رسول الله (ص) أن ياتيه الله عزوجل باحب الخلق إليه قلت: اللهم اجعله رجلا من الانصار ليكون لي الفضيلة بذلك، فجاء علي


[ 101 ]

– عليه السلام – فرددته وقلت له: رسول الله على شغل. فمضى ثم عاد ثانية فقال لي: استاذن لي على رسول الله. فقلت له: إنه على شغل فجاء ثالثة فاستاذنت له فدخل فقال له النبي (ص): قد كنت سالت الله تعالى أن ياتيني بك دفعتين ولو أبطات على الثالثة لاقسمت على الله بان ياتيني بك. فلولا أن النبي (ص) سال الله عزوجل أن ياتيه باحب خلقه إليه في نفسه وأعظمهم ثوابا عنده، وكانت هذه من أجل الفضائل لما اثر أنس أن يختص بها قومه، ولولا أن أنسا فهم ذلك من معنى كلام الرسول (ص) لما دافع أمر المؤمنين – عليه السلام – عن الدخول ليكون ذلك الفضل لرجل من الانصار فيحصل له جزء منه. وشئ اخر وهو أنه لو احتمل معنى لا يقتفي الفضيلة لامير المؤمنين – عليه السلام -، لما احتج به أمير المؤمنين – عليه السلام – يوم الدار ولا جعله شاهدا على أنه أفضل من الجماعة، وذلك أنه لو لم يكن الامر على ما وصفناه وكان محتملا لما ظنه المخالفون من أنه سال ربه أن ياتيه باحب الخلق إليه في الاكل معه، لما أمن أمير المؤمنين – عليه السلام – من أن يتعلق بذلك بعض خصومه في الحال أو يشتبه ذلك على إنسان. فلما احتج به أمير المؤمنين – عليه السلام – على القوم واعتمده في البرهان، دل على أنه لم يكن مفهوما منه إلا فضله، وكان إعراض الجماعة أيضا عن دفاعه عن ذلك بتسليم ما ادعاه دليلا على صحة ما ذكرناه. وهذا بعينه يسقط قول من زعم أنه يجوز مع اطلاق النبي (ص) في أمير المؤمنين – عليه السلام – ما يقتضي فضله عند الله تعالى على الكافة، وجود من هو أفضل منه في المستقبل، لانه لو جاز ذلك لما عدل القوم عن الاعتماد عليه ولجعلوه شبهة في منعه مما ادعاه من القطع على نقصانهم عنه في الفضل، وفى عدول القوم عن ذلك دليل على أن القول مفيد باطلاقه فضله – عليه السلام – ومؤمن من بلوغ أحد منزلته في الثواب بشئ من الاعمال، وهذا بين لمن تدبره.


[ 102 ]

فصل ومن كلامه أدام الله عزه أيضا: سئل الشيخ أدام الله حراسته عن معصية داود – عليه السلام – ما كا نت ؟ فقال: فيها جوابان: أحدهما أن الله سبحانه لما جعله خليفة في الارض بقوله: * (يا داود إنا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق) * (1) أراد سبحانه وتعالى أن يهذبه ويؤدبه لامر علمه منه فجعل ذلك بملائكته دون البشر وأهبط عليه الملكين في صورة بشرين، فقالا له: * (خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط * إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب) * (2)، فقال داود – عليه السلام – للمدعي حاكما على المدعى عليه من غير أن يسأل المدعى عليه عن صحة دعوى المدعي * (لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه) * (3). وقد كان الحكم يوجب أن لا يعجل بذلك حتى يسال المدعى عليه فيقول له: ما تقول في هذه الدعوى ؟ فلما عجل بالحكم قبل الاستثبات كان ذلك منه صغيرة ووجب عليه التوبة منها وتبين ذلك في الحال ففعل ما وجب عليه مما وصفناه، قال الله عز وجل * (وظن داود أنما فتناه فاستنغر ربه وخر راكعا وأناب فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن ماب) * (4).


(1) – ص / 26. 2 – ص / 22 – 23. 3 – ص / 24. 4 ص / 24 – 25 (*).

[ 103 ]

والجواب الاخر: حكاه الناصر فأخبر أن داود – عليه السلام – ذكرت له امرأة أوريا ابن حنان فسأله أن ينزل له عنها ليتزوج بها بعد انقضاء عدتها، وكان ذلك مباحا في شرعه، فامتنع عليه أوريا ورغب بامرأته على جزع لحقه من الامتناع عليه ورهبة حصلت له منه. وكانت الخطيئة من داود – عليه السلام – أن طلب ذلك من أوريا بن حنان وهو نبي وملك مطاع وأوريا رعية وتابع، ولو سأل أوريا ذلك مثله من الرعية لما كان بسؤاله مخطئا لانه لم يكن يحدث له عند الامتناع من الجزع والخوف والهلع ما حدث له عند الامتناع من نبيه وملكه ورئيسه داود – عليه السلام -، وهذا الجواب غير بعيد، والله نسأل التوفيق. قال الشيخ أدام الله عزه: فإن قال قائل: أليس قد نطق القرآن بوقوع المعصية من نبي من أنبياء الله سبحانه في حال نبوته، وهذا خلاف مذهبك في ارتفاع المعاصي عن الانبياء كلهم والائمة – عليهم السلام – لانهم على أصلك معصومون من الذنوب والخطأ في الدين. فالجواب: أن الذي أذهب إليه في هذا الباب أنه لا يقع من الانبياء – عليهم السلام – ذنب بترك واجب مفترض، ولا يجوز عليهم خطأ في ذلك ولا سهو يوقعهم فيه وإن جاز منهم ترك نفل ومندوب إليه على غير القصد والتعمد، ومتى وقع ذلك منهم عوجلوا بالتنبيه عليه، فيزولون عنه في أسرع مدة وأقرب زمان. فأما نبينا (ص) خاصة والائمة من ذريته – عليهم السلام – فلم يقع منهم صغيرة بعد النبوة والامامة من ترك واجب ولا مندوب إليه، لفضلهم على من تقدمهم من


[ 104 ]

الحجج – عليهم السلام – وقد نطق القرآن بذلك وقامت الدلائل منه ومن غيره على ذلك للائمة من ذريته – عليهم السلام – قال الله تعالى وقد ذكر معصية آدم – عليه السلام -: * (وعصى ادم ربه فغوى) * (1) فسمى المعصية غواية وذلك حكم كل معصية، إذ كان فاعلها يخيب بفعلها من ثواب تركها، وكانت الغواية هي الخيبة في وجه من الوجوه، وعلى مفهوم اللغة، قال الشاعر ومن يلق خيرا يحمد الناس أمره * * ومن يغو لا يعدم على الغي لائما وقال الله سبحانه في اية الدين عند ذكر الشهود: * (فاستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الاخرى) * (2) يريد لئلا تنسى إحداهما فسمى النسيان ضلالا، وذلك معروف في اللغة، فلما تقرر أن كل معصية غواية وكل نسيان ضلال دل قوله سبحانه وتعالى: * (والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى *) (3) على أنه قد نفى عن نبيه عليه واله السلام المعامي على كل وجه والنسيان من كل وجه، وهذا بين لمن تأمله. قال الشيخ أدام الله عز،. وأقول: إن ترك النفل قد يسمى معصية كما أن فعله قد يسمى طاعة لا سيما إذا وقع ذلك من نبي أو وصي أو صفي فإنهم لمنزلتهم عند الله سبحانه يؤاخذهم بالقليل من الفعل ولا يعذرهم فيه ليؤدبهم بذلك ويهذبهم ويزجرهم عن مثله في المستقبل، ولو وقع من غيرهم، ما كان ليؤاخذهم به ولا يعجل لهم الادب عليه على ما قدمت ذكره.


(1) – طه / 121. (2) – البقرة / 282. (3) – النجم / 1 – 2 (*).

[ 105 ]

فصل ومن كلام الشيخ وحكاياته قال الشيخ أدام الله عزه: قال أبو القاسم الكعبي في كتاب الغرر، إن سأل سائل فقال: من أين أثبت الاجتهاد ؟ قلنا: إنا وجدنا كل مبطل له قد صار فيما أقامه مقامه إلى الاجتهاد في أنه أبطل الاجتهاد وأوجب الوقوف في الحادثة وأوجب الاخذ بقول الامام حسب ما تقول الرافضة – يعني الامامية – قال: فهو على كل حال قد صار إلى الاجتهاد لان إيجابه الوقوف حكم حكم به، وكذلك الاخذ بقول الامام حكم لم ينص الله عليه ولا نص عليه رسوله، فلما كان هؤلاء إنما أبطلوا الاجتهاد من هذه الجهة كانوا مصححين له من حيث لا يشعرون ومثبتين أنه لابد من الاجتهاد. قال الشيخ أدام الله عزه: فيقال له: خبرنا عمن أثبت الاصول عندك من جهة الاجتهاد وأبطل النص فيها ولم يعتمد عليه، وزعم أن الاجتهاد هو طريق إلى العلم بها، أيكون النظر أصلا في إبطال مقاله ؟ أم لا سبيل إلى الرد عليه إلا من جهة التوقيف ؟ فإن قال: لا سبيل إلى كسر مذهبه إلا من جهة التوقيف. قيل له. فقد كان العقل إذن يجيز للناس وضع الشرايع كلها من جهة الاجتهاد، وهذا خلاف مذهبك وما لا نعلم أن أحدا من الفقهاء ولا أهل العلم كافة ركبه، على أن صحة السمع لا يخلو من أن تكون معروفة من جهة النظر أو الخبر، فإن كانت معروفة من جهة الخبر فحكم صحة الخبر كحكمها، وهذا يؤدي إلى ما لا نهاية له، وإن كانت معروفة بالنظر فقد ظفرنا بالبغية في إلزامك ذلك. وإن للقائل الذي قدمنا ذكره أن يستدل على صحة مقاله بمثل استدلالك، فيقول: وجدت كل من أبطل الاجتهاد في استخراج هذه الاحكام يضطره الامر في


[ 106 ]

ذلك إلى الاجتهاد، لانه إن استعمله مبتدئا فيه فضرورته إليه ظاهرة وإن استعمل النص والاحتجاج بالاجماع فإنا نصححها بالاجتهاد فهو مضطر في أصل ما اعتمد عليه إلى الاجتهاد. وهذا نظير ما قلت يا أبا القاسم لمخالفيك في الاجتهاد في الفروع عندك، مع أنها أصول عندهم لا مجال للاجتهاد فيها ولا فصل في ذلك. على انه يقال له: ما أبين غفلتك ! أنت تزعم أن الاجتهاد في الاحكام له حد يمنع من الحكم على الذاهب عنه بالضلال، ومبطلوا الاجتهاد إنما أبطلوه بضرب من النظر والاستدلال حكموا على الذاهب عنه بالضلال، فمن أين صار ما أبطله القوم من الاجتهاد هو الذي به صححوه، وما صححوه هو الذي شهدوا بفساده لولا سهوك عن الحق. واعلم رحمك الله أن الذي يذهب إليه هذا الرجل ومن شاركه في خلافنا في الحكم بالنص ليس هو اجتهاد في الحقيقة، بل هو حدس وترجيم وظن فاسد لا ينتج يقينا ولا يولد علما ولو اعرفنا لهم بانهم مجتهدون لما لمناهم على فعلهم لكنا نعتقد فيهم أنهم مقصرون مفرطون تائهون ضالون، ومن أطلق لفظه بالرد على أهل الاجتهاط في الاحكام فإنما أطلقه مجازا لان القوم قد شهروا أنفسهم بهذه الصفة حتى صارت كالعلم لهم، وإن كانوا بالضد منها فجرت لهم مجرى سمة المهلكة با لمفازة واللديغ بالسليم وعين الشمس بالجونة وما أشبه ذلك، فتأمله ترشد إن شاء الله. قال الشيخ أدام الله عزه: وقد تعلق قوم من ضعفة متفقهة العامة ومن جهال المعتزلة في صحة الاجتهاد والقياس بقول أمير المؤمنين – عليه السلام – ” علمني رسول الله (ص) ألف باب فتح لي كل باب ألف باب “. فيقال لهم: وهل أصول الشريعة كلها ألف أصل وفروعها ألف ألف وذلك نهايتها وهي محصورة بهذا العدد لا أقل منه ولا أكثر ؟ فإن زعموا ذلك قالوا قولا مرغوبا عنه


[ 107 ]

وقيل لهم: أرونا أصلا واحدا له ألف فرع، وقد ظهرت حجتكم وهذا ما تعجزون عنه، وإن قالوا: ليست الاصول ألفا على التحرير وليس فيها مائة ألف فرع، أبطلوا استدلالهم، فإن قالوا: فما وجه قول أمير المؤمنين – عليه السلام – وما تأويله ؟ قيل لهم: يحتمل وجوها: منها أن المعلم له الابواب وهو رسول الله (ص) فتح له بكل باب منها ألف باب ووقفه على ذلك. ومنها أن علمه بكل باب أوجب فكره فيه فبعثه الفكر على المسالة عن شعبه ومتعلقاته فاستفاد بالفكر فيه علم ألف باب بالبحث عن كل باب منها ومثل هذا معنى قول النبي (ص): ” من عمل بما يعلم ورثه الله علم ما لم يعلم). ومنها أنه نص له على علامات تكون عندها حوادث كل حادثة يدل على حادثة إلى أن ينتهى إلى ألف حادثة فلما عرف الالف علامة عرف بكل علامة منها ألف علامة، والذي يقرب هذا من الصواب أنه – عليه السلام – أخبرنا بامور تكون قبل كونها ثم قال – عليه السلام – عقيب إخباره بذلك. ” علمني رسول الله ألف باب فتح لي كل باب ألف باب “. وقال بعض الشيعة: إن معنى هذا القول أن النبي نص له على صفة ما فيه الحكم على الجملة دون التفصيل كقوله: ” يحرم من الرضاع ما يحرم بالنسب ” وكان هذا بابا استفيد منه تحريم الاخت من الرضاعة والام والخالة والعمة وبنت الاخ وبنت الاخت، وكقول الصادق. – عليه السلام -: ” الربا في كل مكيل وموزون ” فاستفيد بذلك الحكم في أصناف المكيلات والموزونات كلها. وكقوله – عليه السلام – يحل من الطير ما يدف، ويحرم منه ما يصف، ويحل من البيض ما اختلف طرفاه، ويحرم منه ما اتفق طرفاه، ويحل من السمك ما كان له فلوس، ويحرم منه ما ليس له فلوس، وما أشبه ذلك. والاجوبة الاولة هي لي خاصة وأنا اعتمدتها.


[ 108 ]

فصل ومن كلام الشيخ أدام الله عزه سئل عن قول الله عزوجل: * (وإن يوما عند ربك كالف سنة مما تعدون) * (1) وقوله في موضع اخر: * (تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة * فاصبر صبرا جميلا) * (2) وقوله تعالى في موضع اخر * (يدبر الامر من السماء إلى الارض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون) * (3) وما الوجه في هذه الايات مع اختلاف ظواهرها ؟ فقال الشيخ أدام الله عز: أما معنى الاولة والثانية فإنه تحمل على التعظيم لامر الاخرة والاخبار عن شدته وأهواله، فاليوم الواحد من أيامها على أهل العذاب كالف سنة من سني الدنيا لشدته وعظم بلائه وما يحل بالكافرين فيه من انواع العذاب. واليوم الذي مقداره خمسون ألف سنة فهو يوم المحشر وإنما طال على الكافرين حتى صار قدره عندهم ذلك لما يشاهدون فيه من شدة الحساب وعذاب جهنم وصعوبته، والممر على الصراط، والمعاينة للسعير وإسماعهم زفرات النار وصوت سلاسلها وأغلالها، وصياح خزنتها، ورؤيتهم لاستطارة شررها. ألا ترى إلى قوله تعالى: * (إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبأ) * (4) وقد وصف الله عزوجل ذلك اليوم وقال: * (إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما


(1) – الحج / 47. (2) – المعارج / 4 – 5 (3) – السجدة / 5. (4) – المعارج / 6 (*).

[ 109 ]

ثقيلا) * وقال تعالى: * (يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد) * (2) وقال تعالى: * (يوم يفر المرء من أخيه وامه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه) * (3) وهذا الذي ذكرناه معروف في اللسان يقول القائل ” كانت ليلتي البارحة شهرا ” وقال امرؤ القيس: ألا أيها الليل الطويل الا انجل * * بصبح وما الا صباح منك بأمثل فيالك من ليل كأن نجومه * * بكل مغارالفتل شدت بيذبل والليل لم يطل في نفسه ولكن طال عليه لما قاسى فيه من الهم والسهر، والعرب تقول ليوم الشر ” هذا يوم أطول من عمر النسر “. وأما قوله عزوجل: * (يدبر الامر من السماء إلى الارض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون) * فالمعنى فيه على ما ذكر أنه يعرج في يوم مقداره لو رام بشر قطعه، لما قطعه إلا في ألف سنة، وإذا كان الامر على ما بيناه لم يكن بين المعاني تفاوت على ما وصفناه.


(1) – الانسان / 27. (2) – الحج / 2. (3) عبس / 34 – 37 (*).

[ 110 ]

فصل ومن حكايات الشيخ أدام الله عزه، وكلامه في الغيبة قال. قال لي شيخ من حذاق المعتزلة وأهل التدين بمذهبه منهم: أريد إن أسالك عن مسالة كانت خطرت ببالي وسالت عنها جماعة ممن لقيت من متكلمي الامامية بخراسان وفارس والعراق فلم يجيبوا فيها بجواب مقنع. فقلت: سل على اسم الله إن شئت. فقال: خبرني عن الامام الغائب عندكم أهو في تقية منك كما هو في تقية من أعدائه ؟ أم هو في تقية من أعدائه خاصة ؟ فقلت له: الامام عندي في تقية من أعدائه لا محالة وهو أيضا في تقية من كثير من الجاهلين به ممن لا يعرفه ولا سمع به فيعاديه أو يواليه، هذا على غالب الظن والعرف، ولست أنكر أن يكون في تقية من جماعة ممن يعتقد إمامته الان، فاما أنا فانه لا تقية عليه مني بعد معرفته بي على حقيقة المعرفة والحمد لله. فقال: هذا والله جواب طريف لم أسمعه من أحد قبلك، فاحب أن تفصل لي وجوهه وكيف صار في تقية ممن لا يعرفه وفي تقية من جماعة تعتقد إمامته الان وليس هو في تقية منك إذ عرفك ؟ فقلت له: أما تقيته من أعدائه فلا حاجة لي إلى الكلام فيها لظهور ذلك وأما تقيته ممن لا يعرفه فإنما قلت ذلك على غالب الظن وظاهر الحال وذلك أنه ليس يبعد أن لو ظهر لهم لكانوا بين امور، إما أن يسفكوا دمه بانفسهم لينالوا


[ 111 ]

بذلك المنزلة عند المتغلب على الزمان ويحوزوا به المال والرياسة، أو يسعوا به إلى من يحل هذا الفعل به أو يقبضوا عليه ويسلموه إليه فيكون في ذلك عطبه وفي عطبه وهلاكه عظيم الفساد. وإنما غلب في الظن ذلك لان الجاهل لحقه ليس يكون معه المعرفة التي تمنعه من السعي على دمه ولا يعتقد في الكف عنه ما يعتقده المتدين بولايته وهو يرى الدنيا مقبلة إلى من أوقع الضرر به فلم يبعد منه ما وصفناه بل قرب وبعد منه خلافه. وأما وجه تقيته من بعض من يعتقد إمامته الان، فان المعتقدين بذلك ليسوا بمعصومين من الغلط ولا مامونا عليهم الخطا بل ليس مامونا عليهم العناد والارتداد، فلا ينكر أن يكون المعلوم منهم أنه لو ظهر لهم الامام – عليه السلام – أو عرفوا مكانه أن تدعوهم دواعي الشيطان إلى الاغراء به والسعي عليه والاخبار بمكانه طمعا في العاجلة ورغبة فيها وإيثارا لها على الاجلة كما دعت دواعي الشيطان امم الانبياء إلى الارتداد عن شرايعهم حتى غيرها جماعة منهم وبدلها أكثرهم، وكما عاند قوم موسى نبيهم وإمامهم هارون وارتدوا عن شرعه الذي جاء به هو وأخوه موسى – عليهما السلام – واتبعوا السامري، فلم يلتفتوا إلى أمر هارون ونهيه ولا فكروا في وعظه وزجره وإذا كان ذلك على ما وصفت، لم ينكر أن تكون هذه حال جماعة من منتحلي الحق في هذا الزمان لارتفاع العصمة عنهم. وأما حكمي لنفسي فانه ليس يختصني لانه يعم كل من شاركني في المعنى الذي من أجله حكمت وإنما خصصت نفسي بالذكر لانني لا أعرف غيري عينا على اليقين مشاركا لي في الباطن فادخله معي في الذكر. والمعنى الذي من أجله نفيت أن يكون صاحب الامر – عليه السلام – متقيا مني


[ 112 ]

عند المعرفة بحالي لانني أعلم أني عارف بالله عزوجل وبرسوله (ص) وبالائمة – عليهم السلام -، وهذه المعرفة تمنعني من إيقاع كفر غير مغفور والسعي على دم الامام – عليه السلام -، بل إخافته عندي كفر غير مغفور. وإذا كنت على ثقة تعصمني من ذلك لما أذهب إليه في الموافاة، فقد أمنت أن يكون الامام في تقية مني أو ممن شاركني فيما وصفت من اخواني، وإذا تحقق امورنا على ما ذكرت فلا يكون في تقية مني بعد معرفته أني على حقيقة المعرفة إذ التقية إنما هي الخوف على النفس والاخافة للامام لا تقع من عارف بالله عزوجل على ما قدمت. فقال: فكأنك إنما جوزت تقية الامام من أهل النفاق من الشيعة، فأما المعتقدون للتشيع ظاهرا وباطنا فحالهم كحالك وهذا يؤدي إلى المناقضة لان المنافق ليس بمعتقد للتشيع في الحقيقة، وأنت قد أجزت ذلك على بعض الشيعة في الحقيقة فكيف يكون هذا ؟ فقلت له: ليس الامر كما ظننت، وذلك أن جماعة من معتقدي التشيع عندي غير عارفين في الحقيقة وإنما يعتقدون الديانة على ظاهر القول بالتقليد والاسترسال دون النظر في الادلة والعمل على الحجة، ومن كان بهذه المنزلة لم يحصل له الثواب الدائم المستحق للمعرفة المانع بدلالة الخبر به عن إيقاع كفر من صاحبه فيستحق به الخلود في الجحيم فتأمل ذلك. قال: فقد اعترض الان هاهنا سؤال في غير الغيبة أحتاج إلى معرفة جوابك عنه ئم أرجع إلى المسألة في الغيبة، خبرني عن هؤلاء المقلدين من الشيعة الامامية أنهم كفار يستحقون الخلود بالنار ؟ فإن قلت ذلك فليس في الجنة من الشيعة الامامية إذا غيرك لانا لا نعرف أحدا منهم على تحقيق النظر سواك بل إن كان، فيهم فلعلهم لا يكونون عشرين نفسا في الدنيا كلها، وهذا ما أظنك تذهب إليه،


[ 113 ]

وإن قلت إنهم ليسوا بكفار وهم يعتقدون التشيع ظاهرا وباطنا فهم مثلك وهذا مبطل لما قدمت. فقلت له: لست أقول إن جميع المقلدة كفار لان فيهم جماعة لم يكلفوا المعرفة ولا النظر في الادلة لنقصان عقولهم عن الحد الذي به يجب تكليف ذلك، وإن كانوا مكلفين عندي للقول والعمل، وهذا مذهبي في جماعة من أهل السواد والنواحي الغامضة والبوادي والاعراب والعجم والعامة، فهؤلاء إذا قالوا وعملوا كان ثوابهم على ذلك كعوض الاطفال والبهائم وإلمجانين وكان ما يقع منهم من عصيان يستحقون عليه العقاب في الدنيا وفي يوم المآب طول زمان الحساب أو في النار أحقابا، ثم يخرجون إلى محل الثواب. وجماعة من المقلدة عندي كفار لان فيهم من القوة على الاستدلال ما يصلون به إلى المعارف فماذا انصرفوا عن النظر في طرقها فقد استحقوا الخلود في النار فاما قولك إنه ليس في الدنيا أحد من الشيعة ينظر حق النظر إلا عشرون نفسا أو نحوهم فانه لو كنت صادقا في هذا المقال ما منع أن يكون جمهور الشيعة عارفين لان طرق المعرفة قريبة يصل إليها كل من استعمل عقله وإن لم يكن يتمكن من العبارة عن ذلك ويسهل عليه الجدل ويكون من أهل التحقيق في النظر وليس عدم الحذق في الجدل وإحاطة العلم بحدوده والمعرفة بغوامض الكلام ودقيقه ولطيف القول في المسألة، دليلا على الجهل بالله عزوجل. فقال: ليس أرى أن أصل معك الكلام في هذا الباب الآن لان الغرض هو القول في الغيبة ولكن لما تعلقت بمذهب غريب أحببت أن أقف عليه وأنا أعود إلى مسالتي الاولى واكلمك في هذا المذهب بعد هذا يوما اخر أخبرني الان إذا لم يكن الامام في تقية منك فما باله لا يظهر لك فيعرفك نفسه بالمشاهدة ويريك معجزة ويبين لك كثيرا من المشكلات ويؤنسك بقربه ويعظم قدرك بقصده


[ 114 ]

ويشرفك بمكانه إذا كان قد أمن منك الاغراء به وتيقن ولايتك له ظاهرة وباطنة ؟ فقلت له: أول ما في هذا الباب أنني لا أقول لك إن الامام – عليه السلام – يعلم السرائر وإنه مما لا يخفى عليه الضمائر فتكون قد أخذت رهني بانه يعلم مني ما أعرفه من نفسي، وإذا لم يكن ذلك مذهبي وكنت أقول إنه يعلم الظواهر كما يعلم البشر وإن علم باطنا فبإعلام الله عزوجل له خاصة على لسان نبيه – عليه السلام – بما أودعه آباؤه – عليهم السلام – من النصوص على ذلك أو با لمنام الذي يصدق ولا يخلف أبدا أو بسبب أذكره غير هذا، فقد سقط سؤالك من أصله لان الامام إذا فقد علم ذلك من جهة الله عزوجل أجاز علي ما يجيزه على غيري ممن ذكرت فاوجبت الحكمة تقيته مني وإنما تقيته مني على الشرط الذي ذكرت آنفا ولم أقطع على حصوله لا محالة، ولم أقل إن الله عزوجل قد أطلع الامام على باطني وعرفه حقيقة حالي قطعا فتفرغ الكلام عليه. على أنني لو قطعت على ذلك لكان لترك ظهوره لي وتعرفه إلي وجه واضح غير التقية، وهو أنه – عليه السلام – قد علم أنني وجميع من شاركني في المعرفة نزول عن معرفته ولا نرجع عن إعتقاد إمامته ولا نرتاب في أمره ما دام غائبا، وعلم أن اعتقادنا ذلك من جهة الاستدلال، ومع عدم ظهوره لحواسنا أصلح لنا في تعاظم الثواب وعلو المنزلة باكتساب الاعمال، إذ كان ما يقع من العمل بالمشاق الشديدة أعظم ثوابا مما يقع بالسهولة مع الراحة، فلما علم – عليه السلام – ذلك من حالنا، وجب عليه الاستتار عنا لنصل إلى معرفته وطاعته على حد يكسبنا من المثوبة أكثر مما يكسبنا العلم به والطاعة له مع المشاهدة وارتفاع الشبهة التي تكون في حال الغيبة والخواطر، وهذا ضد ما ظننت. مع أن أصلك في اللطف يؤيد ما ذكرناه ويوجب ذلك وإن علم أن الكفر يكون مع الغيبة والايمان مع الظهور لانك تقول: إنه لا يجب على الله تعالى فعل


[ 115 ]

اللطف الذي يعلم أن العبد إن فعل الطاعة مع عدمه كانت أشرف منها إذا فعلها معه، فكذلك يمنع الامام من الظهور إذا علم أن الطاعة للامام تكون عند غيبته أشرف منها عند ظهوره وليس يكفر القوم به في كلا الحالين وهذا بين لا إشكال فلما ورد عليه الجواب سكت هنيئة، ثم قال: هذا لعمري جواب يستمر على الاصول التي ذكرتها والحق أولى ما استعمل. فقلت له: أنا اجيبك بعد هذا الجواب بجواب اخر أظنه مما قد سمعته لانظر كلامك عليه. فقال: هات ذلك فإني أحب أن أستوفي ما في هذه المسالة، فقلت له: إن قلت إن الامام في تقية مني وفي تقية ممن خالفني ما يكون كلامك عليه ؟ قال: أفتطلق أنه في تقية منك كما هو في تقية ممن خالفك ؟ قلت: لا. قال: فما الفرق بين القولين ؟ قلت: الفرق بينهما أنني إذا قلت إنه في تقية مني كما هو في تقية ممن خالفني، أوهمت أن خوفه مني على حد خوفه من عدوه وأن الذي يحذره مني هو الذي يحذره منه أو مثله في القبح، فإذا قلت: إنه يتقي مني وممن خالفني ارتفع هذا الايهام، قال: فمن أي وجه اتقى منك ؟ ومن أي وجه اتقى من عدوه ؟ فصل لي الامرين حتى أعرفهما. فقلت له: تقيته من عدوه هي لاجل خوفه من ظلمه له وقصده الاضرار به وحذره من سعيه على دمه، وتقيته مني لاجل خوفه من إذاعتي على سبيل السهو أو للتجمل والتشرف بمعرفته بالمشاهدة، أو على التقية مني بمن أوعزه إليه من إخواني في الظاهر فيعقبه ذلك ضررا عليه فبان الفرق بين الامرين. فقال. ما أنكرت أن يكون هذا يوجب ا لمساواة بينك وبين عدوه، لانه ليس يثق بك كما لا يثق بعدوه، فقلت له: قد بينت الفرق وأوضحته وهذا سؤال بين


[ 116 ]

قد سلف جوابه وتكراره لا فائدة فيه على أنني أقلبه عليك فأقول لك: أليس قد هرب رسول الله (ص) من أعدائه واستتر عنهم في الغار خوفا على نفسه منهم، قال: بلى، قلت له: فهل عرف عمر بن الخطاب حال هربه ومستقره ومكانه كما عرف ذلك أبو بكر لكونه معه ؟ قال: لا أدري، قلت: فهب عرف عمر ذلك، أعرف ذلك جميع أصحابه والمؤمنين به ؟ قال: لا قلت: فأي فرق كان بين أصحابه الذين لم يعلموا بهربه ولا عرفوا بمكانه وبين أعدائه الذين هرب منهم و هلا أبانهم من المشركين بإيقافهم على أمره، ولم ستر ذلك عنهم كما ستره عن أعدائه ؟ وما أنكرت أن يكون لا فرق بين أوليائه وأعدائه وأن يكون قد سوى بينهم في الخوف منهم والتقية وإلا فما الفصل بين الامرين، فلم يات بشئ اكثر من أنه جعل يؤمي إلى معتمدي في الفرق بينما ألزم ولم يات به على وجهه وعلم من نفسه العجز عن ذلك. قال الشريف أبو القاسم علي بن الحسين الموسوي: واستزدت الشيخ أدام الله عزه على هذا الفصل من هذا المجلس حيث اعتل بان غيبة الامام – عليه السلام – عن اوليائه إنما هي لطف لهم في وقوع الطاعة منهم على وجه يكون به أشرف منها عند مشاهدته، فقلت له: فكيف يكون حال هؤلاء الاولياء عند ظهوره – عليه السلام -، أليس يجب أن يكون القديم تعالى قد منعهم اللطف في شرف طاعاتهم وزيادة ثوابهم ؟ فقال الشيخ أدام الله عزه: ليس في ذلك منع لهم من اللطف على ما ذكرت من قبل أنه لا ينكر أن يعلم السبحانه وتعالى منهم أنه لو أدام ستره عنهم وإباحة الغيبة في ذلك الزمان بدلا من الظهور، لفسق هؤلاء الاولياء فسقا يستحقون به من العقاب ما لا يفي أضعاف ما يفوتهم من الثواب فأظهره سبحانه


[ 117 ]

لهذه العلة، وكان ما يقتطعهم به عنه من العذاب، أرد عليهم وأنفع لهم مما كانوا يكتسبونه من فضل الثواب على ما تقدم به الكلام. قال الشيخ أيده الله: ووجه آخر وهو أنه لا يستحيل أن يكون الله تعالى قد علم من حال كثير من أعداء الامام – عليه السلام – أنهم يؤمنون عند ظهوره ويعترفون بالحق عند مشاهدته ويسلمون له الامر وأنه إن لم يظهر في ذلك الزمان أقاموا على كفرهم وازدادوا طغيانا بزيادة الشبهة عليهم فوجب في حكمته تعالى إظهاره لعموم الصلاح. ولو أباحه الغيبة لكان قد خص بالصلاح ومنع من اللطف في ترك الكفر، وليس يجوز على مذهبنا في الاصلح أن يخص التعالى بالصلاح، ولا يجوز أيضا أن يفعل لطفا في اكتساب بعض خلقه منافع تزيد على منافعه إذ كان في فعل ذلك اللطف، رفع لطفه لجماعة في ترك القبح والانصراف عن الكفر به سبحانه والاستخفاف بحقوق أوليائه – عليهم السلام -، لان الاصل والمدار على إنقاذ العباد من المهالك، وزجرهم من القبائح، وليس الغرض زيادتهم في المنافع خاصة إذ كان الاقتطاع بالالطاف عما يوجب دوام العقاب أولى من فعل اللطف فيما يستزاد به من الثواب لانه ليس يجب على الله تعالى أن يفعل بعبده ما يصل معه إلى نفع يمنعه من أضعافه من النفع. وكذلك لا يجب عليه أن يفعل اللطف له في النفع بما يمنع غيره من أضاف ذلك النفع، وهو إذا سلبه هذا اللطف لم يستدرجه به إلى فعل القبيح، ومتى فعله حال بين غيره وبين منافعه ومنعه من لطف ما بنصرف به عن القبيح، وإذا كان الامر على ما بيناه كان هذان الفصلان يسقطان هذه الزيادة.


[ 118 ]

فصل ومن حكايات الشيخ أدام الله عزه، قال: سئل أبو محمد الفضل بن شاذان النيشابوري رحمه الله قيل له: ما الدليل على إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ؟ فقال: الدليل على ذلك من كتاب الله عزوجل ومن سنة نبيه (ص) ومن إجماع المسلمين، فاما كتاب الله سبحانه وتعالى قوله عزوجل: * (يا أيها الذين امنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الامر منكم) * (1) فدعانا سبحانه وتعالى إلى إطاعة اولي الامر كما دعانا إلى طاعه نفسه وطاعة رسوله (ص) فاحتجنا إلى معرفة اولي الامر كما وجبت علينا معرفة الله ومعرفة رسوله (ص)، فنظرنا في أقاويل الامة فوجدناهم قد اختلفوا في اولي الامر وأجمعوا في الاية على ما يوجب كونها في علي بن أبي طالب – عليه السلام -. فقال بعضهم: اولوا الامر هم امراء السرايا، وقال بعضهم: هم العلماء، وقال بعضهم: هم القوام على الناس، والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر وقال بعضهم: هم علي بن أبي طالب والائمة من ذريته – عليهم السلام -، فسالنا الفرقة الاولى فقلنا لهم: أليس علي بن أبي طالب من امراء السرايا ؟ فقالوا: بلى فقلنا للثانية: ألم يكن علي – عليه السلام – من العلماء ؟ قالوا: بلى. وقلنا للثالثة: أليس علي – عليه السلام – قد كان من القوام على الناس بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟ فقالوا: بلى، فصار أمير المؤمنين – عليه السلام – معنيا بالاية باتفاق الامة وإجماعها، وتيقنا ذلك باقرار المخالف لنا في إمامته – عليه السلام – والموافق عليها، فوجب أن يكون


(1) – النساء / 59 (*).

[ 119 ]

إماما بهذه الآية لوجود الاتفاق على أنه معني بها، ولم يجب العدول إلى غيره والاعتراف بامامته لوجود الاختلاف في ذلك، وعدم الاتفاق وما يقوم مقامه في البرهان. وأما السنة: فانا وجدنا النبي (ص) استقضى عليا – عليه السلام – على اليمن وأمره على الجيوش وولاه الاموال وأمره بادائها إلى بني جذيمة الذين قتلهم خالد بن الوليد ظلما واختاره – عليه السلام – لاداء رسالات الله عزوجل والابلاغ عنه في سورة البراءة، واستخلفه عند غيبته على من خلف ولم نجد النبي (ص) سن هذه السنن في غيره ولا اجتمعت هذه السنن في أحد بعد النبي (ص) كما اجتمعت في علي – عليه السلام -، وسنة رسول الله (ص) بعد موته واجبة كوجوبها في حياته، وإنما تحتاج الامة إلى الامام لهذه الخصال التي ذكرناها فإذا وجدناها في رجل قد سنها الرسول (ص) فيه كان أولى بالامامة ممن لم يسن النبي (ص) فيه شيئا من ذلك. وأما الاجماع فان إمامته تثبت من جهته من وجوه: منها أنهم قد أجمعوا جميعا على أن عليا – عليه السلام – قد كان إماما ولو يوما واحدا، ولم يختلف في ذلك أصناف أهل الملة ثم اختلفوا، فقالت طائفة: كان إماما في وقت كذا دون وقت كذا، وقالت طائفة: كان إماما بعد النبي (ص) في جميع أوقاته ولم تجتمع الامة على غيره أنه كان إماما في الحقيقة طرفة عين، والاجماع أحق أن يتبع من الخلاف. ومنها أنهم أجمعوا جميعا على أن عليا – عليه السلام – كان يصلح للامامة وأن الامامة تصلح لبني هاشم، واختلفوا في غيره، وقالت طائفة: لم تكن تصلح لغير علي بن أي طالب – عليه السلام -، ولا تصلح لغير بني هاشم والاجماع حق لا شبهة فيه، والاختلاف لا حجة فيه.


[ 120 ]

ومنها أنهم أجمعوا على أن عليا – عليه السلام – كان بعد النبي (ص) ظاهر العدالة واجبة له الولاية، ثم اختلفوا فقال قوم: إنه كان مع ذلك معصوما من الكبائر والضلال، وقال آخرون: لم يك معصوما ولكن كان عدلا برا تقيا على الظاهر لا يشوب ظاهره الشوائب فحصل الاجماع على عدالته، واختلفوا في نفي العصمة عنه، ثم أجمعوا كلهم جميعا على أن أبا بكر لم يك معصوما واختلفوا في عدالته، فقالت طائفة: كان عدلا وقالت اخرى: لم يكن عدلا لانه أخذ ما ليس له، فمن أجمعوا على عدالته واختلفوا في عصمته أولى بالامامة ممن اختلفوا في عدالته وأجمعوا على نفي العصمة عنه. فصل ومن حكايات الشيخ أدام الله عزه، وكلامه. حضر الشيخ مجلس أبي منصور ابن المرزبان وكان بالحضرة جماعة من متكلمي المعتزلة فجرى كلام وخوض في شجاعة الامام، وهل ذلك شرط يجب في الامامة أم لا يجب ؟ ومضى فيه طرف على سبيل المذاكرة، فقال أبو بكر بن صرايا: عندي أن أبا بكر الصديق كان من شجعان العرب ومتقدميهم في الشجاعة. فقال له الشيخ أدام الله عزه: من أين حصل ذلك عندك وباي وجه عرفته ؟ فقال: الدليل على ذلك أنه رأى قتال أهل الردة وحده في نفر معه وخالفه على رأيه في ذلك جمهور الصحابة وتقاعدوا عن نصرته، فقال: أما والله لو منعوني عقالا لقاتلتهم، ولم يستوحش من اعتزال القوم له ولا ضعف ذلك نفسه ولا منعه من التصميم على حربهم، فلولا أنه كان من الشجاعة على حد يقصر الشجعان عنه لما أظهر هذا القول عند خذلان القوم له.


[ 121 ]

فقال له الشيخ أيده الله: ما أنكرت على من قال لك إنك لم تلجأ إلى معتمد عليه في هذا الباب وذلك أن الشجاعة لا تعرف بالحس لصاحبها فقط ولا بإدعائها، وإنما هي شئ في الطبع يمده الاكتساب، والطريق إليها أحد أمرين: إما الخبر عنها من جهة علام الغيوب المطلع على الضمائر فيعلم خلقه حال الشجاع وإن لم يبد منه فعل يستدل به عليها، والوجه الاخر أن يظهر منه أفعال يعلم بها حاله كمبارزة الاقران ومقاومة الشجعان ومنازلة الابطال والصبر عند اللقاء وترك الفرار عند تحقق القتال، ولا يعلم ذلك ايضا بأول وهلة ولا بواحدة من الفعل حتى يتكرر ذلك على حد يتميز به صاحبه ممن حصل له ذلك اتفاقا أو على سبيل الهوج والجهل بالتدبير. وإذا كان الخبر من الله سبحانه وتعالى بشجاعة أبي بكر معدوما، وكان هذا الفعل الدال على الشجاعة غير موجود للرجل فكيف يجوز لعاقل أن يدعي له الشجاعة بقول قاله هو ليس من دلالتها في شئ عند أحد من أهل النظر والتحصيل لا سيما ودلائل جبنه وهلعه وخوفه وضعفه أظهر من أن يحتاج فيها إلى التأمل. وذلك أنه لم يبارز قط قرنا ولا قاوم بطلا ولا سفك بيده دما، وقد شهد مع رسول الله (ص) مشاهده فكان لكل واحد من الصحابة أثر في الجهاد إلا له، وفر في يوم احد، وانهزم في يوم خيبر، وولى الدبر يوم التقى الجمعان، وأسلم رسول الله (ص) في هذه المواطن مع ما كتب الله تعالى عليه الجهاد، فكيف تجتمع دلائل الجبن ودلائل الشجاعة لرجل واحد في وقت واحد لولا أن العصبية تميل بالعبد إلى الهوى. وقال له رجل من طياب الشيعة وكان حاضرا: عافاك الله أي دليل هذا


[ 122 ]

وكيف يعتمد عليه وأنت تعلم أن الانسان قد يغضب فيقول: لو سامني هذا السلطان لهذا الامر ما قبلته، وإن عندنا لشيخا ضعيف الجسم ظاهر الجبن يصلي بنا في مسجدنا فلا يحدث أمر يضجره وينكره إلا قال: والله لاصبرن على هذا أو لاجاهدن فيه ولو اجتمعت علي ربيعة ومضر. فقال: ليس الدلائل على الشجاعة ما ذكرت دون غيره، والذي اعتمدنا عليه يدل كما يدل العقل والخبز ووجه الدلالة منه أن أبا بكر باتفاق لم يكن مؤوف العقل ولا غبيا ولا ناقصا بل كان بالاجماع من العقلاء، وكان بالاتفاق جيد الاراء، فلولا أنه كان واثقا من نفسه عالما بصبره وشجاعته لما قال هذا القول بحضرة المهاجرين والانصار وهو لا يامن أن يقوم القوم على خلافه فيخذلونه ويتاخرون عنه ويعجز هو لجبنه أن لو كان الامر على ما ادعيتموه عليه، فيظهر منه الخلف في قوله وليس يقع هذا من عاقل حكيم، فلما ثبتت حكمة أبي بكر دل مقاله الذي حكيناه على شجاعته كما وصفناه. فقال له الشيخ أدام الله عزه: ليس تسليمنا لعقل أبي بكر وجودة رأيه تسليما لما ادعيت من شجاعته كما رويت عنه من القول ولا يوجب ذلك في عرف ولا عقل ولا سنة ولا كتاب، وذلك أنه لو كان على ما ذكرت من الحكمة فليس بممتنع أن ياتي بهذا القول مع جبنه وخوفه وهلعه ليشجع أصحابه ويحض المتأخرين عنه على نصرته، ويحثهم على جهاد عدوه ويقوي عزمهم على معونته، ويصرفهم عن رأيهم في خذلانه. وهكذا يصنع الحكماء في تدبيراتهم فيظهرون فن الصبر ما ليس عندهم ومن الشجاعة ما ليس في طبائعهم حتى يمتحنوا الامر وينظروا عواقبه، فان استجاب المتأخرون عنهم ونصرهم الخاذلون لهم، وكلوا الحرب إليهم وعلقوا


[ 123 ]

الكلفة بهم، وإن أقاموا على الخذلان واتفقوا على ترك النصرة لهم والعدول من معونتهم، أظهروا من الرأي خلاف ما سلف وقالوا: قد كانت الحال موجبة للقتال وكان عزمنا على ذلك تاما، فلما رأينا أشياعنا وعامة أتباعنا يكرهون ذلك، أوجبت الضرورة إعفاءهم عما يكرهون والتدبير لهم بما يؤثرون، وهذا أمر قد جرت به عادة الرؤساء في كل زمان ولم يك تنقلهم من رأي إلى رأي مسقطا لاقدارهم عند الانام. فلا ينكر أن يكون أبو بكر إنما أظهر التصميم على الحرب لحث القوم على موافقته في ذلك ولم يبدلهم جزعه لئلا يزيد ذلك في فشلهم ويقوى به رأيهم، واعتمد على أنهم إن صاروا إلى أمره، ونفع هذا التدبير في تمام غرضه فقد بلغ المراد، وإن لم ينجع ذلك عدل عن الرأي الاول كما وصفناه من حال الرؤساء في تدبيراتهم. على أن أبا بكر لم يقسم بالله في قتال أهل الردة بنفسه، وإنما أقسم في قتالهم بانصاره الذين اتبعوه على رأيه، وليس في يمينه بالله لينفذن خالدا وأصحابه ليصلوا بالحرب، دليل على شجاعته في نفسه. وشئ اخر وهو أن أبا بكر قال هذا القول عند غضبه لمباينة القوم له ولا خلاف بين ذوي العقول أن الغضبان قد يعتريه عند غضبه من هيجان الطباغ ما يفسد عليه رأيه حتى يقدم من القول على ما لا يفي به عند سكون نفسه ويعمل من الاعمال ما يندم عليه عند زوال الغضب عنه ولا يكون في وقوع ذلك منه دليل على فساد عقله ووجوب إخراجه عن جملة أهل التدبير وقد صرح الرجل بذلك في خطبته المشهورة عنه التي لا يختلف فيها اثنان، وأصحابه خاصة يقولون بها ويجعلونها من مفاخره حيث يقول: ” إن رسول الله خرج من الدنيا وليس أحد من الامة يطالبه بضربة سوط فما فوق، وكان عليه وآله


[ 124 ]

السلام معصوما عن الخطا تأتيه الملائكة بالوحي فلا تكلفوني ما كنتم تكلفونه فإن لي شيطانا يعتريني عند غضبي فإذا رأيتموني مغضبا فاجتنبوني لا اؤثر في أشعاركم وابشاركم “. فقد أعذر هذا الرجل إلى القوم وأنذرهم فيما ياتيه عند غضبه من قول وفعل ودلهم على الحال فيه، فلذلك آمن من نكير المهاجرين والانصار عليه مقاله عند غضبه، مع إحاطة العلم منهم بما لحقه في الحال من خلاف المخالفين عليه حتى بعثه على ذلك المقال فلم يأت بشئ. فصل ومن كلام الشيخ أدام الله عزه أيضا سئل عن صلاه أبي بكر بالناس هل كانت عن أمر النبي (ص) أم عن غير أمره ؟ فقال: الذي صح في ذلك وثبت أن عائشة قالت: مروا أبا بكر أن يصلي بالناس، فكان الامر بذلك من جهتها في ظاهر الحال، وادعى المخالفون أنها إنما أمرت بذلك عن النبي (ص) ولم تثبت لهم هذه الدعوى بحجة يجب قبولها. قال الشيخ أدام الله عزه: والدليل على أن الامر كان مختصا بعائشة دون النبي (ص) قول النبي لها عند إفاقته من غشيته وقد سمع صوت أبي بكر في المحراب: ” إنكن لصويحبات يوسف ” ومبادرته معجلا معتمدا على أمير المؤمنين – عليه السلام – والفضل بن العباس ورجلاه يخطان الارض من الضعف حتى نحى أبا بكر عن المحراب، فلو كان – عليه السلام – هو الذي امره بالصلاة لما رجع باللوم على أزواجه في ذلك ولا بادر وهو على الحال التي وصفناها حتى صرفه عن الصلاة، ولكان قد أقره حتى يقضي فرضه ويتم الصلاة وفي صرفه له وقوله لعائشة ما


[ 125 ]

ذكرناه، دليل على صحة ما وصفناه. قال الشيخ أدام الله عزه: وقد تعلق القوم في تأويل قول النبي (ص) ” إنكن لصويحبات يوسف ” بشئ يدل على جهلهم، فقالوا: إن لهذا القول من النبي (ص) سببا معروفا وهو أنه (ص) قال: قدموا أبا بكر، فقالت عائشة: يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف فإن قام مقامك لم يملك العبرة فمر عمر أن يصلي بالناس. فقال النبي (ص) لها عند خلافها عليه: ” إنكن لصويحبات يوسف “. وقد كان اعترض علي بهذا الكلام شيخ من مشايخ أهل الحديث واعتمده. فقلت له: أول ما في هذا الباب أنك قد اعترفت بخلاف عائشة للنبي (ص) وردها عليه أمره حتى أنكر عليها ذلك، وفى الاعتراف به شهادة منك عليها بالمعصية لله عز وعلا ولرسوله وهذا أعظم مما تنكرونه على الشيعة من شهادتهم عليها بالمعصية بعد النبي (ص) عند محاربتها لامير المؤمنين – عليه السلام -. والثاني أنه لا خلاف أن النبي (ص) كان من أحكم الحكماء وافصح الفصحاء ولم يكن يشبه الشئ بخلافه ويمثله بضده وإنما كان يضع المثل في موضعه فلا يخرم مما مثله به في معناه شيئا، ونحن نعلم أن صويحبات يوسف إنما عصين الله وخالفنه بأن أرادت كل واحدة منهن من يوسف – عليه السلام – ما أرادته الاخرى وفتنت به كما فتنت به صاحبتها، وبذلك نطق القرآن قال الله جل وعلا: * (فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاشا لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم * قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما امره ليسجنن وليكونا من الصاغرين) * (1). فلو كانت عائشة دفعت الامر عن أبيها ولم ترد شرف ذلك المقام له ولم


(1) – يوسف / 31 – 32 (*).

[ 126 ]

تفتتن بمحبة الرئاسة وعلو المنزلة، لكان النبي (ص) في تشبيهها بصويحبات يوسف قد وضع المثل في غير موضعه وشبه الشئ بضده وخلافه ورسول الله (ص) يجل عن هذه الصفة ولا يجوز عليه النقص ويرتفع عن الجهل بحقيقة الامثلة. وإذا كان الامر على ما وصفناه ثبت أن التمثيل إنما وقع من النبي (ص) لموضع خلاف المرأة له وتقدمها بالامر لابيها عليه لفتنتها بمحبة الاستطالة والرغبة في حوز الفضيلة بذلك والرئاسة على ما قدمناه. قال الشيخ أدام الله عزه: وقد قالوا أيضا في مبادرة النبي (ص) بالخروج إلى المسجد وصرف أبي بكر عن الصلاة إنما كان ذلك لان المسلمين كانوا متعلقي القلوب برسول الله (ص) محزونين بتأخره عنهم فخشى – عليه السلام – أن يتأخر عنهم فيختلفوا ويرجف عليه منهم المرجفون، ولم يبادر إلى ما ذكرتموه من الانكار لصلاة أبي بكر بالناس. فيقال لهم لو كان الامر على ما وصفتموه لما نحى رسول الله بين أبا بكر عن المحراب، ولامكنه الوصول إلى غرضه مع إتمام أبي بكر للصلاة بان كان عليه واله السلام يخرج إلى القوم عند فراغ أبي بكر من الصلاة فيشاهدونه على حال الاستقلال ويسرون بلقائه ويبطل ما يتخوفونه من أراجيفهم عليه، ولا يعزل الرجل عن صلاة قد أمره باقامتها ليدل بذلك على أنه قد أحدث ما يوجب عزله أو يكشف عن حال مستحقة له كانت مستورة عن الانام، لاجلها لم يصح أن يصلي بالناس أو يكون القول على ما قلناه من الله لم يكن عن أمره – عليه السلام – تلك الصلاة، أو كان عليه واله السلام لما خرج صلى خلفه كما فعل على أصولكم مع عبد الرحمان لما أدركه وهو في الصلاة فلم يعزله عن المقام وصلى – عليه السلام – خلفه مع المؤتمين به من الناس.


[ 127 ]

وقد علم العقلاء بالعادة الجارية أن الذي يقدم إنسانا في مقام يشرف به قدره ويعظم به منزلته لا يبادر بعد تقديمه بغير فصل إلى صرفه وحط تلك الرتبة التي كان جعلها له إلا لحادث يحدثه أو اعتراض أمر ظاهر يرفع الشبهة بظهوره من (غير ن خ) تغير حاله الموجبة لصرفه، وإن الفعل الذي وقع من النبي (ص) في باب أبي بكر مع القول الذي اقترن إليه من التوبيخ لزوجته لا يكون من الحكماء إلا للنكير المحض، والدلالة على استدراك ما كان يفوت من الصلاح بالفعل لو لم يقع فيه ذلك البدار ومن أنكر ما وصفناه خرج من العرف والعادات. وقد زعم قوم من أهل العناد أن النبي (ص) لم يعزل أبا بكر عن الصلاة بخروجه إلى المسجد وأنه كان مع ذلك على إمامته في الصلاة، قلنا لهم فكان أبو بكر إماما للنبي (ص) وكان الرسول مؤتما به في الحال ؟ فقالوا باجمعهم: لا. قلنا لهم: أفكان شريكا للنبي (ص) في إمامة الصلاة حتى كانا جميعا إمامين للمسلمين في تلك الصلاة ؟ فقالوا أيضا: لا. قلنا لهم: أفليس لما خرج النبي (ص) كان هو إمام المسلمين في تلك الصلاة وصار أبو بكر بعد أن كان إمامهم فيها مؤتما كأحد الجماعة بالنبي (ص) ؟ قالوا: بلى، قلنا لهم: من لا يعقل أن هذا صرف له من المقام فليس يعقل شيئا على الوجوه والاسباب، وهذه الطائفة رحمك الله جهال جدا وأوباش غمار، ولعل معاندا منهم لا يبالي بما قال، يرتكب القول بأن أبا بكر كان باقيا على إمامته في الصلاة بعد خروج النبي (ص). فيقال له: هذا خروج من الاجماع، ومع أنه خروج من الاجماع فما معنى ما جاء به التواتر وحصل عليه الاطباق من أن رسول الله (ص) صلى بالناس ثم الاختلاف في ابتدائه من حيث ابتدأ أبو بكر من القران أو من حيث انتهى من القران، ومع ذلك فإذا كان أبو بكر هو الامام للنبي (ص) في آخر صلاة صلاها


[ 128 ]

– عليه السلام – فواجب أن يكون النبي (ص) معزولا عن إمامة امته ومصروفا عن النبوة لان الله تعالى أخره في اخر أيامه عن المقام وختم بذلك عمله في ملة الاسلام، وليس يشبه هذا ما يدعونه في صلاته خلف عبد الرحمان فإن ذلك وإن كان أيضا ظاهر الفساد فقد صلى رسول الله (ص) بعد ذلك بالناس وأخر عبد الرحمان عما كان قدمه فيه ولم يجب أن تثبت سنته بتقدمه عليه إذ أفعال رسول الله (ص) ينسخ بعضها بعضا فلا تثبت السنة منها إلا بما استقر، وآخر أفعاله – عليه السلام – سنة ثابتة إلى آخر الزمان. فصل ومن حكايات الشيخ أدام الله عزه وكلامه، قال الشيخ: كان يختلف إلي حدث من أولاد الانصار ويتعلم الكلام فقال لي يوما: اجتمعت البارحة مع الطبراني شيخ من الزيدية. فقال لي: أنتم يا معشر الامامية حنبلية وأنتم تستهزؤون بالحنبلية، فقلت له: وكيف ذلك ؟ فقال: لان الحنبلية تعتمد على المنامات وأنتم كذلك، والحنبلية تدعي المعجزات لاكابرها وأنتم كذلك، والحنبلية ترى زيارة القبور والاعتكاف عندها وأنتم كذلك فلم يكن عندي جواب أرتضيه، فما الجواب ؟ قال الشيخ أدام الله عزه: فقلت له: ارجع إليه فقل له: قد عرضت ما ألقيته إلي على فلان فقال لي: قل له إن كانت الامامية حنبلية بما وصفت أيها الشيخ فا لمسلمون بأجمعهم حنبلية والقرآن ناطق بصحة الحنبلية وصواب مذاهب أهلها، وذلك أن الله تعالى يقول: * (إذ قال يوسف لابيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين * قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك


[ 129 ]

فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للانسان عدو مبين) * (1). فاثبت الله جل اسمه المنام وجعل له تأويلا عرفه أولياؤه – عليهم السلام – وأثبتته الانبياء ودانت به خلفاؤهم وأتباعهم من المؤمنين واعتمدوه في علم ما يكون وأجروه مجرى الخبر مع اليقظة وكالعيان له. وقال سبحانه: * (ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الاخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين) * (2) فنبأهما – عليه السلام – بتأويله وذلك على تحقيق منه لحكم المنام، وكان سؤالهما له مع جهلهما بنبوته دليلا على أن المنامات حق عندهم، والتأويل لاكثرها صحيح إذا وافق معناها، وقال عز اسمه: * (وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان ياكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر واخر يابسات يا أيها الملا افتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون * قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الاحلام بعالمين) * (3) ثم فسرها يوسف – عليه السلام – وكان الامر كما قال. وقال تعالى في قصة إبراهيم وإسماعيل – عليهما السلام -: * (فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين) * (4) فأثبتا – عليهما السلام – الرؤيا وأوجبا الحكم ولم يقل إسماعيل لابيه – عليه السلام – يا أبت لا تسفك دمي برؤيا رايتها فإن الرؤيا قد تكون من حديث النفس وأخلاط البدن وغلبة الطباع بعضها على بعض كما ذهبت إليه المعتزلة.


(1) – يوسف / 4 – 5. (2) – يوسف / 36. (3) – يوسف / 43 – 44. (4) – الصافات / 102 (*).

[ 130 ]

فقول الامامية في هذا الباب ما نطق به القرآن، وقول هذا الشيخ هو قول الملا من أصحاب الملك حيث قالوا: * (أضغاث أحلام) * ومع ذلك فإنا لسنا نثبت الاحكام الدينية من جهة المنامات وإنما نثبت من تأويلها ما جاء الاثر به عن ورثة الانبياء – عليهم السلام -. فاما قولنا في المعجزات فهو كما قال الله تعالى: * (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين) * (1). فضمن هذا القول تصحيح المنام إذ كان الوحي إليها في المنام، وضمن المعجز لها لعلمها بما كان قبل كونه. وقال سبحانه في قصة مريم – عليها السلام -: * (فاشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في ا لمهد صبيا * قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا * وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا) * (2). فكان نطق المسيح – عليه السلام – معجزا لمريم – عليها السلام – إذ كان شاهدا ببراءة ساحتها. وام موسى – عليه السلام – ومريم لم تكونا نبيين ولا مرسلين ولكنهما كانتا من عباد الله الصالحين. فعلى مذهب هذا الشيخ كتاب الله يصحح الحنبلية. وأما زيارة القبور فقد أجمع المسلمون على وجوب زيارة رسول الله (ص) حتى رووا من حج ولم يزره متعمدا فقد جفاه (ص) وثلم حجه بذلك الفعل، وقد قال رسول الله (ص): ” من سلم علي من عند قبري سمعته ومن سلم علي من بعيد بلغته سلام الله عليه ورحمته وبركاته ” وقال (ص) للحسن – عليه السلام -: ” من زارك بعد موتك أو زار أباك أو زار أخاك فله الجنة “.


(1) – القصص / 7. (2) – مريم / 29 – 31 (*).

[ 131 ]

وقال أيضا في حديث له أوله مشروح في غير هذا الكتاب: ” تزوركم طائفة من امتي تريد به بري وصلتي فإذا كان يوم القيامة زرتها في الموقف فاخذت باعضادها فانجيتها من أهواله وشدائده “، ولا خلاف بين الامة أن رسول الله (ص) لما فرغ من حجة الوداع لاذ بقبر قد درس فقعد عنده طويلا ثم استعبر فقيل له يا رسول الله ما هذا القبر ؟ فقال: هذا قبر امي آمنة بنت وهب سالت الله في زيارتها فاذن لي. وقال (ص): ” قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها وكنت نهيتكم عن ادخار لحوم الاضاحي ألا فادخروها “. وقد كان أمر في حياته (ص) بزيارة قبر حمزة – عليه السلام – وكان يلم به وبالشهداء، ولم تزل فاطمة – عليها السلام – بعد وفاته (ص) تغدو إلى قبره وتروح والمسلمون يثابرون على زيارته وملازمة قبره (ص) فان كان ما يذهب إليه الامامية من زيارة مشاهد الائمة – عليهم السلام – حنبلية وسخفا من الفعل، فالاسلام مبني على الحنبلية ورأس الحنبلية رسول الله (ص)، وهذا قول متهافت جدا يدل على قلة دين قائله وضعف رأيه وبصيرته. ثم قلت له: يجب أن تعلم أن الذي حكيت عنه قد حرف القول وقبحه ولم يأت به على وجهه، والذي نذهب إليه في الرؤيا أنها على أضرب. فضرب منه يبشر الله به عباده ويحذرهم وضرب تهويل من الشيطان وكذب يخطر ببال النائم، وضرب من غلبة الطباع بعضها على بعض، ولسنا نعتمد على المنامات كما حكاه لكننا نأنس بما نبشربه، ونتخوف مما نحذر منها ومن وصل إليه شئ من علمها عن ورثة الانبياء – عليهم السلام – ميز بين حق تأويلها وباطله ومتى لم يصل إليه شئ من ذلك كان على الرجاء والخوف. وهذا يسقط ما لعله سيتعلق به في منامات الانبياء – عليهم السلام – من أنها وحي


[ 132 ]

لان تلك مقطوع بصحتها وهذه مشكوك فيها مع أن منها أشياء قد اتفق ذوو العادات على معرفة تأويلها حتى لم يختلفوا فيه ووجدوه حسنا. وهذا الشيخ لم يقصد بكلامه الامامية ولكنه قصد الامة ونصر البراهمة والملحدة، مع أني أعجب من هذه الحكاية عنه وأنا أعرفه يميل إلى مذهب أبي هاشم ويعظمه ويختاره، وأبو هاشم يقول في كتابه ” المسالة في الامامة “: إن أبا بكر رأى في المنام كأن عليه ثوبا جديدا عليه رقمان ففسره على النبي (ص) فقال له إن صدقت رؤياك تبشر بخير (فستخبر بولد ن خ) وتلي الخلافة سنتين، فلم يرض شيخه أبو هاشم أن أثبت المنامات حتى أوجب بها الخلافة وجعلها دلالة على الامامة فيجب على قول هذا الشيخ الزيدي عند نفسه أن يكون أبو هاشم رئيس المعتزلة عنده حنبليا بل يكون عنده أبو بكر حنبليا بل رسول الله (ص) لانه صحح المنام وأوجب به الاحكام، وهذا من بهرج المقال. فصل ومن حكايات الشيخ أدام الله عزه أيضا وكلامه، قال أيده الله: حضرت بمجمع لقوم من الرؤساء وكان فيهم شيخ من أهل الري معتزلي يعظمونه لمحل سلفه وتعلقه بالدولة فسئلت عن شئ من الفقه فافتيت فيه على المأثور عن الائمة – عليهم السلام -. فقال ذلك الشيخ. هذه الفتيا تخالف الاجماع. فقلت له: إجماع من تعني عافاك الله ؟ فقال: إجماع الفقهاء المعروفين بالفتيا في الحلال والحرام من فقهاء الامصار فقلت له: هذا أيضا مجمل من القول، فهل يدخل آل محمد – عليهم السلام – في


[ 133 ]

جملة هؤلاء الفقهاء أم تخرجهم عن الاجماع ؟ فقال: بل أجعلهم في صدر الفقهاء ولو صح عنهم ما تروونه لما خالفناه. فقلت له: هذا مذهب لا أعرفه لك ولا لمن أومأت إليه ممن جعلتهم الفقهاء لان القوم باجمعهم يرون الخلاف على أمير المؤمنين – عليه السلام – وهو سيد أهل البيت – عليهم السلام – في كثير مما قد صح عنه من الاحكام فكيف تستوحشون من خلاف ذريته – عليهم السلام – وتوجبون على أنفسكم قبول قولهم على كل حال ؟ فقال: معاذ الله ما نذهب إلى هذا ولا يذهب إليه أحد من الفقهاء، وهذه شناعة منك على القوم بحضرة هؤلاء الرؤساء. – فقلت له: لم أحك إلا ما أقيم عليه البرهان ولا ذكرت إلا معروفا لا يمكن أحدا من أهل العلم دفعي عنه لما هو عليه من الاشتهار لكنك أنت تريد أن تتجمل بضد مذهبك عند هؤلاء الرؤساء، ثم أقبلت على القوم فقلت: لا خلاف عند شيوخ هذا الرجل وأئمته وفقهائه وساداته أن أمير المؤمنين – عليه السلام – قد يجوز عليه الخطا في شئ يصيب فيه عمرو بن العاص زيادة على ما حكيت عنه من المقال فاستعظم القوم ذلك وأظهروا البراءة من معتقديه وأنكره هو وزاد في الانكار فقلت له: أليس من مذهبك ومذهب هؤلاء الفقهاء أن عليا – عليه السلام – لم يكن معصوما كعصمة النبي (ص) ؟ قال: بلى. قلت: فلم لا يجوز عليه الخطأ في شئ من الاحكام ؟ فسكت. ثم قلت له: أليس عندكم أن أمير المؤمنين – عليه السلام – قد كان يجتهد برأيه في كثير من الاحكام وأن عمرو بن العاص وأبا موسى الاشعري والمغيرة بن شعبة كانوا من أهل الاجتهاد ؟ قال: بلى. قلت له: ما الذي يمنع من إصابة هؤلاء القوم ما يذهب على أمير المؤمنين – عليه السلام – من جهة الاجتهاد مع ارتفاع العصمة عنه وكون هؤلاء القوم من أهل الاجتهاد ؟. فقال: ليس يمنع من ذلك مانع. فقلت له:


[ 134 ]

فقد أقررت ما أنكرت الآن، ومع هذا أفليس من أصلك أن كل أحد بعد النبي (ص) يؤخذ من قوله ويترك إلا ما انعقد عليه الاجماع ؟ قال: بلى. قلت: أفليس هذا يسوغكم الخلاف على أمير المؤمنين – عليه السلام – في كثير من أحكامه التي لم يقع عليها الاجماع ؟ وبعد فليست بي حاجة إلى هذا التعسف ولا أنا مفتقر فيما حكيت إلى هذا الاستدلال لانه لا أحد من الفقهاء إلا وقد خالف أمير المؤمنين – عليه السلام – في بعض أحكامه ورغب منها إلى غيره، وليس فيهم أحد وافقه في جميع ما حكم فيه – عليه السلام – من الحلال والحرام. وإني لاعجب من إنكارك لما ذكرت وصاحبك الشافعي يخالف أمير ا لمؤمنين – عليه السلام – في الميراث وا لمكاتب ويذهب إلى قول زيد فيهما. ويروي عنه – عليه السلام – أنه كان لا يرى الوضؤ من مس الذكر ويقول هو إن الوضؤ منه واجب، وإن عليا – عليه السلام – خالف الحكم فيه بضرب من الرأي. وحكى الربيع عنه في كتابه المشهور عنه أنه قال: لا بأس بصلاة الجمعة والعيدين خلف كل أمين وغير مأمون ومتغلب، صلى علي بالناس وعثمان محصور، فجعل الدلالة على جواز الصلاة خلف المتغلب على أمر الامة صلاة الناس خلف علي – عليه السلام – في زمن حصر عثمان، فصرح بان عليا – عليه السلام – كان متغلبا، ولا خلاف أن المتغلب على أمر الامة فاسق ضال، وقال لا باس بالصلاة خلف الخوارج لانهم متاولون وإن كانوا فاسقين، فمن يكون هذا مذهبه ومقالة إمامه وفقيهه، يزعم معه أنه لو صح له عن أمير المؤمنين – عليه السلام – شئ أو عن ذريته الطاهرين – عليهم السلام – لدان به لولا أن الذاهب إلى هذا يريد التلبيس. وليس في فقهاء الامصار سوى الشافعي إلا وقد شارك الشافعي في الطعن


[ 135 ]

على أمير المؤمنين – عليه السلام – وتزييف كثير من قوله والرد عليه في أحكامه حتى إنهم يصرحون بأن الذي يذكره أمير المؤمنين – عليه السلام – في الاحكام معتبر فإن أسنده إلى النبي (ص) قبلوه منه على ظاهر العدالة كما يقبلون من أبي موسى الاشعري وأبي هريرة والمغيرة بن شعبة مما يسنده إلى النبي (ص)، بل كما يقبلون من حمال في السوق على ظاهر العدالة ما يرويه مسندا إلى النبي (ص) وأما ما قاله أمير المؤمنين – عليه السلام – من غير إسناد له إلى الرسول (ص) كان موقوفا على صبرهم ونظرهم واجتهادهم فان وضح لهم صوابه فيه قالوا به من حيث النظر لا من حيث حكمه به وقوله. وإن عثروا على خطافيه اجتنبوه وردوا عليه وعلى من اتبعه فيه. فزعموا أن آراءهم هي المعيار على قوله – عليه السلام -. وهذا، لا يذهب إليه من وجد في صدره جز من مودته صلوات الله عليه وسلامه وحقه الواجب له – عليه السلام – وتعظيمه الذي فرضه الله عزوجل ورسوله، بل لا يذهب إلى هذا القول إلا من رد على رسول الله (ص): ” علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار ” وقوله: ” أنا مدينة العلم وعلي بابها “، وقوله: ” علي أقضاكم ” وقول أمير المؤمنين – عليه السلام -: ” ضرب رسول الله (ص) بيده على صدري وقال: اللهم اهد قلبه وثبت لسانه فما شككت في قضاء بين اثنين “. فلما ورد عليه هذا الكلام تحير وقال: هذه شناعات على الفقهاء والقوم لهم حجج على ما حكيت عنهم. فقال له بعض الحاضرين: نحن نبرأ إلى الله من هذا المقال ومن كل دائن به، وقال له اخ إن كان مع القوم حجج على ما حكاه الشيخ فهي حجج على إبطال ما ادعيت أولا من ضد هذه الحكاية، ونحن نعيذك بالله من أن تذهب إلى هذا القول فان كل شئ تظنه حجة عليه فهو كالحجة في إبطال نبوة النبي فسكت مستحيا مما جرى وتفرق الجمع.


[ 136 ]

فصل ومن كلام الشيخ أدام الله عزه في تفسير القران، سئل عن قوله تعالى: * (علمت نفس ما قدمت وأخرت) * (1) وعن قوله تعالى: * (ينبؤا الانسان يومئذ بما قذم وأخر) * (2)، وقيل له ما هو المقدم هاهنا والمؤخر ؟ فقال: أما ما قدمه الانسان فهو ما عمله في حياته مما لم يكن له أثر بعد وفاته، وأما الذي أخره فهو ما سنه في حياته فاقتدى به بعد وفاته. وهذا مبين في قول النبي (ص): ” من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة “. وقد قال سبحانه: * (وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم) * (3) يريد به عقاب إضلالهم لمن أضلوه من الناس، والاصل في هذا تعاظم العقاب عليهم بما يفعل من القبيح في الاقتداء بهم، وتعاظم الثواب لهم بما يصنع من الجميل بالاتباع لسنتهم الحسنة في الناس.


(1) – الانفطار / 5. (2) – القيامة / 13. (3) – العنكبوت / 13 (*).

[ 137 ]

فصل وسئل الشيخ أدام الله عزه عن قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) * (1) فقيل له: فيمن نزلت هذه الاية ؟ فقال: في أمير المؤمنين – عليه السلام – وجرى حكمها في الائمة من ذريته الصادقين – عليهم السلام -. قال الشيخ أدام الله عزه: وقد جاءت آثار كثيرة في ذلك، ومما يدل على صحة هذا التأويل ما أنا أذكره بمشيئة الله وعونه. قد ثبت أن الله سبحانه دعا المؤمنين في هذه الاية إلى اتباع الصادقين والكون معهم فيما يقتضيه الدين، وثبت أن المنادى به يجب أن يكون غير المنادى إليه لاستحالة أن يدعى الانسان إلى الكون مع نفسه واتباعها. فلا يخلو أن يكون الصادقون الذين دعا الله تعالى إليهم جميع من صدق وكان صادقا حتى يعمهم اللفظ ويستغرق جنسهم أو يكونوا بعض الصادقين، وقد تقدم إفسادنا لمقال من زعم أنه عم الصادقين لان كل مؤمن فهو صادق بإيمانه فكان يجب بذلك أن يكون الدعاء للانسان إلى اتباع نفسه وذلك محال على ما ذكرناه. وإن كانوا بعض المؤمنين دون بعض فلا يخلو من أن يكونوا معهودين معروفين فتكون الالف واللام إنما دخلا للمعهود أو يكونوا غير معهودين، فان كانوا معهودين فيجب أن يكونوا معروفين غير مختلف فيهم، وتاتي الروايات باسمائهم والاشارة إليهم خاصة وأنهم طائفة معروفة عند من سمع الخطاب من


(1) – التوبة / 119 (*).

[ 138 ]

الرسول (ص)، وفي عدم ذلك دليل على بطلان مقال من ادعى أن هذه الآية نزلت في جماعة غير من ذكرناه كانوا معهودين. وإن كانوا غير معهودين فلا بد من الدلالة عليهم ليتميزوا ممن يدعي مقامهم وإلا بطلت الحجة لهم وسقط تكليف اتباعهم، وإذا ثبت أنه لا بد من الدليل عليهم ولم يدع أحد من الفرق دلالة على غير من ذكرناه، ثبت أنها فيهم خاصة لفساد خلو الامة كلها من تأويلها وعدم أن يكون القصد إلى أحد منهم بها. على أن الدليل قائم على أنها فيمن ذكرناه لان الامر ورد باتباعهم على الاطلاق وذلك يوجب عصمتهم وبراءة ساحتهم والامان من زللهم بدلالة إطلاق الامر باتباعهم، والعصمة توجب النص على صاحبها بلا ارتياب، وإذا اتفق مخالفونا على نفي العصمة والنص عمن ادعوا له تأويل هذه الآية، فقد ثبت أنها في الائمة – عليهم السلام – لوجود النقل بالنص عليهم وإلا خرج الحق عن أمة محمد (ص) وذلك فاسد. مع أن في القرآن دليلا على ما ذكرناه وهو أن الله سبحانه قال: * (ليس البر أن توتوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله. واليوم الاخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفى الرقاب وأقام الصلوة واتى الزكوة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأساء اولئك الذين صدقوا واولئك هم المتقون) * (1) فجمع الله تبارك اسمه وتعالى هذه الخصال كلها ثم شهد لمن


(1) – البقرة / 177 (*).

[ 139 ]

كملت فيه بالصدق والتقى على الاطلاق، فكان مفهوم معنى الايتين الاولى وهذه الثانية أن اتبعوا الصادقين الذين باجتماع هذه الخصال التي عددناها فيهم، استحقوا إطلاق الاسم بصادقين. ولم نجد أحدا من أصحاب رسول الله (ص) اجتمعت فيه هذه الخصال إلا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب – عليه السلام – فوجب أنه الذي عناه الله سبحانه بالاية وأمر فيها باتباعه والكون معه فيما يقتضيه الدين، وذلك أنه ذكر الايمان به جل اسمه وتعالى واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين، فكان أمير المؤمنين – عليه السلام – أول الناس إيمانا به وبما وصف بالاخبار المتواترة بأنه أول من أجاب رسول الله (ص) من الذكور وبقول النبي لفاطمة – عليها السلام -: ” زوجتك أقدمهم سلما وأكثرهم علما “. وقول أمير المؤمنين – عليه السلام -: ” أنا عبد الله وأخو رسوله لم يقلها أحد قبلي ولا يقولها أحد بعدي إلا كذاب مفتر صليت قبلهم سبع سنين “، وقوله – عليه السلام -: ” اللهم إني لا أقر لاحد من هذه الامة عبدك قبلي “، وقوله – عليه السلام – وقد بلغه من الخوارج مقالا أنكره، ” لا أم يقولون إن عليا يكذب أفعلى من أكذب أعلى الله فأنا أول من عبده أم على رسول الله (ص) فأنا أول من امن به وصدقه ونصره ” وقول الحسن – عليه السلام – صبيحة الليلة التي قبض فيها أمير المؤمنين – عليه السلام -: ” لقد قبض في الليلة رجل ما سبقه الاولون بعمل ولا بدركه الاخرون ” في أدلة يطول شرحها على ذلك. ثم أردف الوصف الذي تقدم، بإيتاء المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفى الرقاب ووجدنا ذلك


[ 140 ]

لامير المؤمنين – عليه السلام – بالتنزيل وتواتر الاخبار به على التفصيل. قال الله عزوجل: * (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) * (1) واتفقت الرواة من الفريقين الخاصة والعامة على أن هذه الآية بل السورة كلها نزلت في أمير المؤمنين وزوجته فاطمة وابنيه – عليهم السلام -، وقال سبحانه: * (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) * (2). وجاءت الرواية أيضا مستفيضة بأن المعني بهذا أمير المؤمنين – عليه السلام – ولا خلاف أنه أعتق من كد يده جماعة لا يحصون كثرة ووقف أراضي كثيرة وعينا استخرجها – عليه السلام – وأحياها بعد موتها فانتظم الصفات على ما ذكرناه. ثم أردف ذلك قوله: * (وأقام الصلوة وآتى الزكوة) *. وكان هو المعني بها – عليه السلام – بدلالة قوله: * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة وهم راكعون) * (3) واتفق أهل النقل على أنه صلوت الله عليه المزكي في حال ركوعه في الصلاة فطابق هذا الوصف وصفه في الاية المتقدمة وشاركه في معناها. ثم أعقب ذلك قوله: * (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا) * وليس أحد من الصحابة إلا من نقض العهد في الظاهر أو تقول ذلك عليه إلا أمير المؤمنين – عليه السلام – فانه لا يمكن لاحد أن يزعم أنه نقض ما عاهد عليه رسول الله (ص) من النصرة والمساواة فاختص أيضا بهذا الوصف.


(1) – الدهر / 76. (2) – البقرة / 274. (3) – المائدة / 55 (*).

[ 141 ]

ثم قال سبحانه: * (والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس) * ولم يوجد أحد صبر مع رسول الله (ص) عند الشدائد غير أمير المؤمنين – عليه السلام – فأنه بإتفاق وليه وعدوه لم يول دبرا ولا فر من قرن ولا هاب في الحرب خصما. فلما استكمل – عليه السلام – هذه الخصال باسرها قال سبحانه: * (اولئك الذين صدقوا) * يعني به أن المدعو إلى اتباعه من جملة الصادقين، هو من دل على اجتماع الخصال فيه وذلك أمير المؤمنين – عليه السلام -، وإنما عبر عنه بحرف الجمع تعظيما له وتشريفا، إذ العرب تضع لفظ الجمع على الواحد إذا أرادت أن تدل على نباهته وعلو قدره وشرف محله، وإن كان قد يستعمل فيمن لا يراد له ذلك إذا كان الخطاب يتوجه إليه ويعم غيره بالحكم. ولو جعلنا المعنى في لفظ الجمع بالعبارة عن أمير المؤمنين – عليه السلام – لكان لذلك وجها لانه وإن خص بالذكر فإن الحكم جار فيمن يليه من أئمة الهدى – عليهم السلام – على ما قد شرحناه. وهذا بين والله نسأل توفيقا نصل به إلى الرشاد بمنه. فصل ومن كلام الشيخ أدام الله عزه في توبة طلحة والزبير على ما تدعيه المعتزلة من ذلك، قال الشيخ أدام الله عزه: أما طلحة فقتل بين الصفين وهو مصمم على الحرب، وهذه حال ظاهرها الاقامة على الفسق، ومن ادعى باطنا غيرها فقد ادعى علم غيب لا يجب قبوله منه إلا ببرهان ولا برهان على ذلك، مع أن الاخبار قد جاءت مستفيضة عن أمير المؤمنين – عليه السلام – أنه مر به وهو قتيل فقال لاصحابه: أجلسوا طلحة فأجلسوه فقال: هل وجدت ما وعدك ربك حقا فقد وجدت ما وعدني ربي حقا، ثم قال: أضجعوا طلحة وقال في موضع آخر وقد مر به: لقد كان


[ 142 ]

لك برسول الله صحبة لكن الشيطان دخل منخريك فأوردك النار. وكتب – عليه السلام – إلى عماله في الافاق بالفتح وكان فيه. ” إن الله تعالى قتل طلحة والزبير على بغيهما وشقاقهما ونكثهما وهزم جمعهما ورد عائشة خاسرة ” في كلام طويل، ولو كان الرجل تائبا لما قال هذا القول فيه أمير المؤمنين – عليه السلام -، مع أنا إن جوزنا توبة طلحة مع الحال التي وصفناها ووجب علينا الشك في أمره والانتقال عن ظاهر حاله، وجب أن يشك في كل فاسق وكافر ظهر لنا ضلاله ولم يظهر منه ندمه بل كان على ظاهر الضلال إلى وقت خروجه من الدنيا، وهذا فاسد. وقد استقصيت القول في هذا الباب في كتابي المعروف بالمسالة الكافية. وأما الزبير فقتل وهو منهزم من غير إظهار ندم ولا إقلاع ولا توبة، ولو كان انصرافه للندم والتوبة لكان يصير إلى أمير المؤمنين – عليه السلام – ويكون مصير إلى حيزه ويظهر نصرته ومعونته كما جرد في حربه وعداوته، ولو جاز أن يقطع على توبته ويجب علينا ولايته مع ما وصفناه، لوجب على المسلمين أن يقطعوا على توبة كل منهزم عن الرسول (ص) وإن لم يصيروا إلى حيزه ولا أظهروا الاقرار بنبوته، وقد تعلق القوم في باب الزبير بقولين رويا عن أمير المؤمنين – عليه السلام – أما أحدهما: فانهم ذكروا أن الزبير رجع عن الحرب بعد أن ذكره أمير المؤمنين – عليه السلام – كلام رسول الله (ص) فقال له عبد الله ابنه: يا أبت تتركنا في مثل هذا المقام وتنصرف عنا في مثل هذه الحال. فقال له: يا بني إن عليا زكرني أمرا أنسانيه الدهر، فقال له عبد الله: لا ولكنك فررت من سيف ابن أبى طالب، فقالوا: فرجع الزبير عند ذلك كارا على أصحاب أمير المؤمنين – عليه السلام – فقال أمير المؤمنين: أفرجوا للشيخ فانه محرج. قالوا: فلما شهد له أمير المؤمنين – عليه السلام – بذلك وكف أصحابه عن قتله دل على ندمه وتوبته.


[ 143 ]

والقول الاخر زعموا أن ابن جرموز لما جاء برأس الزبير وبسيفه إلى أمير المؤمنين – عليه السلام – قال له: سمعت رسول الله (ص) يقول: بشر قاتل ابن صفية بالنار قالوا: فلو لم يكن الزبير تائبا لما كان قاتله ضالا من أهل النار ولو لم يكن من أهل الجنة لما كان قاتله من أهل النار قال الشيخ أدام الله عزه: فيقال لهم: إن كان رجوع الزبير عند اذكار أمير المؤمنين – عليه السلام – توبة توجب مدحه فالانصاف يوجب أن رجوعه عند تحريض ابنه له نقض للتوبة وإصرار يوجب ذمه، بل رجوعه إلى القتال على الوجه الذي روي أسوأ الحالة لانه يدل على عناده بارتفاع الشبهة عنه في فسقه به وضلاله، ولانه ترك الديانة للحمية والعصبية والانفة ومحبة الرياسة، وهذا بخلاف ما ظننتموه. أما قول أمير المؤمنين – عليه السلام -: ” أفرجوا للشيخ فانه محرج ” فانه متى صح كان على الاستهزاء والذم لانه لا يجوز أن يأمو – عليه السلام – أصحابه بالتمكين لعدوه من حربه ولا يجيز لهم تسويغه إظهار خلافه، ولان الحرج لا يدعو إلى الفسق ولا يبعث على خلاف الحق، مع أن الذي كان من ابن الزبير غير محرج لاهل الايمان إلى إظهار الضلال ولا ملجئ لاحد من الخلق إلى ارتكاب المعاصي والطغيان، فعلم أن قول أمير المؤمنين – عليه السلام – متى صح عنه صلوات الله عليه وسلامه خرج مخرج قوله سبحانه: * (ذق إنك أنت العزيز الكريم) * (1)، وقوله تعالى: * (انظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا) * (2)، وقوله سبحانه: * (فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شئ) * (3)، ونظائر ذلك من آي القران.


(1) – الدخان / 49. (2) – طه / 97. (3) – هود / 101 (*).

[ 144 ]

وأما ترك أمير المؤمنين – عليه السلام – الامر لاصحابه بقتل الزبير وقتاله فذلك من تفضله ومنه عليه، وهو كقول رسول الله (ص) في المن على أهل مكة وأمانهم فليس في العفو عن الجاني، وترك التعجيل لعقوبته دلالة على الرضا بفعاله، بل هو دليل التفضل والصفح للتألف والاستصلاح. وأما تعلقهم بما رووا عن أمير المؤمنين – عليه السلام – من قوله لابن جرموز حين جاء برأس الزبير، بشر قاتل ابن صفية بالنار، وأن ذلك يوجب للزبير الجنة ويدل على أنه من أهل الايمان فأول ما في هذا الباب أنه ليس كل من وجب عليه النار بقتل نفس دل على أن النفس من أهل الجنة لان قتل المعاهد يوجب النار وإن كان المقتول في النار وقتل الغيلة يوجب النار وإن كان المقتول في النار، وقتل الكافر لشفاء الغيظ دون الديانة أو للرياء والسمعة أو للقربة إلى المخلوقين أو للعبث أو لجعله علامة لفجور أو لقتل مؤمن كل ذلك يوجب لفاعله النار وإن كان المقتول في النار، وكذلك قتل الكافر الكافر يوجب النار وإن كان الكافر من اهل النار. على أن قصة ابن جرموز في قتل الزبير والمعنى الذي وجب له به النار معروف عند من سمع الاخبار غير مختلف فيه بين نقلة السير والاثار، وذلك أن ابن جرموز كان يوم الجمل مع عائشة في نفر من بني سعد فقتل من أصحاب أمير المؤمنين – عليه السلام – جماعة فلما رأى الدائرة على أصحاب الجمل لحق بالاحنف بن قيس وهو بالجلحاء على فرسخين من البصرة معتزلا للقتال، فجاء رجل إلى الاحنف فأسر إليه أن الزبير بوادي السباع متوجها إلى المدينة مستخفيا من الناس، فقال الاحنف رافعا صوته: ما عسيت أن أصنع بالزبير إن كان بوادي السباع. وقد جاء فقتل الناس بعضهم ببعض وفتنهم ثم انطلق سالما إلى المدينة.


[ 145 ]

فعلم القوم انه إنما رفع صوته ليعلمهم بذلك وأنه يعجبه قتله، فقام ابن جرموز ومعه رجلان من بني عوف بن سعد أحدهما فضالة بن حابس والآخر جميع بن عمير فركبوا خيولهم فأدركوه وقد توجه منطلقا ركض فرسه فسبقهم إليه عمرو بن جرموز فحذره (فحدقه ن خ) الزبير وجعل يتحذر منه فقال له عمرو: لا باس عليك فإنما أنا منطلق في طريقي ومصاحبك، فامنه الزبير عند ذلك واطمان إليه فاغتفله حتى إذا شغل عنه طعنه بالرمح فقتله ثم نزل فاحتز رأسه فأتى به الاحنف ثم انحدر به إلى أمير المؤمنين – عليه السلام – متقربا به إليه صلوات الله عليه يريد الخروج بذلك عما صنع في قتاله وقتل أصحابه، ولم يك قتله له تدينا ولا على بصيرة من أمره وكان ذلك معلوما لامير المؤمنين – عليه السلام – بما أنبأه به الرسول (ص) فلاجل ذلك خبر بأنه من أهل النار. مع أنه قد استحق النار بأمانه وقتله له بعد الامان ثم باغتياله أيضا. مع أن ابن جرموز خرج على أمير المؤمنين – عليه السلام – مع الخوارج وكان اخذا برايتهم فقتله الله على يد أمير المؤمنين – عليه السلام – وأورده بقتله إياه النار فكان الخبر الذي رووه خبرا عن عاقبته لئلا يلتبس أمره بقتل الزبير فيظن أن ذلك عاصم له عن استحقاق العقاب. وقد أطبق أهل النقل على مثل القول الذي روي عن أمير المؤمنين – عليه السلام – في ابن حرموز عند مجيئه برأس الزبير عن النبي (ص) في رجل من الانصار قتل جماعة من المشركين في يوم احد وأبلي بلاء حسنا فبشره رسول الله (ص) بالنار فرووا أن رجلا من الانصار كان يقال له قزمان قاتل في يوم احد قتالا شديدا حتى قتل ستة نفر من المشركين أو سبعة فأثبته الجراح فاحتمل إلى بيته وجاء المسلمون إلى رسول (ص) فأخبروه بخبره، وذكروه عنده بحسن معونته


[ 146 ]

وزكوة ومدحوه فقال رسول الله (ص): إنه من أهل النار فاتى النبي (ص) بعد ذلك فقيل له: يارسول الله إن قزمان قد استشهد فقال (ص) يفعل الله ما يشاء ثم أتى فقيل: يا رسول الله إنه قتل نفسه، فقال: اشهدوا أني رسول الله. وذكروا أنه لما احتمل وبه الجراح نزل في دور بني ظفر فقال له المسلمون: أبشر فقد أبليت اليوم، فقال: بم تبشروني فوالله اقاتلت إلا على أحساب قوي ولولا ذلك ما قاتلت، فلما اشتد به ألم الجراح حبا إلى كنانته فاخذ منها مشقصا فقتل نفسه. فإذا كان الامر على ما شرحناه وكان رسول الله (ص) قد قطع بالنار على رجل جاهد في الظاهر لمعونة الاسلام وقتل جماعة من المشركين ثم شهد عليه بالعقاب عند إخبار المسلمين له ببلائه وعظم نكايته في الكفار وحسن معونته لما علم من عاقبة أمره ومآله إلى الفعل الذي يستحق به النار مخافة أن يشتبه أمره على أهل الاسلام فيعتقدوا فيه الايمان مع قتله نفسه بما سلف له من الجهاد أو يشكوا في استحقاقه العقاب، لم ينكر أن يكون أمير المؤمنين – عليه السلام – بشر ابن جرموز بالنار عند مجيئه برأس الزبير لعاقبة أمره والعلم منه بضميره الذي يستحق به العقاب وما سبق له من العلم فيه بحصوله على الخارجية في العقد، وقتاله الذي كان منه يوم النهروان مخافة أن يشتبه أمره فيما يصير إليه على أحد من أهل الايمان كما وصفناه وبيناه. ولا يدل ذلك منه – عليه السلام – على استحقاق الزبير الجنان ولا على توبته من الضلال ولا على عدم استحقاقه النار كما لم يدل ذلك من رسول الله (ص) على استحقاق من قتل قزمان من الكفار الجنان ولا على توبتهم من الشرك وانتقالهم إلى الاسلام، ولا على عدم استحقاقهم العقاب، وهذا بين لمن تدبره. ووجه آخر وهو أن بعض الشيعة قال إن ابن جرموز إنما استحق النار


[ 147 ]

لخلافه على الامام العادل – عليه السلام – في قتل الزبير بن العوام وذلك أن أمير المؤمنين – عليه السلام – نادى يوم البصرة ألا لا تتبعوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح ولكم ماحوى عسكرهم من الكراع والسلاح، فخالفه ابن جرموز واتبع الزبير فكان في ذلك مخالفا للامام وعاصيا له في أفعإله فاستحق النار لما ارتكبه من ضلاله ولم يجب بذلك أن يكون الزبير من أهل الجنة لانه لا تعلق لاستحقاته الثواب باستحقاق هذا المخالف لامامه العقاب، وهذا وجه لا باس بالتعلق به بل هو واضح معتمد. سؤال – قال الشيخ أدام الله عزه: فان قال قائل ما أنكرتم أن يكون اخبار النبي (ص) باستحقاق قاتل الزبير النار يدل على استحقاق الزبير الجنان ويوجب أن قاتله إنما استحق النار من أجل أن المقتول من أهل الجنه لا لشئ من الاسباب التي ذكرتموها وإلا فمتى ما كان الامر على ما ادعيتموه دون ما ذكرناه، بطل معنى قول النبي (ص) لانه قد نبه باستحقاق القاتل النار على استحقاق المقتول الجنة بذكر المقتول والحكم على قاتله بالنار الجواب – قيل له: إن لذكر النبي (ص) الزبير وقتله عند البشارة لقاتله بالنار وجها غير الذي ظننته وهو أنه لما كان الزبير رأس الفتنة وأمير أهل الضلالة وقائد أهل النكث والجهالة كان القتل له يوجب على الظاهر لقاتله أعظم المنازل وأجل المراتب وأكبر الثراب والمدائح كما يجب لقاتل النبي (ص) أو الصديق التقي أو إمام المسلمين البر الوفي عظيم العقاب، وكان المعلوم من حال هذا القاتل ضد ما يقتضيه الظاهر، أراد رسول الله (ص) الابانة عن حاله والكشف عن باطنه وماله لئلا يلتبس أمره على ما قدمناه فيما سلف وليزيل الشبهة فيما يجب من الاعتقاد فيه على ظاهر الحال.


[ 148 ]

وهذا يجري مجرى من علم الله سبحانه أنه يقتل عبدا مسلما تقيا برا عدلا وفيا على غير التعمد، ومع حسن الطوية وسلامة النية والاخلاص لله تعالى في الطاعة، فذكر النبي (ص) أن هذا القاتل من أهل الجنة فقال: إن فلانا يعني الامام سيقتل وإن قاتله من أهل الجنة ليكشف بذلك عن حاله ويمنع الاعتقاد فيه ما يوجبه ظاهر فعله من القتل الذي تلبس بالتعمد. وإنما بشره بالجنة مع وصفه بقتل رجل من أهل الجنة ليدل على أن قتله له لم يقع على الوجه الذي به يستحق العقاب وليزيل الشبهة من أمره ويصرف الناس عن اعتقاد موجب ظاهره. وهذا كقول نبي قال لامته: ألا ترون أن فلانا الصائم نهاره القائم ليله المتصدق بماله، إعلموا أنه من أهل النار ليدلهم بذلك على مآله ويكشف لهم عن باطنه ولتزول الشبهة عنهم في أمره بحسن ظاهره، أو قال في رجل مرتكب لكبائر الذنوب، اعلموا أن فلانا الشارب للخمور القاتل للنفوس المرتكب للفجور من أهل الجنة، فذلك سائغ جائز يدل على مال الرجل ويكشف عن عاقبته ويمنع من الاعتقاد لما يجب بظاهره على أغلب الامور ومدار هذا الباب هو أن كل من فعل فعلا أوجب ظاهره فيه حكما لاجل الفعل وكان الباطن عند الله سبحانه وتعالى يخالف الظاهر وأراد الابانة عن حاله وإزالة الشبهة في أمره، حكم عليه بخلاف حكم الظاهر وعلقه بذكر الفعل الذي يوجب على الظاهر ضد ما حكم به لاجل الباطن ليزيل الشبهة بذكر ذلك، ويدل على ماكان ملتبسا بالفعل بعينه. ولولا أن النبي (ص) ذكر قاتل الزبير وخبر عنه بالنار عند ذكر قتله لوجب أن يعتقد في قاتله منزلة أجل الصالحين، ومن فقأ عين الفتنة واجتث أصل


[ 149 ]

الضلالة حتى يجب له من الحكم أن ينزل في أعلى منازل المثابين، من حيث كان الزبير أعظم أهل الفتنة عقابا لكونه إمام القوم وداعيهم إلى الفتنة، ولما يجب من تعاظم الثواب لقاتل من يتعاظم له العقاب، ولما يجب لمزيل الفتنة من الثواب الموفي على ما يستحقه مثيرها من العقاب. ولما علم الله سبحانه من حال ابن جرموز ما ذكرناه، أعلم نبيه – عليه السلام – ذلك ليدل امته عليه فدلهم بالذكر الذي حكيناه، وهذا واضح لمن تأمله وأحسن النظر فيه والمنة لله جل وعلا. فصل ومن كلام الشيخ أيده الله فيما يختص مذاهب أهل الامامة، قال الشيخ أدام الله عزه: إن قال قائل: كيف يصح لكم معشر الامامية القول بامامة الاثني عشر – عليهم السلام – وأنتم تعلمون أن فيهم من خلفه أبوه وهو صبي صغير لم يبلغ الحلم ولا قارب بلوغه، كأبي جعفر محمد بن علي بن موسى – عليهم السلام – وقد توفي أبوه وله عند وفاته سبع سنين، وكقائمكم الذي تدعونه وسنه عند وفاة أبيه عند المكثرين خمس سنين. وقد علمنا بالعادات التي لم تنتقض في زمان من الازمنة أن من كان له من السنين ما ذكرناه، لم يكن من بالغي الحلم ولا مقاربيه، والله تعالى يقول: * (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) * (1) وإذا كان الله تعالى قد أوجب الحجر على هذين النفسين في أموالهما لايجابه ذلك في جملة الايتام، بطل أن يكونا إمامين لان الامام هو الوالي على الخلق في جميع أمر الدين والدنيا.


(1) – النساء / 6 (*).

[ 150 ]

وليس يصح أن يكون الوالي على أموال الله تعالى كلها من الصدقات والاخماس والمأمون على الشريعة والاحكام وإمام الفقهاء والقضاة والحكام والحاجز على كثير من ذوي الالباب في ضروب من الاعمال، من لا ولاية له على درهم واحد من مال نفسه ولا يؤمن على النظر لنفسه ومن هو محجور عليه لصغر سنه ونقصان عقله لتناقض ذلك واستحالته، وهذا دليل على بطلان مذاهب الامامية خاصة. فالجواب عن ذلك وبالله التوفيق قال الشيخ أدام الله عزه: هذا كلام يوهم الضعفة ويوقع الشبهة لمن لا بصيرة له، ويروع بظاهره قبل الفحص عن معناه والعلم بباطنه. وجملة القول فيه أن الآية التي اعتمدها هؤلاء القوم في هذا الباب، خاصة وليست بعامة بدلالة توجب خصوصها وتدل على بطلان الاعتقاد لعمومها. وذلك أن الله سبحانه وتعالى قد قطع العذر في كمال من أوجب له الامامة ودل على عصمة من نصبه للرئاسة، وقد وضح بالبرهان القياسي والدليل السمعي إمامة هذين الامامين – عليهما السلام – فاوجب ذلك خروجهما من جملة الايتام الذين توجه نحوهم الكلام. كما أوجب العقل خصوص قوله تعالى: * (والله على كل شئ قدير) * (1) وقام الدليل على عدم العموم من قوله تعالى: * (واوتيت من كل شئ) * (2) و * (فتحنا عليهم أبواب كل شئ) * (3). وكما خص الاجماع قوله تعالى: * (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) * (4)، فأفرد النبي بغير هذا الحكم ممن


(1) – البقرة 284. (2) – النمل / 23. (3) – الانعام / 44. (4) – النساء / 3 (*).

[ 151 ]

انتظمه الخطاب. وكما خص العقل قوله تعالى: * (إنا أعتدنا للكافرين نارا أحاط بهم سرادقها) * (1) وقوله تعالى: * (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها) * (2) وقوله تعالى: * (ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا) * (3) فاخرج آدم وموسى وذا النون وغيرهم من الانبياء – عليهم السلام – والصالحين الذين وقع منهم ظلم صغير فذكرهم الله في صريح التنزيل إذ لم يذكرهم على التفصيل. وكما اختصت الاية في السراق من قوله: * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم) * (4) فجعلت في سارق دون سارق ولم يعم السراق، وكما اختصت آية القتل قوله: * (النفس بالنفس) * (5). وأشباه ذلك مما يطول شرحه. وإذا كان المستدل بما حكيناه على الامامية معترفا بخصوص ما هو على الظاهر عموم بدليل يدعيه ربما ووفق فيه وربما خولف فيه، كانت الامامية غير حرجة في اعتقادها خصوص آية الحجر بدليل يوجبه العقل ويحصل عليه الاجماع على التنزيل الذي أذكره والبيان، وذلك أنه لا خلاف بين الامة أن هذه الآية يختص انتظامها لنواقص العقول عن حد الاكمال الذي يوجب الايناس فلم تك منتظمة لمن حصل له من العقل ما هو حاصل لبالغي الحلم من أهل الرشاد فبطل أن تكون منتظمة للائمة – عليهم السلام -.


(1) – الكهف / 29. (2) – النساء / 14. (3) الفرقان / 19 (4) – المائدة / 38. (5) – المائدة / 45 (*).

[ 152 ]

والذي يكشف لك عن وهن هذه الشبهة التي أوردها هؤلاء الضعفاء هو أن المحتج بهذه الاية لا يخلو من أن يكون مسلما للشيعة إمامة هذين النفسين – عليهما السلام – تسليم جدل أو منكرا لامامتهما غير معترف بها على حال، فإن كان مسلما لذلك فقد سقط احتجاجه لضرورته إلى الاعتراف بخروج من أكمل الله عز وجل عقله وكلفه المعارف وعصمه من الذنوب والمآثم، من عموم هذه الاية ووجوب ما وصفناه للامام. وإن كان منكرا لم يكن لكلامه في تأويل هذه الاية معنى لان التأويل للقران فرع لا يتم إلا بأصله. ولان إنكاره لامامة من ذكرناه بغير الآية التي تعلق بها يغنيه عن الاعتماد عليها ولا يفقره إليها فإن اعتمد عليها فإنما يعتمد على ضرب من الرجحان، مع أن كلامه حينئذ يكون كلام من احتج بعموم قوله: * (والله على كل شئ قدير) * مع منازعته في المخلوق، وإنكاره القول بالتعديل وككلام من تعلق بعموم قوله: * (ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا) * مع إنكاره عصمة الانبياء من الكبائر والقطع على أنهم من أهل الثواب، وهذا تخليط لا يصير إليه ناظر مع أن الخصوص قد يقع في القول ولا يصح وقوعه في عموم العقل والعقل موجب لعموم الائمة – عليهم السلام – بالكمال والعصمة فإذا دل الدليل على إمامة هذين النفسين – عليهما السلام – وجب خصوص الاية فيمن عداهما بلا ارتياب. مع أن العموم لا صيغة له عندنا فيجب استيعاب الجنس بنفس اللفظ وإنما يجب ذلك بدليل يقترن إليه، فمتى تعرى عن الدليل وجب الوقف فيه ولا دليل على عموم هذه الاية، وهذا خلاف ما توهموه. على أن خصومنا قد نسوا في هذا الباب شيئا لو ذكروه لصرفهم عن هذا الاحتجاج، وذلك أنهم يخصون قوله تعالى: * (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل


[ 153 ]

حظ الانثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف) * (1) ويخرجون ولد رسول الله (ص) من عموم هذه الآية بخبر واحد ينقضه القرآن ويرده اتفاق آل محمد – عليهم السلام – ولا يقنعون من خصومهم أن يخصوا آية الايتام بدليل العقل وبرهان القياس وتواتر الاخبار بالنص على هؤلاء الائمة – عليهم السلام -، فمن رأى أعجب من هؤلاء القوم ! ولا أظلم ولا أشد جورا في الاحكام، والله نسأل التوفيق للصواب بمنه. فصل ومن كلام الشيخ أدام الله عزه في الرجعة وجواب سؤال فيها سأله المخالفون قال الشيخ: سأل بعض المعتزلة شيخا من أصحابنا الامامية وأنا حاضر في مجلس قد ضم جماعة كثيرة من أهل النظر والمتفقهة فقال له: إذا كان من قولك إن الله جل اسمه يرد الاموات إلى دار الدنيا قبل الاخرة عند قيام القائم – عليه السلام – ليشفى المؤمنين كما زعمتم من الكافرين وينتقم لهم منهم كما فعل ببني اسرائيل فيما ذكرتم حتى تتعلقون بقوله تعالى: * (ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم باموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا) * (2) فخبرني ما الذي يؤمنك أن يتوب يزيد وشمر وعبد الرحمان بن ملجم ويرجعوا عن كفرهم وضلالهم ويصيروا في تلك الحال إلى طاعة الامام – عليه السلام – فيجب عليك ولايتهم والقطع بالثواب لهم ؟ وهذا نقض مذاهب الشيعة. فقال الشيخ المسؤول: القول في الرجعة إنما قبلته من طريق التوقيف وليس


(1) – النساء / 11. (2) – الاسراء / 6 (*).

[ 154 ]

للنظر فيه مجال وأنا لا أجيب عن هذا السؤال لانه لا نص عندي فيه وليس يجوز أن أتكلف من غير جهة النص الجواب، فشنع السائل وجماعة المعتزلة عليه بالعجز والانقطاع. وقال الشيخ أدام الله عز،: فاقول أنا ابين في هذا السؤال جوابين. أحدهما: أن العقل لا يمنع من وقوع الايمان ممن ذكره السائل لانه (لا ن خ) يكون إذ ذاك قادرا عليه ومتمكنا منه لكن السمع الوارد عن أئمة الهدى – عليهم السلام – بالقطع عليهم بالخلود في النار والتدين بلعنهم، والبراءة منهم إلى آخر الزمان منع من الشك في حالهم، وأوجب القطع على سوء اختيارهم فجروا في هذا الباب مجرى فرعون وهامان وقارون ومجرى من قطع الله عز اسمه على خلوده في النار ودل بالقطع على أنهم لا يختارون أبدا الايمان ممن قال الله تعالى في جملتهم: * (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلهم الموتى وحشرنا عليهم كل شئ قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله) * (1) يريد إلا أن يلجئهم الله، والذين قال الله تعالى فيهم: * (إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون * ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون) * (2) ثم قال جل من قائل في تفصيلهم وهو يوجه القول إلى إبليس: * (لاملان جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين) * (3). وقوله: * (وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين) * (4) وقوله: * (تبت يدا أبي لهب


(1) – الانعام / 111. (2) – الانفال / 22 – 23. (3) – ص / 85. (4) – ص / 78 (*).

[ 155 ]

وتب * ما أغنى عنه ماله وما كسب * سيصلى نارا ذات لهب) * (1) فقطع عليه بالنار وأمن من انتقاله إلى ما يوجب له الثواب، وإذا كان الامر على ما وصفناه بطل ما توهموه على هذا الجواب. والجواب الاخر أن الله سبحانه إذا رد الكافرين في الرجعة لينتقم منهم لم يقبل لهم توبة وجروا في ذلك مجرى فرعون لما أدركه الغرق * (قال امنت الله لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وانا من المسلمين) * (2)، قال السبحانه: * (الان وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين) * (3) فرد الله عليه إيمانه ولم ينفعه في تلك الحال ندمه وإقلاعه، وكاهل الاخرة الذين لا تقبل لهم توبة ولا ينفعهم ندم لانهم كالملجئين إذ ذأك إلى الفعل، ولان الحكمة تمنع من قبول التوبة أبدا وتوجب اختصاص بعض الاوقات بقبولها دون بعض. وهذا هو الجواب الصحيح على مذهب أهل الامامة، وقد جاءت به آثار متظاهرة عن ال محمد – عليهم السلام – حتى روي عنهم في قوله سبحانه: * (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن امنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون) * (4) فقالوا: إن هذه الاية هو القائم – عليه السلام -، فإذا ظهر لم تقبل توبة المخالف، وهذا يسقط ما اعتمده السائل. سؤال – فان قالوا في هذا الجواب: ما أنكرتم أن يكون الله سبحانه على ما أصلتموه قد أغرى عباده بالعصيان وأباحهم الهرج والمرج والطغيان لانهم إذا كانوا يقدرون على الكفر وأنواع الضلال وقد يئسوا من قبول التوبة، لم يدعهم داع إلى الكف عما في طباعهم ولا انزجروا عن فعل قبيح يصلون به إلى النفع العاجل، ومن وصف الله سبحانه باغراء خلقه بالمعاصي وإباحتهم الذنوب فقد أعظم


(1) – المسد / 1. (2) و (3) – يونس / 95 – 91. (4) – الانعام / 158 (*).

[ 156 ]

الفرية عليه ؟. جواب – قيل لهم: ليس الامر على ما ظننتموه وذلك أن الدواعي لهم إلى المعاصي ترتفع إذ ذاك ولا يحصل لهم داع إلى قبيح على وجه من الوجوه ولا سبب من الاسباب لانهم يكونون قد علموا بما سلف لهم من العذاب إلى وقت الرجعة على خلاف أئمتهم – عليهم السلام – ويعلمون في الحال أنهم معذبون على ما سبق لهم من العصيان، وأنهم إن راموا فعل قبيح تزايد عليهم العقاب ولا يكون لهم عند ذلك طبع يدعوهم إلى ما يتزايد عليهم به العذاب بل تتوفر لهم دواعي الطباع والخواطر كلها إلى اظهار الطاعة والانتقال عن العصيان، وإن لزمنا هذا السؤال لزم جميع أهل الاسلام مثله في أهل الاخرة وحالهم في إبطال توبتهم وكون توبتهم غير مقبولة منهم، فمهما أجاب به الموحدون لمن ألزمهم ذلك، فهو جوابنا بعينه. سؤال اخر – وإن سالوا على المذهب الاول والجواب المتقدم فقالوا: كيف يتوهم من القوم الاقامة على العناد والاصرار على الخلاف وقد عاينوا فيما يزعمون عقاب القبور وحل بهم عند الرجعة العذاب على ما يعلمون مما زعمتم أنهم مقيمون عليه، وكيف يصح أن تدعوهم الدواعي إلى ذلك، ويخطر لهم في فعله الخواطر وما أنكرتم أن تكونوا في هذه الدعوى مكابرين ؟. الجواب – قيل لهم. يصح ذلك على مذهب من أجاب بما حكيناه من أصحابنا بان نقول: إن جميع ما عددتموه لا يمنع من دخول الشبهة عليهم في استحسان الخلاف لان القوم يظنون انهم إنما بعثوا بعد الموت تكرمة لهم وليلوا الدنيا كما كانوا، و (لان خ) يظنون أن ما اعتقدوه في العذاب السالف لهم كان غلطا منهم، وإذا حل بهم العقاب ثانية توهموا قبل مفارقة أرواحهم أجسادهم أن ذلك ليس من طريق الاستحقاق وأنه من الله تعالى لكنه كما تكون الدول وكما حل بالانبياء.


[ 157 ]

ولاصحاب هذا الجواب أن يقولوا: ليس ما ذكرناه في هذا الباب باعجب من كفر قوم موسى وعبادتهم العجل وقد شاهدوا منه الايات وعاينوا ما حل بفرعون وملئه على الخلاف، ولا هو باعجب من إقامة أهل الشرك على خلاف رسول الله (ص) وهم يعلمون عجزهم عن مثل ما أتى به القرآن، ويشهدون معجزاته واياته عليه وآله السلام، ويجدون مخبرات أخباره على حقائقها من قوله تعالى: * (سيهزم الجمع ويولون الدبر) * (1) وقوله: * (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله امنين) * (2). وقوله: * (الم * غلبت الروم * في إدنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون) * (3) وما حل بهم من العقاب بسيفه عليه وآله السلام وهلاك كل من توعده بالهلاك، هذا وفيمن أظهر الايمان به المنافقون ينضافون في خلافه إلى أهل الشرك والضلال. على أن هذا السؤال لا يسوغ لاصحاب المعارف من المعتزلة لانهم يزعمون أن أكثر المخالفين على الانبياء كانوا من أهل العناد، وأن جمهور المظهرين للجهل بالله يعرفونه على الحقيقة ويعرفون أنبياءه وصدقهم ولكنهم في الخلاف على اللجاجة والعناد. فلا يمنع أن يكون الحكم في الرجعة وأهلها على هذا الوصف الذي حكيناه، وقد قال الله تعالى: * (ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين * بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون) * (4). فاخبر سبحانه أن أهل العقاب لو ردهم الله تعالى إلى الدنيا لعادوا إلى الكفر والعناد مع ما شاهدوا في القبور وفى المحشر من الاهوال وما ذاقوا من أليم العذاب.


(1) – القمر / 45. (2) – الفتح / 27. (3) – الروم / 1 – 3. (4) – الانعام / 27 – 28 (*).

[ 158 ]

فصل ومن كلام الشيخ أدام الله عزه في المتعة، قال الشيخ أدام الله عزه: حضرت دار بعض قواد الدولة وكان بالحضرة شيخ من الاسماعيلية يعرف بابن لؤلؤ فسألني ما الدليل على إباحة المتعة ؟ فقلت له: الدلالة على ذلك قول الله جل جلاله: * (واحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فاتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضينم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما) * (1) فاحل جل اسمه نكاح المتعة بصريح لفظها وبذكر أوصافه من الاجر عليها والتراضي بعد الفرض من الازدياد في الاجل وزيادة الاجر فيها. فقال: ما أنكرت أن تكون هذه الاية منسوخة بقوله: * (والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) * (2) فحظر الله تعالى النكاح إلا لزوجة أو ملك يمين، وإذا لم تكن المتعة زوجة ولا كانت ملك يمين فقد سقط قول من أحلها. فقلت له: قد أخطأت في هذه المعارضة من وجهين: أحدهما أنك ادعيت أن المستمتع بها ليست بزوجة ومخالفك يدفعك عن ذلك ويثبتها زوجة في الحقيقة. والثاني أن سورة المؤمنين مكية وسورة النساء مدنية والمكي متقدم للمدني فكيف يكون ناسخا له وهو متاخر عنه، وهذه غفلة شديدة (هامش) * (1) – النساء / 24. (2) – المؤمنون / 5 – 7 (*).


[ 159 ]

فقال: لو كانت المتعة زوجة لكانت ترث ويقع بها الطلاق، وفي إجماع الشيعة على أنها غير وارثة ولا مطلقة، دليل على فساد هذا القول. فقلت له: وهذا أيضا غلط منك في الديانة، وذلك أن الزوجة لم يجب لها الميراث ويقع بها الطلاق من حيث كانت زوجة فقط، وإنما حصل لها ذلك بصفة تزيد على الزوجية، والدليل على ذلك أن الامة إذا كانت زوجة لم ترث ولم تورث والقاتلة لا ترث، والذمية لا ترث، والامة المبيعة تبين بغير طلاق، والملاعنة تبين أيضا بغير طلاق وكذلك المختلعة والمرتدة والمرتد عنها زوجها والمرضعة قبل الفطام بما يوجب التحريم من لبن الام أو الزوجة تبين بغير طلاق، وكل ما عددناه زوجات في الحقيقة فبطل ما توهمت فلم يات بشئ. فقال صاحب المجلس وهو رجل أعجمي لا معرفة له بالفقه وإنما يعرف الظواهر: أنا أسالك في هذا الباب عن مسالة خبرني هل تزوج رسول الله (ص) متعة أو تزوج أمير المؤمنين – عليه السلام – ؟ فقلت له: لم يات بذلك خبر ولا علمته. فقال لي: لو كان في المتعة خير ما تركها رسول الله (ص) وأمير المؤمنين – عليه السلام -، فقلت له: أيها القائد ليس كل ما لم يفعله رسول الله (ص) كان محرما وذلك أن رسول الله (ص) والائمة – عليهم السلام – كافة لم يتزوجوا بالاماء، ولا نكحوا الكتابيات ولا خالعوا ولا تزوجوا بالزنج ولا نكحوا السند ولا اتجروا إلى الامصار ولا جلسوا باعة للتجارة وليس ذلك كله محرما ولا منه شئ محظورا إلا ما اختصت الشيعة به دون مخالفيها من القول في نكاح الكتابيات. فقال: دع هذا وخبرني عن رجل ورد من قم يريد الحج فدخل إلى مدينة السلام فاستمتع فيها بامرأة ثم انقضى أجلها فتركها وخرج إلى الحج وكانت حاملا منه ولم يعلم بحالها فحج ومضى إلى بلده وعاد بعد عشرين سنة وقد ولدت


[ 160 ]

بنتا وشبت ثم عاد إلى مدينة السلام فوجد فيها تلك الابنة فاستمتع بها وهو لا يعلم أليس يكون قد نكح بنته وهذا فظيع جدا. فقلت له: إن أوجب هذا الذي ذكره القائد تحريم المتعة وتقبيحها، أوجب تحريم نكاح الميراث وكل نكاح وتقبيحه، وذلك أنه قد يتفق فيه مثل ما وصفته وجعلته طريقا إلى حظر المتعة، وذلك أنه لا يمنع أن يخرج رجل من أهل السنة وأصحاب أحمد بن حنبل من خوارزم قاصدا للحج فينزل بمدينة السلام ويحتاج إلى النكاح، فيستدعي امرأة من جيرانه حنبلية سنية فيسألها ان تلتمس له امرأة ينكحها، فتدله على امرأة شابة ستيرة ثيب لا ولي لها فيرغب فيها وتجعل المرأة أمرها إلى إمام المحلة وصاحب مسجدها، فيحضر رجلين ممن يصلي معه ويعقد عليها النكاح للخوارزمي السني الذي لا يرى المتعة ويدخل بالمرأة ويقيم معها إلى وقت رحيل الحاج إلى مكة، فيستدعي الشيخ الذي عقد عليه النكاح فيطلقها بحضرته ويعطيها عدتها وما يجب عليه من نفقتها، ثم يخرج فيحج وينصرف من مكة على طريق البصرة إلى بلده وقد كانت المرأة حاملا وهو لا يعلم فيقيم عشرين سنة ثم يعود إلى مدينة السلام للحج، فينزل في تلك المحلة بعينها ويسال عن العجوز فيفقدها لموتها فيسأل عن غيرها، فتاتيه قرابة لها أو نظيرة لها في الدلالة فتذكر له جارية هي بنت المتوفاة بعينها، فيرغب فيها ويعقد عليها كما عقد على امها بولي وشاهدين ثم يدخل بها فيكون قد وطئ بنته فيجب على القائد أن يحرم لهذا الذي ذكرناه كل نكاخ. فاعرض الشيخ السائل أولا فقال: عندنا أنه يجب على هذا الرجل أن يوصي إلى جيرانه باعتبار حالها، وهذا يسقط هذه الشناعة. فقلت له. إن كان هذا عندكم واجبا فعندنا أوجب منه وأشد لزوما أن يومي المستمتع ثقة من إخوانه في


[ 161 ]

البلد باعتبار حال المستمتع بها، فإن لم يجد أخا أوصى قوما من أهل البلد وذكر لهم أنها كانت زوجته ولم يذكر المتعة وهذا شرط عندنا فقد سقط أيضا ما توهمته. ثم أقبلت على صاحب المجلس فقلت له: إن أمرنا مع هؤلاء المتفقهة عجيب وذلك أنهم مطبقون على تبديعنا في نكاح المتعة مع إجماعهم على أن رسول الله (ص) قد كان أذن فيها وأنها عملت على عهده، ومع ظاهر كتاب الله عزوجل في تحليلها، وإجماع آل محمد – عليهم السلام – على إباحتها، والاتفاق على أن عمر حرمها في أيامه مع إقراره بانها كانت حلالا على عهد رسول الله (ص)، فلو كنا على ضلالة فيها لكنا في ذلك على شبهة تمنع ما يعتقده المخالف فينا من الضلال والبراءة منا. وليس فيمن يخالفنا إلا من يقول في النكاح وغيره بضد القران وخلاف الاجماع ونقض شرع الاسلام والمنكر في الطباع وعند ذوي المروءات، ولا يرجع في ذلك إلى شبهة تسوغه في قوله وهم معه يتولى بعضهم بعضا ويعظم بعضهم بعضا، وليس ذلك إلا لاختصاص قولنا بآل محمد – عليهم السلام – فلعداوتهم لهم رمونا عن قوس واحد. هذا أبو حنيفة النعمان بن ثابت يقول: لو أن رجلا عقد على أمه عقدة النكاح وهو يعلم أنها أمه ثم وطئها لسقط عنه الحد ولحق به الولد. وكذلك قوله في الاخت والبنت، وكذلك سائر المحرمات، ويزعم أن هذا نكاخ شبهة أوجبت سقوط الحد عنه. ويقول: لو أن رجلا استأجر غسالة أو خياطة أو خبازة أو غير ذلك من أصحاب الصناعات ثم وثب عليها فوطئها وحملت منه سقط عنه الحد ولحق به الولد.


[ 162 ]

ويقول: إذا لف الرجل على إحليله حريرة ثم أولجه في قبل امرأة ليست له بمحرم حتى ينزل لم يكن زانيا ولا وجب عليه الحد. ويقول: إن الرجل إذا يلوط بغلام فأوقب لم يجب عليه الحد ولكن يردع بالكلام الغليظ والادب والخفقة بالنعل والخفقتين وما أشبه ذلك. ويقول: إن شرب النبيذ الصلب المسكر حلال طلق، وهو سنة وتحريمه وقال الشافعي: إذا فجر الرجل بامرأة فحملت منه فأولدت بنتا فانه يحل للفاجر أن يتزوج بهذه البنت ويطاها ويولدها لا حرج عليه في ذلك فاحل نكاح البنات وقال: لو أن رجلا اشترى اخته من الرضاعة ووطئها لما وجب عليه الحد، وكان يجيز سماع الغناء بالقصب وأشباهه. وقال مالك بن أنس: إن وطئ النساء في أحشاشهن حلال طلق، وكان يرى سماع الغناء بالدف وأشباهه من الملاهي، ويزعم أن ذلك سنة في العرسات وا لولائم. وقال داود بن علي الاصفهاني: إن الجمع بين الاختين في ملك اليمين حلال طلق، والجمع بين الام والبنت غير محظور فاقتسم هؤلاء الفجور وكل منكر فيما بينهم واستحلوه ولم ينكر بعضهم على بعض، مع أن الكتاب والسنة والاجماع تشهد بضلالهم في ذلك، ثم عظموا أمر المتعة والقران شاهد بتحليلها والسنة والاجماع يشهدان بذلك، فيعلم أنهم ليسوا من أهل الدين ولكنهم من أهل العصبية والعداوة لال محمد – عليهم السلام – فاستعظم صاحب المجلس ذلك وأنكره وأظهر البراءة من معتقديه وسهل عليه أمر المتعة والقول بها.


[ 163 ]

فصل قال الشيخ أدام الله عزه: وقد كنت استدللت با لاية التي قدمت تلاوتها على تحليل المتعة في مجلس كان صاحبه رئيس زمانه فاعترضني فيها أبو القاسم الداركي فقال: ما أنكرت أن يكون المراد بقوله تعالى: * (فما استمتعتم به منهن فاتوهن اجورهن فريضة) * إنما أراد به نكاح الدوام وأشار بالاستمتاع إلى الالتذاذ دون نكاح المتعة الذي تذهب إليه. فقلت له: إن الاستمتاع وإن كان في الاصل هو الالتذاذ فانه إذا علق بذكر النكاح وأطلق بغير تقييد لم يرد به إلا نكاح المتعة خاصة لكونه علما عليها في الشريعة وتعارف أهلها. ألا ترى أنه لو قال قائل: نكحت أمس امرأة متعة، أو هذه المرأة نكاحي لها أو عقدي عليها للمتعة أو أن فلانا يستحل نكاح المتعة لما فهم من قوله إلا النكاح الذي تذهب إليه الشيعة خاصة، وإن كانت المتعة قد تكون بوطئ الاماء والحرائر على الدوام كما أن الوطئ في اللغة هو وطئ القدم ومماسة باطنه للشئ على سبيل الاعتماد، ولو قال قائل: وطئت جاريتي ومن وطف امرأة غيره فهو زان، وفلان يطأ إمرأته وهي حائض لم يعقل من ذلك مطلقا على أصل الشريعة إلا النكاخ دون وطئ القدم. وكذلك الغائط هو الشئ المحوط، وقيل هو الشئ المنهبط ولو قال قائل: هل يجوز أن آتي الغائط ثم لا أتوضأ واصلي، أو قال: فلان أتى الغائط ولم يستبرئ، لم يفهم من قوله إلا الحدث الذي يجب منه الوضؤ


[ 164 ]

وأشباه ذلك مما قد تقرر في الشريعة. وإذا كان الامر على ما وصفناه فقد ثبت أن إطلاق لفظ نكاح المتعة لا يقع إلا على النكاح الذي ذكرناه، وإن كان الاستمتاع في أصل اللغة هو الالتذاذ كما قدمناه. فاعترض القاضي أبو محمد بن معروف فقال: هذا الاستدلال يوجب عليك أن لا يكون الله تعالى أحل بهذه الاية غير نكاح المتعة لانها لا تتضمن سواه، وفى الاجماع على انتظامها تحليل نكاح الدوام دليل على بطلان ما اعتمدته. فقلت له: ليس يدخل هذا الكلام على أصل الاستدلال ولا يتضمن معتمدي ما ألزمنيه القاضي فيه وذلك أن قوله سبحانه: * (وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا باموالكم محصنين غير مسافحين) * (1) يتضمن تحليل المناكح المخالفة للسفاح في الجملة ويدخل فية نكاح الدوام من الحرائر والاماء ثم يختص نكاح المتعة بقوله تعالى: * (فما استمتعتم به منهن فاتوهن اجورهن فريضة) * ويجري ذلك مجرى قول القائل: (قد حرم الله عليك نساء باعيانهن وأحل لك ما عداهن فان استمتعت منهن فالحكم فيه كذا وكذا، وإن نكحت نكاح الدوام فالحكم فيه كيت وكيت). فيذكر له المحللات في الجملة، ويبين له حكم نكاح بعضهن، كما يذكرهن له، ثم يبين له أحكام نكاحهن كلهن. فما أعلمه زاد علي شيئا.


(1) – النساء / 24 (*).

[ 165 ]

فصل قال الشيخ أدام الله عزه: قد كنت حضرت مجلس الشريف أبي الحسن أحمد ابن القاسم المحمدي رحمه الله وحضره أبو القاسم الداركي فسأله بعض الشيعة عن الدلالة على تحريم نكاح المتعة عنده فاستدل بقوله تعالى: * (والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فاولئك هم العادون) * (1) قال: والمتعة باتفاق الشيعة ليست بزوجة ولا ملك يمين فبطل أن تكون حلالا. فقال له السائل: ما أنكرف أن تكون زوجة، وما حكيته عن الشيعة من إنكار ذلك لا أصل له. فقال له: لو كانت زوجة كانت وارثة لان الاتفاق حاصل على أن كل زوجة فهي وارثة وموروثة إلا ما أخرجه الدليل من الامة والذمية والقاتلة، فنازعه السائل في هذه الدعوى وقال: ما أنكرت أن تكون المتعة أيضا زوجة تجري مجرى الذمية والرق والقاتلة في خروجها عن استحقاق الميراث وضايقه في هذه المطالبة. فلما طال الكلام بينهما في هذه النكتة وتردد قال: الدليل على أنها ليست بزوجة أن القاصد إلى الاستمتاع بها إذا قال لها: تمتعيني نفسك، فانعمت له، حصلت متعة ليس بينها وبينه ميراث ولا يلحقها الطلاق، وإذا قال لها: زوجيني نفسك، فانعمت، حصلت زوجة يقع بها الطلاق ويثبت بينها وبينه الميراث، فلو


(1) – المؤمنون / 5 – 7 (*).

[ 166 ]

كانت المتعة زوجة لما اختلف حكمها باختلاف الالفاظ ولا وقع الفرق بين أحكامها بتغاير الكلام ولوجب أن يقع الاستمتاع في العقد بلفظ التزويج، ويقع التزويج بلفظ الاستمتاع وهذا باطل باجماع الشيعة وما هم عليه من الاتفاق، فلم يدر السائل ما يقول له لعدم فهمه وفقهه وضعف بصيرته باصل المذهب. فقال الشيخ أدام الله عزه: فقلت للداركي: لم زعمت أن الاحكام قد تتغير باختلاف ما ذكرت من الكلام، وما أنكرت أن يكون العقد عليها بلفظ الاستمتاع يقوم مقام العقد عليها بلفظ الزوجية، وأن يكون لفظ الزوجية يقوم مقام لفظ الاستمتاع فهل تجد لما ادعيت من هذا الامر برهانا أو عليه دليلا أو فيه بيان ؟. وبعد فكيف استجزت أن تدعي إجماع الشيعة على ما ذكرت ولم يسمع ذلك من أحد منهم ولا قرأت لهم في كتاب ونحن معك في المجلس نفتي بانه لا فرق بين اللفظين في باب العقد للنكاح سواء كان نكاح الدوام أو نكاح المتعة، وإنما الفصل بين النكاحين في اللفظ ومن جهة الكلام ذكر الاجل في نكاح الاستمتاع وترك ذكره في نكاح الميراث. فلو قال لها: تمتعيني نفسك، ولم يذكر الاجل لوقع نكاح الميراث لا ينحل إلا بالطلاق، ولو قال لها: تزوجيني نفسك إلى أجل كذا، فأنعمت به لوقع نكاح استمتاع، وهذا ما ليس فيه بين الشيعة خلاف، فلم يرد شيئا تجب حكايته وظهر عليه بحمد الله الكلام.


[ 167 ]

فصل ومن حكايات الشيخ أدام الله عزه قال: سئل الفضل بن شاذان رحمه الله تعالى عما روته الناصبة عن أمير المؤمنين – عليه السلام – أنه قال: ” لا اوتي برجل يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته جلدة المفتري ” فقال: إنما روى هذا الحديث سويد ابن غفلة، وقد أجمع أهل الاثار على أنه كان كثير الغلط، وبعد فان نفس الحديث متناقض لان الامة مجمعة على أن عليا – عليه السلام – كان عدلا في قضيته وليس من العدل أن يجلد حد المفتري من لم يفتر، هذا جور على لسان الامة كلها وعلي بن أبي طالب – عليه السلام – عندنا برئ من ذلك. قال الشيخ أدام الله عزه وأقول: إن هذا الحديث إن صح عن أمير المؤمنين – عليه السلام – ولن يصح بأدلة أذكرها بعد، فان الوجه فيه أن المفاضل بينه وبين الرجلين إنما وجب عليه حد المفتري من حيث أوجب لهما بالمفاضلة ما لا يستحقانه من الفضل، لان المفاضلة لا تكون إلا بين متقاربين في الفضل وبعد أن يكون في المفضول فضل، وإن كانت الدلائل على أن من لا طاعة معه لا فضل له في الدين، وأن المرتد عن الاسلام ليس فيه شئ من الفضل الديني، وكان الرجلان بجحدهما النص قد خرجا عن الايمان، بطل أن يكون لهما فضل في الاسلام، فكيف يحصل لهما من الفضل ما يقارب فضل أمير المؤمنين – عليه السلام – ؟ ومتى فضل إنسان أمير المؤمنين – عليه السلام – عليهما فقد أوجب لهما فضلا عظيما في الدين. فإنما استحق حد المفتري الذي هو كاذب دون المفتري الذي هو راجم بالقبيح لانه افترى بالتفضيل لامير المؤمنين – عليه السلام – عليهما من حيث كذب


[ 168 ]

في إثبات فضل لهما في الدين، ويجري في هذا الباب مجرى من فضل المسلم البر التقي على الكافر المرتد الخارج عن الدين، ومجرى من فضل جبرئيل – عليه السلام – على إبليس، ورسول الله (ص) على أبي جهل بن هشام في أن المفاضلة بين ما ذكرناه توجب لمن لا فضل له على وجه فضلا مقاربا لفضل العظماء عند الله سبحانه، وهذا بين لمن تأمله. مع أنه لو كان هذا الحديث صحيحا وتاويله على ما ظنه القوم لوجب أن يكون حد المفتري واجبا على رسول الله (ص) وحاشا له من ذلك لان رسول الله (ص) قد فضل أمير المؤمنين – عليه السلام – على سائر الخلق فآخى بينه وبين نفسه، وجعله بحكم الله في المباهلة نفسه، وسد أبواب القوم إلا بابه، ورد كبراء أصحابه عن إنكاحهم ابنته سيدة نساء العالمين – عليها السلام – وأنكحه وقدمه في الولايات كلها ولم يؤخره، وأخبر أنه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، وأنه أحب الخلق إلى الله وأنه مولى من كان مولاه من الانام، وأنه منه بمنزلة هارون من موسى بن عمران، وأنه – عليه السلام – أفضل من سيدي شباب أهل الجنة، وأن حربه حربه وسلمه سلمه وغير ذلك مما يطول شرحه إن ذكرناه. وكان يجب أيضا أن يكون – عليه السلام – قد أوجب الحد على نفسه إذ أبان عن فضله على سائر أصحاب رسول الله (ص) حيث يقول: ” أنا عبد الله وأخو رسول الله (ص) لم يقلها أحد قبلي، ولا يقولها أحد بعدي إلا كذاب مفتر، صليت قبلهم سبع سنين “. وفي قوله – عليه السلام – لعثمان وقد قال له: أبو بكر وعمر خير منك. فقال: بل أنا خير منك ومنهما، عبدت الله قبلهما وعبدته بعدهما. وكان أيضا قد أوجب الحد


[ 169 ]

على ابنه الحسن – عليه السلام – وجميع ذريته وأشياعه وأنصاره وأهل بيته، فإنه لا ريب في اعتقادهم فضله على سائر الصحابة، وقد قال الحسن – عليه السلام – صبيحة الليلة التي قبض فيها أمير المؤمنين – عليه السلام -: ” لقد قبض في هذه الليلة رجل ما سبقه الاولون بعمل ولا أدركه الآخرون ” وهذه المقالة متهافتة جدا. قال الشيخ أدام الله عزه: ولست أمنع العبارة بان أمير المؤمنين – عليه السلام – كان أفضل من أبي بكر وعمر على معنى تسليم فضلهما من طريق الجدل، أو على معتقد الخصوم في أن لهما فضلا في الدين، فاما على تحقيق القول في المفاضلة فانه غلط وباطل. قال الشيخ أدام الله عزه: وشاهد ما أطلقت من القول ونظيره قول أمير المؤمنين – عليه السلام – في أهل الكوفة: ” اللهم إني قد مللتهم وملوني وسئمتهم وسئموني، اللهم فابدلني بهم خيرا منهم وابدلهم بي شرا مني ” ولم يكن في أمير المؤمنين – عليه السلام – شر وإنما أخرج الكلام على اعتقادهم فيه ومثله قول حسان وهو يعني النبي (ص). أتهجوه ولست له بكفؤ * * فشركما لخيركما الفداء ولم يكن في رسول الله (ص) شر وإنما أخرج الكلام على معتقد الهاجي فيه.


[ 170 ]

فصل ومن حكايات الشيخ أدام الله عزه وكلامه، قال الشيخ أيده الله وقد كان الفضل بن شاذان رحمه الله استدل على إمامة أمير المؤمنين – عليه السلام – بقول الله تعالى: * (واولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين) * (1). قال: وإذا أوجب الله للاقرب برسول الله (ص) الولاية وحكم بانه أولى به من غيره، وجب أن أمير المؤمنين – عليه السلام – كان أولى بمقام رسول الله (ص) من كل أحد. قال الفضل: فإن قال قائل: فإن العباس كان أقرب إلى رسول الله (ص) من علي – عليه السلام -، قيل له: إن الله تعالى لم يذكر الاقرب في النبي (ص) دون أن علقه بوصف، فقال: * (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه امهاتهم واولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين) * فشرط في الاولى بالرسول الايمان والهجرة، ولم يكن العباس من المهاجرين، ولا كانت له هجرة بالاتفاق. قال الشيخ وأقول: إن أمير المؤمنين – عليه السلام – كان أقرب إلى رسول الله من العباس وأولى بمقامه منه إن ثبت أن المقام موروث، وذلك أن عليا – عليه السلام – كان ابن عم رسول الله (ص) لابيه وأمه، والعباس عمه لابيه خاصة، ومن تقرب بسببين كان أقرب ممن تقرب بسبب واحد. وأقول: إنه لو لم تكن فاطمة – عليه السلام – موجودة بعد رسول الله (ص) لكان أمير


(1) – الانفال / 75 (*).

[ 171 ]

المؤمنين – عليه السلام – أحق بميراث رسول الله (ص) وبتركته من العباس ولو ورث مع الولد أحد غير الابوين والزوج والزوجة لكان أمير المؤمنين – عليه السلام – أحق بميراث الرسول (ص) مع فاطمة – عليها السلام – من العباس لما قدمت من انتظامه القربة من جهتين واختصاص العباس بها من جهة واحدة. قال الشيخ أدام الله عزه: ولست أعلم بين أهل العلم خلافا في أن عليا – عليه السلام – كان ابن عم رسول الله (ص) لابيه وامه وأن العباص كان عمه لابيه خاصة، ويدل على ذلك ما رواه نقلة الاثار وهو أن أبا طالب رحمة الله عليه مر على رسول الله (ص) وهو يصلي وعلي – عليه السلام – إلى جانبه فلما سلم قال: ما هذا يابن أخ ؟ فقال له رسول الله (ص) شئ أمرني به ربي يقربني به إليه، فقال لابنه جعفر: يا بني صل جناح ابن عمك، فصلى رسول الله (ص) بعلي وجعفر جميعا يومئذ فكانت أول صلاة جماعة في الاسلام، ثم أنشا أبو طالب – عليه السلام – يقول: إن عليا وجعفرا ثقتي * * عند ملم الزمان والكرب والله لا أخذل النبي ولا * * يخذله من بني ذو حسب لا تخذلا وانصرا ابن عمكما * * أخي لامي من بينهم وأبي ومن ذلك ما رواه جابر بن عبد الله الانصاري رحمه الله قال: سمعت عليا – عليه السلام – ينشد ورسول الله (ص) يسمع: أنا أخو المصطفى لاشك في نسبي * * معه ربيت وسبطاه هما ولدي جدي وجد رسول الله منفرد * * وفاطم زوجتي لاقول ذي فند فالحمد لله شكرا لا شريك له * * البر بالعبد والباقي بلا أمد صدقته وجميع الناس في بهم * * من الضلالة والاشراك والنكد


[ 172 ]

قال: فابتسم رسول الله (ص) وقال: صدقت يا علي وفي ذلك يقول الشاعر ايضا: إن علي بن أبي طالب * * جدا رسول الله جداه أبو علي وأبو المصطفى * * من طينة طيبها الله فصل ومن كلام الشيخ أدام الله عزه في حوز البنت المال دون العم والاخ. سئل الشيخ أدام الله عزه في مجلس الشريف أبي الحسن علي بن أحمد بن إسحاق أدام الله عزه فقيل له: أخبرنا عن رجل توفي وخلف بنتا وعما كيف تقسم الفريضة في تركته ؟ فقال الشيخ أدام الله عز: إذا لم يكن ترك غيرا لمذكورين فالمال بأسره للبنت خاصة وليس للعم شئ، فقال السائل: لم زعمت أن المال للبنت خاصة وليس للعم شئ وما الدليل على ذلك ؟ فقال الشيخ أيده الله: الدليل على ذلك من كتاب الله عزوجل ومن سنة نبيه، ومن إجماع آل محمد – عليهم السلام -. فاما كتاب الله سبحانه فقوله جل جلاله: * (يوصيكم الله في اولادكم للذكر مثل حظ الانثيين فان كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وان كانت واحدة فلها النصف) * (1) فاوجب الله سبحانه للبنت النصف كملا مع الابوين وأوجب


(1) – النساء / 11 (*).

[ 173 ]

لها النصف الاخر مع العم بدلالة قوله تعالى: * (واولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين) * (1) وذلك أنه إذا كان الاقرب أولى من الابعد كانت البنت مستحقة للنصف مع العم كما تستحقه مع الابوين بنص التلاوة، ونظرنا في النصف الاخر ومن أولى به أهي أم العم ؟ فإذا هي وجدناها أقرب من العم لانها تتقرب بنفسها، والعم يتقرب إلى الميت بجده، والجد يتقرب إلى الميت بابيه، فوجب رد النصف الباقي إلى البنت بمفهوم اية ذوي الارحام. وأما السنة فان رسول الله (ص) لما قتل حمزة بن عبد المطلب – عليه السلام -، ابنته وأخاه العباس وابن أخيه رسول الله (ص) وبني أخيه عليا – عليه السلام – وجعفرا وعقيلا رضي الله عنهما، فورث رسول الله (ص) ابنته جميع تركته ولم يرث هو ممها شيئا ولا ورث أخاه العباس ولا بني أخيه أبي طالب رحمه الله، فدل على أن البنت أحق بالميراث كله من العم والاخ وابن الاخ وقد قال الله جل اسمه: * (لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة) * (2). وقال تعالى: * (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) * (3). وأما إجماع آل محمد – عليهم السلام -: فإن الاخبار متواترة عنهم بما حكيناه، وقد قال رسول الله (ص): ” إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض “. فقال السائل: ما أنكرت أن يكون قوله تعالى: * (واولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) *، ليس في الميراث لكنه في غيره، وأما فعل رسول الله (ص) مع


(1) – الانفال / 75. (2) – الاحزاب / 21. (3) – الحشر / 7 (*).

[ 174 ]

بنت حمزة فما أنكرت أن يكون إنما جاز له ذلك لانه استطاب نفوس الوراث معها. وأما الاجماع الذي ذكرت عن آل محمد – عليهم السلام – فإنه ليس بحجة لان الحجة هي في إجماع الامة بأسرها. فقال الشيخ أدام الله عزه: أما إنكارك كون آية ذوي الارحام في الميراث فانه غير مرتفع به ولا يعتمد عليه من كان معدودا في جملة أهل العلم وذلك أن الله سبحانه نسخ بهذه الآية ما كان عليه القوم من الموارثة بين الاخوان في الدين وحط عن الانصار ميراث المهاجرين لهم دون أقاربهم فقال سبحانه وتعالى * (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه امهاتهم واولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في كتاب الله مسطورا) * (1) فبين سبحانه أن ذوي الارحام أولى بذوي أرحامهم من المهاجرين الذين لا رحم بينهم ومن المؤمنين البعداء منهم في النسب. ثم قال: إلا أن تتبرعوا عليهم فتفعلوا بهم معروفا وهذا مما لا يختلف فيه من عرف الاخبار ونظر في السير والآثار مع دلالة تتضمن الكلام. على أنا لا نجد من ذوي الارحام أولى باقاربهم في شئ من الاشياء إلا في الميراث خاصة والعقل الذي يوجبه الميراث وما عدا ذلك فالامام أولى به من ذوى الارحام والمسلمون أولى به إذا لم ينظر فيه الامام. وأما ما ادعيت من استطابة رسول الله (ص) في أنفس المذكورين فلو كان على ما ذكرت ووصفت، لوجب أن يرد به النقل ويثبت في الآثار ويكون معروفا عند حملة الاخبار، فلما لم يذكر ذلك على وجه من الوجوه، دل على أنه لا أصل له وأن تخريجه باطل محال.


(1) – الاحزاب / 6 (*).

[ 175 ]

وأما دفعك الحجة من إجماع آل محمد – عليهم السلام – واعتمادك على إجماع الامة كافة فإنه إذا وجبت الحجة بإجماع الامة، وجبت بإجماع أهل البيت – عليهم السلام – لحصول الاجماع الذي ذكرت على موجب العصمة لال محمد – عليهم السلام – من قول النبي (ص) فإن بطل الاعتماد على إجماع آل محمد – عليهم السلام – مع الشهادة من النبي (ص) بأن المتمسك بهم لا يضل أبدا، بطلت الحجة من إجماع الامة إذ قد وجد الفساد فيما أجمعوا عليه من نقل الخبر الذي رويناه وهذا محال لا خفاء باستحالته فلم يرد شيئا. فصل ومن كلام الشيخ أدام الله عزه في الطلاق، قال الشيخ: حضرت يوما عند صديقنا أبي الهذيل سبيع بن المنبه المختاري رحمه الله وألحقه باوليائه الطاهرين – عليهم السلام – وحضر عنده الشيخان أبو طاهر وأبو الحسن الجوهريان والشريف أبو محمد بن المأمون فقال لي أحد الشيخين: ما تقول في طلاق الحامل إذا وقع الرجل منه ثلاثا في مجلس واحد ؟ قال: فقلت له: إذا أوقعه بحضور مسلمين عدلين وقعت منه واحدة لا أكثر من ذلك فسكت الجوهري هنيئة ثم قال: كنت أظن أنكم لا توقعون شيئا منه بتة. فقال أبو محمد بن المأمون للشيخ أدام الله عزه: أتقولون إنه يقع منه واحدة ؟ فقال له الشيخ أيده الله: نعم إذا كان بشرط الشهود فأظهر تعجبا من ذلك. وقال: ما الدليل على أن الذي يقع بها واحدة وهو قد تلفظ بالثلاث ؟ قال الشيخ أيده الله: فقلت له: الدليل على ذلك من كتاب الله عزوجل،


[ 176 ]

ومن سنة نبيه (ص)، ومن إجماع المسلمين، ومن قول أمير المؤمنين – عليه السلام -، ومن قول ابن عباس رحمه الله ومن قول عمر بن الخطاب. فازداد الرجل تعجبا لما سمع هذا الكلام، وقال: أحب أن تفصل لنا ذلك وتشرحه على البيان. فقلت له: أما كتاب الله تعالى فقد تقرر أنه نزل بلسان العرب وعلى مذاهبها في الكلام، قال الله سبحانه: * (قرانا عربيا غير ذي عوج) * (1) وقال: * (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) * (2) ثم قال سبحانه في اية الطلاق: * (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح باحسان) * (3) فكانت الثالثة في قوله: * (أو تسريح باحسان) *. ووجدنا المطلق إذا قال لامرأته: ” أنت طالق ” أتى بلفظ واحد يتضمن تطليقة واحدة، فإذا قال عقيب هذا اللفظ: ثلاثا، لم يخل من أن تكون إشارته إلى طلاق وقع فيما سلف ثلاث مرات أو إلى طلاق يكون في المستقبل ثلاثا، أو إلى الحال، فان كان أخبر عن الماضي فلم يقع الطلاق إذا باللفظ الذي أورده في الحال وإنما أخبر عن أمر كان، وإن كان أخبر عن المستقبل فيجب أن لا يقع بها طلاق حتى ياتي الوقت ثم يطلقها ثلاثا على مفهوم اللفظ والكلام، وليس هذان القسمان مما جرى الحكم عليهما ولا تضمنهما المقال فلم يبق إلا أنه أخبر عن الحال وذلك كذب ولغو بلا ارتياب لان الواحدة لا تكون أبدا ثلاثا، فلاجل ذلك حكمنا عليه بتطليقة واحدة من حيث تضمنه اللفظ الذي أورده وأسقطنا ما لغى فيه وأطرحناه


(1) – الزمر / 28. (2) – إبراهيم / 4. (3) – البقرة / 229 (*).

[ 177 ]

إذ كان على مفهوم اللغة التي نطق بها القرآن فاسدا وكان مضادا لاحكام الكتاب. وأما السنة فان النبي (ص) قال: ” كل ما لم يكن على أمرنا هذا فهو رد ” وقال – عليه السلام -: ” ما وافق الكتاب فخذوه وما خالفه فاطرحوه ” وقد بينا أن المرة لا تكون مرتين وأن الواحدة لا تكون ثلاثا، فأوجبت السنة إبطال طلاق الثلاث. وأما إجماع الامة فإنهم مطبقون على أن كل ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل، وقد تقدم وصف خلاف الطلاق الثلاث للكتاب والسنة فحصل الاجماع على بطلانه. وأما قول أمير المؤمنين – عليه السلام -: فانه قد تظاهر عنه بالخبر المستفيض أنه قال: ” إياكم والمطلقات ثلاثا في مجلس واحد فانهن ذوات أزواج “، وأما قول ابن عباس فانه يقول: ” ألا تعجبون من قوم يحلون المرأة لرجل وهي تحرم عليه، ويحرمونها على اخر وهي محل له “، فقالوا: يا ابن عباس ومن هؤلاء القوم ؟ قال: ” هم الذين يقولون للمطلق ثلاثا في مجلس قد حرمت عليك امرأتك “. وأما قول عمر بن الخطاب: فلا خلاف أنه رفع إليه رجل مد طلق امرأته ثلاثا فاوجع رأسه ثم ردها إليه، وبعد ذلك رفع إليه رجل قد طلق كالاول فابانها منه. فقيل له في اختلاف حكمه في الرجلين. فقال: قد أردت أن أحمله على كتاب الله عز اسمه ولكني خشيت أن يتتابع فيه السكران والغيران. فاعترف بان المطلقة ثلاثا ترد إلى زوجها على حكم الكتاب وأنه إنما أبانها منه بالرأي والاستحسان، فعملنا من قوله على ما وافق القران، ورغبنا عما ذهب إليه من جهة الرأي. فلم ينطق أحد من الجماعة بحرف وأنشاوا حديثا اخر تشاغلوا


[ 178 ]

قال الشيخ أيده الله: وما أشبه قولهم في الحكم على الواحدة من الطلاق بانها ثلاث إلا بقول النصارى ثلاثة أقانيم جوهر واحد. بل النصارى أعذر منهم لانهم ذكروا ثلاثة معان معقولة، ثم وصفوها بمعنى واحد في خلاف وصفها في الثلاثة فاخطاوا في المعنى القياسي وإن كان غلطهم على الظاهر في المعنى العددي والناصبة أتت بمعنى واحد ولفظ واحد فخروا عنه بانه ثلاثة في معنى ما كان واحدا، وهذا نهاية الجهل وضعف العقل. على أنه لا خلاف بين أهل اللسان وأهل الاسلام أن المصلي لو قال في ركوعه سبحان ربي العظيم فقط ثم قال في عقيبه ثلاثا لم يكن مسبحا ثلاثا، ولو قال في سجوده سبحان ربي الاعلى ثم قال ثلاثا لم يكن مسبحا ثلاثا، ولو قرأ الحمد مرة ثم قال في آخرها بلفظة عشرا لم يكن قارئا لها عشرا. وقد اجمعت الامة على أن الملاعن لو قال في شهادته: أشهد بالله أربعا أني لمن الصادقين لم يكن شاهدا أربع مرات على الحقيقة حتى يفصلها، ولو أن حاجا رمى الجمرة بسبع حصيات في دفعة واحدة لم يجز ذلك عن رمي سبع متفرقات، وهذا كله دليل على أنه إذا قال: أنت طالق، ثم قال: ثلاثا، لم يكن طلاقا ثلاثا، وهذا بين لمن تدبره. فصل ومن حكايات الشيخ أدام الله عزه وكلامه في الطلاق، قال الشيخ أيده الله: وقد ألزم الفضل بن شاذان رحمه الله فقهاء العامة على قولهم في الطلاق، أن يحل للمرأة الحرة المسلمة أن تمكن من وطئها في اليوم الواحد عشرة أنفس على سبيل النكاح وهذا شنيع في الدين منكر في الاسلام.


[ 179 ]

قال الشيخ أيده الله: ووجه إلزامه لهم ذلك بأن قال: خبروني عن رجل تزوج امرأة على الكتاب والسنة وساق إليها مهرها أليس قد حل له وطيها ؟ فقالوا: وقال المسلمون كلهم: بلى. قال لهم: فإن وطئها ثم كرهها عقيب الوطئ أليس يحل له خلعها على مذهبكم في تلك الحال ؟ فقالت العامة خاصة: نعم، قال لهم: فإنه خلعها ثم بدا له بعد ساعة في العود إليها أليس يحل له أن يخطبها لنفسه ويحل لها أن ترغب فيه ؟ قالوا: بلى، فقال لهم: فإن عقد عليها عقد النكاح أليس قد عادت إلى ما كانت عليه من النكاح وسقط عنها عدة الخلع ؟ قالوا: بلى، قال لهم: فإن رجع إلى نيته في فراقها ففارقها عقيب العقد الثاني بالطلاق من غير أن يدخل بها ثانية أليس قد بانت منه ولا عدة عليها بنص القران من قوله: * (ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها) * (1) ؟ قالوا: نعم ولابد لهم من ذلك مع التمسك بالدين، قال لهم: أليس قد حلت من وقتها للازواج إذ ليس عليها عدة بنص القرآن ؟ قالوا: بلى، قال: فما تقولون إن صنع بها الثاني كصنع الاول، أليس يكون قد نكحها اثنان في بعض يوم من غير حظر من ذلك على اصولكم في الاحكام، فلا بد أن يقولوا بلى، قال لهم: وكذلك لو نكحها ثالث ورابع إلى أن يتم ناكحوها عشرة أنفس وأكثر من ذلك إلى اخر النهار، أليس يكون ذلك جائزا طلقا حلالا ؟ وهذه هي الشناعة التي لا تليق بأهل الاسلام. قال الشيخ أيده الله: والموضع الذي لزمت منه هذه الشناعة فقهاء العامة دون الشيعة الامامية أنهم يجيزون الخلع والطلاق والظهار في الحيض، وفى الطهر الذي قد حصل فيه جماع من غير استبانة حمل، والامامية تمنع من ذلك وتقول: إن هذا أجمع لا يقع بالحاضرة التي تحيض إلا بعد أن تكون طاهرة من الحيض طهرا لم


(1) الاحزاب / 49 (*).

[ 180 ]

يحصل فيه جماع فلذلك سلمت مما وقع فيه المخالفون. قال الشيخ أدام الله عزه: وقد حيرت هذه المسالة العامة حتى زعم بعضهم وقد ألزمته أنا بمتضمنها، أن المطلقة بعد الرجعة إليها عن الخلع يلزمها العدة وإن كانت مطلقة من غير دخول بها فرد القران ردا ظاهرا وقلت لهذا القائل: من أين أوجبت عليها العدة وقد طلقها الرجل من غير أن يدخل بها مع نص القران ؟ فقال: لانه قد دخل بها مرة قبل هذا الطلاق. فقلت له: إن اعتبرت هذا الباب لزمك أن يكون من تزوج بامرأة وقد كان طلقها ثلاثا فاستحلت ثم اعتدت وتزوجها بعد العدة ثم طلقها قبل أن يدخل بها في الثاني أن تكون العدة واجبة عليها لانه قد دخل بها مرة، وهذا خلاف دين الاسلام. فقال: الفرق بينهما أن هذه التي ذكرت قد قضت منه عدة والاولة لم تقض العدة. فقلت له: أليس قد أسقطت الرجعة لها بعد الخلع عنها العدة باتفاق ؟ قال: بلى، قلت له: فمن أين يرجع عليها ما كان قد سقط عنها، وكيف يصح ذلك في الاحكام الشرعية وأنت لا يمكنك أن تلزمها العدة الساقطة عنها إلا بنكاح لا يجب فيه العدة بظاهر القران ؟ وهذا أمر متناقض فلم يات بشئ. فصل ومن حكايات الشيخ أدام الله عزه أيضا في الميراث وحديثه، حدثني الشيخ أيده الله تعالى قال: أخبرني أبو الحسن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد، عن أبيه رحمه الله، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن أبي عمير، عن عمر بن اذينة، عن بكير بن أعين قال:


[ 181 ]

جاء رجل إلى أبي جعفر محمد بن علي الباقر – عليه السلام – فقال له: يا أبا جعفر ما تقول في امرأة تركت زوجها وأخويها لامها واختا لابيها ؟ فقال أبو جعفر – عليه السلام -: للزوج النصف ثلاثة أسهم من ستة أسهم وللاخوة من الام الثلث سهمان من ستة وللاخت من الاب ما بقي وهو السدس سهم من ستة. فقال له الرجل: فان فرائض زيد وفرائض العامة والقضاة على غير ذلك يا أبا جعفر يقولون: للاخت من الاب ثلاثة أسهم من ستة تعول إلى ثمانية، فقال له أبو جعفر – عليه السلام -: ولم قالوا ذلك ؟ قال: لان الله تعالى يقول: * (إن امرؤا هلك ليس له ولد وله اخت فلها نصف ما ترك) * (1) قال أبو جعفر – عليه السلام -: فان كانت الاخت أخا ؟ قال: ليس له إلا السدس. فقال أبو جعفر – عليه السلام -: فما لكم نقصتم الاخ إن كنتم تحتجون في النصف للاخت بان الله تعالى قد سمى لها النصف فان الله تعالى قد سمى للاخ أيضا الكل، والكل أكثر من النصف، قال الله سبحانه: * (فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد) * (2) فلا تعطون الذي جعل الله له الجميع في بعض فرائضكم شيئأ وتعطونه السدس في موضع وتعطون الذي جعل الله له النصف ذلك تاما. فقاك له الرجل فكيف تعطى الاخت أصلحك الله النف ولا يعطى الاخ شيئا ؟ فقال أبو جعفر – عليه السلام -: يقولون في ام وزوج وإخوة لام واخت لاب فيعطون الزوج النصف ثلاثة أسهم من ستة تعول إلى تسعة والام السدس والاخوة من الام الثلث والاخت من الاب النصف ثلاثة ترتفع من ستة إلى تسعة، قال: كذلك يقولون، قال: فان كانت الاخت أخا لاب ؟ قال: ليس له شئ، فقال الرجل لابي جعفر – عليه السلام – فما تقول أنت رحمك الله ؟ فقال: ليس للاخوة من الاب والام ولا للاخوة من الام ولا للاخوة من الاب مع الام شئ.


(1) – (2) النساء / 176 (*).

[ 182 ]

فصل ومن حكايات الشيخ أدام الله عزه قال: وقد ألزم الفضل بن شاذان رحمه الله فقهاء العامة في قولهم في الميراث أن يكون نصيب بني العم أكثر من نصيب الولد واضطرهم إلى الاعتراف بذلك. قال لهم: خبروني عن رجل توفي وخلف ثلاثين ألف درهم وخلف ثمانية وعشرين بنتا وخلف ابنا واحدا كيف يقسم ميراثه ؟ فقالوا: يعطى الولد الذكر ألفي درهم وتعطى كل بنت ألف درهم، فيكون للبنات ثمانية وعشرون ألف درهم على عددهم ويحصل للولد الذكر ألفا درهم فيكون ما قسمه الله تعالى وأوجبه في كتابه: * (للذكر مثل حظ الانثيين) *. قال لهم: فما تقولون إن كان موضع الابن ابن عم كيف تقسم الفريضة ؟ فقالوا: يعطى ابن العم عشرة الاف درهم وتعطى البنات كلهن عشرين ألف درهم. قال لهم الفضل بن شاذان: فقد صار ابن العم أوفر حظا من الابن للصلب والابن مسمى في التنزيل متقرب بنفسه، وبنو العم لا تسمية لهم إنما يتقربون بابيهم وأبوهم يتقرب بجده، والجد يتقرب بابنه، وهذا نقض الشريعة. قال الشيخ أدام الله عزه: وإنما لزمت هذه الشناعة فقهاء العامة خاصة لقولهم بان من عدا الزوج والزوجة والابوين يرثون مع الولد على خلاف مسطور الكتاب والسنة، وإنما أعطوا إبن العم عشرة الاف درهم في هذه الفريضة من حيث تعلقوا بقوله تعالى: * (فان كن نساء فوق اثتتين فلهن ثلثا ما ترك) * (1) فلما بقي الثلث أعطوه لابن العم فلحقتهم الشناعة المخرجة لهم عن الدين ونجت الشيعة من ذلك.


(1) – النساء / 11 (*).

[ 183 ]

فصل قال الشيخ أدام الله عزه: وما رأيت أشد وقاحة من الناصبة في تشنيعهم على الامامية فيما يذهبون إليه من الفقه المأثور عن ال محمد – عليهم السلام – وإن عجبي ليطول منهم في ذلك فإنني لا أزال أسمع المحتفل منهم والمتفقه يقول: خرجت الامامية عن الاجماع في قولها إن البنت تحوز المال دون العم وقد بينا عن الحجة في ذلك من نص القرآن وسنة رسول الله (ص)، ولو قالت الشيعة ذلك فيهم ووصفتهم في توريث العم النصف مع البنت برد القران والسنة والاجماع لكانت ظاهرة الحجة في صدقها. ثم إن الرجل منهم ينفر العامة عن الامامية بما يحكيه من قولها في توريث المرأة قيمة الطوب والخشب دون ملك الرباع، والاثر عن آل محمد – عليهم السلام – ورد بان ذلك حكم الله تعالى في الازواج لانهن إنما يرثن بالسبب دون النسب وهن يتزوجن بعد أزواجهن فلو ورثن من الارض لادخلن على ولد الميت الاجنبي، فأدى ذلك إلى إفساد الملك في الاغلب وإن جاز سلامته من الفساد فحكم الله تعالى بذلك في الازواج لرأفته بعباده، واعطيت المرأة قيمة ما منعت من ملكه فلم تظلم في ذلك. والناصبة لا ترجع على أنفسها باللوم إذا زعمت أن من سمى الله كل المال لا يستحق منه شيئا في بعض فرائضهم ويستحق السدس في بعض آخر مع توريثهم الاخت التي سمى لها النصف ذلك على كما له وإذا تأمل المتأمل ما وصفناه بان له من جرأة القوم وتفريطهم (تغطرسهم ن خ) ما ذكرناه. ثم يقولون أيضا: إن الشيعة تظلم في الفرائض فتعطي الابن الاكبر سيف


[ 184 ]

أبيه وقميصه وخاتمه ومصحفه دون الابن الاصغر فإن لم يكن له من الذكور إلا ولد واحد اعطي ذلك دون البنات، وهذا القول ماثور من سنة رسول الله (ص) وقد فعله أمير المؤمنين – عليه السلام – بابنه الحسن – عليه السلام – وفعلته الائمة – عليهم السلام – من بعده. وقد ذهب جماعة من الامامية إلى تعويض باقي الورثة بقيمة ما اختص به الولد الاكبر والذكر دون البنات، ومن لم ير العوض ولا أخذ القيمة ذهب إلى أن السنة أفردت الابن باستحقاق ذلك، وجاءت بتفضيله على باقي الولد كما جاء القرآن: * (للذكر مثل حظ الانثيين) *. وإنما وجب للذكر ضغف ما للانثى لان عليه العقل والجهاد وليس ذلك على الاناث، كذلك على الولد الاكبر قضاء الصوم عن أبيه والصلاة إذا كان قد فرط فيهما وهو أن يجب عليه قضاء الصوم من مرض أو سفر فيسوفه ويخترم دونه، ويجب عليه قضاء الصلاة التي نسيها فيسوفها وتاتيه المنية قبل قضائها، فيلزم الولد الاكبر من الذكور قضاء ذلك فلاجله فضل في الميراث بما ذكرناه. وليس هذا باشنع من قولهم إن ابن العم أوفر حظا في الميراث من الابن وان الابن أقل سهما من ابن العم، بل لا شناعة في قول الشيعة، وهذا القول ضلال بخلاف الكتاب والسنة في قواعد الاجماع.


[ 185 ]

فصل قال الشيخ أدام الله عزه: ومن شناعتهم على أهل الامامة ما اختصوا به من جمهورهم في المسح على الرجلين، وظاهر القران ينطق بذلك قال الله تعالى: * (يا أيها الذين امنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) * (1) فاوجب المسح بصريح اللفظ، وجاءت الاخبار أن رسول الله (ص) توضأ فغسل وجهه وذراعيه ومسح برأسه ومسح برجليه، وأن أمير المؤمنين – عليه السلام – توضأ كذلك، وأن ابن عباس رحمه الله قال: نزل القران في الوضوء بغسلين ومسحين فاسقط الله تعالى الغسلين في التيمم وجعل بدلهما مسحين. وجاءت الاثار عن أئمة الهدى من آل محمد – عليهم السلام – أنهم قالوا: إن الرجل ليصلي أربعين سنة وما يطيع الله عزوجل في الوضوء. فقيل لهم: وكيف ذلك ؟ فقالوا: يجعل موضع المسح غسلا. فهذا القول لا شناعة فيه لموافقته الكتاب والسنة وأحكام أهل البيت – عليهم السلام – وخيار الصحابة، لكن الشناعة في قولهم بالمسح على الخفين اللذين ليسا من بعض الانسان ولا من جوارحه ولا نسبة بينهما وبين أبعاضه إلا كغيرهما من الملبوسات، والقرآن ينطق بضد قولهم في ذلك إذ صريحه يفيد إيقاع الطهارة بنفس الجارحة دون ما عداها. وقد قال الصادق – عليه السلام -: ” إذا رد الله كل إهاب إلى موضعه ذهبت طهارة هؤلاء – يعني الناصبة في جلود الابل والبقر والغنم ” وهم أنفسهم أعني الناصبة


(1) – المائدة / 6 (*).

[ 186 ]

يروون عن عائشة أنها قالت: لان ينقطع رجلاي بالمواسي أحب إلي من أن أمسح على الخفين، ويروون عن أبي هريرة أنه كان يقول: ” ما ابالي أمسحت على خفي أم مسحت على ظهر عير بالفلاة ” وكثيرا ما يشنعون علينا بتحليل المتعة بالنساء وقد تقدم قولنا بالحجة على صحتها من الكتاب والسنة وإجماع الامة فلا شناعة في القول بها. لكن الشناعة عليهم في القول بنكاح الامهات، والاخوات، والبنات والعمات والخالات، والمستاجرات من ذوات الصناعات، وإتيان النساء في أدبارهن على الجبر لهن والاكراه، والجمع بين الاخوات في ملك اليمين والامهات والبنات ثم لا يقنعون بالتشنيع بالحق الذي لا قبح فيه مع شناعة مذاهبهم وقبحها على ما وصفناه حتى يتخرصون علينا بالكذب فيزعمون أنا لا نلحق ولد المتعة بابيه، وهذا بهت منهم للشيعة وكذب عليهم لا شبهة فيه. لكن القول عنهم فيما لا يمكنهم دفاعه مما هو ضد للشريعة وخروج عن الملة قول أبي حنيفة: إن الرجل إذا تزوج بالمرأة ثم طلقها عقيب عقد النكاح بلا فصل فأتت بولد لستة أشهر انه يلحق به من غير أن يكون جامعها الرجل ولا خلا بها، وإنما عقد عليه لها أبوها وطلقها هو في المجلس فالحق بالرجل غير ولده، وقال: لو عقد عليها بمصر وهي ببغداد ثم جاءت بولد وهو بمصرلم يبرح منها للحق به الولد. وقال الشافعي بضد هذا: إنه لو افتض رجل بكرا وأحبلها فجاءت بابنة لحل له العقد عليها وحل له وطيها، فاباح هذا نكاح ابنته وعلق ذلك على الرجل غير ولده. ثم زعم أبو حنيفة أيضا: أن المرأة إذا زنت بصبي صغير لم تحد وإن زنى


[ 187 ]

كبير بصغيرة حد، فأبطل قول الله تعالى: * (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) * (1) ثم فرق بين المتفقين وناقض في القياس وقال مضيفا إلى قبايح قوله: إن المرأة إذا كان لها مهر فمات زوجها وتقادم موته وجهل مهر المرأة فانه لا مهر لها. ونظير ذلك قوله: إن المقر على نفسه بشرب الخمر بعد ما تقادم لا حد عليه، فابطل بذلك أيضا حكم الله تعالى وقال في الجماعة، إذا سرق بعضهم دون بعض قطع الجميع، فأوجب الحد على من أسقطه الله عنه وأسقطه عمن أوجبه الله تعالى عليه. تم – أالجزء الاول = ويتلوه = الجزء الثاني = بمشيئة الله وعونه


(1) – النور / 2 (*).

[ 189 ]

الجزء الثاني من كتاب الفصول المختارة بسم الله الرحمن الرحيم فصل قال الشيخ أيده الله: وقد ناقض رجل من أهل الحجاز رجلا من أهل العراق وشنع عليه في مقالته فقابله العراقي وظهر بينهما في ذلك فضائحهما معا وقبح اعتقاداتهما، وأنا أحكي طرفا من قولهما لينضاف إلى ما أثبتناه في ذلك. قال الحجازي: وجدت الله تعالى يقول: * (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) * (1). وأرى العراقي يقول: فإن لم تجدوا ماء فتوضأوا بالنبيذ بخلاف قول الله عزوجل ورسوله (ص) وإجماع المسلمين. فقال العراقي: وأنا أيضا وجدت الله يقول: * (واستشهدوا شهيدين من


(1) – المائدة / 6 (*).

[ 190 ]

رجالكم فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء) * (1) وأرى الحجازي يقول: واستشهدوا شاهدا واحدا ويمين المدعي، مع قول النبي (ص): ” لو يعطى قوم بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم ” فخالف كتاب الله وسنة نبيه (ص) وإجماع المسلمين. ثم قال الحجازي: وأرى العراقي يقول في فارة وقعت في بئر فماتت إنه ينزح منه عشرون دلوا، وإن وقع فيها ذنب فارة ينزح ماء البئر كله، فما أعجب هذا القول وأطرفه ! كيف يكون الكل غير منجس والبعض منجسا إن هذا لشئ عجيب ! فقال العراقي: أطرف من هذا القول قولك أيها الحجازي في فارة وقعت في بئرفيها قلتان من ماء وتفسخت فيها إن ماء البئر طاهر ولو أخذ من الماء قلة وفيها بعض الفارة لكان ذلك الماء نجسا، فقد صارت الفارة باسرها غير منجسة وبعضها منجس، والماء باسره طاهر وبعضه نجس، وهذا أشنع مما حكيت عنا. ثم قال الحجازي: وأرى العراقي يقول في الفارة إذا ماتت في البئر إنه ينزح منها عشرون دلوا، وإن مات فيها انسان من أهل الطهارة والايمان ينزح الماء كله، أفترى الفارة أطهر من أهل الايمان، نعوذ بالله من سوء الاختيار فقال العراقي: وأنا أيضا أرى الحجازي يقول إن المسلم المؤمن التقي الطاهر إذا مس فرجه وجب عليه الوضؤ ولو مس فرج كلب أو خنزير لما وجب عليه الوضوء بجعل الكلب والخنزير أطهر من أهل التقى والايمان نعوذ بالله من الخذلان.


(1) – البقرة / 282 (*).

[ 191 ]

وحكى زكريا بن يحيى الساجي عن أبي حنيفة قال: إذا أدخل الجنب يده. في بئربنية الوضؤ فسد الماء كله، وإن لم ينو الوضوء كان الماء طاهرا، وهذا عجيب أيضا. وحكي عن محمد بن الحسن أنه كان يقول: لو أن رجلا، جنبا دخل بئرا ينوي الغسل من الجنابة لفسد الماء كله ولم يطهر هو، فإن خرج منها ثم دخلها ثانية لم يطهر هو أيضا ولم يطهر الماء، فإن دخلها ثالثة كان هذا حكمه، فإن دخلها رابعة طهر. وحكي عن أبي يوسف أنه قال: لو أن رجلا جنبا دخل بئرا ليخرج منها دلوا فانغمس فيها لم يفسد الماء ولم يجزه الغسل، وقال محمد بن الحسن: لا يفسد الماء ويجزيه الغسل، وهذه الاقوال عجيبة جدا. قال الشيخ أيده الله: عدنا إلى الحكاية عن المتناقض الحجازي بئرا ليخرج منها قا ل الحجازي: رايت العراقي يدفع السنن بالراح ويعدل عنها إلى الراى والقياس، لانا نجد النبي (ص) يقول: الاعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، وقال العراقي: إن الوضوء غير محتاج إلى النية جرأة منه على رد السنن. فقا ل العراقي: وانا ارى الحجازي ارد للسنة مني واشد اقداما على البدعة، لانه يقول في صرورة أحرم بالجج عن غيره ان الحجة تكون على المحرم وتجزيه عن حجة الاسلام، فيا عجبا من مدع على العراقي رد السنة في الوضوء بغير النية وياتى هو في الحج الذي هو أعظم الدين فيجيزه بغير نية، نعوذ بالله من مشنع هو بالتشنيع عليه أولى، ومن عائب بشئ قد أتى ما هو اعظم منه. ثم قال الحجازي: وأرى العراقي يقول: إن الرجل لو صلى في ثوب فيه من بول ما (لا ن خ) يؤكل لحمه أكثر من قدر الدرهم أن صلاته جائزة إلا أن يكون كثيرا


[ 192 ]

فاحشا، والكثير عنده ربع الثوب فصاعدا، ثم يناقض فيقول: لو أن شاة بالت في بئرفيها ألف قربة ماء لنجس الماء كله، وهذا من فاحش المناقضة. فقال العراقي: وأرى الحجازي أولى بالمناقضة لانه يقول: لو أن رجلا تيمم بتراب قد خالطه دقيق لم يجزه، وإن توضأ بماء قد خالطه لبن كان وضوءه جائزا، وهذا أعجب من ذلك. ثم قال الحجازي: وجدت الله تعالى يقول: * (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعيين) * (1) فامر تعالى بالوضوء مرتبا، وقال رسول الله حين بدأ بالصفا: (نبدأ بما بدأ الله تعالى به)، وأرى العراقي ينقض ذلك ويخالف الله في ترتيبه. فقال العراقي: فاني رأيتك أيها الحجازي تقول في أصل الديانة بمثل ما شنعت به علي، وذلك أن الله عزوجل يقول: * (وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما) * (2) ويقول تعالى: * (هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون انما يتذكر اولوا الالباب) * (3) فقدم الله جل اسمه أهل الجهاد على القاعدين في محل التعظيم، ولم يسو بين العالمين وبين من نقص عن رتبتهم في العلم وقد قدمنا جميعا أبا بكر على علي بن أبي طالب وكان أكثر علما من أبي بكر، وكان مجاهدا، وأبو بكر قاعد، فيجب أن نشترك جميعا في العيب وتسلم منه الرافضة خاصة، وهذا مما لا ترتضيه لنفسك، ثم قال له: على أننا قد اتفقنا جميعا على تقديم المياسر على الميامن ولم نوجب الترتيب في ذلك فيجب أن نكون جميعا قد خالفنا الله في ترتيبه.


(1) المائدة / 6. (2) – النساء / 95. (3) – الزمر / 9 (*).

[ 193 ]

فصل ثم قال الحجازي: وأرى العراقي متعجرفا في قوله متعسفا في نحلته يقدم بالعصبية على الانبياء وينجس الاخيار والاصفياء. من ذلك قوله: إن المني نجس ومنه خلقت الانبياء، فليت شعري إذا لم يفكر في تنجيس نفسه فهلا اتقى الله في إقدامه على أنبياء ربه بالتنجيس ولقد نزه الله عزوجل الانبياء عما أضافه إليهم. فقال العراقي: وأرى الحجازي أشد تعجرفا وتعسفا وإقداما على القول بالباطل من ذلك قوله: إن الشعر إذا بان من الحي فهو نجس، وهذا رد على رسول الله (ص) وقول فظيع في سنته لان النبي (ص) قسم شعره حين حلقه بمنى بين أصحابه لتلحقهم بركته، ولو كان نجسا وحاشا له (ص) مما ذهب إليه الحجازي لما قسمه بين أصحابه ولكان يجعل سبيله سبيل ما يخرج من السبيلين في إطراحه وإبعاده ولكنه (ص) أعلمنا بفعله ذلك طهارة شعره فوجب علينا أن نحكم لاجل ذلك على كل شعر بائن بالطهارة لاتفاق العلل الموجبة لذلك. ثم قال الحجازي: ورأيت النبي (ص) قال في الصلاة: تحريمها التكبير وتحليلها التسليم، وأرى العراقي يقول: تحريم الصلاة التعظيم والتهليل، وتحليلها البول والغائط والضراط، وهذا رد على رسول الله (ص). فقال العراقي: وأنا أرى الحجازي قد دان بمثل ذلك وأشنع منه وذلك أن من قوله إنه من قذف المحصنات في صلاته ساهيا جازت صلاته، والنبي (ص) قد جعل التسليم خروجا فكيف يكون التسليم خروجا وقذف المحصنات ليس بخروج، وهذا هو الرد على رسول الله (ص)، قال وهو يقول مع ذلك مناقضا أنه لو


[ 194 ]

قال في افتتاح الصلاة الاكبر الله لم يكن مكبرا حتى ياتي باللفظ المعروف في ذلك وهو الله أكبر ولو قال في موضع التسليم عليكم السلام لكان مسلما خارجا من الصلاة وإن خالف المعروف المأثور في ذلك. ثم قال الحجازي: ورأيت الله سبحانه يقول في القران بلسان عربي مبين، وأرى العراقي يقول: لو قرأ بالفارسية في الصلاة لكان جائزا تحريفا للقرآن وتبديلا له وإدخالا له في جملة ما ياتيه الباطل وقد نفى الله عزوجل عنه الباطل من بين يديه ومن خلفه وهو أيضا إخراج القران عن حد الاعجاز إلى حد الامكان نعوذ بالله من الخذلان. فقال العراقي: وأرى الحجازي قد شاركني في هذه الشناعة وأبطل الكتاب والسنة وذلك أن الله تعالى يقول: * (ما ارسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) * (1) وقال تعالى: * (لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة) * (2) ولم ير النبي (ص) في حال يلفظ بالفارسية فضلا عن أن يؤدي فرضا من فرائض الصلاة بالفارسية، ولا خلاف عند الحجازي أن التشهد في الصلاة والصلاة على النبي (ص) فيها فرض، ولو تشهد المصلي بالفارسية في الصلاة لاجزأه ذلك، ولو سلم أيضا التسليمة التي هي عنده فريضة بالفارسية لاجزأه ذلك، فإن كان العراقي قد خالف القرآن فالحجازي قد رد السنة والقران. ثم قال الحجازي: رأيت النبي (ص) يقول: كل صلاة لا يقرأ فيها بام الكتاب فهي خداج، وأرى العراقي يجيز الصلاة بالاية القصيرة مثل الم، ومدهامتان، وما أشبههما من الايات جرأة منه على الله عزوجل.


(1) – إبراهيم / 4. (2) – الاحزاب / 21 (*).

[ 195 ]

فقال العراقي: وأرى الحجازي قد نقض هذا الخبر وأبطل معناه وذلك أنه يقول: من قرأباية طويلة مقدارها مقدار فاتحة الكتاب أجزأته صلاته فقد دخل بهذا القول فيما عاب، ورد الحديث الذي احتج به ردا واضحا. ثم قال الحجازي: وأرى العراقي مدعيا للقياس وهو مع ذلك أشد الناس مناقضة وأبعدهم من القياس من ذلك قوله في رجل تكلم في الصلاة ساهيا فان ذلك مفسد لصلاته، وإن سلم في صلاته ساهيا لم يفسد صلاته، فاي مناقضة أبين من هذه ؟ فقال العراقي: وأرى الحجازي أكثر مناقضة وأعجب مقالة من ذلك قوله: إن الخائف على نفسه من السبع والعدو في حال القتال أنه يصلي إلى غير القبلة ولا إعادة عليه، وإن تيمم وهو يخاف على نفسه التلف إن اغتسل صلى بتيممه وأعاد الصلاة، وهذا لعمري هو المناقضة الظاهرة. ثم قال الحجازي: وأرى العراقي يقدم على رد الكتاب ويبيح ما قد جعل الله إباحته على صفة من ذلك قوله: إن العائث في الارض بالفساد يحل له أكل الميتة عند الضرورة، ويقصر عند طول سفره فاباح رخص الله تعالى حيث حظرها. فقال العراقي: فان قول الحجازي أعجب، وذلك أنه يبيح لهذا العائث بعينه المسح على الخفين يوما وليلة كما يبيحه للمقيم، فان كان ذلك تشهيا فلا مكاس بالشهوة، وإن كان اتباعا للسنه واقتداء بالسلف فلسنا نعلم لذلك قائلا ممن تقدم الحجازي والله نسال التوفيق. ثم قال الحجازي: وأرى العراقي يقول في الرجل يصلي الظهر يوم الجمعة


[ 196 ]

في منزله أنها تجزيه، ثم يقول إن خرج بعد ذلك يريد الجمعة فادرك الامام في الصلاة صلى معه وإن لم يدرك الامام أعاد الظهر أربعا فهي في حال تجزيه وفي حال لا تجزيه، وهذا تلاعب بالدين. فقال العراقي: فان الحجازي أشد تلاعبا بالدين مني، وذلك أنه يقول في الامام إذا خطب خطبتين لم يجلس بينهما أن ذلك لا يجزيه وإن صلى ركعتين لم يجزه عن الجمعة، وحجته ز ذلك أن النبي (ص) فرق بين الخطبتين، فلا يجزي خلاف فعل النبي (ص)، وهو مع هذا يقر بان النبي (ص) ما اعتكف إلا صائما والاعتكاف على مذهبه يجوز بغير صيام خلافا للنبي (ص) وخلافا على جميع أصحابه إذ لم ير أحد منهم اعتكف إلا بصيام، فاينا على هذا القول ألعب في الدين ؟ ثم قال الحجازي: وأرى العراقي مع مناقضته في الطهارة والصلاة قد ناقض أيضا في الزكاة وذلك إني رأيت النبي (ص) جعل في أربعين من الغنم شاة، وأرى العراقي يجعل فيها كلبا، ورأيت رسول الله (ص) جعل صدقة الفطرة من الحنطة والشعير وأرى العراقي يعطي من ذلك السقمونيا. فقال العراقي: وأنا أيضا رأيت النبي (ص) يقول في خمس من الابل شاة، وأرى الحجازي يقول في خمس من الابل بعير، وهذا رد على النبي (ص). ثم قال الحجازي: ورأيت النبي (ص) يقول ليس فيما دون خمس أواق صدقة وأرى العراقي يقول إذا كانت للرجل عشرة مثاقيل ذهبا ومائة درهم قيمتها عشرة مثاقيل، أن عليه الزكاة خلافا للسنة. فقال العراقي: وأنا أرى الحجازي قد رد قول النبي (ص) ” ليس فيما دون الخمس أواق صدقة ” لانه يوجب على ألف رجل لهم مئتا درهم الزكاة ويسقطها عمن يملك مائة ألف درهم من الصيارفة، وهذا هو السفه في الاحكام.


[ 197 ]

ثم قال الحجازي: وقد ناقض العراقي أيضا في الصيام، فقال: إذا داوى الصائم جائفة في شهر رمضان فعليه القضاء، وإن بلع حصاة أو خاتما وما أشبههما متعمدا لم يجب عليه بذلك القضاء. فقال العراقي: فان الحجازي شريكي في المناقضة، وذلك أن من قوله إن المسافر والمريض إذا أفطرا في شهر رمضان ثم لم يقضيا ما أفطراه حتى حال عليهما شهر رمضان آخر أن عليهما القضاء والكفارة، وقال مع ذلك لو أن رجلا أفطر عامدا في شهر رمضان من غير عذر كان عليه القضاء ولا كفارة عليه فاينا مع هذا أشد مناقضة. ثم قال الحجازي: وقال العراقي مناقضا في المجنون إذا غلب الجنون على عقله الشهر كله لم يكن عليه القضاء، وإن أفاق في بعض الشهر كان عليه صيام ما أفاق فيه وقضاء ما سلف ثم قال في المغمى عليه الشهر كله، عليه قضاء الشهر بأسره وهذه هي المناقضة الواضحة. فقال العراقي: قد ذهب الحجازي إلى مثل ذلك بعينه، فقال: إن من بلغ من الصبيان في بعض النهار أنه يمسك بقية يومه ولا قضاء عليه، ومن أسلم من الكفار في بعض النهار كان عليه قضاء ذلك اليوم، وهذا ما لا خفاء بالمناقضة فيه ثم قال الحجازي: وأرى العراقي مبدعا في الحج كابداعه فيما سلف وذلك أن النبي (ص) قال: لا ينكح المحرم ولا ينكح وأرى العراقي يقول: لا حرج على المحرم أن ينكح وينكح، ردا لقول رسول الله (ص). فقال العراقي: وأنت أيها الحجازي قد رددت على النبي (ص) وذلك أن


[ 198 ]

النبي (ص) قال: إن المحرم إذا لم يجد النعلين فليلبس الخفين ويقطعهما من أسفل الكعبين وأنت تقول يلبس الخفين ولا حرج عليه وإن لم يقطعهما فرددت على النبي (ص) ردا صريحا. ثم قال الحجازي: وأرى العراقي يقابل أفعال النبي (ص) بالرد ويبدع المتبع لسنته، ومن ذلك أن النيي (ص) أشعر بدنة وسلت الدم باصبعه، فقال العراقي إشعار البدنة بدعة. فقال العراقي: فان الحجازي أيضا غير سليم من هذا العيب، وذلك أن النبي (ص) قيل له ليلة المزدلفة: الصلاة، فقال: الصلاة أمامك، واعيد عليه القول، فقال: الصلاة أمامك، حتى أتى المزدلفة فجمع بها الصلاتين، وقال الحجازي: لا حرج في الصلاة قبل جمع في وقت لم يصل النبي (ص) فيه وفي موضع لم يصل فيه، وهذا أشنع مما أضافه إلى العراقي. ثم قال الحجازي مشنعا على العراقي في البيوع أنه يجعل الخمرة النجسة المحرمة أثمانا للاشياء استخفافا بالشريعة، من ذلك: قوله إن المسلم إذا اشترى عبدا من ذمي بخمر ثم أعتقه أن العتق جائز وعليه قيمة الخمر فقال العراقي: وإن الحجازي يقول في مسلم كاتب عبده على خمر إن العبد يكون مكاتبا وعليه أداء الخمر لا غيره، وهذا هو ما عابه بعينه. وشنع الحجازي أيضا فقال. وأرى العراقي لا يتحاشى من إجازة بيع الخمر تهاونا بالمحارم، من ذلك قوله: لا باس ببيع العصير ممن يتخذه خمرا. فقال العراقي: فانت أيضا تقول: لا باس ببيع السلاح لاهل الحرب وحمله إليهم ومبايعة قاتلي الانفس وقاطعي الطريق ومخيفي السبل، السلاح الذي


[ 199 ]

يتوصلون به إلى حتف أهل الاسلام، وهذا أشنع مما ذكرت. فقال الحجإزي: رأيت النبي (ص) يقول: ثمن الكلاب سحت، وأمر بقتل الكلاب، وأرى العراقي يستجيز بيع الكلاب وأكل أثمانها. فقال العراقي: فإن الحجازي قد رد قول النبي (ص) كما رددت، وذلك أن النبي (ص) قال: من ملك ذا رحم فهو حر والحجازي يقول: إن الرجل يملك اخته، والمرأة تملك أخاها، وهذا أقبح مما حكاه عن العراقي. ثم شنع الحجازي على العراقي في الكفارات، فقال: وجدت الله تعالى يقول في كفارة اليمين: * (إطعام عشرة مساكين) * (1) وأرى العراقي يقول: يطعم مسكينا واحدا عشر مرات وقد أدى فرض الله عزوجل عليه. وقال العراقي: فان الله تعالى يقول: * (إطعام عشرة مساكن من أوسط ما نطعمون أهليكم أو كسوتهم) * (2) وأنت أيها الحجازي تقول إن كسى مسكينا واحدا عشر مرات أجزأه، فكيف أكون أنا رادا للقران في الاطعام ولا تكون أنت رادا له في الكسوة، لولا الاقتراح الذي لا يجدي نفعا. ثم شنع الحجازي على العراقي في الحدود، فقال: رأيت العراقي مبطلا لحدود الله عزوجل، من ذلك قوله في مجنون زنى بصحيحة أنه لا حد عليهما، ثم يقول مناقضا: وإن زنح صحيح بمجنونة فإن الحد عليه. فقال العراقي: فان الحجازي يقول إن المجنون إذا جامع امرأته الصحيحة في شهر رمضان وهي صائمة لم يكن عليها كفارة، ولو جامع صحيح امرأته


[ 200 ]

المجنونة في شهر رمضان كانت عليه الكفارة فقد ناقض هو أيضا ودخل فيما عاب. ثم قال الحجازي: وأرى العراقي يكافئ دماء أهل الكفر بدماء أهل الاسلام مع قول الله تعالى: * (ولن يجعل الله للكافرين عل المؤمنبن سبيلا) * (1) فزعم أن المسلم يقتل بالكافر وأن لاهل الذمة أن يقتلوا أهل الايمان قودا. فقال العراقي: وأنت أيها الحجازي شريكي في مثل ذلك لانك تقول إن مخيف السبيل إذا كان مسلما وقتل ذميا قتل أو صلب والذي (والمزني ن خ) من قبلك يقول إن المسلم إذا قتل الذمي غيلة قتل به فاي شناعة ليست عليكما. قال الشيخ أدام الله عزه: فهذا طرف مما تناقض فيه الرجلان قد أتيت به على نهاية من الاختصار، ولو ذكرت جميع ما وجدته لهما في إثبات الاحكام لاحتجت إلى كتاب مفرد لذلك وخرجت عن غرضي في هذا الكتاب، وفيما أوردته كفاية لاولي الالباب في بطلان ما ذهب إليه أهل الخلاف لال محمد – عليهم السلام – من الحلال والحرام.


(1) – النساء / 141 (*).

[ 201 ]

فصل ومن حكايات الشيخ وكلامه، قال الشيخ أيده الله: قال لي يوما بعض المعتزلة: لو كان ما تدعونه من هذا الفقه الذي تضيفونه إلى جعفر بن محمد وابائه وأبنائه – عليهم السلام – حقا وأنتم صادقون في الحكاية عنهم، لوجب أن يقع لنا معشر مخالفيكم العلم الضروري بصحة ذلك حتى لا نشك فيه كما وقع لكم صحة الحكاية عن أبى حنيفة ومالك والشافعي وداود وغيرهم من فقهاء الامصار برواية أصحابهم عنهم. فلما لم نعلم صحة ما تدعونه مع سماعنا لاخباركم وطول مجالستنا لكم، دل على أنكم متخرصون في ذلك. وبعد فما بال كل من عددناه من فقهاء الامصار قد استفاض عنهم القول في الفتيا استفاضة منعت من الريب في مذاهبهم، وأنتم أئمتكم أعظم قدرا من هؤلاء وأجل خطرا لا سيما مع ما تعتقدونه فيهم من العصمة وعلو المنزلة والفضل على جميع البرية والبينونة من الخلق بالمعجزة وما اختصوا به من خلافة الرسول (ص) وفرض الطاعة على الجن والانس إن هذا لشئ عجيب. قال الشيخ أيده الله: فقلت له: إن الجواب عن هذا السؤال قريب جدا غير أني أقلبه عليك فلا يمكنك الانفصال منه إلا باخراج من ذكرت من جملة أهل العلم، ونفي المعرفة عنهم وإسقاط مقال من زعم أنهم كانوا من أصحاب الفتيا، والعلم الضروري حاصل لكل من سمع الاخبار بضد ذلك وخلافه، وأنهم – عليهم السلام – كانوا من أجلة أهل الفتيا، وذلك أننا وإن كنا كاذبين على قولك فلا بد لهؤلاء القوم – عليهم السلام – من مقال في الفتيا يتضن بعض ما حكيناه عنهم، فما بالنا


[ 202 ]

معشر الشيعة بل ما بالكم معشر الناصبة لا تعلمون مذاهبهم على الحقيقة بالضرورة كما تعلمون مذاهب أهل الحجاز وأهل العراق ومن ذكرت من فقهاء الامصار فان زعمت أنك تعلم لهم في الفتيا مذهبا بخلاف ما نحكيه عنهم، علم اظطرا مع تديننا بكذبك في ذلك، لم نجد فرقا بيننا وبينك إذا ادعينا اننا نعلم صحة ما نحكيه عنهم بالاضطرار وأنك وأصحابك تعلمون ذلك ولكنكم تكابرون العيان وهذا ما لا فصل فيه. فقال: إنا لم نعلم مذاهبهم باضطرار لانه كان مبثوثا في مذاهب الفقهاء وكانوا – عليهم السلام – يختارون فاختاروا من قول الصحابة والتابعين فتفرق مجموع اختيارهم في مذاهب الفقهاء. فقلت: إن هذا بعينه موجود في مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي ومن عددت لان هؤلاء تخيروا من أقوال الصحابة والتابعين فكان يجب أن لا نعلم مذاهبهم باضطرار على أنك إن قنعت بهذا الاعتلال فانا نعتمد عليه في جوابك، فنقول إننا إنما تعرفنا في علم الاضطرار بمذاهبهم – عليهم السلام – لان الفقهاء يقسموا مذاهبهم المنصوصة عندنا قد أتوا بها على سبيل الاختيار لان قولهم متفرق في مقال الفقهاء فلذلك لم يقع العلم به باضطرار فقال: فهب أن الامر كما وصفت ما بالنا لا نعلم ما رويتم عنهم من خلاف جميع الفقهاء علم اضطرار ؟ فقلت له: ليس شئ مما تومي إليه إلا وقد قاله صحابي أو تابعي وإن اتفق من ذكرت من فقهاء الامصار على خلافه الان فلما قدمناه مما رضيته من الاعتلال لم يحصل علم الاضطرار مع أنك تقول لا محالة بأن قولهم – عليهم السلام – في هذه الابواب


[ 203 ]

بخلاف ما عليه غيرهم فيها وهو ما أجمع عليه عندك فقهاء الامصار من الصحابة والتابعين باحسان، فما بالنا لا نعلم ذلك من مقالهم علم اضطرار وليس هو مما يحدثه مذاهب الفقهاء ولا اختلف فيه عندك من أهل الاسلام أحد، فباي شئ تعلقت في ذلك تعلقنا به في إسقاط سؤالك والله الموفق للصواب فلم يات بشئ تجب حكايته والحمد لله. قال الشريف أبو القاسم علي بن الحسين الموسوي أيده الله: قلت للشيخ أيده الله عقيب هذه الحكاية لي: إن حمل هؤلاء القوم أنفسهم على أن يقولوا إن جعفر بن محمد وأباه محمد بن علي وابنه موسى بن جعفر – عليهم السلام – لم يكونوا من أهل الفتيا لكنهم كانوا من أهل الزهد والصلاح. قال: فانه يقال لهم: هب أنا سامحناكم في هذه المكابرة وجوزناها لكم أليس من قولكم وقول كل مسلم وذمي وعدو لعلي بن أبى طالب وولي له، أن أمير المؤمنين – عليه السلام – كان من أهل الفتيا ؟ فلا بد من أن يقولوا: بلى، فيقال لهم: ما بالنا لا نعلم جميع مذاهبه في الفتيا كما نعلم جميع مذاهب من عددتموه من فقهاء الامصار بل من الصحابة كزيد وابن مسعود وعمر بن الخطاب، فان قالوا: إنكم تعلمون ذلك باضطرار، قلنا لهم: وذلك هو ما تحكونه أنتم عنه أو ما نحكيه نحن بما يوافق حكايتنا عن ذريته – عليهم السلام -، فان قالوا: هو ما نحكيه دونكم، قلنا لهم: ونحن على أصلكم في إنكار ذلك مكابرون، فان قالوا: نعم، قلنا لهم: بل العلم حاصل لكم بما نحكيه عنه خاصة وأنتم في إنكار ذلك مكابرون وهذا ما لا فصل فيه. وهو أيضا يسقط اعتلالكم في عدم العلم الضروري بمذاهب الذرية لما ذكروه من تقسيم الفقهاء لها، لان أمير المؤمنين – عليه السلام – قد سبق الفقهاء الذين


[ 204 ]

أشاروا إليهم وكان مذهبه – عليه السلام – منفردا فان اعتلوا بأنه كان متقسما في قول الصحابة فهم أنفسهم ينكرون ذلك لروايتهم عنه الخلاف، مع أنه يجب أن لا نعرف مذهب عمر وابن مسعود لانهما كانا متقسمين في مذهب الصحابة، وهذا فاسد من القول بين الاضمحلال. قال الشيخ: وهذا كلام صحيح، ويؤيده علمنا بمذاهب المختارين من المعتزلة والزيدية والخوارج مع انبثاثها في أقاويل الصحابة والتابعين وفقهاء الامصار وقال الشيخ أيده الله تعالى: وقد ذكرت الجواب عما تقدم من السؤال في هذا الباب في كتابي المعروف بتقرير الاحكام ووجوده هناك يغني عن تكراره هاهنا إذ هو في موضعه مستقصى على البيان. فصل ومن حكايات الشيخ وكلامه قال الشيخ أدام الله عزه: حكى عمرو بن بحر الجاحظ عن إبراهيم بن سيار النظام في كتاب الفتيا بعد كلام أورده في صدره: قال إبراهيم: وقد قال عمر بن الخطاب: ” لو كان هذا الدين بالقياس لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره “، قال: وهذا القول من عمر لا يجوز إلا في الاحكام والفرائض وأما الوعد والوعيد والتعديل والتجويز والتشبيه ونفي التشبيه فلا يجوز فيه خلاف القياس، وقد كان يجب على عمر بن الخطاب، العمل بما قال في الاحكام كلها ولكنه ناقض فاستعمل القياس بعد أن منع منه بما تقدم من المقال. فقال الجاحظ: وقال إبراهيم: وليس ذلك باعجب من قوله يعني عمر بن


[ 205 ]

الخطاب ” أجرأكم على الجد أجرأكم على النار ” ثم قضى في الجد بمائة قضية مختلفة، ذكر ذلك هشام بن حسان عن محمد بن سيرين قال: سالت عبيدة السلماني عن شئ من أمر الجد فقال: إني لاحفظ من عمر مائة قضية في الجد كلها ينقض بعضها بعضا. قال إبراهيم: وليس قول من قال إنما كان ذلك من عمر على جهة الاصلاح بين الخصوم بشئ لان الاصلاح غير القضاء، وكيف يكون هذا التأويل مذهبا وعمر نفسه يقول: إني قضيت في الجد قضايا مختلفة كلها لم ال فيها عن الحق فان أعش إن شاء الله لاقضين فيه بقضاء لا يختلف فيه اثنان بعدي تقضي به المرأة وهي قاعدة على ذيلها ” ذكر ذلك أيوب السجستاني (السختياني ن خ) وابن عون عن محمد بن سيرين، وهؤلاء بعمر أعرف ممن خرج له العذر. وقال الجاحظ: وقال إبراهيم: وقال أيضا عمر: ” ردوا الجهالات إلى السنة) ولعمري لو رد المجهول إلى المعروف والاختلاف إلى الاجماع كان أولى به، ومتى رد عمر الجهالات إلى السنة وهو يقفي في شئ واحد بمائة قضية مختلفة، ولو كان ذلك عنده جائزا وكان عند نفسه ماجورا لما قال: ” أجرأكم على الجد أجرأكم على النار ” وهذا بين في الكلام. قال الشيخ أيده الله: وهذا القول الذي حكيناه عن صديق المعتزلة ابي عثمان فيما حكاه عن شيخه ورئيسه إبراهيم النظام، طعن ظاهر على عمر بن الخطاب وشهادة عليه بالجور في الاحكام وقطع منه على أنه كان من أهل العناد في الديانة وأنه لم يرعها فيما صار إليه من اجتهاد الرأي. ألا ترى إلى قوله بعد أن أورد مناقضته في الكلام كيف صرح بعناده فقال: لو كان الاختلاف في الاحكام والقول فيها بالرأي عند عمر جائزا لما قال: ” أجرأكم على الجد أجرأكم على النار ” فأبان في


[ 206 ]

هذا المقال عن اعتقاده في عمر وأنه إنما أقدم على القول بالرأي واختلفت أحكامه فيه للدنيا وطلب الرئاسة دون الدين الذي يؤم به الثواب. وقال الجاحظ: قال إبراهبم وليس يشبه رأيه في الاحكام صنيعه حين خالف ابي بن كعب عبد الله بن مسعود في الصلاة في ثوب واحد لانه حين بلغه ذلك خرج مغضبا حتى أسند ظهره إلى حجرة عائشة وقال: ” اختلف رجلان من أصحاب رسول الله (ص) ممن يؤخذ عنهما لا أسمع أحدا يختلف في الحكم بعد مقامي هذا إلا فعلت به وفعلت “، أفترى أن عمر نسي اختلاف قوله في الاحكام حتى أنكر ما ظهر من الاختلاف عن الرجلين كلا، ولكنه كان يناقض ويخبط خبط عشواء. قال الجاحظ: وقال إبراهيم: وهذه أيضا كانت سبيل أبي بكر لانه سئل عن قول الله عزوجل: * (وفاكهة وأبا) * (1) فقال: ” أي سماء تظلني أم أي أرض تقلني أم أين أذهب أم كيف أصنع إذا قلت في اية من كتاب الله بغير ما أرأد الله عز وجل، أما الفاكهة فنعرفها، وأما الاب فالله أعلم به “، ثم سئل عن الكلالة، فقال: ” أقول فيها برأي فان كان صوابا فمن الله عزوجل، وإن كان خطا فمن قبلي، الكلالة ما دون الوالد والولد “. قال إبراهيم: وقوله هاهنا خلاف قوله هناك، فكيف يجوز لصاحب الحكم في الاموال وفي حقوق المسلمين برأي لا يدري صاحبه لعله فيه مخطئ، فان استجاز القول فيها – لان ذلك كان جهد رأيه – فليجز الاجتهاد في الاية التي سئل عنها، ومن استعظم القول بالرأي ذلك الاستعظام لم يقدم على القول بالرأي هذا الاقدام.


(1) – عبس / 31 (*).

[ 207 ]

قال الجاحظ: وقال إبراهيم: وإنني لاعجب من قول عم ” إني لاستحي من الله أن اخالف أبا بكر ” فإن كان عمرإنما تابعه لان خلافه لا يجوز فقد خالفه في الجد مائة مرة، وفي أهل الردة وفي امور كثيرة، وإن كان لم يقل ذلك لان أبا بكر لا يخطئ ولكنه كان استبان له بعد أن الحق ما قال أبو بكر في الكلالة فان كان ذلك كذلك فما وجه قوله: ” إني لاستحي من الله عزوجل أن اخالف أبا بكر ” وهذا قول لو قال به أبعد الناس كان عليه الاقرار به، على أن أبا بكر لم يعزم على ذلك القول وقد تبرأ إليهم منه. قال الجاحظ: وقال إبراهيم: وكذلك كان ابن مسعود يعني في المناقضة والقول بالباطل في الدين، ألا تراه قال في حديث [ بروع (1) ابنة واسق ] ” أقول فيها برأي فان كان خطا فمني وإن كان صوابا فمن الله عزوجل، لها صدقة نسائها ولا وكس ولاشطط ” وهذا هو الحكم بالظن والقضاء بالشبهة، وإذا كانت الشهادة بالظن حراما فالحكم بالظن أعظم. قال إبراهيم: ولو أن ابن مسعود أخذ نفسه بما أدب به غيره حيث يقول: ” الحلال بين والحرام بين فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك ” واستعمل هذا الادب لم يقل في الاحكام وهو رجل مقلد: ” أقول فيها برأي فان أصبت فمن الله وإن أخطات فمن نفسي ” وهذا كلام فاسد لانه لا يكون عمل واحد واجتهاد واحد إذا وافق الحق كان من الله وإذا وافق الباطل كان من عند غير الله عزوجل وهو في الوجهين جميعا شئ واحد. وقال إبراهيم: ولو كان ابن مسعود بدل نظره في الفتيا بنظره في الشقي كيف شقي والسعيد كيف سعد حتى لا يفحش قوله على الله عز وجل فيما دان به في ذلك ولا يشتد غلطه، كان أولى به.


(1) – في بعض النسخ: يروع (*).

[ 208 ]

قال: وكان يزعم أن مرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا فاسق ولا كافر ولا منافق، وبقوله قال سفيان الثوري وغيره وهم من الشكية. قال إبراهيم: وزعم ابن مسعود انه رأى القمر قد انشق لرسول الله (ص) قال إبراهيم: وهذا من الكذب الذي لا خفاء به لان الله تعالى لم يشق له القمر وحده وإنما شقه اية للعالمين وحجة لسيد المرسلين ومزجرة للعباد وبرهانا في جميع البلاد، فكيف لم يعرف ذلك العامة ولم يؤرخ الناس بذلك العام ولم يذكره شاعر ولم يسلم عنده كافر ولم يحتج به مسلم على ملحد فيما سلف، وهذا باب يستوي في معرفته الخاصة والعامة. قال الشيخ أيده الله تعالى: فتأملوا وفقكم الله هذا الكلام وحصلوا ما فيه، فان أبا عثمان قد أفصح في الحكاية عن شيخه النظام صريح الطعن على أبي بكر وعمر و عبد الله بن مسعود ثم زاد عبد الله في الذم، بأن كذبه فيما يحكيه من مشاهدة المعجز لرسول الله (ص) على ما وصفه به من الحكم في الدين بالرأي وتناقض قوله في ذلك، تعرفوا بفهم ما ذكرناه خبث باطن هذا الرجل وهو سيد أهل الاعتزال وبه فخرت المعتزلة وضربت به ربابي الهذيل الامثال، فقال قائلهم عند موته ذهب الكلام، خرف أبو الهذيل ومات النظام، وإذا انضاف إلى نظركم فيما سلف نظركم فيما ياتي بعد من مقال هذا الرجل وإخوانه من أهل الاعتزال تحققتم فيهم ما ذكرناه. قال الجاحظ: قال إبراهيم: وكاقدام عبد الله على حذف سورتين من كتاب الله عزوجل فهبه لم يشهد قراءة النبي (ص) لهما أفما علم بعجيب تأليفهما وأنهما على نظم سائر القرآن المعجز للبلغاء أن ينظموا نظمه وأن يحسنوا تأليفه على أنهما من القران، وأحسبه جهل ذلك كله كيف لم يصدق جماعة الامة أنهما من القرآن.


[ 209 ]

قال: وما زال – يعني عبد الله – يطبق في الركوع حتى مات، وأخذ ذلك عنه بعض أصحابه وأحسبه لم يشهد النبي في فعل خلاف ذلك وكان غائبا، كيف لم يقنعه إجماعهم على فسخ ذلك وكيف لم يستوحش من خلافهم وهو في ذلك الرأي غريب وحيد. قال: وعاب عثمان حين بلغه أنه صلى بمنى أربعا، وقال فيه قولا شديدا ثم قام فتقدم فكان أول صلاة صلاها أربعا فقيل له في ذلك فقال: الخلاف شر فكيف يكون هذا عذره وقد عمل بالفرقة في امور كثيرة عظيمة وخالف الامة باسرها، وكيف يكون الخلاف على المعصية معصية. قال إبراهيم: ورأى عبد الله اناسا من الزط فقال: هؤلاء أشبه من رأيت بالجن ليلة الجن، ذكر ذلك عنه من لا يتهم عليه ولا على غيره جماعة، منهم سليمان التميمي عن أبي عثمان النهدي. وقال علقمة: قلت لابن مسعود: كنت مع رسول الله (ص) ليلة الجن ؟ فقال: ما شهدها منا أحد. ذكر ذلك أيضا عنه من لا يتهم عليه ولا على غيره جماعة، منهم داود عن الشعبي عن علقمة. قال إبراهيم: وساله عمر عن شئ من الصرف فقال: لا باس به. فقال عمر قد كرهته فقال: يا أمير المؤمنين وأنا أيضا قد كرهته إذ كرهته أنت. فرجع عن قوله بغير نظر ولا تأمل. وهذا بن مسعود ركن من أركانكم يعني – فقهاء العامة – وإمام من أئمتكم وهو من أفاضل من قال في الفتيا فما ظنك فيمن دونه، فكيف يكون هؤلاء حجة علينا ويلزمنا لهم طاعة، على أنا لم نبلغ من القول فيهم ما قال بعضهم في بعض. قال الجاحظ: قال إبراهيم: ورويتم عن إسماعيل عن الشعبي أن قوما سالوا زيد بن ثابت عن شئ فافتاهم فكتبوه فقال: وما يدريكم لعلي قد أخطات وإنما اجتهدت لكم برأي، ورويتم عن المغيرة عن إبراهيم أن عمر بن الخطاب


[ 210 ]

قضى بقضاء فقال له رجل: أصبت والله يا أمير المؤمنين، فقال: وما يدريك أني أصبت والله ما يدري عمر أ أصاب أم أخطأ، ورويتم عن سفيان الثوري عن عاصم عن الشعبي عن ابن عباس أنه قال: ربما أنهاكم عن أشياء لعلها ليس بها باس وآمركم باشياء لعل بها باسا، ورويتم عن عمر وعن طاووس أن ابن عمر سئل عن شئ فقال: لا أدري فان شئت أخبرتك بالظن. قال إبراهيم: فقد أقر القوم على أنفسهم أنهم بالظن كانوا يريقون الدماء، وبالظن كانوا يبيحون الفروج، وبالظن يحكمون في الاموال، وبالظن يوجبون العبادات وقد نهى الله عزوجل العباد أن يحكموا بالظن ويشهدوا به فقال تعالى: * (إلا من شهد بالحق وهم يعلمون) * (1) وأمر بالعلم واليقين فخالف القوم ذلك وعلموا أن الناس لهم منقادون وأنهم ما قالوا من شئ فهو حتم لا مرد له. قال إبراهيم: وإذا كان هذا المذهب موجودا في الاكابر والاصاغر من السلف فما ظنك بالتابعين، ثم ما ظنك بالفرق التي بينهم، وإذا كان هذا ما أقروا به على أنفسهم فما لم يقروا به ورأوا ستره أكثر. قال الشيخ أيده الله: وقد أدخل إبراهيم النظام أمير المؤمنين – عليه السلام – في جملة من ذكرنا قوله فيه ونظمه معهم في معايب الاقوال عنادا منه له – عليه السلام – وعصبية لم يلجا فيها إلى شبهة بل اعتمد في نصرتها على البهت واللجاج، وظن الجاحظ وإخوانه من أهل الاعتزال أن إبراهيم قد أخذ بطائل من ذلك وسوى بين القوم في الحكم عليهم بموجب الضلال وليس الامر كما ظنوه في استواء الاحوال لكنه مستمر في القول منهم والاعتقاد دون الحجة الموجبة للاتفاق. والدليل على ذلك أن الذي حكى عن النظام عمن ذكرناه متفق عليه عند


(1) – الزخرف / 86 (*).

[ 211 ]

جماعة أهل الاسلام لا ينازع فيه اثنان من نقلة الآثار، فالطاعنون على القوم ينقونه للحجة عليهم في ارتكاب الضلال، والمتولون لهم ينقونه على وجه المدح لهم بالاجتهاد في الاخكام ويجعلونه أصلا لمذاهبهم في تسويغ الاختلاف، ومن أبى الاجتهاد والقياس من القائلين بسلامة القوم ينقله عنهم على وجه الصلح في الاحكام والقول بمدلول الخطاب واختلاف وجوهه واحتماله في اللسان، فليس في الامة إلا من يشهد بصحة ذلك على ما حكاه إبراهيم وغيره من أصحاب المقالات. والذي حكاه عن أمير المؤمنين – عليه السلام – من اختلاف الاقوال وإظهار القول بالرأي شئ تفرد به فريق وأباه فريق، وادعته شيعة أبي بكر وعمر وعثمان، وأنكرته شيعة علي أمير المؤمنين – عليه السلام – كافة وأطبقوا على رده وتكذيب الرواة له، وأجمعت ذريته وعترته – عليهم السلام – على إنكار ذلك وإبطاله فكيف يكون المختلف فيه نظير المتفق عليه ؟ أم كيف يتساوى الحكمان في ذلك والقول فيه على ما وصفناه ؟ مع أن الاجماع من فرق أهل الخلاف ومن ذرية أمير المؤمنين – عليه السلام – وشيعته على نقيض ما تفرد به شيعة عثمان من الحكاية عن أمير المؤمنين – عليه السلام – في اختلاف الاحكام، وقد نقل ذلك عدو علي – عليه السلام – كما نقله وليه فكانت الحجة به دامغة لاهل الخلاف. من ذلك إجماع الخاص والعام عن النبي (ص) أنه قال: ” علي أقضاكم ” وأقضى القوم لا يختلف قوله في الاحكام، وقال النبي (ص): ” علي مع الحق والحق مع علي يدور حيثما دار ” ومن كان الحق معه بشهادة رسول الله (ص) لم يرتكب الضلال، وقول أمير المؤمنين – عليه السلام -: ” بعثني رسول الله (ص) إلى اليمن قاضيا بين أهله فقلت له: أتبعثني وأنا شاب ولا علم لي بكثير من القضاء فضرب بيده على


[ 212 ]

صدري وقال: اللهم اهد قلبه وثبت لسانه فما شككت في قضاء بين اثنين “. وهذا القول يضاد الحكاية عنه أنه كان يقول بالرأي لان القول بالرأي يوجب الشك في الاحكام وقد نفى عن نفسه ذلك فكيف يثبته مع النفي له لولا البهت والعناد. وهذه أخبار قد سلمها العدو ونقلها على ما ذكرناه وإنما يتأولها من فارقنا في العقد على مدلولها ويختص بها شيئا دون شئ أو زمانا دون زمان، وذلك باطل لظاهر عمومها وما تقتضيه حقائقها في معانيها من كونها مدحا على الاوصاف التي هي عليها عند من عرف اللسان، وليس لخصومنا اخبار تنفي ما حكاه إبراهيم عن أئمتهم من الاختلاف بل الاجماع على صحة ذلك عليهم حاصل حسبما قدمناه. على أن أكثر ما حكاه إبراهيم عن أمير المؤمنين – عليه السلام – يمكن مساهلته في بابه وتسليمه له على وجه النظر دون التدين وحمله مع ذلك على خلاف ما توهمه من القول بالاجتهاد، ولانا نذهب فيه إن سلمناه مذهب التقية والاستصلاح والتأليف والمداراة، وهذا أصل ندين به ونعتقده وليس لخصومنا مثله يلجاون إليه في الخروج من الشناعات. قال الشيخ أيده الله: وقد اورد الجاحظ الاخبار التي ذكرناها واعتمدنا عليها في بطلان ما أضافه إبراهيم إلى أمير المؤمنين – عليه السلام – من القول بالرأي ولم يعمل فيها شيئا بل خلط في الكلام عليها وصار إلى الهذيان، وقد ذكر عنا أيضا عمدة وأضرب عن الكلام عليها جانبا للعجز والاضطرار وهي أن العقول عندنا توجب عصمة الامام والدليل القاهر قائم على إمامة أمير المؤمنين – عليه السلام -، وليس يجوز أن يعتري الشك في الدين أهل العصمة في الاديان ولا أن يقع الضلال


[ 213 ]

من الامام السيد الذي هو أفضل الانام، وهذا يسقط ما حكاه القوم واعتمدوه مما جاءت به الاخبار وليس فيمن خالفنا أحد يدعي العصمة لائمته ولا لاخد منهم ولا لصحابي ولا لتابعي باحسان فنسلم مما حكاه إبراهيم عنهم وحكم به عليهم من الضلال في الدين والعناد. وتد استقصيت القول في إقرار أمير المؤمنين – عليه السلام – أحكام القوم للتقية والاستصلاح وبينت وجوه ذلك وأوردت الزيادات فيه والمسائل والجوابات في كتابي المعروف بتقرير الاحكام فاغنى عن إعادته هاهنا. قال الشيخ أيده الله: وقد علم إبراهيم أن الذي أراد به التسوية بين أمير المؤمنين – عليه السلام – وبين القوم لا يتم له عند أهل النظر والحجاج فاعتمد على السب المحض لامير المؤمنين – عليه السلام – والغميزة فيه بمجرد أقوال الرجال، فقال وقد اختلف قول علي بن أبي طالب – عليه السلام – في امهات الاولاد فقال بشئ ثم رجع عنه، وحكى عن عبيدة السلماني أنه قال: سالت عليا – عليه السلام – عن بيع امهات الاولاد فقال: كان رأي ورأي عمر أن لا يبعن وأنا الان أرى أن يبعن، فقلت له: رأيك مع رأي عمر أحب إلينا من رأيك وحدك. قال الشيخ أيده الله: وهذا خبر قد أطبق الفقهاء ونقاد الاثار على بطلانه، ومن صححه منهم فلم يثق بهذه الحكاية من عبيدة وقال: تخرصها وعمل بالكذب فيما ادعى، لان أمير المؤمنين – عليه السلام – كان أعظم في نفوس المهاجرين والانصار من أن يقدموا عليه – في حكم حكم به هذا الاقدام فكيف بعبيدة مع صغر سنه في الحال وضعة قدره، ولم يكن عبيدة ولا أضرابه في الذين يتجاسرون على أمير المؤمنين – عليه السلام – بهذا المقال. وجملة الامر أنه لو كان عبيدة صادقا لما أخل ذلك بها ذكرناه من عصمة أمير


[ 214 ]

المؤمنين – عليه السلام – من قبل أنه كان رأيه في أيام عمر أن لا يخالفه في (الفتيا خوفا من انتشار الكلمة ووقوع الفساد وذلك هو الذي توجبه الحكمة في تدبير الدين واستصلاح الانام، فلما أفضي الامر إليه زال ما كان يخافه فيما سلف من إظهار الخلاف فحكم بما لم يزل يعتقده من جواز بيع امهات الاولاد كما رأى رسول الله (ص) في عام الحديبية، إمضاء أحكام الكفار وألكف عن الحرب لهم والجهاد ثم زالت العلة الموجبة لذلك في عام الفتح فرأى حربهم وجهادهم وخلاف ما كان راه قبل من الاحكام. فأما اعتراض عبيدة قوله بالرد، فذلك نظير رد الخوارج عليه في التحكيم وحرب طلحة والزبير ومعاوية وأهل الشام له، ولم يخل ذلك بكمال عصمته – عليه السلام – كما لم يقدح خلاف المشركين لرسول الله (ص) وردهم عليه وحربهم له في نبوته وعصمته ومن اعتمد على ما اعتمد عليه الجاحظ واستاذه وأشياعهما في هذا الباب، فقد وضح جهله وبان عجزه. ثم قال الجاحظ: وقال إبراهيم: وقد قضى يعني أمير المؤمنين – عليه السلام – في الحد بقضايا مختلفة، وهذا تخرص منه لا خفاء به لانه لا يحفظ عنه في الحد إلا قول واحد ولم يختلف من أهل النقل عليه في ذلك اثنان ومن اعتمد على البهت هان أمره. ثم قال إبراهيم: وندم – يعني أمير المؤمنين – عليه السلام – على إحراق المرتد بعد الذي كان من فتيا ابن عباس، وهذا من أطرف شئ سمع وأعجبه، وذلك أن ابن عباس أحد تلامذته والاخذين العلم عنه، وهو الذي يقول: كان امير المؤمنين – عليه السلام – يجلس بيننا كأحدنا ويداعبنا ويبسطنا، ويقول: والله ما ملات طرفي قط منه هيبة له – عليه السلام -، فكيف يجوز من مثل من وصفناه التقدم على أمير المؤمنين


[ 215 ]

– عليه السلام – في الفتيا وإظهار الخلاف عليه في الدين لا سيما في الحال التي هو مظهر له فيها الاتباع والتعظيم والتبجيل. وكيف يكون ما حكاه إبراهيم من ندمه – عليه السلام – على إحراق المرتد حقا وقد أحرق في اخر زمانه الاحد عشر الذين ادعوا الربوبية فيه. أفتراه ندم على ندمه الاول ؟ كلا ! ولكن الناصبة تتعلق بالهباء المنثور ثم قال إبراهيم: وودى رجلا جلده في الخمر ثمانين فمات، وقال إنما وديته لان هذا شئ جعلناه بيننا وهذا شئ لم يسمع به إلا من هذه الجهة ولا رواه أحد من أهل الاثار، كيف وهو – عليه السلام – يقول: ” من ضربناه حدا في حق من حقوق الله فمات فلا دية له علينا ومن ضربناه حدا في حق من حقوق المخلوقين فمات فديته علينا ” ولا خلاف في أن حد الخمر من حقوق الله عزوجل خاصة، ولكني أظن أن إبراهيم أراد أن يذكر حد القذف فغلط بحد الخمر لاتفاقهما في العدد. وقا ل إبراهيم: رأى – يعني أمير المؤمنعين – عليه السلام – الرجم على مولاة حاطب فلما سمع قول عثمان تابعه ونازعه زيد بن ثابت في المكاتب فأفحمه، وهذا سب صريح بغير حجة وكذب ظاهر بلا شبهة، لان الاتفاق حاصل على أن أمير المؤمنين – عليه السلام – كان أعلم القوم وأنهم كانوا يرجعون إليه ولا يرجع إلى أحد منهم، وكيف يكون ما رواه هذا الرجل حقا والخبر المستفيض عن النبي (ص) أنه قال: ” علي أقضاكم ” وليس يصح أن يكون أقضى الامة من أفحمه زيد بن ثابت في المكاتب فان كان قد أفحمه على ما ذكره إبراهيم، فقد أكذب النبي بإفحامه من شهد له بانه أقضى منه، وليس المكاتب من الفرائض في شئ فيصح أن يتعلق بالخبر الذي يروونه ” زيد أفرضكم ” مع أن الاجماع موجود على مذهب أمير المؤمنين – عليه السلام – في الرجم والمكاتب خلاف زيد وابن عفان، وهذا يدل على


[ 216 ]

بطلان ما ادعاه هؤلاء القوم. ثم قال إبراهيم: وروى داود عن الشعبي ان عليا رجع عن قوله في الحرام ثلاثا، ولو لم يحتج في إبطال هذه الرواية إلا باضافتها إلى الشعبي لكفى، وذلك أن الشعبي كان مشهورا بالنصب لعلي – عليه السلام – ولشيعته وذريته، وكان معروفا بالكذب سكيرا خميرا مقامرا عيارا، وكان معلما لولد عبد الملك بن مروان وسميرا للحجاج. وروى إسماعيل بن عيسى العطار قال: حدثنا بهلول بن كثير، قال: حدثنا أبو حنيفة، قال: أتيت الشعبي أساله عن مسألة فإذا بين يديه شطرنج ونبيذ وهو متوشح بملحفة مصبوغة بعصفر فسألته عن مسألة، فقال: ما تقول فيها بنو أستها، قال: فقلت: هذا أيضا مع هذا وذهبت إلى كتب لي كنت سمعتها منه فخرقتها ثم صار مصيري هذا أن أسمع عن رجل عنه. وروى أبو بكر الكوفي عن المغيرة قال: كان الشعبي يهون عليه أن تقام الصلاة وهو على الشطرنج والنرد، وقال: مررت بالشعبي وإذا هو قائم في الشمس على فرد رجل وفي فمه بيذق فقال: هذا جزاء من قومر. وروى الفضل بن سليمان عن النضر بن مخارق قال: رأيت الشعبي بالنجف يلعب بالشطرنج وإلى جنبه قطيفة فإذا مر به من يعرفه أدخل رأسه فيها. وبلغ من كذبه أنه قال: لم يشهد الجمل من الصحابة إلا أربعة فان جاءوا بخامس فانا كذاب، علي وعمار وطلحة والزبير، وقد أجمع أهل السير أنه شهد البصرة مع علي – عليه السلام – ثمانمائة من الانصار وتسعمائة من أهل بيعة الرضوان وسبعون من أهل بدر وهو الذي روى أن عليا – عليه السلام – كان أحمر الرأس واللحية خلافا على الامة


[ 217 ]

في وصفه، وبلغ من نصبه وكذبه أنه كان يحلف بالله لقد دخل علي بن أبي طالب اللحد وما حفظ القران، وهذا خلاف الاجماع وإنكار الاضطرار، وروى مخالد قال: قيل للشعبي: إنك لتقع في هذه الشيعة وإنما تعلمت منهم. وكان يقول: ما أشك في صاحبنا الحرث الاعور أنه كان كذابا، وكان يشبه في زيه ولباسه وفعاله وكلامه بالشطار وأهل الزعارة، وخالف الامة في قوله: إن النفساء تربص شهرين. فكيف يحتج برواية هذا على أمير المؤمنين – عليه السلام – مع أن المشهور عنه أنه كان لا يرى الحرام شيئا ويقول فيه إنه جاء إلى ما أحل الله فحرمه على نفسه يمسك امرأته ولا شئ عليه. ثم قال إبراهيم: وقال – يعني أمير المؤمنين – عليه السلام – في أمر الحكمين: لقد عثرت عثرة لا أنجبر * * سوف أكيس بعدها وأستمر وأجمع الرأي الشتيت المنتشر وهذا لا ينضاف إليه – عليه السلام – بلا شبهة لانا نعلم بالضرورة أنه كان – عليه السلام – يظهر التدين بصوابه في التحكيم وتضليل من خطاه في ذلك حتى قتل أربعة آلاف على تخطئتهم له في التحكيم، فكيف يسوغ من عاقل أن يضرب الرقاب على قول قيل فيه وهو يشهد به على نفسه ؟ ! هذا ما لا يتوهمه إلا مؤوف العقل غير معدود في جملة المكلفين. وكيف يصح ذلك مع أن الخوارج إنما ساموه أن يعترف لهم بالخطأ فيما صنعه في باب الحكمين ليرجعوا إلى ولايته فرد عليهم ذلك ووجه بابن عباس لمناظرتهم فيه، ولو كان قال هذا الشعر كما حكاه إبراهيم لكان الغاية في بغية القوم منه ولرضوا به عنه ولدخلوا في ولايته إذ صريحه شهادة منه على نفسه بالخطأ والندم


[ 218 ]

على ما صنع. والذي يدل على بطلان جميع ما حكاه هذا الرجل عنه من قرب ويوضحه أنه لو كان له أصل لكان أوكد الحجج لاعدائه من الخوارج وغيرهم ممن رأى حربه بالبصرة أو صفين ومن قعد عن نصرته، ولشيعة عثمان خاصة حتى لم كانوا يحتجون به عليه في المقامات ويشنعون به على رؤوس الجماعات، وقد أحطنا علما باحتجاج جميع من خالفه أو قعد عنه أو نازعه وحاربه، فلم نجد فيه أنهم قالوا له تناقضت أحكامك واختلفت اراؤك ولا فضل لك في العلم لان زيدا نازعك فافحمك ولان عثمان خالفك فاسكتك ولاثك تحكم بشئ ثم تندم عليه وتخطئ في أمر وتعترف بخطئك فيه ثم تقيم عليه، بل وجدنا جماعة من ذكرناه معترفين بفضله – عليه السلام – في العلم والشجاعة والحكم والقرابة بالرسول (ص) والزهد، وإنما كان بعضهم يتعلق عليه بايوائه قتلة عثمان وهم أهل البصرة والشام، وبعضهم بتحكيم الرجال وهم أهل النهروان، وبعضهم بقتال أهل القبلة وهم المعتزلة للقتا ل. وقد اجتهدت بنو امية وبنو مروان في مثالبه – عليه السلام – ونفروا العامة عن ولايته فلم يحفظ عن أحد منهم في سلطانه سقط له في العلم ولا تجهيل له في الاحكام، وأكثر ما كانوا يخبطون به في ذلك ويشبهون به على الاغفال، خذلانه لعثمان ونصرته لقتلته والاستبداد بالامر دون الرجال وما أشبه ذلك. ولو كان شئ مما حكاه إبراهيم عن أمير المؤمنين – عليه السلام – محفوظ، لنشره من ذكرناه واعتمد عليه كما وصفناه، وفي عدول الكافة عنه لا سيما الخوارج – وقد جرت بينه وبينهم المناظرات – دليل على وقاحة إبراهيم وبهته وعناده وضعف ما اعتمده من الكذب الذي لا خفاء به.


[ 219 ]

ثم طعن على أمير المؤمنين – عليه السلام – أيضا إبراهيم بان قال: وخالف الجماعة كلها في امهات الاولاد، وفى الاحياض، وقضائه في قطع اليدين اصول الاصابع، ودفع السارق إلى الشهود، وجلد الوليد بن عقبة أربعين سوطا في خلافة عثمان، وجهره بتسمية الرجال في قنوت الغداة، وقبول شهادة الصبيان بعضهم على بعض، قال: وقد قال الله عزوجل: * (ممن ترضون من الشهداء) * (1) وأخذه نصف دية الرجل من أولياء المرأة، وكاخذ نصف دية العين من المقتص من الاعور، وتخليفه رجلا يصلي العيدين بالضعفاء في المسجد الاعظم. قال: وغير ما عددناه مما جعله في سلطانه وحكم به وقاله، وهو خلاف على الاحياء من قضاته ومن فقهاء مصره وعلى جميع الاموات من نظرائه. قال إبراهيم: وهو يقول مع ذلك لقضاته: ” اقضوا كما كنتم تقضون حتى يكون الناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي فاني أكره الخلاف ” فلا يخلو ما ترك من الحكم وأخره من العمل به إلى اجتماع الناس، أن يكون كهذه الامور في الخلاف أو كخلاف بعضهم على بعض أو كخلاف آخر قال: وأعجب مما مضى، قطعه القدم وترك العقب وقطعه الاصابع وتركه الكف والابهام. قال: فإن كان الذي أخره من باب الخلاف الذي عددناه فكيف لم يحكم به ولم أخره وقدم مثله ؟ وإن كان كخلاف بعض الصحابة لبعض فذلك مما لا يحتشم منه ولا يوحش العامة من صاحبه، وإن كان ضربا اخر من الخلاف فليس يكون إلا خلاف المعروف من دين محمد (ص). قال: فعلى أي وجه استجاز ترك الحكم عنده وأمرهم أن يحكموا بالباطل،


(1) – البقرة / 282 (*).

[ 220 ]

أفتراه كان في تقتة ؟ كلا، ما كانت عليه تقية من ذلك لان أصل الفساد لم يكن عليه من قبل خلافهم له في الفتيا، وإنما كان الخلاف من طلحة والزبير على وجه طلب الشورى وأنهما بايعاه بالمدينة كارهين والطلب بدم عثمان، وانه كان سدى ذلك ولحمته، وأن قاتل عثمان لا يكون للناس إماما، وكان خلاف عبد الله بن وهب على أن من حكم الرجال في واجب الدين وما قد أفصح به الكتاب فغير إمام، فلو كان اضطراب جل الناس من قبل الخلاف على علي – عليه السلام – في الفتيا كان لما قال وجه، فكيف وقد حكم في كل ما ذكرناه بخلاف ما عليه الجماعة ثم لم يكن في ذلك تنكير ولا تغيير ثم قال إبراهيم عقيب هذا الفصل: فكيف تجب طاعة قوم هذه سيرتهم وأقاويلهم ومذاهبهم يعني عليا أمير المؤمنين – عليه السلام – وأبا بكر وعمر وزيدا و عبد الله بن مسعود و عبد الله بن عباس ومن تقدم ذكره، غير أنه لم يذكر عثمان على التفصيل وأظن أن الجاحظ طوى ذكره لعصبيته للعثمانية والمروانية إلا أنه قد حكى عنه الطعن عليه في الجملة في فصل أنا أورده إن شاء الله. قال الشيخ أيده الله: وليس في جميع هذا الفصل الذي حكيناه عن إبراهيم كثير طائل ولا معتمد من شبهة فيتعلق بها المبطل غير ألفاظ في جملة ما أورده، أنا ابين عن وهن متضمنها وإن كان في المختصر الذي قدمته من النقض عليه كفاية لولا أنني اريد البيان. أما ما ذكره من خلافه – عليه السلام – على جملة القوم فالعار في ذلك على من خالفه دونه والعيب يختص به سواه، لانه – عليه السلام – هو الامام المتبوع والقدوة المتاسى به والمدلول على صوابه والمدعو إلى اتباعه حيث يقول رسول الله (ص): ” أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأت الباب ” وحيث يقول (ص) وقد


[ 221 ]

قدمناه فيما سلف: ” علي أقضاكم ” و ” هو مع الحق والحق معه ” وفي قوله (ص): ” إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فلما عدل القوم عن اتباعه كانو ” ضلالا بذلك وكان هو – عليه السلام – المصيب وأهل بيته – عليهم السلام – وأنصاره وشيعته. وما أعجب هذا المقال من النظام وهو في مذهبه هذا الذي نصره بتخطئة الصحابة، مبطل للاجماع راد على من احتج به واعتمده فكيف يشنع على الشيعة بانفراد أمير المؤمنين – عليه السلام – بالاحكام وهو ركن الامة وعمادعا وملجاها في الدين وإمامها، ثم يقول خالف جميع الاحياء من قضاته وفقهاء مصره، ولو أنصف واستحمى لجعل الخلاف للقضاة والفقهاء عليه وأضافه إليهم دونه وجعل قوله الحجة، إذ قول الامام هو المعيار على قضاته ورعيته وليس قول الرعية معيارا عليه فقلب القصة تعجرفا. وأما قوله: إنه – عليه السلام – قال لقضاته: اقضوا كما كنتم تقضون، فانما قال لهم هذا القول في أول الامر وعند فور الناس بالبيعة له، فكره – عليه السلام – أن يأمرهم بالقضاء بمذاهبه كلها المتضمنة لنقض أحكام من تقدمه والخلاف على جماعتهم، فينفرون عن نصرته ويتفرقون عن الجهاد معه ويشمازون منه ويظنون أن ذلك مقدمة للبراءة ممن تقدمه فصدف عنه لتالفهم واستصلاحهم، فلما قتل الله أهل البصرة وفرق جمعهم وأباد أهل الشام وأفنى الخارجة بالنهروان، خمدت نار الفتنة ودرجهم في طول المدة على الخلاف شيئا بعد شئ ولو تمكن – عليه السلام – على الحد الذي يستطيع معه إظهار جميع الاحكام من غير أن يكون في ذلك عموم الفساد، لاظهر الاحكام المأثورة عن ذريته – عليهم السلام – مما حفظوها عنه عن الرسول (ص) فتلك هي الاحكام التي لم يتمكن من إمضائها مع ما حكم به مما ذكره إبراهيم من


[ 222 ]

الاحكام، وليست خلافا لدين محمد (ص) بل هي أحكامه في الحقيقة بالجلي من البرهان. وأما قول إبراهيم إن الفساد لم يكن على أمير المؤمنين – عليه السلام – من قبل خلافهم في الفتيا فان ذلك إنما كان كذلك لانه – عليه السلام – لم يفتتح ولايته به بل قال لقضاته: اقضوا كما كنتم تقضون، وقد ذكر هذا إبراهيم لكنه نسيه عن قرب ولو افتتح ولايته بنقض أحكام القوم والخلاف عليهم جملة لكان الفساد عليه أكثر من الفساد باهل البصرة وصفين والنهروان، لانه كان يكون تضليلا لائمتهم وتفسيقا لهم وتخطئة لجمهور الصحابة في الاقتداء بمن سلف والتصويب لهم في الاحكام، لكنه – عليه السلام – عدل عن ذلك ودرجهم على إظهار الخلاف في شئ بعد شئ وحال بعد حال، وأراهم في الظاهر أنه كخلاف بعضهم على بعض في الاجتهاد فلو أمن – عليه السلام – من اضطراب الجماعة وتفرقهم عنه وانصرافهم عن نصرته عند الحكم بمحض مذهبه لما أخر ذلك. ودليل ما قلناه قوله – عليه السلام – لقضاته: ” اقضوا كما كنتم تقضون حتى يكون الناس جماعة ” فاخر الحكم بجميع مذهبه إلى اتفاق الجماعة أفلا ترى إلى قوله – عليه السلام -: ” لو ثني لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الانجيل بانجيلهم، وبين أهل الزبور بزبورهم، وبين أهل الفرقان بفرقانهم حتى يزهر كل كتاب من هذه الكتب ويقول: يا رب إن عليا قد قضى بقضائك ” فدل على أنه لم تستقر به الدار ولم يتمكن من تنفيذ الاحكام. وأما انصرافهم عن النكير عليه فيما حكم به من خلاف أقاويل الجماعة الذين ذكرهم فانما استقام له ذلك لوفاق جمهور أصحابه له – عليه السلام – واتباعهم إياه، وتجويزهم الخلاف على من تقدم فيه ولو استجازوا فيما بقي من الاحكام مثل


[ 223 ]

ذلك لاظهر – عليه السلام – القول فيها ولم يؤخره إلى وقت الاجتماع. وقول إبراهيم: إن الذي أخره لا يخلو من أن يكون مثل ما أظهره أو خلاف المعروف من دين محمد (ص)، فانه يقال له: بل هو من جنس ما أظهره وهو من دين محمد (ص) لا غير وإنما لم يظهر الحكم لان في إظهاره مباينة القوم بنقض أحكام أئمتهم كلها وإخراج ذلك على وجه التضليل لهم وليس في إظهار البعض ما يدل على إظهار الكل، ولان الاتفاق قد يحصل بتجويز جماعة الخلاف على إمام لهم في شئ، وإن كان الخلاف لهم في مثله ونوعه أو نظيره في باب الخلاف فيكون لاجل ذلك الواجب على المستصلح أن يكف عن إظهاره وليس في الاتفاقات قياس. وشئ اخر وهو أن يكون الذي عدل أمير المؤمنين – عليه السلام – عن تغييره من أحكام القوم شيئا قد تكرر العمل به في سلطان الماضين حتى صار دينا ومذهبا، وما خالفه ونقضه لم يكن كذلك بل كان قولهم فيه مجردا من عمل بل كان فتيا مضت في الحال وعمل بها في سلطانهم وقتا من الزمان، فلم يتخوف من إظهار الخلاف فيها وربما كانت الشبهة للاتباع في بعض المنكر أقوى منها في بعض آخر، فعدل الامام المستصلح للانام عن تغيير ما قويت عندهم فيه الشبهات إلى ما ضعفت في أنفسهم الشبهة فيه كراهة اختلاف الكلمة والافتتان. وأقا ما تعلق به في إبطال شهادة الصبيان من قوله: * (ممن ترضون من الشهداء) * ومن قوله: * (وأشهدوا ذوي عدل منكم) * فإن الامر فيه على خلاف ما توهمه، وذلك أن الله سبحانه أمر بالاشهاد في الديون رجلين أو رجلا وامرأتين ولم يبطل الحكم في ذلك ولا في غيره بشهادة من يخالف ما وصفناه، وليس يتضمن قوله: * (وأشهدوا ذوي عدل منكم) * أن لا تقبلوا إلا شهادة ذوي عدل وقد قبل رسول الله (ص) شهادة ” خزيمة بن ثابت ” وحده وأمضى الحكم بها، وقبل شهادة


[ 224 ]

واحد ويمين المدعي وأمضى الحكم بذلك. فما نرى إبراهيم إلا طاعنا على رسول الله (ص) بما اعتمده، بل طاعنا على كتاب الله عزوجل ومزريا على أحكامه، وذلك أن الله تعالى قد أمر بقبول شهادة الكفار في الوصية حيث يقول: * (أو آخران من غيركم) * (1) والكفار ليسوا من أهل العدالة. وإنما قبل أمير المؤمنين – عليه السلام – شهادة الصبيان في مكان دون مكان وعلى حال دون حال، فقبلها في الجراح وأشباهه من حقوق العباد وأخذ باول قولهم وأطرح اخره لما دعاه إلى ذلك الاضطرار لتنفيذ أحكام الله عزوجل ومنع أن يبطل حقوق العباد، ولم يصنع – عليه السلام – ذلك إلا بنص فيه من الرسول (ص) بأدلة، منها الاتفاق على قوله (ص): ” أنا مدينة العلم وعلي بابها “، وقوله (ص): ” علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار ” على أنه قد أخذ بهذا القول عن أمير المؤمنين – عليه السلام – جماعة لا يتمكن الجاحظ من الطعن عليهم في الفتيا ودان به أئمة في الفقه عنده من التابعين وهو إجماع من فقهاء مدينة الرسول (ص). وقد روى مالك عن هشام بن عروة أن عبد الله بن الزبير أجاز شهادة الصبيان بعضهم على بعض في الجراح وقال مالك بهذا القول ما لم يتفرقوا. وروى ابن أبي زياد عن أبيه قال: السنة أن ليفي بشهادة الغلمان ويؤخذ بها في الجراح ولا يلتفت إلى ما أحدثوا. وروى أيضا عن أبيه عن عمر بن عبد العزيز مثل ذلك. وروى يونس عن ابن شهاب قال: كان مروان يجيز شهادة الصبيان ويأخذ باول قولهم. وروى ابن إسحاق قال: كان ابن شهاب وربيعة يجيزان شهادة الصبيان بعضهم على بعض. وروى مثل ذلك أيضا عن شريح وهو مشهور عنه، وهذا يكشف لك عن جهل الجاحظ واستاذه النظام فيما ادعياه من الاجماع على خلاف


(1) – المائدة / 106 (*).

[ 225 ]

أمير المؤمنين – عليه السلام – في هذا الباب. وأما تعلقه بضرب الوليد بن عقبة أربعين سوطا في خلافة عثمان فإنه ذهب عليه وجه ذلك لان أمير المؤمنين – عليه السلام – ضربه بسعفة لها رأسان فكان قد أقام فيه الحد ثمانين على الكمال، وهذا مأخوذ من قوله تعالى في محكم القرآن: * (وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب) * (1). وأما تشنيعه على أمير المؤمنين – عليه السلام – في القنوت في الغداة والجهر فيه بتسمية الرجال فيه، فهذا أدل دليل على جهله وقلة فهمه واوضح برهان على إلحاده وإرادته الطعن على رسول الله (ص)، وذلك أنه لا خلاف بين الفقهاء وحملة الاثار أن رسول الله (ص) كان يقنت في صلاة الغداة ويجهر بتسمية الرجال فيه. وقد نقل الناس ذلك واستفاض حتى ليس يخالف في لفظه من أهل العلم اثنان، وكان قنوته بعد حمد الله تعالى والثناء عليه ” اللهم العن رعلا وذكوان، والعن الملحدين من أسد وغطفان، والعن أبا سفيان، والعن سهيلا ذا الاسنان، والعن العصاة الذين عادوا دينك وقاتلوا نبيك ” فجعل يلعنهم بهذا الذي ذكرناه أربعين صباحا، وقد روت الرواة عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) قنت في الصبح فقال: ” اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة (2) بن هشام، وعياش (3) ابن أبي ربيعة، والمستضعفين بمكة، اللهم اشدد وطاتك على مضر ورعل وذكوان واجعل عليهم سنين كسني يوسف “. فإن كان على أمير المؤمنين – عليه السلام – في ذلك عار أو نقص في الدين


(1) – ص / 44. (2) – في بعض النسخ: سليمان أو سلمان. (3) – في بعض النسخ: عباس (*).

[ 226 ]

وحاشاه من ذلك بما ذكره إبراهيم في قنوته وجهره بتسمية الرجال، فذلك بعينه عيب على رسول الله (ص) وعار عليه، وهذا هو الذي أراده النظام وكنى عنه بذكر أمير المؤمنين – عليه السلام – ولم يذكر بعد هذا وقبله شيئا إلا والوجه فيه معروف واضح البيان وقد قدمت الحجة عليه في الجملة، وإن ذكرت وجه بعضه فأنا أذكر وجوه باقيه لئلايتوهم متوهم أني إنما عدلت عنه لعدم البرهان عليه. أما قول أمير المؤمنين – عليه السلام – في الاحياض فلسنا نعلم فيه خلافا بل قوله في الاقراء وانها الاطهار ماخوذ من جهة اللغة التي نزل بها القرآن وذلك أن القرء هو الجمع ومن ذلك سميت القرية قرية لجمعها من تحتوي عليه، وقيل قريت الماء في الحوض إذا جمعته، وسمي الذكر قرانا باجتماع بعضه إلى بعض، ولما كان الطهر فيه تجمع المرأة الدم بالحيض ثبت أنه القرء، فاي شناعة في ذلك ؟ وأما قطعه اليد من اصول الاصابع فذلك هو حكم الله عزوجل بنص القران قا ل الله عزوجل: * (فويل للذين يكتبون الكتاب بايديهم) * (1) وإنما الكتابة با لاصابع خاصة. وأما دفعه السارق إلى الشهود فهو كأمره الجزار بقطع يد السارق، وكتأميره بعض الفقهاء في بلد لقطع الايدي وضرب الرقاب، وإنما رد أمر السارق إلى الشهود استظهارا عليهم في الشهادة ليرهبوا الكذب فيها وليمتحن صدقهم، فان كانوا صادقين لم يتحرجوا من قطع المشهود عليه، وإن كانوا كاذبين جزعوا من ذلك ويخرجوا من ولايته بانفسهم، فاي شناعة في هذا لولا جهل النظام وضعف عقله. وأما أخذه نصف الدية من أولياء المرأة إذا أرادوا قود الرجل بها فذلك هو


(1) – البقرة / 79 (*).

[ 227 ]

العدل الذي من تخلف عنه لم يصر إلا إلى الجور، وذلك أن دية المرأة خمسة الاف درهم ودية الرجل عشرة الاف درهم فإذا قتل أولياء المرأة الرجل قتلوا نفسا ديتها الضعف من دية صاحبتهم فوجب عليهم رد الفاضل من ذلك، ألا ترى أنهم لو أرادوا أخذ الدية لما كان لهم إلا خمسة الاف درهم فكيف يكون لهم نفس قيمتها في الشريعة عشرة الاف درهم وإنما لهم من الدية خمسة الاف درهم. لكن النظام يجعل المحاسن من غفلته مثالب وهو لا يشعر بذلك، وكذلك القول في أخذ نصف الدية من المقتص من الاعور لان دية عين الاعور عشرة الاف درهم ودية فرد عين الصحيح خمسة الاف، وهذا كالاول. وأما تخليفه رجلا يصلي العيدين بالضعفاء في المسجد الحرام، فذلك من الادلة على عدله – عليه السلام – وأنه أعرف الامة بمعالم الدين وأنواع القضاء لانه لو كلف الضعفاء بالخروج إلى المصلى لكلفهم فوق الوسع، ولو أنه أسقط عنهم صلاة العيدين لكان قد منعهم فضلا كثيرا فجعل لهم ما يدركون به الفضل ولم يكلفهم ما لا طاقة لهم به، وهذه كلها امور منصوصة على ما قدمناه. وأما قوله أنه – عليه السلام – أمرهم أن يحكموا بالباطل إلى أن تجتمع الناس، فقد تجاهل بذلك من قبل أن الحق كان عند الاختلاف، تنفيذ أحكام القوم، ولو أبدله بالحكم بما يوجب التقية العدول عنه لكان الباطل بعينه، ولم يسلك أمير المؤمنين – عليه السلام – في هذا الباب إلا مسلك رسول الله (ص) حيث أمضى أحكام المشركين في الحديبية وكانت ضلالا منهم وشركا وكان إمضاؤه هدى وإيمانا وصوابا وهذا القدر كاف في اسقاط هذه الشناعة. وأما قوله: إن خلاف طلحة والزبير على أمير المؤمنين – عليه السلام – إنما كان على وجه طلب الشورى وإنهما بايعاه بالمدينة كارهين فهذا هو نفس ما ادعاه الرجلان


[ 228 ]

وكذبا فيه على الواضح من البيان. وذلك أن أمير المؤمنين – عليه السلام – لم يدع الناس إلى بيعته وإنما جاءوه فيها على الاختيار وألزموه قبول أمرهم، وكان أول من صفق على يده بالاتفاق طلحة بن عبيد الله، والدلالة على ذلك ما أجمع عليه رواة الاثار من قول الاسدي، وقد رأى يد طلحة أول يد صفقت على يد أمير المؤمنين – عليه السلام -، فقال: إنا لله، أول يد صفقت على يد أمير المؤمنين يد شلاء يوشك أن لا يتم هذا الامر فكيف يكون طلحة مكرها وهو أول من صفق على يده بالبيعة ؟ ويكشف أيضا عن ذلك قول أمير المؤمنين – عليه السلام – في خطبته التي هي أشهر من خطبه كلها وقد ذكر بيعته، فقال: ” فتداك الناس علي كتداك الابل على حياضها حتى وطئ الحسنان وشقت أعطافي وقيل لي إن لم تجبنا إلى البيعة ألحقناك بابن عفان ” ولا خلاف أن أمير المؤمنين – عليه السلام – كان عند قتل عثمان مستتر عن جمهور الناس فلما قتل عثمان، تلوذ بحيطان المدينة مخافة أن يقال إنه رغب في الامر حتى مضى الناس إليه طوعا. وكيف يكون طلحة والزبير مكرهين والعامة تروي أنه قال لهما: ” امددا أيديكما ابايعكما فانني أكون لكما وزيرا خير من أن أكون لكما أميرا “. وأما طلبهما الشورى فليس ذلك لهما وقد تمت إمامته وانعقدت بيعته بالمهاجرين والانصار وبهما أنفسهما، هذا على التسليم للمخالفين أن إمامته كانت باختيار دون النص عليها والدلالة على وجوبها. وقوله: إنه قتل عثمان وكان سدى ذلك ولحمته وقاتل عثمان لا يكون للناس إماما، فقد علم كل من سمع الاخبار أن أمير المؤمنين – عليه السلام – لم يحضر قتل عثمان وقد كان أنفذ إليه بابنه الحسن – عليه السلام – لما منعوه الماء ليسقيه، وأن الذى تولي


[ 229 ]

قتله وحضره طلحة والزبير في أشياعهما وجماعة من المهاجرين والانصار وقد قال أمير المؤمنين – عليه السلام – لهما ولغيرهما ممن اشتبه ذلك عليه: ” والله ما قتلت عثمان ولا مالات على قتله ” فلم يمكن أحد منهم الرد عليه. وأما خذلانه له فلسنا ننكره وكذلك الديانة كانت توجب ذلك ولو نصره أو رضي بفعاله لما كان يصلح للامامة. والذي توهمه النظام وشبه به في إبطال إمامته إذا صح كان دليلا على إمامته – عليه السلام -، ولم يأت فيما أورده بحجة فيحتاج إلى نقضها وإنما اقتصر على الدعوى فاسقطناها بمثلها، ثم لم نقنع بذلك حتى عضدناها ببرهان يعرفه من تأمله والله الموفق للصواب. قال الشيخ أدام الله عزه: وقد طعن إبراهيم على أمير المؤمنين – عليه السلام – من وجه آخر فزعم أنه كان يحدث بالمعاريض ويدلس في الحديث، فقال: روى أبو عوانة عن داود بن عبد الله الازدي عن حميد بن عبد الرحمان الحميري أنه بعث ابن أخ له إلى الكوفة وقال: سل علي بن أبي طالب عن الحديث الذي رواه عنه أهل الكوفة في البصرة فان كان حقا تحولنا عنها، قال: فاتى الكوفة وأتى الحسن بن علي – عليه السلام – فاخبره بالخبر، فقال له الحسن – عليه السلام -: ارجع إلى عمك فاقرأه السلام وقل له: قال أمير المؤمنين – يعني أباه – عليه السلام – إذا حدثتكم بحديث عن رسول الله (ص) فاني لم أكذب على الله عزوجل ولا على رسوله وإذا حدثتكم برأي فانما أنا رجل محارب والحرب خدعة. قال: وروى داود عن الاعمش عن خيثمة عن سويد بن غفلة، قال: سمعت عليا – عليه السلام – يقول: إذا حدثتكم عن رسول الله (ص) فهو كما حدثتكم فوالله لان أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب على رسول الله (ص)، وإذا


[ 230 ]

سمعتموني احدث فيما بيني وبينكم فإنما أنا رجل محارب والحرب خدعة. قال إبراهيم: وكيف يجوز لمن قد علم أنه إذا قال للناس أمرني رسول الله (ص) بكذا وكذا أن ذلك عندهم على السماع والمشافهة، فإن كان هذا ونحوه جائزا فالتدليس في الحديث جائز، قال إبراهيم: وفى الجملة إن عليا لو لم يحدثهم عن النبي (ص) بالمعاريض لما اعتذر من ذلك. قال الشيخ أدام الله حراسته: وهذا الذي ذكره النظام عن أمير المؤمنين – عليه السلام – ليس فيه شئ يوجب التدليس ولا الشبهات في الاخبار، بل قد أفصح أمير المؤمنين – عليه السلام – عن المراد فيه وميز بين ما يقتضي الظاهر منه مثله في الباطن وبين ما له وجه وتاويل في الكلام، فقال لهم: ” إذا حدثتكم عن رسول الله (ص) فهو كما حدثتكم وإذا لم أسند الحديث إلى الرسول فله وجه تأويل ” فرفع بذلك التلبيس وأزال عنهم الشكوك والارتياب، ولا معنى لقول النظام كيف يجوز لمن علم أنه إذا قال للناس أمرني رسول الله (ص) بكذا أن ذلك عندهم على السماع، لانه قد منعهم من الاعتقاد بما أورده من علامات الاعراض. مع أنه يمكن أن يقال له: إن الذي يضيفه أمير المؤمنين – عليه السلام – إلى النبي (ص) من باب ما باطنه كظاهره في الاحكام، وليس يدخل في باب الخبر عن نفسه وما يراه. فلا تخلط أيها الرجل هذين وميز كل واحد منهما على ما ذكرناه فانه يسقط شناعتك مع أنها قد سقطت بما قدمناه. وأما قوله: إن أمير المؤمنين – عليه السلام – لو لم يحدثهم بالمعاريض لما اعتذر من ذلك، فانا لا ننكر أن يتكلم – عليه السلام – بالمعاريض في حال الاضطرار بعد أن يجعل بينها وبين الحقائق فصلا وقد فعل ذلك أمير المؤمنين – عليه السلام -، وليس إخباره به


[ 231 ]

اعتذارا على ما ظنه النظام بل بيان وبرهان لهم على وجوه الكلام وهو يجري مجرى الحقيقة في القرآن والمجاز والمحكم منه والايات المتشابهات، فإن كانت الدلالة من أمير المؤمنين – عليه السلام – على الفرق بين الاعراض اعتذارا من جناية جناها أو غلط وقع منه – وحاشاه من ذلك – فالدلائل من الله عزوجل على الفرق بين ما ذكرناه اعتذار من خطأ فيه وهذا كفر وإلحاد. وما رأيت أعجب من رجل يحكي عن متكلم أنه حقق وعرض ولم يخل كلامه من برهان ويميز به بين الامرين ثم يحكم عليه بالتلبيس والتدليس لوجود البرهان. أفتراه لو عرى كلامه من الدليل لكان يجب على قول النظام أن يكون قد بين وأزال الالتباس، وقد كان ذلك كذلك فهذا هو الجهل المحض والوسواس وإن كان بخلافه فكيف يكون المبرهن مدلسا لولا العناد. على أن الحديث الذي رواه عن حميد الحميري غير معروف ولا ثابت عند نقلة الاثار وهو سن جملة تخرصه الذي قدمنا حكايته عنه فيما سلف من هذه الابواب. ثم قال إبراهيم: وقال عمرو بن عبيد وهاشم بن الاوقص: ألا ترى أن قوله – يعني أمير المؤمنين – عليه السلام ” امرت أن اقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ” من ذلك القول الذي يقوله برأيه للخدعة، وقوله في ذي الثدية: ” ما كذبت ولا كذبت ” من ذلك أيضا قال: ولعل الشئ إذا كان عنده حقا استجاز أن يقول: إن رسول الله (ص) أمرني به لان الله ورسوله قد أمرا بكل حق. قال الشيخ أيده الله: يقال لابراهيم: هذا من جهل عمرو بن عبيد وهاشم ابن الاوقص وضلالهما، وضعف عقلك أنت أيضا يا إبراهيم في اعتمادك على هذا


[ 232 ]

القول منهما وطعنكم وجماعتكم على أمير المؤمنين – عليه السلام -، وذلك أن قوله: ” امرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين ” إنما قاله قبل كون القتال من هؤلاء المذكورين وهو متوجه إلى البصرة عند نكث طلحة والزبير بيعته، فجعل هذا القول حجته في قصدهما والمسير إليهما لان قوما أشاروا بالكف عنهما فاعتمد في ترك رأيهم في ذلك على هذا القول وأضافه إلى النبي (ص) في أقوالى ضمها إليها، نقلها أهل السير جميعا، منها قوله – عليه السلام -: ” أما والله لقد علم أصحاب محمد (ص) وهذه عائشة بنت أبي بكر فاسألوها أن أصحاب الجمل والمخدج اليد ملعونون على لسان النبي الامي وها هذه هاهنا فاسألوها ” وقال – عليه السلام -: ” لا أجد إلا قتالهم أو الكفر بما أنزل على محمد (ص) ” فكيف يكون هذا عن رأيه وهو يستشهد بأعدى الناس له ويواجه عائشة بلعنة أصحابها ويستشهدها على خبر ذي الثدية قبل كونه. وهب أنه – عليه السلام – ذكر قتال أهل البصرة وقال فيه برأيه من أين علم بحال القاسطين والمارقين ولم يكن ظهر منهم شئ في الحال يستدل به بل المارقون كانوا خاصة أصحابه عند هذا المقال، وكيف عين ذا الثدية بالمقال وقطع عليه بالضلال وجعله رأسا للقوم وهو إذ ذاك من جملة أوليائه. فإن كان رجم بذلك فاصاب، لم ينكر أن يكون ما خبر به المسيح – عليه السلام – أصحابه من أفعالهم في المأكول والمشروب والمدخر كان ترجيما، وكذلك جميع ما خبرت به الانبياء قبل كونه وإخبار النبي (ص) قبل مخبراتها، وهذا طعن في الدين وخروج من قول أهل الملل كافة، ولعمري إنه يليق بمذهب النظام، وإن كان ما خبر به عن النبي (ص) وكان إخباره به قبل كونه يدل على أنه لم يكن عن رأي ترجيم ولا تحديس وظن وتركين. فقد بطل


[ 233 ]

ما قاله الرجلان، ولا وجه غير الترجيم إلا علم الغيب فترى النظام وابن عبيد والاوقص أرادوا الطعن على أمير المؤمنين – عليه السلام – فجعلوه إلها يعلم الغيب بغير تعليم، وهكذا يجن الله من عاداه. ثم قال إبراهيم: وقال عمرو بن عبيد: لولا أن عليا يوم التمس ذا الثدية كان يقول والله ما كذبت ولا كذبت وهو ينظر إلى السماء مرة وإلى الارض مرة اخرى، ما شككت أن النبي (ص) قد قال له في ذلك قولا. قال إبراهيم: وهذا القول من عمرو طعن شديد على – عليه السلام -. قال الشيخ أيده الله: فيقال لابراهيم: لسنا نشك في نصب عمرو وعداوته لأمير المؤمنين – عليه السلام – وكما لا نشك في ذلك فلسنا نشك في جهله وضعف عقله وطعنه في الدين ونفاقه، والذي حكيت عنه يدل على ما وصفناه لان نظر أمير المؤمنين – عليه السلام – إلى السماء إن لم يدل على صحة ما رواه عن النبي (ص) ورغبته إلى الله تعالى في التوفيق لتقريب إظهار المخدج ليزول عن قلوب الناس الشبهات، لم يدل على أنه لا نص عنده في ذلك، وأي نسبة بين النظر إلى السماء وبين الكذب وبين النظر إلى الارض وبين التدليس ؟ وهل النظر إلى ذلك إلا كالنظر إلى العسكر أو إلى نفسه أو يمين أو يسار أو أمام أو وراء ؟ وهل ذلك إلا كغيره مما عددناه من ضروب الافعال والتصرف من الانسان في حركاته وسكناته ؟ وهذا الذي حكاه النظام عن عمرو بن عبيد ليس يجب فيه أكثر من التعجب منه، فانه ليس بحجة يجب التسليم لها ولا شبهة يجب النظر فيها، ولولا أنني كرهت إغفاله لئلا يظن ظان أن ذلك لشبهة فيه لما كان الرأي إيراده لانه


[ 234 ]

محض الهذيان. على أنه إذا تأمل متأمل قصة المخدج عرف أن أمره كان بعهد من رسول الله (ص)، وذلك أن هذا المخدج لم يكن معروفا عند أصحاب أمير المؤمنين – عليه السلام – ولا مشهورا، ولا علموا أنه كان في الخوارج فنجا أو قتل، ولا سمعوا له خبرا فأنبأهم أمير المؤمنين – عليه السلام – بصفته قبل الوقعة وخبرهم بقتله ومآله، والدليل على ذلك أنه لو كان الرجل معروفا عند القوم وكان قتله معلوما لهم لما كان لاستدلال أمير المؤمنين بالخبر عنه على باطلهم وحقه معنى يعقل وإنما جعل خبره معجزا وبرهانا له على صوابه. فلما انكشف الحرب أمر بطلبه في القتلى فلم يوجد وشك الناس في خبره فقلق – عليه السلام – لذلك وجعل ينظر إلى السماء تارة يناجي ربه في بيان الامر وإزالة الغمة عن الخلق، وينظر إلى الارض اخرى مفكرا في أصحابه خائفا عليهم الضلال عند استبطائهم وجوده، فوفق الله الكشف عنه فركب أمير المؤمنين – عليه السلام – بغلة رسول الله (ص) حتى أتى جمعا من القتلى فقال: اكشفوا بعضهم عن بعض فكشفوهم فوجدوا رجلا أسود بادنا له ثديان كثدي المرأة عليها شعرات إذا مدت جذبت يده وإذا ارسلت ردت يده، فكبر – عليه السلام – عند ذلك ذال الريب عن أصحابه، فكيف يكون الخبر عما وصفناه حدسا وترجيما، بل كيف تكون هذه المنقبة الجليلة مثلبة وهذه الفضيلة العظيمة رذيلة لولا أن الله سبحانه قد أعمى قلب عمرو بن عبيد والنظام والحاكي عنه وأصحابهما المعتقدين لفضلهما والله نسال توفيقا برحمته.


[ 235 ]

فصل قال الشيخ أيده الله: وجدت جماعة من المعتزلة يدفعون ما حكيت عن النظام بحكاية الجاحظ عنه أن يكون مذهبا له، وتحملهم الحميه للاعتزال والعصبية للرجال على إنكار المعلوم من ذلك وعلى أن يحملوا أنفسهم على البهت المزري بصاحبه المسقط لقدره، حتى آل بهم الامر إلى تخريج العذر للنظام فيما ذكرناه بأن زعموا أن الذي وصفناه وشرحناه من الفصول عنه إنما خرج مخرج الحجاج لحملة الاخبار ومناقضة خصومه من الفقهاء. قالوا: وإنما قال الرجل إن هذه الشناعات على الصحابة تلزمكم على روايتكم عنهم هذه الروايات فاما أنا فإني أتخلص من ذلك باعتمادي على ظاهر القرآن والخبر القاطع للعذر من الاخبار ويسلم بذلك على مقالتي الائمة من الصحابة والتابعين بإحسان. قال الشيخ أيده الله: وهذا تمن من هؤلا الجهال واعتلال فاسد يدل على ضعف عقل معتقده أو على محض العصبية منه والعناد، وذلك أن صريح كلام النظام وظاهره وباطنه بخلاف ما ادعاه هؤلا القوم الاوغاد، ولا فرق بين من حمل مذهب النظام على ما ذكره القوم وانصرف عن مفهومه وبين من حمل مذهب الخوارج على خلاف المعروف منه، بل ادعى فيه معنى مذهب الشيعة وحمل مذهب الشيعة على مقتضى مذهب الخوارج وصنع ذلك في سائر المذاهب والمقالات. وأقرب ما يبطل قول هذه الفرقة ويشهد بتخرصها وعنادها في تخريج


[ 236 ]

مذهب النظام على خلاف ما حكيناه، ما شهد به الجاحظ عليه وحكاه عنه نصا لا يشوبه شك ولا ارتياب، وذلك أنه قال: وكان إبراهيم من أشد الناس قولا في الروافض لبغضهم أبا بكر وعمر وأبا عبيدة، وأشد الناس قولا في الخوارج لبغضهم عليا – عليه السلام – وعثمان وطلحة والزبير وعائشة، ومن أشد الناس قولا في المعتزلة لبغضهم سعدا وابن عمر ومحمد بن مسلمة واسامة بن زيد وزيد بن ثابت وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وجميع من كان لا يرى قتال الفئة الباغية ويقول: كن عند الله المقتول ولا تكن القاتل. فإذا صار إلى القول في اصول الفتيا، انتظم جميع المعاني المعيبة عنده والمذهب الذي كان يسخطه من غيره. ولو كان له من يثيره ويسائله لكشف منه ما كان مستورا ولاظهر من تناقض مذهبه ما يسقط قدره ويحط منه، ولكن أصحابه لم يكونوا أصحاب أخبار وآثار وأحكام وفتيا وكانت ” المداخلة ” إليهم أعجب من علم القرآن، و ” الطفرة ” أبلغ عندهم من علم الاحكام، وبئس المذهب لعمر الله اجتبى لنفسه واختار لدينه، وسنقول عند الرد عليه بالذي يجب إن شاء الله. قال الشيخ أيده الله: فايما أولى بنا الان أن نصدق على النظام قوله على نفسه وإخباره عن مذهبه وصريح لفظه الدال على مراده وحكاية صاحبه، الجاحظ عمرو بن بحر عنه أو تصديق هؤلاء النفر المتعصبين بالباطل الحاملين أنفسهم على البهت والعناد والخصومة واللجاج ؟ وكيف يحسن مناظرة من ركب هذا المركب في الوقاحة والمكابرة لولا ان قوما من الضعفة الذين لا معرفة لهم بالمقالات ولم يطلعوا على المذاهب ولا عنوا بقراءة الكتب على المشايخ فالتبس عليهم هذا المقال ؟


[ 237 ]

فصل مع أن النظام لم يحتج في شاهد مذهبه إلى الشهادة عليه من عمرو بن بحر وغيره من حيث صرح بما مضى وبما أنا مبينه الان حيث يقول: وقلتم – يعني مخالفيه – إن قولنا هذا – يعني قوله – خلاف على الجماعة وأن النبي (ص) قال: يد الله على الجماعة، ثم قال حاكيا عن مذهبه: فنحن لا نزعم أن أصحاب رسول الله (ص) أطبقوا على الرأي وأجمعوا على القول في الفتيا فيكون كما وصفتم ويخالف ما ادعيتم، وإنما كان يرى الفتيا بالقياس وترك المنصوص عليه من أصحاب رسول الله (ص) عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وزيد ومعاذ وأبو الدرداء وأبو موسى وناس قليل من أحداث الصحابة دون الاكابر والباقون هم الجماعة، وهؤلاء النفر هم أصحاب الفرقة، ولكن لما كان فيهم عمر ابن الخطاب وعثمان وهؤلاء معهم سلطان الرغبة والرهبة، شاع لهم ذلك في الدهماء وانقادت لهم العوام وجاز للباقين السكوت على التقية وعلى أنهم قد علموا أنه غير مقبول منهم ولا مسموع قولهم. قال الشيخ أيده الله: أفلا ترون وفقكم الله إلى تجريده مذهبه في تمييز الصحابة وتعيين من طعن عليه منهم فبدأ بعمر بن الخطاب وأتبعه الباقين، وقبل هذا قد ذكر أبا بكر وصرح بالطعن عليه في قوله في الكلالة، وطعن على عبد الله ابن عباس بعد هذا وعلى ابن عمر، وذكر في هذا الفصل بعينه علة استفاضة القول في الصحابة بالرأي وأنها هي التمكن والغلبة والسلطان ونحن مصدقوه فيما ذكره عن القوم، ومصوبوه في تعلقه بانغمار الحق بالتقية إلا إدخاله أمير المؤمنين – عليه السلام – في جملتهم في القول بالقياس والرأي ومكذبوه ورادون عليه بما سلف لنا في ذلك من البيان، وما أعلم أحدا أجسر على البهتان ممن تعلق في مذهب النظام بخلاف ما شرحه هو في مقالته وحكيناه عنه في المواضع المقدمات.


[ 238 ]

فصل قاذ الشيخ أيده الله: وقال الجاحظ في اخر فصل حكاه عن النظام في الفتيا: وكان إبراهيم من حفاظ الحديث مع ذهن حديد ولسان ذرب يتخلص به إلى الغامض، ويحل به المنعقد، ويقرب به ما بعد وهو مع ذلك يخطئ خطا الغمر ويخبط خبط السكران ويجمع بين التيقظ والغفلة والحزم والاضاعة. ثم قال عمرو عقيب هذا الفصل: وقول إبراهيم هذا لم يعمل به مسلم وهو وإن طول وكثر فان المأخذ في الكثير عليه قريب، فقد شهد عمرو على النظام بخلافه الامة في المقال، ووصفه بالجمع بين المتضادات وهو أعرف بمذهبه من هؤلاء الجهال، وبعد فان لم نصدق الجاحظ عليه في هذه الحكايات لم يجب أن نصدقه عليه في جميع ما حكاه من مذاهبه لانها لم تظهر إلا من جهته، وإذا أكذبناه في ذلك كله لم نعرف للنظام مذهبا في الفتيا فضلا عن أن يحتاج إلى الاحتيال له في التخريجات. على أن هذه الجماعة التي حكينا عنها الانكار لا بد لها مع إقامتها على ذلك من تكذيت الجاحظ وتضليله وتجهيله في الرد على النظام، لانه قد رد عليه في هذا الكتإب على ترتيب ما حكيناه من تدينه بما وصفناه، وليست في موضع من يقبل قولها على الجاحظ ويترك ما خبر به وحكاه إلى شهواتها وأمانيها التي تدل على سوء التدبير وقلة الدين وضعف الرأي. قال الشيخ أيده الله: فهذه جملة ما ثبت عن النظام في الطعن على الصحابة والائمة الراشدين والتابعين باحسان، ولو أوردنا جميع ما في هذه الابواب من مقاله لطال به الكتاب، وقد أضربنا عن مناقضته بين الاخبار وإيراده تكذيب


[ 239 ]

بعض القوم لبعض في الروايات وشهادته عليهم بالبدع في الديانات وقول الزور والبهتان، فمتى أردتم أرشدكم المعرفة ذلك على الكمال فعليكم بكتاب الفتيا لعمرو بن بحر الجاحظ فإنكم تجدونه في ذلك على الاستقصاء والبيان، مع أن إبراهيم في اعتذاره من الاقدام على تخطئة الامة ملبس في ذلك على الضعفاء لانه يدين بفساد الاجماع. وقد ذكر ذلك عنه عمرو بن بحر في هذا الكتاب فقال: وقال إبراهيم: لم يضطرني الخبر أن النبي (ص) قال: ” لا تجتمع امتي على خطأ ” وكان يزعم أنه قد يجوز أن يجتمع المسلمون على ضلالة ولكن لا يجتمعون على خطأ بعينه. وقال الجاحظ في افتتاح حكاياته عنه: زعم إبراهيم بن سيار أن سبيل القرآن كسبيل التوراة والانجيل والزبور وجميع كتب الانبياء، وأن سبيل هذه الامة في فتياها وأحكامها كسبيل امة موسى وعيسى وجميع الانبياء – عليهم السلام -، وأن أصحاب محمد (ص) حين تكلفوا القول في الفتيا وقالوا بالقياس لم يعد أمرهم أحد وجهين: إما أن يكونوا ظنوا أن ذلك جائز لهم بسبب غلطوا فيه ولامر توهموه، أو يكون ذلك كان منهم على التامر والتحكم وليكونوا أئمة وقادة وسلفا. قال الشيخ أيده الله: في هذا – أدام الله توفيقكم – كفاية في الدلالة على مذهب الرجل في جواز تغيير القرآن والزيادة فيه والنقصان والطعن على الاجماع والبراءة من أهل بيت النبي (ص) والصحابة جميعا والتابعين بإحسان، وكفى بمعتقد هذا الرجل كفرا وإلحادا وخروجا عن دين الاسلام، والحمد لله على ما من به علينا من هدايته وله الشكر على نعمته في دينه وإياه نسأل سترا جميلا برحمته.


[ 240 ]

فصل ومن حكايات الشيخ وكلامه، قال الشيخ أيده الله تعالى: وجدت أصحاب المقالات كافة يقولون إن أول خلاف وقع في الاسلام بعد وفاة رسول الله (ص) الخلاف في الامامة بين المهاجرين والانصار، وقد غلطوا في ذلك، فإن أول خلاف حدث في الاسلام بعد وفاة الرسول (ص)، خلاف عمر بن الخطاب في وفاة النبي (ص) فانه ادعى حياته. وذلك أن جميع أهل السير والاثار يقولون إن النبي (ص) لما قبضه الله عزوجل فخرج الناعي ينعاه، خرج عمر بن الخطاب من منزله فقال: ” والله لا أسمع أحدا يقول مات رسول الله إلا قتلته، إن رسول الله (ص) لم يمت وإنما غاب عنا كما غاب موسى عن قومه أربعين ليلة، والله ليرجعن رسول الله إلى قومه كما رجع موسى إلى قومه وليقطعن أيدي رجال وأرجلهم ” فلم يزل على ذلك يقول هذا القول في محفل بعد محفل حتى خرج إليه أبو بكر فقال له: على رسلك يا عمر فلم ينصت له، فلما رأى أنه لا ينصت له، قام قائما فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي (ص) ثم قال: ” أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله سبحانه وتعالى فإن الله سبحانه حي لا يموت ولقد نعى نبيه إلى نفسه وهو بين أظهركم فقال: * (إنك ميت وإنهم ميتون) * ” قالوا: فحينئذ كف عمر عن القول الذي كان يقول به. قال الشيخ أدام الله تأييده: وفي هذا الذي ذكرناه غير شئ: فمنه أن أول خلاف حدث بعد رسول الله (ص) خلاف عمر بن الخطاب على


[ 241 ]

الجماعة ونفيه موت رسول الله (ص) وما ادعاه من حياته. ومنه أن هذا الخلاف هو مذهب المحمدية من الغلاة وبه يدينون وهو ضلال باتفاق. ومنه أنه خلاف أظهره الرجل بغير شبهة تدعو إليه من جهة عقل أو تأويل كتاب أو لفظ سنة أو عادة جرت فيتعلق بذلك، وما جرى هذا المجرى لم يتوهم على صاحبه إلا العناد وقصد الافساد والادغال في الدين. ومنه أنه يدل على جهل قائله بالقران وعدم حفظه له لان التنزيل مبين لوفاة رسول الله (ص)، قال الله سبحانه لنبيه – عليه السلام – * (إنك ميت وإنهم متتون) * (1) وقال سبحانه: * (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) * (2). ومنه أن الرجل أقدم على اليمين بالله عزوجل وأقسم باسمائه الحسنى أن رسول الله (ص) لم يمت، ثم لم يقنع بذلك حتى وصفه بالغيبة ثم شبه غيبته بغيبة موسى – عليه السلام – عن قومه وأقسم بالله في مقدار زمان غيبته، ثم لم يقنعه جميع ذلك من قوله الباطل حتى خبر أنه سيرجع ويقطع أيدي رجال وأرجلهم، فهب أن الشبهة دخلت عليه في وفاة النبي (ص) واعتقد أنه ممن لا يموت أو ممن يتأخر موته عن تلك الحال، اي شبهة عرضت له في ذكر قطع أيدي الرجال وأرجلهم إذا عاد ؟ إن هذه الامور عجيبة وإذا تأملها المنصف عرف مباينتها لليقين والصدق ومباعدتها لشرائط الايمان. ولعل بعض أهل الخلاف يزعم عند سماع هذا الكلام أن القول الذي أظهره


(1) – الزمر / 30. (2) – آل عمران / 144 (*).

[ 242 ]

عمر لم يكن عن عقد ونية ولكنه كان منه على سبيل الارهاب لئلا يطمع أهل النفاق. فان زعم ذلك، قيل له: إن هذا التخريج لا يصح على ظاهر مقال الرجل ولا يلائم ما كان منه في الحال لانه أخرجه مخرج الجد وأبان عما يبان به عن الاعتقاد فاكده باقسم والايمان، ولو كان على ما ظننت من أنه أراد الاستصلاح ما كان يورد ذلك على الوجه الذي يقع به الضلال ولا يؤكده التأكيد الذي يدل به السامعين على وجود اعتقاد صدقه في ظاهره وباطنه، ولما كان لقوله عند سماع الاية من أبي بكر ” كاني والله ما سمعتها قط ولا علمت أنها في القران ” معنى، ولقال عند اجتماع الكلمة على الوفاة للناس: ” اعلموا أيها الناس اني لم أك جاهلا بوفاة الرسول وإنما أظهرت ما أظهرت من الكلام للارهاب والاستصلاح ” وفي يمين عمر بالله تعالى أنه لما سمع الاية تنبه بها على غلطه في المقال وكان قبلها كأن لم يسمعها قط دليل على بطلان قول من تخرج له ما قدمناه. وإذا بطل أن يكون الرجل أراد بما أظهره الاستصلاح وبطل أن يكون ما قاله لشبهة دخلت عليه دعته إلى ذلك المقال، لم يبق إلا أنه أراد الفساد في الدين وسلك طريق العناد. على أنه مع الامر الذي يخرجونه له في ذلك لا ينفك من إظهار الباطل والتصريح بالكذب في الاخبار والاذاعة بما يدعو إلى الجهل والضلال، وهذا بين لذوي الالباب. على أن المقدار من الزمان الذي أظهر فيه عمر بن الخطاب من القول ما حكيناه ثم رجع عنه، لم يكن موهوما فيه أن لو صمت عن ذلك أو اعتمد على غيره مما لا يخرج به على ظاهر الحق ووقوع الفساد على معهود العادات. وبعد، فما بال أبي بكر لم يسبقه إلى هذا الاستصلاح وغيره من المهاجرين والانصار، بل ما باله لما أمره أبو بكر بالانصات لم يجبه إلى ذلك حتى تركه وعدل


[ 243 ]

عن كلامه إلى كلام الناس، وكيف لم يجر فساد قط في ما سلف عند موت نبي أو ملك كان المعلوم أو المظنون أنه لو وقع موته ساعة من النهار يصلح الناس وارتفع ذلك الفساد فكيف لم يسبقه إلى ذلك أحد عند موت من ذكرناه من الملوك والانبياء، وأي فساد كان يتخوف من السكوت عن الباطل والكذب ودفع الضرورات، وما كان وجه الفساد الذي يتخوفه الرجل، وإنما انتشرت الكلمة ووقع معظم الخلاف بعد رجوعه عما كان ادعاه. مع أنا لا نجده استصلح أحدا من الامة بذلك ولا نعرف وجها في كلامه للاستصلاح، وقد وجدنا ما كان يتخوفه من الفساد مع مقاله ذلك، فأي فائدة حصلت للامة فيما أورده وعلى أي معنى يحمله إن لم يكن أراد الافساد والتلبيس والاضلال، على أن الرجل نفسه قد أظهر أنه قال القول الذي حكيناه عنه على وجه الاعتقاد له وصرح بانه لم يقصد الاستصلاح بمقال ظاهره خلاف باطنه في الحال وأبطل قول من خرج له العذر بالاستصلاح. فروى محمد بن إسحاق عن الزهري قال: أخبرني أنس بن مالك قال: لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان من الغد، جلس أبو بكر على المنبر فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر فحمد الله وأثنى عليه وقال: ” أيها الناس إنه كنت قلت لكم بالامس مقالة ما كانث إلا عن رأي، وما وجدتها في كتاب الله ولا كانت بعهد من رسول الله (ص) ولكن قد كنت أرى أن رسول الله (ص) سيدبر أمرنا حتى يكون اخرنا موتا “. وروى عكرمة عن ابن عباس قال: ” والله إني لامشي مع عمر في خلافته وما معه غيري وهو يحدث نفسه ويضرب قدميه بدرته إذ التفت إلي فقال: يابن عباس هل تدري ما حملني على مقالتي التي قلت حين توفي رسول الله (ص) قال: قلت:


[ 244 ]

لا أدري أنت أعلم يا أمير المؤمنين ” قال: فإنه والله ما حملني على ذلك إلا أنني كنت أقرأ هذه الآية: * (وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) * (1) وكنت أظن أنه سيبقى بعد امته حتى يشهد عليها باخر أعمالها فإنه الذي حملني على أن قلت ما قلت. ألا ترى إلى تصريح الرجل بأنه كان يعتقد حياة رسول الله (ص) ويعتل لذلك تارة بالرأي وتارة بتأويل القرآن، وأنه لم يعتمد فيه أنه من كتاب الله ولا عهد من الرسول (ص) ثم يناقض تارة اخرى بالاعتلال، فيزعم أن الذي حمله عليه ما وجده في الكتاب، فيعلم بذلك صحة ما ذكرناه عنه من التخليط ويظهر لك إدغاله في الدين بمناقضته في المقال وبنقله التلبيس على الضعفاء من اعتلال إلى اعتلال، وقد تبين لك بما قلناه صحة ما قدمناه من ركوبه في ذلك عظيم الضلال وأنه إن كان صدق على نفسه فقد وضح عناده وإدغاله في الدين على ما شرحناه. قال الشيخ أيده الله: وقد سلك ابنه عبد الله طريقه في الاقدام على الباطل والقول بغير علم ولا بيان وهو عندهم من صلحاء الصحابة وأهل الفضل والسداد. وذلك أنه لما غنم المسلمون من الفرس في أيام عمر ما غنموه وكان في جملته العود الذي يستعمله المجوس في الملاهي، فأحضروه مجلس عمر فلم يكد يعرفه أحد ممن حضر في الحال، ولم يدر ما الذي يصنع به ولا اسمه من الاسماء، فتشاجروا في ذلك فقال لهم عبد الله بن عمر: دعونا من اختلافكم في هذا وخذوها عني وأنا أبو عبد الرحمان، هذا الميزان الحراني، فلم يرض بالسكوت عما لا يعلم حتى تحدى القوم بأن عنده معرفة لما لا يعرفه، ثم لم يرض بذلك حتى أنباهم


(1) – البقرة / 143 (*).

[ 245 ]

بباطل وشهد عندهم شهادة زور وقد كان غنيا عن ذلك وما دعاه إليه داع. وهذا مما يعد من حماقته أفترى من خالفنا يمكنه أن يزعم في هذا أيضا أنه أراد به الاستصلاح بكلام يطلب لهذا الرجل عذرا إلا مشارك له في الحمق والاقدام على الباطل، ولا يثق به في النقل بعد ما حكيناه ويتولاه في الشرع ويعتقد فضله في الصحابة إلا مائق مأفوق العقل. ولو لم يكن عبد الله ضعيف الرأي ناقص العقل لما تأخر عن بيعه أمير المؤمنين – عليه السلام – وأبى الدخول في طاعته وحرم الجهاد معه ويدعه في حروبه وخذل الناس عنه واستحل خلافه ومباينته ثم جاء بعد ذلك مختارا إلى الحجاج بن يوسف الثقفي فقال له: أيها الامير امدد يدك ابايعك لامير المؤمنين عبد الملك ابن مروان. حتى قال له الحجاج بن يوسف الثقفي: وما حملك على هذا يا أبا عبد الرحمان بعد ما تأخرت عنه ؟ قال: حملني عليه حديث رويته عن النبي (ص) إنه قال: ” من مات وليس في عنقه بيعة إمام مات ميتة جاهلية ” فقال له الحجاج: بالامس تتأخر عن بيعة علي بن أيى طالب مع روايتك هذا الحديث ثم تأتيني الان لابايعك لعبد الملك، أما يدي فمشغولة عنك ولكن هذه رجلي فبايعها فسخر منه وعبث به وأنزله منزلته. ولعمري إن عبد الله وإن فارق أباه في الشهامة والفطنة لقد وافقه في العداوة لامير المؤمنين – عليه السلام – ومضى على شاكلته وعادته في ذلك، وقد قال رسول الله (ص) ” من أبغض عليا فقد أبغضني ومن أبغضني فقد أبغض الله عز وجل ” وقال له – عليه السلام -: ” عادى الله من عاداك وقاتل الله من قاتلك ” وقال له – عليه السلام -: ” حربك يا علي حربي وسلمك يا علي سلمي ” وقال له – عليه السلام -: ” اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله، وهذه دعوات قد استجابها الله عزوجل من نبيه عليه وآله السلام


[ 246 ]

فصل من كلام الشيخ أيده الله، قال الشيخ: قد أجمعت الامة على أن أبا بكر قال بعد العقد له: ” أقيلوني أقيلوني ” فاستقالهم الولاية والامرة عليهم وفهمنا ذلك وعرفناه وقد أجمعت الامة على أن الناس دعوا عثمان إلى الخلع فابى فحصروه لذلك وتوعدوه بالقتل إن لم يخلع نفسه ليختاروا لانفسهم من يرضوه فابى إلا دفاعهم عن ذلك واحتج عليهم فيه بان الله سبحانه قمصه الامر فلا يحل له خلعه، وقال لهم: ” لا أخلع قميصا قمصنيه الله عزوجل ” فنظرنا في هذين الفعلين فوجدناهما مختلفين متضادين يوجب أحدهما إن كان صوابا خطا فاعل ضده وإن كان خطا صواب فاعل خلافه. وذلك أنه إن كان حل لابي بكر أن يخلع نفسه من الامامة مختارا ويدعو الناس إلى خلعه فقد حرم الله سبحانه على عثمان أن يمتنع من ذلك إذا اريد عليه ودعي إليه واخيف وهدد بالقتل إن امتنع عليهم من ذلك فلما رأينا عثمان اختار القتل على الاجابة إلى الخلع، علمنا أنه لم يختر ذلك إن كان متدينا به إلا أن الخلع أعظم من إظهار كلمة الشرك وصنع ضروب الفسق وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير لان هذه كلها تحل عند الخوف على النفس وعثمان لم يستحل الخلع عند الخوف على نفسه فكان على مذهبه من أعظم الكبائر وأكبر ضروب الكفر، وإذا كان أبو بكر قد استحله ودعا إليه بان أنه أتى كفرا على مذهب عثمان وأعظم من الكفر أو يكون استحلاله ذلك يدل على أن استسلام عثمان للقتل بدلا من الخلع، أعظم ما يكون من الكفر لان من امتنع من مباح بقتل نفسه كان مارقا عن الدين


[ 247 ]

ولا فضل في ذلك لمن عقل على ما بيناه. وعسى أن يقول بعضهم إن عثمان دعي إلى خلعه على ما يوجب الخلع فامتنع لذلك وأبو بكر اختار الخلع فاختلف الوجهان في ذلك. فإنه يقال له: لو كان الامر على ما وصفت لكان الخلع حاصلا له وإن لم يخلع نفسه لان الفسق الموجب للخلع بوجوده يخرج عند أصحاب الاختيار خاصة صاحبه من الامامة ولا يحتاج معه إلى أن يخلع نفسه، مع أن عثمان كان أناب لهم وأظهر التوبة وأعتبهم على ما عتبوه ورجع لهم في الظاهر إلى ما أرادوه فصار في الحكم بمنزلته الاولى من العدالة فلذلك ساموه أن يخلع نفسه مختارا وكان ذلك هو الذي دعا إليه أبو بكر بعينه فلم يختلف الوجهان على ما ظننتموه وفي ذلك ما قدمناه من وجوب ضلال أحد الرجلين وخطأه في الدين. على أن الاختيار إن كان للامة فكان إليها العزل والخلع ولم يكن لدعائها عثمان إلى أن يخلع نفسه معنى يعقل لانه كان لها أن تخلعه إذا لم يجبها إلى ذلك ويختاره، وإن كان الخلع إلى الامام فلا معنى لقول أبي بكر للناس أقيلوني وقد كان يجب – لما كره الامر – أن يخلع هو نفسه ولا تكون لهم إذ ذاك ضربة لازب عليه، وهذا أيضا تناقض آخر يبين عن بطلان الاختيار وتخليط القوم. وأنت أرشدك الله إذا تأملت قول أمير المؤمنين – علبه السلام – في خطبته في الكوفة عند ذكر الخلافة حيث يقول: ” فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لاخر بعد وفاته ” وجدته عجبا وعرفت منه المغزى الذي كان من الرجل في القول وبان خلاف الباطن منه للظاهر وتيقنت الحيلة التي أوقعها والتلبيس وعثرت به على الضلال وقلة الدين والله تعالى نسال التوفيق.


[ 248 ]

فصل وسمعت شيخنا أيده الله يقول: إن مما يشهد برذالة بني تيم بن مرة وبني عدي ويجب أن يضاف إلى ما سلف لنا في ذلك، قول أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية حين بلغه بيعة الناس لابي بكر فجعل يقول ويحرض بني هاشم على فسخ أمره ويدعوهم إلى تقديم أمير المؤمنين – عليه السلام – وتسليمه ويقول: بني هاشم لا يطمع الناس فيكم * * ولاسيماتيم بن مرة أو عدي فما الامر إلا فيكم وإليكم * * وليس لها إلا أبو حسن علي أبا حسن فاشدد لهاكف حازم * * فانك بالامر الذي يرتجى ملي أفلا ترون إلى قول هذا الشيخ بحضرة الملا وبحيث يبلغ قوله الحاضر والبادي كيف يزري على تيم وعدي ويظهر القول برذالتها وقصورها عن استحقاق الخلافة ونيل الرياسة وهو وإن كان منافقا عندنا فإن وصف القبائل لا تتعلق صحته بما ينفي نفاقه ولا يخل نفاقه بصدقه في وصفه لان العرب كانوا أهل أنفة من الكذب فيما يعلم باضطرار ضد مقالتهم فيه لا سيما وأبو سفيان سيد من سادات قومه، فاقل ما في هذا الباب أن ينزل بشعره منزلة شعر الجاهلية في وصف القبائل بالشجاعة أو الجبن أو السخاء أو البخل أو الشرف أو الضعة، وإذا كان الامر على ما بيناه سقط قول من رام إبطال احتجاجنا بقول أبي سفيان على ما ذكرناه لموضع نفاقه وخلافه الدين على ما بيناه.


[ 249 ]

فصل قال الشيخ أيده الله: وما رأيت أوهن ولا أضعف من تعلق المعتزلة ومتكلمي المجبرة بقول العباس بن عبد المطلب رحمه الله لامير المؤمنين – عليه السلام – بعد وفاة رسول الله (ص): ” امدد يدك يا بن أخ ابايعك فيقول الناس عم رسول الله بايع ابن أخيه فلا يختلف عليك اثنان ” وقد ادعوا أن في هذا دليلا على أن رسول الله (ص) لم ينص على أمير المؤمنين – عليه السلام -. وقولهم إنه لو كان نص عليه لم يدعه العباس إلى البيعة لان المنصوص عليه لا يفتقر في إمامته وكمالها إلى البيعة فلما دعاه العباس إلى عقد إمامته من حيث تنعقد الامامة التي تكون بالاختيار دل على بطلان النص، وهذا الكلام مع وهنه فقد حار قوم من الشيعة عن فهم الغرض فيه وعدلوا عن نقضه من وجهه، وقد كنت قلت لمناظر اعتمد عليه في حجاجه في الامامة ورام به مناقضتي في مجلس من مجالس النظر أقوالا أنا اورد مختصرا منها وأعتمد على بعضها إذ كان شرح ذلك يطول. وهو أن يقال لهم إن كان دعاء العباس أمير المؤمنين – عليه السلام – إلى البيعة يدل على ما زعمتم من بطلان النص وثبوت الامامة من جهة الاختيار فيجب أن يكون دعاء النبي (ص) الانصار إلى بيعته في ليلة العقبة ودعاؤه المسلمين من المهاجرين والانصار تحت شجرة الرضوان، دليلا على أن نبوته (ص) إنما ثبتت له من جهة الاختيار فإنه لو كان ثابت الطاعة من قبل الله عزوجل وإرساله له وكان المعجز دليل نبوته، لاستغنى عن البيعة له تارة بعد اخرى فان قلتم ذلك، خرجتم عن الملة، وإن أثبتتوه نقضتم العلة عليكم.


[ 250 ]

فإن قالوا: إن بيعة الناس لرسول الله (ص) لم تك لاثبات نبوته وإنما كانت للعهد في نصرته بعد معرفة حقه وصدقه فيما أتى به عن الله عزوجل من رسالته. قيل لهم: أحسنتم في هذا القول وكذلك كان دعاء العباس أمير المؤمنين – عليه السلام – إلى بسط اليد إلى البيعة فانما كان بعد ثبوت إمامته بتجديد العهد في نصرته والحرب لمخالفيه وأهل مضادته ولم يحتج – عليه السلام – إليها في إثبات إمامته. ويدل على ما ذكرناه قول العباس: ” يقول الناس عم رسول الله بايع ابن أخيه فلا يختلف عليك إثنان ” فعلق الاتفاق بوقوع البيعة ولم يكن لتعلقه بها إلا وهي بيعة الحرب التي يرهب عندها الاعداء ويحذرون من الخلاف ولو كانت بيعة الاختيار من جهة الشورى والاجتهاد لما منع ذلك من الاختلاف بل كانت نفسها الطريق إلى تشتت الرأي وتعلق كل قبيل باجتهاده واختياره. أو لا ترى إلى جواب أمير المؤمنين – عليه السلام – بقوله: ” يا عم إن لي برسول الله (ص) أعظم شغل عن ذلك ” ولو كانت بيعته عقد الامامة لما شغله عنها شاغل ولما كانت قاطعة له عن مراده في القيام برسول الله (ص)، أو لا ترى أنه لما ألح عليه العباس في هذا الباب قال: ” يا عم، إن رسول الله (ص) أوصى إلي وأوصاني أن لا أجرد سيفا بعده حتى يأتيني الناس طوعا وأمرني بجمع القران والصمت حتى يجعل الله عزوجل لي مخرجا ” فدل ذلك أيضا على أن البيعة إنما دعا إليها للنصرة والحرب وأنه لا تعلق لثبوت الامامة بها وأن الاختيار ليس منها في قبيل ولا دبير علي ما وصفناه. ووجه آخر وهو أن القوم لما أنكروا النص وأظهروا أن الامامة تثبت لهم من طريق الاختيار، أراد العباس أن يكيدهم من حيث ذهبوا إليه ويبطل أمرهم بنفس ما جعلوه طريقا لهم إلى الظلم وجحد النص، فقال لامير المؤمنين – عليه السلام -:


[ 251 ]

” ابسط يدك ابايعك فإن سلموا الحق لاهله لم تضرك البيعة وإن ادعوا الشورى والاختيار وأنكروا حقك كان لك من البيعة والاختيار والعقد مثل ما لهم فلم يمكنهم الاستبداد بالامر دونك ” فابى أمير المؤمنين – عليه السلام – ذلك وكره أن يتوصل إلى حقه بباطل لا يوصل إليه وبرهان أمره يقهر القلوب بظهور النص عليه. ولانه كره أن يبسط يده للبيعة فيلزمه بعد ذلك تجريد السيف على دافعيه الامر فلا يستقيم له مع الاختيار وعقد القوم له أن يلزم التقية وقد تقدمت الوصية له من النبي (ص) بالكف عن الحرب مخافة بطلان الدين ودرس الاسلام، وقد بين ذلك في مقاله – عليه السلام – حيث يقول: ” أما والله لولا قرب عهد الناس بالكفر لجاهدتهم ” فعدل عن قبول البيعة لما ذكرناه. فان قال بعضهم في هذا الجواب: قد وصل إلى حقه كما زعمتم بعد عثمان بالاختيار ودخل في الشورى فكيف استجاز التوصل إلى الحق بالباطل على ما فهمناه عنكم من الجواب ؟ قيل له: يقول القوم إنما ساغ له ذلك في الشورى وبعد عثمان لخفاء النص عليه في تلك الاحوال واندراس أمره بمرور الزمان على دفعه عن حقه فلم يجد إذ ذاك من ظهور فرض طاعته ما كان عند وفاة رسول الله (ص) فاضطر إلى التوصل إلى حقه من حيث جعلوه طريقا إلى التامير على الناس. على أن القوم جمعوا بين علتين إحداهما ما ذكرناه، والاخرى ما أردفناه المذكور من وجوب الجهاد عليه بعد قبول البيعة ولم يكن في الاول يجوز له ذلك للوصية المتقدمة من النبي (ص) في الكف عن السيف ولما راه في ذلك من الاستصلاح وكانت الحال بعد عمر وبعد عثمان على خلاف ما ذكرناه وهذا يبطل ما تعلقتم به.


[ 252 ]

ووجه آخر وهو المعتمد عندي في هذا الجواب عن هذا السؤال والمعول عليه دون ما سواه، وهو أن أمير المؤمنين – عليه السلام – لم يتوصل إلى حقه في حال من الاحوال بما يوصل إليه من اختيار الناس له على ما ظنه الخصوم. وذلك أنه – عليه السلام – احتج في يوم الشورى بنصوص رسول الله (ص) الموجبة له فرض الطاعة كقوله: ” أفيكم أحد قال له رسول الله (ص) من كنت مولاه فعلي مولاه غيري ؟ أفيكم أحد قال له رسول الله (ص) أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي غيري ؟ ” وأشباه هذا من الكلام الموجب لامامة صاحبه بدليله المغني له عن اختيار العباد. ولما قتل عثمان لم يدع أحدا إلى اختياره لكنه دعاهم إلى بيعته على النصرة له والاقرار بالطاعة وليس في هذا من معنى الاختيار الذي يذهب إليه المخالفون شئ على كل حال، والجواب الاول لي خاصة والثاني لاصحابنا وقد نصرته بموجز من الكلام. فصل وقد سأل المخالفون في شئ يتعلق بهذا الفصل عن سؤال لم أجد لاحد من أصحابنا فيه جوابا فأجبت عنه بما أسقطه على البيان، وهو أن قالوا: إذا زعمتم أن النبي (ص) قد نص على أمير المؤمنين – عليه السلام – بالامامة وبين عن فرض طاعته ودعا الامة إلى اتباعه، فما معنى قول العباس بن عبد المطلب رحمة الله عليه لامير المؤمنين – عليه السلام – في مرض رسول الله (ص): ” يا ابن أخ ادخل معي إلى النبي فاسأله عن الامر من بعده هل هو فينا فتطمئن قلوبنا أم هو في غيرنا فيوصيه بنا ” فدخلا


[ 253 ]

عليه فسأله العباس عن ذلك فلم يجبه هل هو فيهم أو في غيرهم فقال لهم: ” على رسلكم معشر بني هاشم أنتم المظلومون بى أنتم المقهورون “. فيقال لهم أخطأتم الغرض في معنى هذا المقال وضللتم عن المراد منه، وذلك أن العباس رحمه الله إنما سأل النبي (ص) عن كون الامر فيهم بعده على الوجوب وتسليم الامة لهم وهل المعلوم عند الله عزوجل تمكينهم منه وعدم الحيلولة بينهم وبينه فتطمئن لذلك نفسه ويسكن إلى وصوله إلى غرضه وعدم المنازع وتمكينهم من الامر أو يغلبون عليه ويحال بينهم وبينه فسأل النبي (ص) أن يوصي بهم في الاكرام والاعظام ولم يك في شك من الاستحقاق والاختصاص بالحكم. ألا ترى إلى جواب النبي (ص) بانكم المقهورون وأنتم المضطهدون، فجميع هذه الالفاظ جاءت بها الرواية ولولا أن سؤال العباس إنما كان عن حصول المراد من التمكين من المستحق ونفوذ الامر والنهي لم يكن لجواب النبي (ص) بما ذكرناه معنى يعقل وكان جوابا عن غير السؤال ورسول الله (ص) يجل عن صفات النقض كلها لانتظامه صفات الكمال. ونظير ما ذكرناه قول الرجل لابيه وهو يعلم أنه وارثه دون الناس كافة: ” أترى أن تركتك تكون لي بعد الوفاة أم تحصل لغيري، وهل ما أهلتني له ينفرد لي أم يغلبني عليه إخوتي أو بنو عمي ” فيقول له الوالد إذا لم يعلم الحال ما يغلب في ظنه من ذلك أو يجيبه بالرجاء، وليس سؤال الولد لوالده أن يجيبه عن الاستحقاق. وأمثال هذا يكثر وفي الجواب عنه كفاية وغنى عن الامثال وبالله نستعين.


[ 254 ]

فصل ومن كلام الشيخ أيده الله في تقدم إيمان أمير المؤمنين – عليه السلام -، قال الشيخ أحسن الله توفيقه: أجمعت الامة على أن أمير المؤمنين – عليه السلام – أول ذكر أجاب رسول الله (ص) ولم يحتلف في ذلك أحد من أهل العلم إلا أن العثمانية طعنت في إيمان أمير المؤمنين – عليه السلام – لصغر سنه في حال الاجابة وقالوا: إنه لم يكن – عليه السلام – في تلك الحال بالغا فيقع إيمانه على وجه المعرفة، وإن إيمان أبي بكر حصل منه مع الكمال فكان على اليقين والمعرفة والاقرار من جهة التقليد والتلقين غير مساو للاقرار بالمعلوم المعروف بالدلالة. فلم يحصل خلاف من القوم في تقدم الاقرار من أمير المؤمنين – عليه السلام – للجماعة والاجابة منه للرسول وإنما خالفوا فيما ذكرناه، وأنا ابين عن غلطهم فيما ذهبوا إليه من توهين إقرار أمير المؤمنين – عليه السلام – وحملهم إياه على وجه التلقين دون المعرفة واليقين بعد أن أذكر خلافا حدث بعد الاجماع من بعض المتكلمين والناصبة من أصحاب الحديث. وذلك أن هاهنا طائفة تنسب إلى العثمانية وتزعم أن أبا بكر سبق أمير المؤمنين – عليه السلام – إلى الاقرار وتعتل في ذلك باحاديث مولدة ضعاف. منها أنهم رووا عن أبي نضيرة (1) قال: أبطا علي والزبير عن بيعة أبي بكر قال: فلقي أبو بكر عليا فقال له (ص) أبطات عن بيعتي وأنا أسلمت قبلك، ولقي الزبير فقال: أبطات عن بيعتي وأنا أسلمت قبلك.


(1) – في بعض النسخ: أبو نضرة (*).

[ 255 ]

ومنها حديث أبي امامة عن عمر بن عنبسة (1) قال: أتيت رسول الله (ص) أول ما بعث وهو بمكة وهو حينئذ مستخف، فقلت: من أنت ؟ قال: أنا نبي، قلت: وما النبي ؟ قال: رسول الله، فقلت: الله أرسلك ؟ قال: نعم، فقلت: بماذا أرسلك ؟ قال: بان يعبد الله عزوجل ويكسر الاصنام ويوصل الارحام، قلت: نعم ما أرسلك به، فمن تبعك على هذا الامر ؟ قال: حر وعبد، يعني أبا بكر وبلالا وكان عمر يقول: ” لقد رأيتني وأنا رابع الاسلام ” قال: فاسلمت ثم قلت: أنا ابايعك يا رسول الله. ومنها حديث الشعبي قال: سالت ابن عباس عن أول من أسلم ؟ قال: أبو بكر ثم قال: أما سمعت قول حسان: إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة * * فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا خير البرية أتقاها واعدلها * * بعد النبي وأوفاها بما حملا الثاني التالي المحمود مشهده * * وأول الناس منهم صدق الرسلا ومنها حديث رووه عن منصور عن مجاهد قال: أول من أظهر الاسلام سبعة: رسول الله (ص) وأبو بكر وخباب وعمار وبلال وسمية وصهيب. ومنها حديث رووه عن عمرو بن مرة قال: ذكرت لابراهيم النخعي حديثا فانكره وقال: أبو بكر أول من أسلم. قال الشيخ أيده الله: فيقال لهم: أما الحديث الاول فإنه رواه أبو نضيرة وهذا أبو نضيرة مشهور بعداوة أمير المؤمنين – عليه السلام -، وقد ضمنه ما ينقض أصلا لهم في الامامة، ولو ثبت لكان أرجح من تقدم إسلام أبي بكر وهو أن أمير المؤمنين


(1) – في بعض النسخ: عتبة ولعل الصحيح عمرو بن عبسة (*).

[ 256 ]

– عليه السلام – والزبير أبطئا عن بيعة أبي بكر، وإذا ثبت أنهما أبطئا عن بيعته وتاخرا، نقض ذلك قولهم إن الامة أجمعت عليه ولم يكن من أمير المؤمنين – عليه السلام – كراهية لامره. وإذا ثبت أن أمير المؤمنين – عليه السلام – قد كان متأخرا عن بيعته على وجه الكراهة لها بدلالة ما رووه من قول أبي بكر له: ” أبطأت عن بيعتي وأنا أسلمت قبلك ” على وجه الحجة عليه في كونه أولى بالامامة منه، ثبت بطلان إمامة أبي بكر لان أمير المؤمنين – عليه السلام – لا يجوز أن يكره الحق ولا أن يتأخر عن الهدى، وقد أجمعت الامة على أنه – عليه السلام – لم يوقع خطا بعد الرسول (ص) يعثر عليه طول مدة أبي بكر وعمر وعثمان، وإنما ادعت الخوارج الخطأ منه في اخر أيامه – عليه السلام – بالتحكيم وذهبت عن وجه الحق في ذلك. وإذا لم يجز من أمير المؤمنين – عليه السلام – التاخر عن الهدى والكراهة للحق والجهل بموضع الافضل، بطل هذا الحديث. وما زلنا نجتهد في إثبات الخلاف من أمير المؤمنين – عليه السلام – على أبي بكر والتأخر عن بيعته والكراهة لامره، والناصبة تحيد عن قبول ذلك وتدفعه أشد دفع حتى صاروا يسلمونه طوعا واختيارا وينظمونه في احتجاجهم لفضل صاحبهم، فهكذا يفعل الله عزوجل باهل الباطل يخيبهم ويسلبهم التوفيق حتى يدخلوا فيما يكرهون من حيث لا يشعرون. على أن بازاء هذا الحديث عن أبي بكر حديثا عنه ينقضه من طريق أوضح من طريق أبي نضيرة، وهو ما رواه علي بن مسلم الطوسي، عن زافر بن سليمان، عن الصلت بن بهرام، عن الشعبي قال: مر علي بن أبي طالب – عليه السلام – ومعه أصحابه على أبي بكر فسلم ومضى، فقال أبو بكر ” من سره أن ينظر إلى أول الناس في الاسلام سبقا وأقرب الناس من نبينا – عليه السلام – رحما وأعظمهم دالة عليه


[ 257 ]

وافضلهم غناء عنه بنفسه فلينظر إلى علي بن أبي طالب ” وهذا يبطل ما ادعوه على أبي بكر وأضافه أبو نضيرة إليه. وأما حديث عمر بن عنبسة فإنه من طريق أبي امامة ولا خلاف أن أبا امامة كان من المنحرفين عن أمير المؤمنين – عليه السلام – والمتجبرين عليه، وأنه كان في حيز معاوية، ثم فيه عن عمرو وأنه شهد لنفسه أنه كان رابع الاسلام وشهادة المرء لنفسه غير مقبولة إلا أن يكون معصوما أو يدل دليل على صدقه، وإذا لم تثبت شهادته لنفسه بطل الحديث باسره. مع أن الرواية قد اختلفت عن عمرو من طريق أبي امامة، فروى عنه في حديث آخر أنه قال: أتيت النبي (ص) بماء يقال له عكاظ فقلت له: يا رسول الله من بايعك على هذا الامر ؟ قال: من بين حر وعبد، فاقيمت الصلاة فصليت خلفه أنا وأبو بكر وبلال وأنا يومئذ رابع الاسلام. فاختلف اللفظ والمعنى في هذين الحديثين والواسطة واحد، فتارة يذكر مكة وتارة يذكر عكاظا، وتارة يذكر أنه وجده مستخفيا بمكة وتارة يذكر أنه كان ظاهرا يقيم الصلاة ويصلي بالناس معه، والحديث واحد من طريق واحد وهذا أدل دليل على فساده. وأما حديث الشعبي فقد قابله الحديث عنه من طريق الصلت بن بهرام المتضمن لضده، وفي ذلك إسقاطه، مع أنه قد عزاه إلى ابن عباس والمشهور عن ابن عباس ضد ذلك وخلافه. ألا ترى إلى ما رواه أبو صالح عن عكرمة عن ابن عباس وهذان أصدق على ابن عباس من الشعبي لان أبا صالح معروف بعكرمة وعكرمة معروف بابن عباس، قال: قال رسول الله في: ” صلت الملائكة على وعلى علي بن أبي طالب سبع سنين “، قالوا: ولم ذلك يا رسول الله ؟ قال: ” لم يكن معي من الرجال غيره “،


[ 258 ]

ومن طريق عمر بن ميمون عن ابن عباس قال: ” أول من أسلم من الناس بعد خديجة بنت خويلد علي بن أبي طالب “. وأما قول حسان فإنه ليس بحجة من قبل أن حسانا كان شاعرا وقصد الدولة والسلطان وقد كان منه بعد رسول الله انحراف شديد عن أمير المؤمنين – عليه السلام – وكان عثمانيا وحرض الناس على أمير المؤمنين – عليه السلام – وكان يدعو إلى نصرة معاوية وذلك مشهور عنه في نثره ونظمه، ألا ترى إلى قوله: ياليت شعري وليت الطير * * تخبرني ماكان بين علي وابن عفانا ضحوا باشمط عنوان السجود به * * يقطع الليل تسبيحا وقرآنا ليسمعن وشيكا في ديارهم * * الله أكبر يا ثارات عثمانا فان جعلت الناصبة شعر حسان حجة في تقديم إيمان أبي بكر فلتجعله حجة في قتل أمير المؤمنين – عليه السلام – عثمان والقطع على أنه أحفى الناس بقتله وأن ثاراته يجب أن تطلب منه. فان قالوا: إن حسانا غلط في ذلك. قلنا لهم: وكذلك غلط في قوله في أيى بكر وإن قالوا: لا يجوز غلطه في باب أبى بكر لانه شهد به بمحضر من الصحابة فلم يردوا عليه. قيل لهم: ليس عدم إظهارهم الرد عليه دليلا على رضاهم به لان الجمهور كانوا شيعة أبي بكر وكان المخالفون له في تقية من الجهر بالنكير عليه في ذلك مخافة الفرقة والفتنة. مع أن قول حسان بن ثابت محتمل لان يكون أبو بكر من المتقدمين في


[ 259 ]

الاسلام والاولين دون أن يكون أول الاولين، ولسنا ندفع أن أبا بكر ممن يعد في المظهرين للاسلام أولا وإنما ننكر أن يكون من أول الاولين، فلما احتمل قول حسان ما وصفناه لم ينكر المسلمون عليه ذلك. مع أن حسانا أيضا قد حرض على أمير المؤمنين – عليه السلام – ظاهرا ودعا إلى مطالبته بثارات عثمان جهرا فلم ينكر عليه في الحال منكر، فيجب أن يكون مصيبا في ذلك. فان قالوا: هذا شئ قاله في مكان دون مكان، فلما ظهر عنه أنكره جماعة من الصحابة. قيل لهم: فان قنعتم بذلك واقترحتم في الدعوى فاقنعوا منا بمثله فيما اعتقدتموه من شعره في أبي بكر وهذا ما لا فصل فيه. على أن حسانا قد شهد في شعره بامامة أمير المؤمنين نصا وذكر ذلك بحضرة النبي (ص) فجزاه خيرا في قوله: يناديهم يوم الغدير نبيهم * * بخم وأسمع بالنبي مناديا في أبيات سأذكرها في موضها إن شاء الله، وشهد لامير المؤمنين – عليه السلام – أيضا بسبق قريش إلى الايمان حيث يقول: جزى الله خيرا والجزاء بكفه * * أبا حسن عنا ومن كابى حسن سبقت قريشا بالذي أنت أهله * * فصدرك مشروح وقلبك ممتحن فشهد بتقديم إيمان أمير المؤمنين – عليه السلام – الجماعة، وهذا مقابل لما تقدم ومسقط له، فإن زعموا أن هذا محتمل، قيل لهم: أما في تفضيله إياه على الكل


[ 260 ]

فليس بمحتمل، وأما في تقدم الاسلام فإن الظاهر منه يوجبه، وإن احتمل فكذلك ما ذكرتموه عنه أيضا محتمل. وأما روايتهم عن مجاهد فإنها مقصورة على مذهبه ورأيه ومقاله، وبازاء مجاهد عالم من التابعين ينكرون عليه مقاله ويذهبون إلى خلافه في ذلك وأن أمير المؤمنين – عليه السلام – أول الناس إيمانا، وهذا القدر كاف في إبطال قول مجاهد. على ان الثابت عن مجاهد خلاف ما ادعاه هؤلاء القوم وأضافوه إليه وضده ونقيضه، روى ذلك منهم من لا يتهم عليه سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد واثره عن ابن عباس قال: قال رسول الله (ص): ” السباق أربعة: سبق يوشع ابن نون إلى موسى بن عمران – عليه السلام – وصاحب ياسين إلى عيسى بن مريم – عليه السلام – وسبق علي بن أبي طالب – عليه السلام – إلى رسول الله (ص) ” ونسي الناقل عن سفيان الآخر، وقد ذكر في حديث غير هذا أنه مؤمن آل فرعون، وهذا يسقط تعلقهم بما ادعوه على مجاهد وأما حديث عمرو بن مرة عن إبراهيم فهو أيضا نظير قول مجاهد، وإنما أخبر عمرو عن مذهب إبراهيم والغلط جائز على إبراهيم ومن فوقه، وبازاء إبراهيم من هو فوقه وأجل قدرا منه يدفع قوله ويكذبه في دعواه كابي جعفر محمد ابن علي الباقر وأبي عبد الله الصادق – عليهم السلام -، ومن غير أهل البيت قتادة والحسن وغيرهما ممن لا يحصى كثرة، وفي هذا أيضا غنى عن غيره. قال الشيخ أيده الله: فهذه جملة ما اعتمده القوم فيما ادعوه من خلافنا في تقديم إيمان أمير المؤمنين – عليه السلام – وتعلقوا به، وقد بينت عوارها وأوضحت عن حالها، وأنا ذاكر طرفا من أسماء من روى أن أمير المؤمنين – عليه السلام – كان أسبق الخلق إلى رسول الله (ص) وأولهم من الذكور إجابة له وإيمانا به.


[ 261 ]

فمن ذلك الرواية عن أمير المؤمنين – عليه السلام – نفسه من طريق سلمة بن كهيل عن حبة العرني، قال: سمعت عليا – عليه السلام – يقول: ” اللهم لا أعرف عبدا لك عبدك من، هذه الامة قبلي غير نبيها ” يقول ذلك ثلاث مرات، ثم قال: ” لقد صليت قبل أن يصلي أحد سبعا “. ومن طريق المنهال عن عباية الاسدي عن أمير المؤمنين – عليه السلام -، قال: ” لقد أسلمت قبل الناس بسبع سنين “. ومن طريق جابر عن عبد الله بن يحيى الحضرمي عن علي بن أبي طالب – عليه السلام – قال: ” صليت مع رسول الله ثلاث سنين ولم يصل أحد غيري “. ومن طريق نوح بن قيس الطاحني عن سليمان بن أبي فاطمة، قال: حدثتني معاذة العدوية، قالت: سمعت عليا – عليه السلام – يخطب على منبر البصرة فسمعته يقول: ” أنا الصديق الاكبر امنت قبل أن يؤمن أبو بكر وأسلمت قبل أن يسلم “. ومن طريق عمرو بن مرة عن أبي البختري عن أمير المؤمنين – عليه السلام -، قال: ” صليت قبل الناس سبع سنين “. ومن طريق نوح بن دراج عن خالد الخفاف، قال: أدركت الناس وهم يقولون: وقع بين علي – عليه السلام – وعثمان كلام، فقال عثمان: والله إن أبا بكر وعمر خير منك، فقال علي – عليه السلام -: ” كذبت والله لانا خير منك ومنهما عبدت الله قبلهما وعبدت الله بعدهما “. ومن طريق الحرث الاعور قال: سمعت أمير المؤمنين – عليه السلام – يقول: ” الهم إني لا أعترف لعبد من عبادك عبدك قبلي ” وقال – عليه السلام – قبل ليلة الهرير بيوم وهو يحرض الناس على أهل الشام: ” أنا أول ذكر صلى مع رسول الله (ص)


[ 262 ]

ولقد راني أضرب بالسيف قدامه وهو يقول: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي، حياتك حياتي وموتك موتي ” وقال – عليه السلام – وقد بلغه أن قوما يطعنون عليه في الاخبار عن رسول الله (ص) بعد كلام خطب به – عليه السلام -: ” بلغني أنكم تقولون أن عليا يكذب فعلى من أكذب أعلى الله فانا أول من امن به وعبده ووحده أم على رسول الله (ص) فانا أول من آمن به وصدقه ونصره ” وقال – عليه السلام – لما بلغه افتخار معاوية عند أهل الشام، شعره المشهور الذي يقول فيه: سبقتكم إلى الاسلام طرا * * صغيرا ما بلغت أوان حلمي وأنا أذكر الشعر باسره في موضع غير هذا عند الحاجة إليه إن شاء الله تعالى. ومن ذلك ما رواه أبو أيوب خالد بن زيد الانصاري صاحب رسول الله (ص) من طريق عبد الرحمان بن معمر عن أبيه عن أبي أيوب رضي الله عنه قال: مال رسول الله (ص): ” صلت الملائكة علي وعلى علي بن أبي طالب سبع سنين وذلك أنه لم يصل معي رجل غيره “. ومن ذلك ما رواه سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه من طريق علثم (1) الكندي عن سلمان قال: قال رسول الله: ” أولكم ورودا علي الحوض أولكم إسلاما علي بن أبي طالب “. ومن ذلك ما رواه أبو ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه من طريق محمد بن عبد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله (ص) يقول لعلي – عليه السلام -: ” أنت أول من آمن بي ” في حديث طويل وروى أبو سخيلة عن أبي ذرأيضا قال: سمعت رسول الله وهو آخذ


(1) – في بعض النسخ: ميثم (*).

[ 263 ]

بيد علي – عليه السلام – يقول: ” أنت أول من امن بي وأول من يصافحني يوم القيامة ” وقد رواه ابن أبي رافع عن أبيه أيضا عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: أتيته اودعه فقال: ” إنها ستكون فتنة فعليك بالشيخ علي بن أبي طالب – عليه السلام – فإني سمعت رسول الله (ص) يقول: أنت أول من امن بي “. ومن ذلك ما رواه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه من طريق قيس بن مسلم عن ربعي بن خراش قال: سالت حذيفة بن اليمان: ما تقول في علي بن أبي طالب ؟ فقال: ” ذاك أقدم الناس سلما وأرجح الناس علما “. ومن ذلك ما رواه جابر بن عبد الله الانصاري رضي الله عنه من طريق شريك بن عبد الله عن محمد بن عقيل عن جابر قال: بعث رسول الله (ص) يوم الاثنين وأسلم علي – عليه السلام – يوم الثلاثاء. ومن ذلك ما رواه زيد بن أرقم من طريق عمرو بن مرة عن أبى حمزة مولى الانصار قال: سمعت زيد بن أرقم يقول: أول من صلى مع رسول الله (ص) علي ابن أبي طالب. ومن ذلك ما رواه زيد بن صوحان العبدي من طريق عبد الله بن هشام عن أبيه عن طريف بن عيسى الغنوي، أن زيد بن صوحان خطب في مسجد الكوفة فقال. ” سيروا إلى أمير المؤمنين وسيد المسلمين وأول المؤمنين إيمانا “. ومن ذلك ما روته ام سلمة زوج النبي (ص) من طريق مساور الحميري عن امه قالت: قالت ام سلمة. ” والله لقد أسلم علي بن أبي طالب أول الناس وما كان كافرا ” في حديث طويل. ومن ذلك ما رواه عبد الله بن عباس بن عبد المطلب من طريق أبي صالح


[ 264 ]

عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله (ص): ” صلت الملالكة علي وعلى علي بن أبي طالب سبع سنين “، قالوا: ولم ذاك يا رسول الله ؟ قال: ” لم يكن معي من الرجال غيره “. ومن طريق عمرو بن ميمون عنه ما تقدم ذكره وروى مجاهد عنه أيضا مثل ذلك، وقد سلف لنا فيما مضى. ومن ذلك ما رواه قثم بن العباس بن عبد المطلب من طريق قيس بن أبي حازم عن أبي إسحاق، قال: دخلت على قثم بن العباس فسألته عن علي بن أبي طالب – عليه السلام – فقال: ” كان أولنا برسول الله (ص) لحوقا وأشدنا به لصوقا “. ومن ذلك ما رواه مالك الاشتر رضي الله تعالى عنه من طريق الفضل بن أدهم المزني قال: سمعت مالك الاشتر بن الحرث يقول في خطبة خطبها بصفين: ” معنا ابن عم رسول الله (ص) وسيف من سيوف الله علي بن أبي طالب صلى مع رسول الله (ص) صغيرا ولم يسبقه بالصلاة ذكر وجاهد حتى صار شيخا كبيرا “. ومن ذلك ما رواه سعيد بن قيس من طريق مالك بن قدامة الارحبي أن سعيد بن قيس خطب الناس بصفين فقال: ” معنا ابن عم نبينا (ص) صدق وصلى صغيرا وجاهد مع نبيكم كبيرا “. ومن ذلك ما رواه عمرو بن الحمق الخزاعي من طريق عبد الله بن شريك العامري، قال: قام عمرو بن الحمق بصفين فقال: ” يا أمير المؤمنين أنت ابن عم نبينا وأول المؤمنبن إيمانا بالله عزوجل “. ومن ذلك ما رواه هاشم بن عتبة (1) بن أبي وقاص من طريق جندب بن


(1) – في بعض النسخ: هشام بن عيينة (*).

[ 265 ]

عبد الله الازدي، قال: قال هاشم بن عتبة بن أبي وقاص يوم صفين: نجاهد في طاعة الله مع اب ن عم رسول الله (ص) وأول من آمن بالله وأفقه الناس في دين الله. ومن ذلك ما رواه محمد بن كعب من طريق عمر مولى عفرة عن محمد بن كعب: قال: ” أول من أسلم علي بن أبي طالب وأول من أظهر الاسلام أبو بكر “. ومن ذلك ما رواه مالك بن الحويرث من طريق مالك بن الحسن بن مالك، قال: أخبرني أبي عن جدي مالك بن الحويرث، قال: ” أول من أسلم من الرجال علي بن أيي طالب “. ومن ذلك ما رواه أبو مخلد من طريق أبي عوانة عن عمران عن أبي مخلد، قال: ” أول من أسلم وصلى علي بن أبي طالب “. ومن ذلك ما رواه أبو بكر عتيق بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وأنس ابن مالك، وعمرو بن العاص، وأبو موسى الاشعري. والذي رواه أبو بكر، من طريق زافر بن سليمان عن الصلت بن بهرام عن الشعبي، قال: ” مر علي بن أبي طالب على أبي بكر ومعه أصحابه فسلم عليه ومضى، فقال أبو بكر: من سره أن ينظر إلى أول الناس في الاسلام سبقا وأقرب الناس برسول الله (ص) قرابة فلينظر إلى علي بن أبي طالب “: في الحديث، وقد قدمناه فيما مضى. وأما عمر فإن أبا حازم مولى ابن عباس قال: سمعت عبد الله بن عباس يقول: قال عمر بن الخطاب: كفوا عن علي بن أبي طالب فاني سمعت من رسول الله (ص) فيه خصالا قال: ” إنك أول المؤمنين بعدي إيمانا ” وساق الحديث. وأما عمرو بن العاص فإن تميم بن جذيم الناجي قال: إنا لمع أمير المؤمنين


[ 266 ]

– عليه السلام – بصفين إذ خرج إليه عمرو بن العاص فاراد أن يكلمه. فقال عمرو: تكلم فانك أول من أسلم واهتدى ووحد وصلى. ومن ذلك ما رواه أبو موسى الاشعري من طريق يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه سلمة عن أبي جعفر عن ابن عباس قال: قال أبو موسى الاشعري: ” علي أول من أسلم “. ومن ذلك ما رواه أنس بن مالك من طريق عباد بن عبد الصمد، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله (ص): ” لقد صلت الملائكة علي وعلى علي بن أبي طالب سبع سنين، وذلك أنه لم ترفع إلى السماء شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا مني ومن علي صلوات الله عليه “. ومن ذلك ما روي عن الحسن بن أبي الحسن البصري من طريق قتادة بن دعامة السدوسي، قال: سمعت الحسن يقول: ” إن عليا – عليه السلام – صلى مع النبي أول الناس، فقال رسول الله (ص) صلت الملائكة علي وعلى علي سبع سنين “. ومن ذلك ما روي عن قتادة من طريق سعيد بن أبي عروبة قال: سمعت قتادة يقول: ” أول من صلى من الرجال علي بن أبي طالب “. ومن ذلك ما روي عن ابن إسحاق من طريق يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق، قال: ” كان أول ذكر امن وصدق علي بن أبي طالب وهو ابن عشر سنين ثم أسلم بعده زيد بن حارثة “. ومن ذلك ما روي عن الحسن بن زيد من طريق إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس قال: أخبرني أبي عن الحسن بن زيد أن عليا – عليه السلام – كان أول ذكر أسلم.


[ 267 ]

وأما الرواية عن آل أبي طالب في ذلك فانها أكثر من أن تحصى، وقد أجمع بنو هاشم وخاصة آل علي – عليه السلام – لا تنازع بينهم على أن أول من أجاب رسول الله (ص) من الذكور علي بن أبي طالب – عليه السلام -، ونحن أغنياء بشهرة ذلك عن ذكر طرقه ووجوهه. وأما الاشعار التي تؤثر عن الصحابة في الشهادة له – عليه السلام – بتقدم الايمان وأنه أسبق الناس إليه فقد وردت عن جماعة منهم وظهرت عنهم على وجه يوجب العلم ويزيل الارتياب ولم يختلف فيها من أهل العلم والنقل والاثار اثنان. فمن ذلك قول خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين رحمه الله: إذا نحن بايعنا عليا فحسبنا * * أبو حسن مما نخاف من الفتن وجدناه أولى الناس بالناس إنه * * أطب قريش بالكتاب وبالسنن وإن قريشا لا تشق غباره * * إذا ما جرى يوما على الضمر البدن ففيه الذي فيهم من الخير كله * * وما فيهم مثل الذي فيه من حسن وصي رسول الله من دون أهله * * وفارسه قد كان في سالف الزمن وأول من صلى من الناس كلهم * * سوى خيرة النسوان والله ذو المنن وصاحب كبش القوم في كل وقعة * * يكون لها نفس الشجاع لدى الذقن فذاك الذي تثنى الخناصر باسمه * * إمامهم حتى أغيب في الكفن ومنه قول حسان بن ثابت، وقد قدمنا هذين البيتين فيما سلف: جزى الله خيرا والجزاء بكفه * * أبا حسن عناومن كأبي حسن سبقت قريشا بالذي أنت اهله * * فصدرك مشروح وقلبك ممتحن


[ 268 ]

ومنه قول كعب بن زهيز صهر النبي وخير الناس كلهم * * وكل من رامه بالفخر مفخور صلى الصلاة مع الامي أولهم * * قبل العباد ورب الناس مكفور ومنه قول ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب حيث يقول عند بيعة الناس لابي بكر: ماكنت أحسب أن الامر منتقل * * عن هاشم ثم منها عن أبي حسن أليس أول من صلى لقبلتهم * * وأعلم الناس بالاثار والسنن وآخر الناس عهدا بالنبي ومن * * جبريل عون له في الغسل والكفن من فيه ما فيهم لاتمترون به * * وليس في القوم ما فيه من الحسن ماذا الذي ردكم عنه فنعلمه * * ها إن بيعتكم من أول الفتن وفي هذا الشعر قطع من قائله على إبطال إمامة أبي بكر وإثبات الامامة لامير المؤمنين – عليه السلام -. ومنه قول الفضل بن أبي لهب فيما رد به على الوليد بن عقبة من مديحه لعثمان ومرثيته له وتحريضه على أمير المؤمنين – عليه السلام – في قصيدته التي يقول في أولها: ألا إن خير الناس بعد * * ثلاثة قتيل التجيبى الذي جاء من مصر فقال الفضل رحمه الله: ألا إن خير الناس بعد محمد * * مهيمنه التاليه في العرف والنكر وخيرته في خيبر ورسوله * * بنبذ عهود الشرك فوق أبي بكر


[ 269 ]

وأول من صلى وصنو نبيه * * وأول من أردى الغواة لدى بدر فذاك علي الخيرمن ذايفوقه * * ابو حسن حلف القرابة والصهر وفي هذا الشعر دليل على تقدم إيمان أمير المؤمنين – عليه السلام -، وعلى أنه كان الامير في سنة تسع على الجماعة، وكان في جملة رعيته أبو بكر على خلاف ما ادعته الناصبة من قولهم أن أبا بكر كان الامير على الجماعة، وأن أمير المؤمنين – عليه السلام – كان تابعا له. ومنه قول مالك بن عبادة النافقي حليف حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه: رأيت عليا لا يلبث قرنه * * إذا ما دعاه حاسرأ أو مسربلا فهذا وفى الاسلام أول مسلم * * وأول من صلى وصام وهللا ومنه قول عبد الله بن أبي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب: وكان ولي الامر بعد محمد * * علي وفي كل المواطن صاحبه وصي رسول الله حقا وجاره * * وأول من صلى ومن لان جانبه وفي هذا الشعر أيضا دليل على اعتقاد هذا الرجل في أمير المؤمنين – عليه السلام – أنه كان الخليفة لرسول الله (ص) بلا فصل. ومنه قول النجاشي بن الحرث بن كعب: فقل للمضلل من وائل * * ومن جعل الغث يوما سمينا جعلت ابن هند وأشياعه * * نظير علي أما تستحونا إلى أول الناس بعد الرسول * * أجاب النبي من العالمينا


[ 270 ]

ومنه قول جرير بن عبد الله البجلي: فصلى الاله على أحمد * * رسول المليك تمام النعم وصلى على الطهر من بعده * * خليفتنا القائم المدعم عليا عنيت وصي النبي * * يجالد عنه غواة الامم له الفضل والسبق والمكرما * * ت وبيت النبوة لا المهتضم وفي هذا الشعر أيضا تصريح من قائله بإمامة أمير المؤمنين – عليه السلام – بعد الرسول وأنه كان الخليفة له دون من تقدم. ومنه قول عبد الله بن حكيم التميمي حيث يقول: دعانا الزبير إلى بيعة * * وطلحة من بعدما أثقلا فقلنا صفقنا بأيماننا * * فان شئتما فخذا الاشملا نكثتم عليا على بيعة * * وإسلامه فيكم أولا ومنه قول عبد الرحمان بن حنبل حليف بني جمح: لعمري لئن بايعتم ذا حفيظة * * على الدين معروف العفاف موفقا عفيفا على الفحشاء أبيض ماجدا * * صدوقا وللجبار قدما مصدقا أبا حسن فارضوا به وتبايعوا * * فليس كمن فيه لذي العيب منطقا علي وصي المصطفى ووزيره * * وأول من صلى لذي العرش واتقى ومنه قول أبي الاسود الدؤلي: وإن عليا لكم مفخر * * يشبه بالاسد الاسود أما إنه ثاني العابدين * * بمكة والله لم يعبد


[ 271 ]

ومنه قول زفر بن زيد بن حذيفة الاسدي: فحوطوا عليا واحفظوه فإنه * * وصي وفى الاسلام أول أول ومنه قول قيس بن سعد بن عبادة بصفين: هذا علي وابن عم المصطفى * * أول من أجابه ممن دعا هذا الامام لا نبالي من غوى ومنه قول هاشم بن عتبة بن أبي وقاص بصفين: أشلهم بذي الكعوب شلا * * مع ابن عم أحمد يجلي أول من صدقه وصلى فصل قال الشيخ أيده الله: فاما قول الناصبة إن إيمان أمير المؤمنين – عليه السلام – لم يقع على وجه المعرفة وإنما كان على وجه التقليد وبحفظ التلقين ومن كان بهذه المنزلة لم يستحق صاحبه المدحة ولم يجب له به الثواب، وادعاؤهم أن أمير المؤمنين – عليه السلام – كان في تلك الحال ابن سبع سنين ومن كانت هذه سنه لم يكن كامل العقل ولا مكلفا، فانه يقال لهم: إنكم قد جهلتم في ادعائكم أنه كان في وقت مبعث النبي (ص) ابن سبع سنين وقلتم قولا لا برهان عليه يخالف المشهور ويضاد المعروف.


[ 272 ]

وذلك أن جمهور الروايات جاءت بأنه – عليه السلام – قبض وله خمس وستون سنة، وجاء في بعضها أن سنه كانت عند وفاته ثلاثا وستين سنة، فاما ما سوى هاتين الروايتين فشاذ مطروح لا يعرف في صحيح النقل ولا يقبله أحد من أهل الرواية والعقل، وقد علمنا أن أمير المؤمنين – عليه السلام – صحب رسول الله (ص) ثلاثا وعشرين سنة منها ثلاث عشرة قبل الهجرة وعشر بعدها وعاش بعده ثلاثين سنة، وكانت وفاته في سنة أربعين من الهجرة، فإذا حكمنا في سنه على خمس وستين بما تواترت به الاخبار، كانت سنه عند مبعث النبي (ص) اثنتى عشرة سنة وإن حكمنا على ثلاث وستين كانت سنه عند المبعث عشر سنين، فكيف يخرج من هذا الحساب أن يكون سنه عند المبعث سبع سنين ؟ الهم إلا أن يقول قائل إن سنه كانت عند وفاته ستين سنة فيصح له ذلك إلا أنه يكون دافعا للمتواتر من الاخبار منكرا للمشهور من الاثار معتمدا على الشاذ من الروايات، ومن صار إلى ذلك كان الاولى بمناظرته البيان له عن وجه الكلام في الاخبار والتوقيف على طريق الفاسد من الصحيح فيها دون المجازفة في المقالة. وكيف يمكن عاقل سمع الاخبار أو نظر في شئ من الاثار أن يدعي أن أمير المؤمنين – عليه السلام – توفي وله ستون سنة، مع قوله – عليه السلام – الشايع عنه الذايع في الخاص والعام عندما بلغه من إرجاف أعدائه في التدبير والرأي: ” بلغني أن قوما يقولون أن علي بن أبي طالب شجاع لكن لا بصيرة له بالحرب لله أبوهم وهل فيهم أحد أبصر بها مني لقد قمت فيها وما بلغت العشرين وها أنا ذا قد ذرفت على الستين ولكن لا رأي لمن لا يطاع ” فخبر – عليه السلام – بانه قد ذرف على الستين في وقت عاش بعده دهرا طويلا وذلك في أيام صفين.


[ 273 ]

وهذا يكذب قول من زعم أنه صلوات الله عليه توفي وله ستون سنة، مع أن الروايات قد جاءت مستفيضة ظاهرة بأن سنه كانت عند وفاته بضعا وستين سنة، وفي مجيئها بذلك على الانتشار دليل على بطلان مقال من أنكر ذلك. فممن روى ما ذكرناه علي بن عمرو بن أبي سبرة عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال: سمعت محمد بن الحنفية يقول في سنة الجحاف حين دخلت سنة إحدى وثمانين: هذه لي خمس وستون سنة وقد جاوزت سن أبي، قلت: وكم كانت سنه يوم قتل ؟ قال: ثلاثا وستين سنة. ومنهم أبو القاسم نعيم قال: حدثنا لشريك عن أبي إسحاق، قال: توفي علي صلوات الله عليه وهو ابن ثلاث وستين سنة. ومنهم يحيى ابن أبي كثير عن سلمة، قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول، وقد سئل عن سن أمير المؤمنين صلوات الله عليه يوم قبض قال: كان قد نيف على الستين، ومنهم ابن عائشة من طريق أحمد بن زكريا، قال: سمعته يقول بعث رسول الله (ص) وعلي – عليه السلام – ابن عشر سنين وقتل علي وله ثلاث وستون سنة، ومنهم الوليد بن هشام الفحدمي من طريق أبي عبد الله الكواسحي، قال: أخبرنا الوليد باسانيد مختلفة: أن عليا – عليه السلام – قتل بالكوفة يوم الجمعة لتسع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة أربعين وهو إبن خمس وستين سنة. فأما من روى أن سنه كانت عند البعثة أكثر من عشر سنين فغير واحد منهم عبد الله بن مسعود من طريق عثمان بن المغيرة عن وهب عنه قال: إن أول شئ علمته من أمر رسول الله (ص) أننا قدمنا مكة فارشدونا إلى العباس بن عبد المطلب فانتهينا إليه وهو جالس إلى زمزم، فبينا نحن جلوس إذ أقبل رجل من باب الصفا عليه ثوبان أبيضان على يمينه غلام مراهق أو محتلم تتبعه امرأة قد


[ 274 ]

سترت محاسنها حتى قصدوا الحجر فاستلمه والغلام والمرأة معه، ثم طاف بالبيت سبعا والغلام والمرأة يطوفان معه، ثم استقبل الكعبة وقام فرفع يديه وكبر وقام الغلام على يمينه وكبر وقامت المرأة خلفهما فرفعت يديها وكبرت فأطال الرجل القنوت، ثم ركع فركع الغلام والمرأة معه، ثم رفع رأسه فاطال القنوت ثم سجد وهما يصنعان ما يصنع. فلما رأينا شيئا ننكره ولا نعرفه بمكة أقبلنا على العباس فقلنا: يا أبا الفضل إن هذا الدين ما كنا نعرفه فقال: أجل والله ما تعرفون هذا قلنا: ما تعرفه ؟ قال: هذا ابن أخي محمد بن عبد الله وهذا علي بن أبى طالب وهذه المرأة خديجة بنت خويلد والله ما على وجه الارض أحد يعبد الله بهذا الدين إلا هؤلاء الثلاثة. وروى قتادة عن الحسن وغيره قال: كان أول من آمن علي بن أبي طالب وهو ابن خمس عشرة سنة أو ست عشرة. وروى شداد بن أوس قال: سالت خباب بن الارت عن إسلام علي: فقال: أسلم وهو ابن خمس عشرة سنة ولقد رأيته يصلي مع النبي وهو يومئذ بالغ مستحكم البلوغ، وروى علي بن زيد عن أبي نضرة قال: أسلم علي وهو ابن أربع عشرة سنة وكان له يومئذ ذؤابة يختلف إلى الكتاب. وقد روى عبد الله بن زياد عن محمد بن علي قال: أول من امن بالله علي وهو ابن إحدى عشرة سنة. وروى الحسن بن زيد قال: أول من أسلم علي بن أبي طالب وهو ابن خمس عشرة سنة، وقد قال عبد الله بن أبي سفيان بن عبد المطلب: وصلى علي مخلصا بصلاته * * لخمس وعشر من سنين كوامل وخلى اناسا بعده يتبعونه * * له عمل أفضل به صنع عامل


[ 275 ]

وروى سلمة بن كهيل عن أبيه عن حية بن جوين قال: أسلم علي وكان له ذؤابة يختلف إلى الكتاب. على أنا لو سلمنا لخصومنا ما ادعوه من أنه – عليه السلام – كان له عند المبعث سبع سنين، لم يدل ذلك على صحة ما ذهبوا إليه من أن إيمانه كان على وجه التلقين دون المعرفة واليقين وذلك أن صغر السن لا ينافي كمال العقل، وليس دليل وجوب التكليف بلوغ الحلم فيراعى ذلك، هذا باتفاق أهل النظر والعقول وإنما يراعى بلوغ الحلم في الاحكام الشرعية دون العقلية. وقد قال الله سبحانه في قصة يحيى – عليه السلام -: * (وآتيناه الحكم صبيا) * (1) وقال في قصة عيسى – عليه السلام -: * (فاشارت إليه قالو كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله اتاني الكتاب وجعلني نبيا * وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلوة والزكوة ما دمت حيا) * (2) فلم ينف صغر هذين النبيين – عليهما السلام – كمال عقلهما والحكمة التي اتاهما الله تعالى، ولو كانت العقول تحيل ذلك لاحالته في كل أحد وعلى كل حال. وقد أجمع أهل التفسير إلا من شذ منهم في قوله تعالى: * (وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين * وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين) * (3) أنه كان طفلا صغيرا في المهد أنطقه الله تعالى حتى برأ يوسف – عليه السلام – من الفحشاء وأزال عنه التهمة. والناصبة إذا سمعت هذا الاحتجاج قالت: إن هذا الذي ذكرتموه فيمن


(1) – مريم / 12. (2) – مريم / 29 – 31. (3) – يوسف / 26 – 27 (*).

[ 276 ]

عددتموه كان معجزا بخرقه العادة ودلالة لنبي من أنبياء الله عزوجل، فلو كان أمير المؤمنين – عليه السلام – مشاركا لمن وصفتموه في خرق العادة لكان معجزا له – عليه السلام – أو للنبي (ص)، وليس يجرز أن يكون المعجز له، ولو كان للنبي (ص) لجعله في معجزاته واحتج به في جملة بيناته ولجعله المسلمون من اياته، فلما لم يجعله رسول الله (ص) لنفسه علما ولا عده المسلمون في معجزاته علمنا أنه لم يجز فيه الامر على ما ذكرتموه. فيقال لهم: ليس كل ما خرق الله به العادة وجب أن يكون علما ولا لزم أن يكون معجزا ولا شاع علمه في العام ولاعرف من جهة الاضطرار وإنما المعجز العلم هو خرق العادة عند دعوة داع أو براءة مقذوف وتجري براءته مجرى التصديق له في مقاله بل هي تصديق في المعنى وإن لم يكن تصديقا بنفس اللفظ والقول. وكلام عيسى – عليه السلام – إنما كان معجزا لتصديقه له في قوله: * (إني عبد الله اتاني الكتاب وجعلني نبيا) * مع كونه خرقا للعادة وشاهدا لبراءة امه من الفاحشة ولصدقها فيما اذعته من الطهارة وكانت حكمة يحيى – عليه السلام – في حال صغره تصديقا له في دعوته في الحال ولدعوة أبيه زكريا – عليه السلام – فصارت مع كونها خرقا للعادة دليلا ومعجزا وكلام الطفل في براءة يوسف – عليه السلام – إنما كان معجزا بخرق العادة لشهادته ليوسف – عليه السلام – بالصدق في براءة ساحته ويوسف – عليه السلام – نبي مرسل. فثبت أن الامر على ما ذكرناه، ولم يك كمال عقل أمير المؤمنين – عليه السلام – شاهدا في شئ مما ادعاه ولا استشهد هو – عليه السلام – به فيكون مع كونه خرقا للعادة معجزا، ولو استشهد – عليه السلام – به أو شهد على حد ما شهد الطفل ليوسف – عليه السلام – وكلام عيسى – عليه السلام – له ولامه وكلام يحيى – عليه السلام – لابيه بما يكون في


[ 277 ]

المستقبل والحال، لكان لخصومنا وجه في المطالبة بذكر ذلك في المعجزات ولكن لا وجه له على ما بيناه. على أن كمال عقل أمير المؤمنين – عليه السلام – لم يكن ظاهرا للحواس ولا معلوما بالاضطرار فيجري مجرى كلام المسيح – عليه السلام – وحكمة يحيى – عليه السلام – وكلام شاهد يوسف – عليه السلام -، فيمكن الاعتماد عليه في المعجزات وإنما كان طريق العلم به قول رسول الله (ص) أو الاستدلال الشاق بالنظر الثاقب والسبر بحاله – عليه السلام – على مرور الاوقات لسماع كلامه والتامل لاستدلالاته والنظر إلى ما يؤدي إلى معرفته وفطنته. ثم لا يحصل ذلك إلا لخاص من الناس، ومن عرف وجه الاستنباطات، وما جرى هذا المجرى فارق حكمه حكم ما سلف للانبياء من المعجزات وما كان لنبينا (ص) من الاعلام، إذ تلك بظواهرها تقدح في القلوب أسباب اليقين ويشترك الجميع في علم الحال الظاهرة منها المنبئة عن خرق العادات، دون أن تكون مقصورة على ما ذكرناه من البحث الطويل والاستبراء للاحوال على مرور الاوقات والرجوع فيه إلى نفس قول الرسول (ص) الذي يحتاج في العلم به إلى النظر في معجز غيره والاعتماد على ما سواه من البينات، فلا ينكر أن يكون الرسول (ص) إنما عدل عن ذكر ذلك واحتجاجه به في جملة آياته لما وصفناه. وشئ اخر وهو أنه لا ينكر أن يكون الله عزوجل علم من مصلحة خلقه الكف من الرسول (ص) عن الاحتجاج بذلك والدعاء إلى النظر فيه وأن اعتماده على ما ظاهره خرق العادة أولى في مصلحة الدين. وشئ اخر وهو أن رسول الله (ص) وإن لم يحتج به على التفصيل واليقين فقد فعل ما يقوم مقام الاحتجاج به على البصيرة واليقين، فابتدأ عليا – عليه السلام – بالدعوة


[ 278 ]

قبل الذكور كلهم ممن ظاهره البلوغ وافتتح بدعوته أداء رسالته واعتمد عليه في إيداعه سره وأودعة ما كان خائفا من ظهوره عنه. فدل باختصاصه بذلك على ما يقوم مقام قوله – عليه السلام – إنه معجز له وإن بلوغ عقله علم على صدقه، ثم جعل ذلك من مفاخره وجليل مناقبه وعظيم فضائله ونوه بذكره وشهره بين أصحابه واحتج له به في اختصاصه، وكذلك فعل أمير المؤمنين – عليه السلام – في ادعائه له فاحتج به على خصومه وتمدح به بين أوليائه وأعدائه وفخر به على جميع أهل زمانه، وذلك هو معنى النطق بالشهادة بالمعجز له بل هو الحجة في كونه نائبا في القول بما خصه الله تعالى منه ونفس الاحتجاج بعلمه ودليل الله وبرهانه، وهذا يسقط ما اعتمدوه. ومما يدل على أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان عند بعثة النبي بالغا مكلفا وأن إيمانه به كان بالمعرفة والاستدلال وأنه وقع على أفضل الوجوه واكدها في استحقاق عظيم الثواب، أن رسول الله (ص) مدحه به وجعله من فضائله وذكره في مناقبه ولم يك بالذي يفضل بما ليس بفضل ويجعل في المناقب ما لا يدخل في جملتها ويمدح على ما لا يستحق عليه الثواب. فلما مدح رسول الله (ص) بين أمير المؤمنين – عليه السلام – بتقدم الايمان فيما ذكرناه انفا من قوله (ص) لفاطمة – عليها السلام -: ” أما ترضين أني زوجتك أقدمهم سلما ” وقوله (ص) في رواية سلمان رضي الله عنه: ” أول هذه الامة ورودا على نبيها الحوض أولها إسلاما علي بن ابي طالب ” وقوله: ” لقد صلت الملائكة علي وعلى علي سبع سنين وذلك أنه لم يكن أحد من الرجال يصلي غيري وغيره “، وإذا كان الامر على ما وصفناه، فقد ثبت أن إيمانه – عليه السلام – وقع بالمعرفة واليقين دون التقليد والتلقين، لاسيما وقد سماه رسول الله (ص) إيمانا وإسلاما. وما يقع من الصبيان على وجه التلقين


[ 279 ]

لا يسمى على الاطلاق الديني إيمانا وإسلاما. ويدل على ذلك أن أمير المؤمنين – عليه السلام – قد تمدح به وجعله من مفاخره واحتج به على اعدائه وكرره في غير مقام من مقاماته حيث يقول: ” اللهم إني لا أعرف عبدا لك من هذه الامة عبدك قبلي “، وقوله – عليه السلام -: ” أنا الصديق الاكبر آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر وأسلمت قبل أن يسلم ” وقوله – عليه السلام – لعثمان: ” أنا خير منك ومنهما عبدت الله قبلهما وعبدت الله بعدهما ” وقوله – عليه السلام -: ” أنا أول ذكر صلى ” وقوله – عليه السلام -: ” على من أكذب أعلى الله وأنا أول من آمن به وعبده “. فلو كان إيمانه على ما ذهبت إليه الناصبة من جهة التلقين ولم يكن له معرفة ولا علم بالتوحيد لما جاز منه – عليه السلام – أن يتمدح بذلك، ولا أن يسميه عبادة، ولا أن يفتخر به على القوم، ولا أن يجعله تفضيلا له على أبي بكر وعمر ولو أنه فعل من ذلك ما لا يجوز لرده عليه مخالفوه واعرضه فيه مضادوه وحاجه في بطلانه مخاصموه، وفي عدول القوم عن الاعزاض عليه وتسليم الجماعة له ذلك دليل على ما ذكرناه وبرهان على فساد قول الناصبة الذي حكيناه. وليس يمكن أن يدفع ما رويناه في هذا الباب من الاخبار لشهرتها وإجماع الفريقين من الناصبة والشيعة على روايتها، ومن تعرض للطعن فيها مع ما شرحناه لم يمكنه الاعتماد على تصحيح خبر وقع في تأويله الاختلاف، وفي ذلك إبطال جمهور الاخبار وإفساد عامة الاثار وهب أن من لا يعرف الحديث ولا خالط حملة العلم يقدم على إنكار بعض ما رويناه أو يعاند فيه بعض العارفين به ويغتنم الفرصة بكونه خاصا في أهل العلم، كيف يمكن دفع شعر أمير المؤمنين – عليه السلام – في ذلك وقد شاع من شهرته على حد يرتفع فيه الخلاف وانتشر حتى صار مذكورا مسموعا من العامة فضلا


[ 280 ]

عن الخواص في قوله – عليه السلام -: محمد النبي أخي وصنوي * * وحمزة سيد الشهداء عمي وجعفر الذي أضحى وأمسى * * يطير مع الملائكة ابن امي وبنت محمد سكني وعرسي * * منوط لحمها بدمي ولحمي وسبطا أحمد ولداي منها * * فايكم له سهم كسهمي سبقتكم إلى الاسلام طرا * * على ماكان من فهمي وعلمي وأوجب لي الولاء ساعليكم * * رسول الله يوم غدير خم فويل ثم ويل ثم ويل * * لمن يلقى الاله غدا بظلمي وفي هذا الشعر كفاية في البيان عن تقدم إيمانه – عليه السلام – وأنه وقع مع المعرفة بالحجة والبيان، وفيه أيضا أنه كان الامام بعد الرسول (ص) بدليل المقال الظاهر في يوم الغدير الموجب للاستخلاف. ومما يؤيد ما ذكرناه ما رواه عبد الله بن الاسود الكندي عن محمد بن عبد الله ابن أبي رافع عن أبيه عن جده أن رسول الله (ص) صلى يوم الاثنين وصلت خديجة رضوان الله عليها معه ودعا عليا – عليه السلام – إلى الصلاة معه يوم الثلاثاء، فقال له: أنظرني حتى ألقى أبا طالب، فقال له النبي (ص): إنها أمانة، فقال علي – عليه السلام -: فإن كانت أمانة فقد أسلمت لك، فصلى معه وهو ثاني يوم المبعث. وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس مثله، وقال في حديثه: إن هذا دين يخالف دين أبي حتى أنظر فيه واشاور أبا طالب. فقال له النبي (ص): انظر واكتم، قال: فمكث هنيأة ثم قال: بل اجيبك واصدق بك، فصدقه وصلى معه. وروى هذا المعنى بعينه وهذا المقال من أمير المؤمنين – عليه السلام – على اختلاف


[ 281 ]

في اللفظ واتفاق في المعنى، جماعة كثيرة من حملة الاثار. وهو يدل على أن أمير المؤمنين – عليه السلام – كان مكلفا عارفا في تلك الحال بتوقفه واستدلاله وتميزه بين مشورة ابيه وبين الاقدام على القبول والطاعة للرسول (ص) من غير فكرة ولا تأمل، ثم خوفه إن ألقى ذلك إلى أبيه أن يمنعه منه مع أنه حق فيكون قد صد عن الحق فعدل عن ذلك إلى القبول وعلم من النبي (ص) مع أمانته وما كان يعرفه من صدقه في مقاله وما سمعه من القرآن الذي نزل عليه وأراه الله من برهانه أنه رسول محق فآمن به وصدقه، وهذا بعد أن ميز بين الامانة وغيرها وعرف حقها وكره أن يفشي سر رسول الله (ص) وقد ائتمنه عليه وهذا لا يقع اتفاقا من صبي لا عقل له ولا يحصل ممن لا تمييز معه. ويؤيد أيضا ما ذكرناه أن النبي (ص) بدأ به في الدعوة قبل الذكور كلهم وإنما أرسله الله تعالى إلى المكلفين، فلو لم يعلم أنه – عليه السلام – عاقل مكلف لما افتتح به أداء رسالته وقدمه في الدعوة على جميع من بعث إليه لانه لو كان الامر على ما ادعته الناصبة لكان قد عدل عن الاولى وتشاغل بما لم يكلفه عن أداء ما كلفه ووضع فعله في غير موضعه ورسول الله (ص) عن ذلك. وشئ اخر وهو أنه دعا عليا – عليه السلام – في حال كان مستترا فيها بدينه كاتما لامره خائفا إن شاع من عدوه، فلا يخلو أن يكون قد كان واثقا من أمير المؤمنين – عليه السلام – بكتم سره وحفظ وصيته وامتثال أمره وحمله من الدين ما حمله، أو لم يكن واثقا بذلك، فان كان واثقا فلم يثق به – عليه السلام – إلا وهو في نهاية كمال العقل وعلى غاية الامانة وصلاح السريرة والعصمة والحكمة وحسن التدبير لان الثقة بما وصفناه دليل على جميع ما شرحناه على الحال التي قدمنا شرحها، وإن كان غير واثق من أمير المؤمنين – عليه السلام – بحفظ سر وغير امن من تضييعه وإذاعة أمره


[ 282 ]

فوضعه عنده من أعظم الجهل والتفريط وضد الحزم والحكمة والتدبير حاشا الرسول (ص) من ذلك ومن كل صفة نقص، وقد أعلى الله تعالى عزوجل رتبته وأكذب مقال من ادعى ذلك فيه. وإذا كان الامر على ما بيناه فما نرى الناصبة قصدت الطعن في إيمان أمير المؤمنين – عليه السلام – إلا عيب الرسول (ص) والذم لافعاله ووصفه بالعبث والتفريط ووضع الاشياء غير مواضعها والازراء عليه في تدبيراته، وما أراد مشايخ القوم ومن ألقي هذا المذهب إليهم إلا ما ذكرناه والله متم نوره ولو كره الكافرون. فصل وسمعت الشيخ أدام الله عزه يقول: مما يدل على إيمان أبي طالب رضي الله عنه إخلاصه في الود لرسول الله (ص) والنصرة له بقلبه ويده ولسانه وأمره ولديه عليا – عليه السلام – وجعفرا رضي الله عنه باتباعه، وقول رسول الله (ص) فيه عند وفاته: ” وصلتك رحم وجزيت خيرا يا عم ” فدعا له، وليس يجوز أن يدعو رسولي الله (ص) بعد الموت لكافر ولا أن يسأل الله خيرا، ثم أمره عليا – عليه السلام – خاصة من بين أولاده الحاضرين بتغسيله وتكفينه وتوريته دون عقيل ابنه وقد كان حاضرا ودون طالب أيضا، ولم يكن من أولاده من قد آمن في تلك الحال إلا أمير المؤمنين – عليه السلام – وجعفر وكان جعفر غائبا في بلاد الحبشة فلم يحضر من أولاده مؤمن إلا أمير المؤمنين – عليه السلام – فأمره أن يتولى أمره دون من لم يكن على الايمان، ولو كان رحمة الله عليه كافرا لما أمر ابنه المؤمن بتولية أمره ولكان الكافر أحق به. مع أن الخبر قد ورد على الاستفاضة بان جبرئيل – عليه السلام – نزل على رسول الله (ص) عند موت أبي طالب رضوان الله عليه فقال له: ” يا محمد إن ربك يقرئك


[ 283 ]

السلام ويقول لك اخرج من مكة فقد مات ناصرك ” وهذا يبرهن على إيمانه لتحققه بنصرة الرسول (ص) وتقوية أمره. ويدل على ذلك قوله رضوان الله عليه لعلي – عليه السلام – حين رآه يصلي مع رسول الله (ص): ” ما هذا يا بني “، فقال: ” دين دعاني إليه ابن عمي ” فقال له: ” اتبعه فإنه لا يدعوك إلا إلى خير ” فاعرف بصدق رسول الله (ص) وذلك حقيقة الايمان، وقوله رحمة الله عليه وقد مر على أمير المؤمنين – عليه السلام – وهو يصلي عن يمين رسول الله ومعه جعفر ابنه فقال: ” يا بني صل جناح ابن عمك ” فصلى جعفر معه وتأخر أمير المؤمنين – عليه السلام – حتى صار هو وجعفر خلف رسول الله (ص) فجاءت الرواية بأنها أول صلاة جماعة صليت في الاسلام، ثم أنشا أبو طالب يقول: إن عليا وجعفرا ثقتي * * عند ملم الزمان والكرب والله لا أخذل النبي ولا * * يخذله من بني ذو حسب لا تخذلا وانصرا ابن عمكما * * أخي لامي من بينهم وأبي فاعترف بنبوة النبي (ص) اعترافا صريحا في قوله: ” والله لا أخذل النبي ” ولا فصل بين أن يصف رسول الله (ص) بالنبوة في نظمه وبين أن يقر بذلك في نثر كلامه ويشهد عليه من حضره. ومما يدل على ذلك أيضا قوله في قصيدته اللامية: ألم تعلموا أن ابننا لا مكذب * * لدينا ولا يعني بقول الا باطل وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * * ثمال اليتامى عصمة للارامل


[ 284 ]

فشهد بتصديق رسول الله (ص) شهادة ظاهرة لا تحتمل تأويلا ونفى عنه الكذب على كل وجه، وهذا هو حقيقة الايمان ومنه قوله: ألم تعلموا أن النبي محمدا * * رسول أمين خط في سالف الكتب وهذا إيمان لا شبهة فيه لشهادته له في الايمان برسول الله (ص) وقد روى أصحاب السير أن أبا طالب رضوان الله عليه لما حضرته الوفاة اجتمع إليه أهله فأنشأ يقول: أوصي بنصر النبي الخير مشهده * * عليا ابني وشيخ القوم عباسا وحمزة الاسد الحامي حقيقته * * وجعفرا أن يذودوا دونه الناسا كونوا فداء لكم امي وما ولدت * * في نصر أحمد دون الناس أتراسا فاقر للنبي (ص) بالنبوة عند احتضاره، واعترف له بالرسالة قبل مماته، وهذا أمر يزيل الريب في إيمانه بالله عزوجل وبرسوله (ص) وبتصديقه له وإسلامه. ومنه قوله المشهور عنه بين أهل المعرفة، وأنت إذا التمسته وجدته في غير موضع من المصنفات، وقد ذكره الحسين بن بشر الامدي في كتاب ملح القبائل: أترجون أن نسخي بقتل محمد * * ولم تختضب سمر العوالي من الدم كذبتبم وبيت الله حتى تفرقوا * * جماجم تلقى بالحطيم وزمزم وتقطع أرحام وتسبى حليلة * * حليلا ويغشى محرم بعد محرم وينهض قويم في الحديد إليكم * * يذودون عن أحسابهم كل مجرم على ما أتى من بغيكم وضلالكم * * وغشيانكم في أمرنا كل ماثم بظلم نبي جاء يدعو إلى الهدى * * وأمرأتي من عند ذى العرش مبرم فلا تحسبونا مسلميه ومثله * * إذا كان في قوم فليس بمسلم


[ 285 ]

فهذى معاذير و تقدمة لكم * * لئلا يكون الحرب قبل التقدم وهذا أيضا صريح في الاقرار بنبوة رسول الله (ص) كالذي قبله على ما بيناه، وقد قال في قصيدته اللامية ما يدل على ما وصفناه في إخلاصه في النصرة حيث يقول: كذبتم وبيت الله نسلم أحمدا * * ولما نطا عن دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرع دونه * * ونذهل عن ابنائنا والحلائل فان تعلقوا بما يؤثر عنه من قوله لرسول الله (ص): والله لا وصلوا إليك بجمعهم * * حتى أغيب في ال تراب دفينا فامض ابن أخ فما عليك غضاضة * * وابشر بذاك وقر منك عيونا ودعوتني وزعمت أنك ناصح * * ولقد صدقت وكنت ثم أمينا لولا المخافة أن تكون معرة * * لوجدتني سمحا بذاك مبينا فقالوا: هذا الشعر يتضمن أنه لم يؤمن برسول الله (ص) ولم يسمح له بالاسلام والاتباع خوف المعرة والتسفيه فكيف يكون مؤمنا مع ذلك ؟ فإنه يقال لهم: إن أبا طالب رحمه الله لم يمتنع من الايمان برسول الله (ص) في الباطن والاقرار بحقه من طريق الديانة، وإنما امتنع من إظهار ذلك لئلا تسفهه قريش وتذهب رئاسته ويخرج منها من كان متبعا له عن طاعته وتنخرق هيبته عندهم فلا يسمع له قول ولا يمتثل له أمر، فيحول ذلك بينه وبين مراده من نصرة رسول الله (ص) ولا يتمكن من غرضه في الذب عنه فاستتر الايمان وأظهر منه ما كان يمكنه إظهاره على وجه الاستصلاح ليصل بذلك إلى بناء الاسلام وقوام الدعوة


[ 286 ]

واستقامة أمر رسول الله (ص) وكان في ذلك كمؤمني أهل الكهف الذين أبطنوا الايمان وأظهروا ضده للتقية والاستصلاح فأتاهم الله أجرهم مرتين، والدليل على ما ذكرناه في أمر أبي طالب رحمه الله قوله في هذا الشعر بعينه: ودعوتني وزعمت أنك ناصح ولقد صدقت وكنت ثم أمينا فشهد بصدقه واعترف بنبوته وأقر بنصحه وهذا محض الايمان على ما قدمناه. فصل وسمعت الشيخ أدام الله عزه يقول: ومما يشهد بان ال محمد صلوات الله عليهم أحق بمقام النبي (ص) ممن عداهم من سائر الناس في النظم الذي قد ضمن أوفى الاحتجاج، قول الكميت بن زيد الاسدي رحمه الله: يقولون لم يورث ولولا تراثه * * لقد شركت فيه بكيل وأرحب وعك ولخم والسكون وحمير * * وكندة والحيان بكر وتغلب ولا انتشلت عضوين منها يحابر * * وكان لعبد القيس عضو مورب ولا انتقلت من خندف في سواهم * * ولا اقتدحت قيس بها ثم أثقبوا ولا كانت الانصار فيها أذلة * * ولا غيبا عنها إذ الناس غيب هم شهدوا بدرا وخيبر بعدها * * ويوم حنين والدماء تصبب وهم رئموها غير ظئر وأشبلوا * * عليها باطراف القنا وتحدبوا فان هي لم تصلح لحي سواهم * * فان ذوى القربى أحق وأوجب


[ 287 ]

وقد كان الجاحظ قال في بعض كتبه بجهله وتعصبه على الشيعة وعناده: إنه لولا الكميت وما احتج به في هذا القول لم تعرف الشيعة وجه الحجة في تقديم آل محمد – عليهم السلام -، وهذا ينضاف إلى حماقاته في الديانة واختياراته الملائمة لسخف عقله، وكيف يجوز أن يذهب مثل هذا على الشيعة وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب – عليه السلام – إمام الشيعة قد احتج به على معاوية في جواب كتابه إليه الذي يقول فيه: ” لكل الخلفاء حسدت وعلى كلهم بغيت تقاد إلى بيعتهم وأنت كاره كما يقاد الجمل المخشوش ” فاجابه أمير المؤمنين – عليه السلام – عن هذا الفصل بان قال له. ” حاشا لله أن يكون الحسد من خلقي والبغي من شيمتي بل ذلك من خلقك وخلق أبيك وأهل بيتك وشيمتهم إذ حسدتم رسول الله (ص) على ما اتاه الله من فضله، فنصبتم له الحرب وكنتم أصحاب رايات أعدائه في كل موطن وبغيتم عليه حتى أظفره الله بكم ” في كلام يتصل بهذا. ثم قال – عليه السلام -: ” أما كراهتي لامر القوم فاني لست أتبرأ منه ولا أنكره وذلك أن رسول الله (ص) قبضه الله إليه ونحن أهل بيته أحق الناس به فقلنا لا يعدل الناس عنا ولا يبخسونا حقنا، فما راعنا إلا والانصار قد صارت إلى سقيفة بني ساعدة يطلبون هذا الامر فصار أبو بكر إليهم وعمر فيمن تبعهما، فاحتج أبو بكر عليهم بان قريشا أولى بمقام رسول الله (ص) منهم لان رسول الله (ص) كل من قريش وتوصل بذلك إلى الامر دون الانصار، فان كانت الحجة لابي بكر بقريش فنحن أحق الناس برسول الله ممن تقدمنا لاننا أقرب من قريش كلها إليه وأخصهم به، وإن لم يكن لنا حق مع القرابة فالانصار على دعواهم ” في كلام يتلو هذا لا حاجة بنا إلى إيراده في هذا المكان.


[ 288 ]

وإنما نظم الكميت معنى كلام أمير المؤمنين – عليه السلام – في منثور كلامه في الحجة على معاوية فلم يزل ال محمد – عليهم السلام – بعد أمير المؤمنين – عليه السلام – يحتجون بذلك ومتكلموا الشيعة قبل الكميت وفي زمانه وبعده وذلك موجود في الاخبار المأثورة والروايات المشهورة. ومن بلغ إلى الحد الذي بلغه الجاحظ في البهت سقط كلامه ولم يجد فرقا بينه وبين من قال: إن أول من فتح باب الحجة للمعتزلة في مذاهبها بشر بن المعتمر في شعره وأنهم كانوا قبل ذلك مقلدة ومن تعاطى منهم الكلام كان سخيف الحجة ضعيف الشبهة حتى اتفق لهم بشر وبنى الناس على شعره. فان قالوا: هذا بهت لان كتب القوم موجودة قبل بشر تتضمن الحجج والبراهين. قيل لهم: وما أتى به جاحظكم بهت وعناد لان اصول الشيعة ورواياتهم وكتب السيرة والمصنفات في الاثر قبل الكميت موجودة فيها احتجاج ال محمد – عليهم السلام – بالقرابة واعتمادهم في اللصوق بالرسول (ص) والاختصاص به في النسب، ومن نظر في كتب السقيفة وقول شيعة الصحابة، عرف ذلك وأغناه عن غيره. مع أن من زعم أن احتجاج العلوية والشيعة بالقرابة شئ محدث، لم يكن في منزلة من يناظر لانه يدفع الاضطرار إذ الجماعة كلها مطبقة على ذلك وقد صار سبقها إليه من جهة العادة كالطبع الذي لا يتوهم من صاحبه خلاف موجبه لاتفاقها بلسان واحد على التعلق به والاعتماد عليه.


[ 289 ]

وسمعت الشيخ أيده الله تعالى يقول: ومما يشهد لامامة أمير المؤمنين – عليه السلام – ويؤيد القول بصحة وجود السلف للشيعة في الصدر الاول من النظم المتفق على نقله أيضا قول أمير المؤمنين – عليه السلام – بصفين وهو يرتجز للمبارزة: أنا علي صاحب الصمصامة * * وصاحب الحوض لدى القيامة أخو نبي الله ذى العلامة * * قد قال إذ عممني العمامة أنت أخي ومعدن الكرامة * * ومن له من بعدي الامامة وهذا مع ما فيه من الدلالة على ما قدمناه دليل على أن أمير المؤمنين – عليه السلام – قد ذكر النص واحتج به، وفيه إبطال قول الناصبة إنه لم يذكره في مقام من مقاماته. قال الشيخ أيده الله: ومما جاء في هذا المعنى ما قد تقدم ذكره في الاشعار السابقة في تقدم إيمانه – عليه السلام -، وأنا أذكر المواضع منها دون جملتها وإن كنت قد شرحت ذلك فيما مضى وتكراره هنا للتأكيد والبيان. فمنه قول عبد الله بن أبي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب: وكان ولي الامر بعد محمد * * علي وفي كل المواطن صاحبه فشهد بان أمير المؤمنين – عليه السلام – كان خليفة رسول الله (ص) دون من تقدم عليه، بشهادته أنه كان ولي الامر من بعده.


[ 290 ]

ومنه قول جرير بن عبد الله: فصلى الاله على أحمد * * رسول المليك تمام النعم وصلى على الطهر من بعده * * خليفته القائم المدعم عليا عنيت وصي النبي * * يجالد عنه غواة الامم وهذا قطع على إمامة أمير المؤمنين – عليه السلام – لا ريب فيه على عاقل في قصد قائله وغرضه والابانة عن معتقده في أنه الخليفة للرسول (ص) بلا فصل والامام من بعده، فاما الاشعار بانه الوصي دون الجماعة والاطباق من الكافة على ذلك، يغنى عن تفصيله بتسمية الرجال وفي ثبوته دليل على القول بامامته – عليه السلام – إذ كان وصي النبي (ص) في أهله وتركاته هو الخليفة له لاستحالة أن يكون إمامان في زمان واحد وخليفتان للنبي (ص) على امته في وقت واحد. فصل قال الشيخ أيده الله: ومما يشهد لقول الشيعة في معنى المولى وأن النبي (ص) أراد به يوم الغدير الامامة، قول حسان بن ثابت على ما جاء به الاثر أن رسول الله (ص) لما نصب عليا – عليه السلام – يوم الغدير للناس علما وقال فيه ما قال، استاذنه حسان بن ثابت في أن يقول شعرا في ذلك المقام فاذن له فانشا يقول: يناديهم يوم الغدير نبيهم * * بخم وأسمع بالنبي مناديا يقول فمن موليكم ووليكم * * فقالوا ولم يبدوا هناك التعاديا إلهك مولانا وأنت ولينا * * ولن تجدن منالك اليوم عاصيا فقال له قم يا علي فانني * * رضيتك من بعدي إماما وهاديا


[ 291 ]

فمن كنت مولاه فهذا وليه * * فكونوا له أنصار صدق مواليا هناك دعا اللهم وال وليه * * وكن للذي عادى عليا معاديا فلما فرغ من هذا القول قال له النبي (ص): ” لا تزال يا حسان مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك ” فلولا أن النبي (ص) أراد بالمولى الامامة لما أثنى على حسان باخباره بذلك ولانكره عليه ورده عنه. ومنه قول قيس بن سعد بن عبادة رحمه الله وهو متوجه إلى صفين قصيدته اللامية التي أولها: قلت لما بغى العدو علينا * * حسبنا ربنا ونعم الوكيل حسبنا ربنا الذي فتح البص‍ * * رة بالامس والحديث طويل إلى قوله: وعلي إمامنا وإمام * * لسوانا أتى به التنزيل يوم قال النبي من كنت مو * * لاه فهذا مولاه خطب جليل إنما قاله النبي على الام‍ * * ة حتما ما فيه قال وقيل وهذه الاشعار مع تضمنها الاعتراف بامامة أمير المؤمنين – عليه السلام – فهي دلائل على ثبوت سلف الشيعة وإبطال عناد المعتزلة في إنكارهم ذلك.


[ 292 ]

فصل قال الشيخ أيده الله: ومما يشهد بشجاعة أمير المؤمنين – عليه السلام – وعظم بلائه في الجهاد ونكايته في الاعداء من النظم الذي يشهد بصحة النثر في النقل، قول أسيد بن أبي أياس بن زنيم بن محمد بن عبد العزى يحرض مشركي قريش على أمير المؤمنين – عليه السلام -: في كل مجمع غاية أخزاكم * * جذع أبر على المذاكى القرح لله دركم ألما تنكروا * * قد ينكر الحر الكريم ويستحي هذا ابن فاطمة الذي أفناكم * * ذبحا ويمسي سالما لم يذبح أعطوه خرجا واتقوا بضريبة * * فعل الذليل وبيعة لم تربح ابن الكهول وابن كل دعامة * * في المعضلات وابن زين الابطح أفناهم قعصا وضربا يفتري * * بالسيف يعمل حده لم يصفح ومما يشهد لذلك قول اخت عمرو بن ود العامري وقد رأته قتيلا فقالت: من قتله ؟ فقيل لها: على بن أبي طالب فقالت: كفو كريم ثم أنشات تقول: لو كان تاتل عمرر غير قاتله * * لكنت أبكي عليه اخر الابد لكن قاتله من لايعاب به * * من كان يدعى قديما بيضة البلد أفلا ترى إلى قريش كيف تحرض عليه بذكر من قتله وكثرتهم وفناء رؤسائهم بسيفه وقتله لشجعانهم وأبطالهم ثم لا يجسر أحد من القوم أن ينكر ذلك ولا ينفع في جماعتهم التحريض لعجزهم عنه – عليه السلام -، أو لا ترى أنه


[ 293 ]

– عليه السلام – قد بلغ من فضله في الشجاعة أنها قد صارت تفخر بقتله من قتل منها وتنفي العار عنه باضافته إليه، وهذا لا يكون إلا وقد سلم الجميع له واصطلحوا على إظهار العجز عنه. وقد روى أهل السير أن أمير المؤمنين – عليه السلام – لما قتل عمرو بن عبد ود، نعي إلى اخته فقالت: لم يعد يومه على يد كفو كريم لارقات دمعتي إن هرقتها عليه قتل الابطال وبارز الاقران وكانت منيته على يد كفو كريم ما سمعت بافخر من هذا يا بني عامر ثم أنشات تقول: أسدان في ضيق المكر تصاولا * * وكلاهما كفو كريم باسل فتخالسا مهج النفوس كلاهما * * وسط المدار مخاتل ومقاتل وكلاهما حفر القراع حفيظة * * لم يثنه عن ذاك شغل شاغل فاذهب علي فما ظفرت بمثله * * قول سديد ليس فيه تحامل فالثار عندي يا علي فليتني * * أدركته والعقل مني كامل ذلت قريش بعد مقتل فارس * * فالذل مهلكها وخزي شامل ثم قالت: والله لا ثارت قريش باخي ما حنت النيب. وقد كان حسان بن ثابت افتخر للاسلام بقتل عمر بن عبد ود فقال في ذلك أقوالا كثيرة منها: أمسى الفتى عمرو بن عبد يبتغى * * بجنوب يثرب غاة لم تنظر فلقد وجدت سيوفنا مشهورة * * ولقد رأيت جيادنا لم تقصر ولقد لقيت غداة بدر عصبة * * ضربوك ضربا غير ضرب الحسر أصبحت لا تدعى ليوم عظيمة * * يا عمرو أو لجسيم أمر منكر


[ 294 ]

فلما بلغ شعره بني عامر قال فتى منهم يرد قوله في ذلك: كذبتم وبيت الله لم تقتلوننا * * ولكن بسيف الهاشميين فافخروا بسيف ابن عبد الله أحمد في الوغى * * بكف علي نلتم ذاك فاقصروا فلم تقتلوا عمر بن ود ولا ابنه * * ولكنه الكفو الهزبر الغضنفر علي الذي في الفخر طال بناؤه * * فلا تكثروا الدعوى علينا فتفخروا ببدر خرجتم للبراز فردكم * * شيوخ قريش جهرة وتاخروا فلما أتاهم حمزة وعبيدة * * وجاء علي بالمهند يخطر فقالوا نعم أكفاء صدق وأقبلوا * * إليهم سراعا إذ بغوا وتجبروا فجال علي جولة هاشمية * * فدمرهم لما عتوا وتكبروا فليس لكم فخر علينا بغيرنا * * وليس لكم فخريعد ويذكر وقد جاء الاثر من طرق شتى باسانيد مختلفة عن زيد بن وهب قال: سمعت عليا – عليه السلام – يقول وقد ذكر حديث بدر فقال: قتلنا من المشركين سبعين وأسرنا سبعين، وكان الذي أسر العباس رجل قصير من الانصار فادركته فالقى العباس قي عمامته لئلا ياخذها الانصاري وأحب أن أكون أنا الذي أسرته. وجيئ به إلى رسول الله (ص) فقال الانصاري: يا رسول الله قد جئتك بعمك العباس أسيرا. فقال العباس: كذبت ما أسرني إلا ابن أخي علي بن أبي طالب. فقال له الانصاري: يا هذا أنا أسرتك. فقال: والله يا رسول الله ما اسرني إلا إبن أخي علي بن أبي طالب ولكاني بجلحته في النقع تبين لي فقال رسول الله (ص): صدق عمي ذاك ملك كريم، فقال العباس: لقد عرفته بجلحته وحسن وجهه،


[ 295 ]

فقال له: إن الملائكة الذين أيدني الله بهم على صورة علي بن أبي طالب ليكون ذلك أهيب لهم في صدور الاعداء، قال: فهذه عمامتي على رأس علي فمره فليردها علي فقال: ويحك إن يعلم الله فيك خيرا يعوضك أحسن العوض. أفلا ترون أن هذا الحديث يؤيد ما تقدم ويؤكد القول بان أمير المؤمنين كان أشجع البرية وأنه بلغ من باسه وخوف الاعداء منه – عليه السلام – أن جعل الله الملائكة على صورته ليكون ذلك أرعب لقلوبهم وإن هذا المعنى لم يحصل لبشر من قبله ولا بعده. ويؤيد ما رويناه ما جاء من الاثر عن أبى جعفر محمد بن علي – عليه السلام – في حديث بدر، قال: لقد كان يسال الجريح من المشركين فيقال له من جرحك ؟ فيقول: علي بن أبي طالب فإذا قالها مات. وفي بلاء أمير المؤمنين – عليه السلام – يوم بدر يقول أبو هاشم السيد إسماعيل بن محمد الحميري رحمه الله: من كعلي الذي تبارزه الا * * قران إذ بالسيوف تصطلم إذا لوغى نارها مسعرة * * تحرق فرسانها إذا اقتحموا في يوم بدر وفي مشاهده ال‍ * * عظمي ونار الحروب تضطرم بارز أبطالها وسادتها * * قعصا لهم بالحسام قد علموا دعوه كي يدركون غرته * * فما تملوا منه ولا سلموا جد بسيف النبي هامات أق‍ * * وام هم سادة وهم قدم سيدنا الماجد الجليل أبوالس‍ * * بطين رأس الانام والعلم إن عليا وإن فاطمة * * إن سبطيهما وإن ظلموا لصفوة الله بعد صفوته * * لا عرب مثلهم ولا عجم


[ 296 ]

فصل في معنى نسبة الامامية قال الشيخ أيده الله: الامامية هم القائلون بوجوب الامامة والعصمة ووجوب النص، وإنما حصل لها هذا الاسم في الاصل لجمعها في المقالة هذه الاصول فكل من جمعها فهو إمامي وإن ضم إليها حقا في المذهب كان أم باطلا، ثم إن من شمله هذا الاسم واستحقه لمعناه قد افترقت كلمتهم في أعيان الائمة – عليهم السلام – وفي فروع ترجع إلى هذه الاصول وغير ذلك. فأول من شذ عن الحق من فرق الامامية ” الكيسانية ” وهم أصحاب المختار، وإنما سميت بهذا الاسم لان المختار كان اسمه أولا كيسان، وقيل إنما سمي بهذا الاسم لان أباه حمله وهو صغير فوضعه بين يدي أمير المؤمنين – عليه السلام – قالوا: فمسح يده على رأسه وقال: كيس كيس فلزمه هذا الاسم، وزعمت فرقة منهم أن محمد بن علي – عليه السلام – استعمل المختار على العراقين بعد قتل الحسين – عليه السلام – وأمره بالطلب بثأره وسماه كيسان لما عرف من قيامه ومذهبه، وهذه الحكايات في معنى اسمه عن الكيسانية خاصة، فأما نحن فلا نعرف إلا أنه سمى بهذا الاسم ولا نتحقق معناه. وقالت هذه الطائفة بامامة أبي القاسم محمد بن أمير المؤمنين – عليه السلام – ابن خولة الحنفية، وزعموا أنه هو المهدي الذي يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، وأنه حي لم يمت ولا يموت حتى يظهر الحق، وتعلقت في إمامته بقول أمير المؤمنين – عليه السلام – يوم البصرة: أنت ابني حقا، وأنه كان صاحب رايته كما كان أمير المؤمنين – عليه السلام – صاحب راية رسول الله (ص) وكان ذلك عندهم


[ 297 ]

الدليل على أنه أولى الناس بمقامه. واعتلوا في أنه المهدي بقول النبي (ص) لن تنقض الايام والليالي حتى يبعث الله عزوجل رجلا من أهل بيتي اسمه اسمي وكنيته كنيتي واسم أبيه اسم أبي يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا. قالوا: وكان من أسماء أمير المؤمنين – عليه السلام -: عبد الله، بقوله: أنا عبد الله وأخو رسول الله وأنا الصديق الاكبر لا يقولها بعدي إلا كذاب مفتر. وتعلقوا في حياته بانه إذا ثبت إمامته وانه القائم، فقد بطل أن يكون الامام غيره، وليس يجوز أن يموت قبل ظهوره فتخلو الارض من حجة، فلا بد على صحة هذه الاصول من حياته. وهذه الفرقة باجمعها تذهب إلى أن محمدا رحمه الله كان الامام بعد الحسن والحسين – عليهما السلام – وقد حكي عن بعض الكيسانية أنه كان يقول: إن محمدا كان الامام بعد أمير المؤمنين – عليه السلام – ويبطل إمامة الحسن والحسين – عليه السلام – ويقول: إن الحسن – عليه السلام – إنما دعا في باطن الدعوة إلى محمد بامره وأن الحسين – عليه السلام – ظهر بالسيف باذنه وأنهما كانا داعيين إليه وأميرين من قبله وحكي عن بعضهم أن محمدا مات وحصلت الامامة بعده في ولده وأنها انتقلت من ولده إلى ولد العباس ابن عبد المطلب، وقد حكي أيضا أن منهم من يقول: إن عبد الله بن محمد حي لم يمت وأنه القائم وهذه حكاية شاذة وقيل: إن منهم من يقول: إن محمدا قد مات وأنه يقوم بعد الموت وهو المهدي وينكر حياته، وهذا أيضا قول شاذ. وجميع ما حكيناه بعد الاول من الاقوال فهو حادث ألجا القوم إليه الاضطرار عند الحيرة وفراقهم الحق. والاصل المشهور ما حكيناه من قول الجماعة المعروفة بامامة أبي القاسم بعد أخويه – عليها السلام – والقطع على حياته وأنه القائم.


[ 298 ]

مع أنه لا بقية للكيسانية جملة وقد انقرضوا حتى لا يعرف منهم في هذا الزمان أحد إلا ما يحكى ولا يعرف صحته. وكان من الكيسانية أبو هاشم إسماعيل بن محمد الحميري الشاعر رحمه الله وله في مذهبهم أشعار كثيرة ثم رجع عن القول بالكيسانية وبرئ منه ودان بالحق لان أبا عبد الله جعفر بن محمد – عليه السلام – دعاه إلى إمامته وأبان له عن فرض طاعته فاستجاب له فقال بنظام الامامة وفارق ما كان عليه من الضلالة وله في ذلك أيضا شعر معروف، ومن بعض قوله في إمامة محمد رضوان الله عليه ومذاهب الكيسانية قوله: ألا حي المقيم بشعب رضوى * * وأهد له بمنزله السلاما وقل يا بن الوصي فدتك نفسي * * أطلت بذلك الجبل المقاما أضر بمعشر والوك منا * * وسموك الخليفة والاماما وعادوا فيك أهل الارض طرا * * مقامك عندهم سبعين عاما لقد أضحى بمورق شعب رضوى * * تراجعه الملائكة الكلاما وما ذاق ابن خولة طعم موت * * ولا وارت له أرض عظاما وإن له بها لمقيل صدق * * وأندية تحدثه كراما وله أيضا وقد روى عبد الله بن عطاء عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر – عليهما السلام – أنه قال: أنا دفنت عمي محمد بن الحنفية ب ونفخت يدي من تراب قبره فقال: نبئت أن ابن عطاء روى * * وربما صرح بالمنكر


[ 299 ]

لما لوى أن أبا جعفر * * قال ولم يصدق ولم يبرر دفنت عمي ثم غادرته * * صفيح لبن وتراب ثرى ما قاله قط ولو قاله * * قلنا اتق الله أبا جعفر وله عند رجوعه إلى الحق وفراقه الكيسانية: تجعفرت باسم الله والله أكبر * * وأيقنت أن الله يعفو ويغفر ودنت بدين غير ما كنت داينا * * به ونهاني سيد الناس جعفر ققلت هب إني قد تهودت برهة * * وإلا فديني دين من يتنصر فلست بغال ما حييت وراجع * * إلى ما عليه كنت أخفى وأضمر ولا قائل قولا لكيسان بعدها * * وإن عاب جهال متالي وأكثروا ولكنه من قد مضى لسبيله * * على أحسن الحالات يقضى ويؤثر وكان ” كثير عزة ” كيسانيا ومات على ذلك، وله في مذهب الكيسانية قوله: ألا إن الائمة من قريش * * ولاة الحق أربعة سواء علي والثلاثة من بنيه * * هم الاسباط ليس بهم خفاء فسبط سبط إيمان وبر * * وسبط غيبته كربلاء وسبط لا يذوق الموت حتى * * يقود الخيل يقدمها اللواء يغيب فلا يرى فيهم زمانا * * برضوى عنده عسل وماء


[ 300 ]

فصل قال الشيخ أيده الله: وأنا أعرض على هذه الطائفة مع اختلافها في مذاهبها بما أدل به على فساد أقوالها بمختصر من القول وإشارة إلى معاني الحجاج دون استيعاب ذلك وبلوغ الغاية فيه إذ ليس غرضي القصد لنقض المذاهب الشاذة عن نظام الامامية في هذا الكتاب، وإنما كان غرضي حكايتها فاحببت أن لا اخليها من رسم لمع من الحجج على ما ذكرت وبالله التوفيق. فمما يدل على بطلان قول الكيسانية في إمامة محمد رضي الله عنه أنه لو كان على ما زعموا إماما معصوما يجب على الامة طاعته، لوجب النص عليه أو ظهور العلم الدال على صدقه إذ العصمة لا تعلم بالحس ولا تدرك من ظاهر الخلقة وإنما تعلم بخبر علام الغيوب المطلع على الضمائر أو بدليله سبحانه على ذلك، وفي عدم النص على محمد من الرسول (ص) أو من أبيه أو من أخويه – عليهم السلام – أيضا دليل على بطلان مقال من ذهب إلى إمامته. وكذلك عدم الخبر المتواتر بمعجز ظهر عليه عند دعوته إلى إمامته – إذ لو كان لكان ادعاها – برهان على ما ذكرناه. مع أن محمدا رضي الله عنه لم يدع قط للامامة لنفسه ولا دعا أحدا إلى اعتقاد ذلك فيه، وقد كان سئل عن ظهور المختار وادعائه عليه أنه أمره بالخروج والطلب بثار الحسين – عليه السلام – وأنه أمره أن يدعو الناس إلى إمامته عن ذلك وصحته، فانكره وقال لهم: والله ما أمرته بذلك لكني لا ابالي أن ياخذ بثأرنا كل أحد وما يسوءني أن يكون المختار هو الذي يطلب بدمائنا، فاعتمد السائلون له على ذلك


[ 301 ]

وكانوا كثرة قد رحلوا إليه لهذا المعنى بعينه على ما ذكره أهل السير فرجعوا فنصر أكثرهم المختار على الطلب بدم أبي عبد الله الحسين – عليه السلام – ولم ينصروه على القول بامامة أبي القاسم. ومن قرأ الكتب وعرف الاثار وتصفح الاخبار وما جرى عليه أمر المختار لم يخف عليه هذا الفصل الذي ذكرناه فكيف يصح القول بامامة محمد مع ما وصفناه. فصل فاما ما تعلقوا به فيما ادعوه من إمامته من قول أمير المؤمنين – عليه السلام – له يوم البصرة وقد أقدم بالراية: ” أنت ابني حقا ” فانه جهل منهم بمعاني الكلام وعجرفة في النظر والحجاج، وذلك أن النص لا يعقل من ظاهر هذا الكلام ولا من فحواه على معقول أهل اللسان ولا من تأويله على شئ من اللغات، ولا فصل بين من ادعى أن الامامة تعقل من هذا اللفظ وأن النص بها يستفاد منه، وبين من زعم أن النبوة تعقل منه وتستفاد من معناه إذ تعريه من الامرين جميعا على حد واحد. فان قال منهم قائل: إن أمير المؤمنين – عليه السلام – لما كان إماما وقال لابنه محمد: ” أنت ابني حقا ” دل ذلك على أنه إنما شبهه به في الامامة لا غير فكان هذا القول منه تنبيها على استخلافه له على حسب ما بيناه. قيل له: لم زعمت أنه لما أضافه إلى نفسه وشبهه بها دل على أنه أراد التشبيه له بنفسه في الامامة دون غير هذه الصفة من صفاته – عليه السلام -، وما أنكرت أنه أراد تشبيهه به في الصورة دون ما ذكرت.


[ 302 ]

فان قال: إنه لم يجر في تلك الحالة ذكر الصورة ولا ما يقتضى أن يكون أراد تشبيهه به فيها بالاضافة التي ذكرها فكيف يجوز حمل كلامه – عليه السلام – على ذلك. قيل له: وكذلك لم يجر في تلك الحال للامامة ذكر فتكون إضافته إلى نفسه بالذكر دليلا على أنه أراد تشبيهه به فيها على أن لكلامه – عليه السلام – معنى معقولا ولا يذهب عنه منصف، وذلك أن محمدا لما حمل الراية ثم صبر حتى كشف أهل البصرة فابان من شجاعته وبأسه ونجدته ما كان مستورا، سر بذلك أمير المؤمنين – عليه السلام – فاحب أن يعظمه ويمدحه على فعله فقال له: ” أنت ابني حقا ” يريد به أنك شبيهي في الشجاعة والباس والنجدة وقد قيل: إن من أشبه أباه فما ظلم. وقيل: إن من نعمة الله على العبد أن يشبه أباه ليصح نسبه. فكان الغرض المفهوم من قول أمير المؤمنين – عليه السلام – التشبيه لمحمد به في الشجاعة والشهادة له بطيب المولد والقطع على طهارته والمدحة له بما تضمنه الذكر من إضافته، ولم يجر للامامة ذكر ولا كان هناك سبب يقتضي حمل الكلام على معناها ولا تأويله على فائدة يقتضيها، وإذا كان الامر على ما وصفناه سقطت شبهتهم في هذا الباب. ثم يقال لهم: فان أمير المؤمنين – عليه السلام – قال في ذلك اليوم بعينه في ذلك الموطن نفسه – بعد أن قال لمحمد المقال الذي رويتموه – للحسن والحسين – عليهما السلام – وقد رأى فيهما انكسارا عند مدحه لمحمد رضي الله عنه: ” وأنتما ابنا رسول الله ” فان كان إضافة محمد رضي الله تعالى عنه بقوله: ” أنت ابني حقا ” يدل على نصه عليه فاضافته الحسن والحسين – عليهما السلام – إلى رسول الله (ص) يدل على أنه قد نص على نبوتهما إذ كان الذي أضافهما إليه نبيا ورسولا وإماما فان لم يجب ذلك بهذه الاضافة لم يجب بتلك ما ادعوه، وهذا بين لمن تأمله.


[ 303 ]

وأما اعتمادهم على إعطائه الراية يوم البصرة وقياسهم إياه بأمير المؤمنين – عليه السلام – عندما أعطاه رسول الله (ص) رايته، فإن فعل النبي (ص) ذلك وإعطاءه أمير المؤمنين – عليه السلام – الراية لا يدل على أنه الخليفة من بعده، فلو دل على ذلك لوجب أن يكون كل من حمل الراية في عصر الرسول (ص) منصوصا عليه بالامامة وكل صاحب راية كان لامير المؤمنين – عليه السلام – مشارا إليه بالخلافة، وهذا جهل لا يرتكبه عاقل. مع أنه يلزم هذه الفرقة أن يكون محمد رضي الله عنه إماما للحسن والحسين – عليهما السلام – وأن لا تكون لهما إمامة البتة لانهما لم يحملا الراية وكانت الراية له دونهما، وهذا قول لا يذهب إليه إلا من شذ من الكيسانية على ما حكيناه. وقول اولئك منتقض بالاتفاق على قول النبي (ص) في الحسن والحسين – عليهما السلام -: ” إبناي هذان إمامان قاما أو قعدا ” وبالاتفاق على وصية أمير المؤمنين إلى الحسن – عليهما السلام – ووصية الحسن إلى الحسين – عليهما السلام – وبقيام الحسن – عليه السلام – بالامامة بعد أبيه ودعائه الناس إلى بيعته على ذلك، وبقيام الحسين – عليه السلام – من بعده وبيعة الناس له على الامر دون محمد حتى قتل – عليه السلام – من غير رجوع عن هذا القول، مع قول رسول الله (ص) فيهما الدال على عصمتهما وأنهما لا يدعيان باطلا حيث يقول: ” ابناي هذان سيدا شباب أهل الجنة “. وأما تعلقهم بقول النبي (ص): ” لن تنقضي الايام والليالي حتى يبعث الله رجلا من أهل بيتي ” إلى آخر الكلام، فإن بأزائهم الزيدية يدعون ذلك في محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن – عليه السلام – وهم أولى به منهم لان أبا محمد كان اسمه المعروف به عبد الله، وكان أمير المؤمنين – عليه السلام – اسمه علي وإنما انضاف إلى الله بالعبودية كما انضاف جميع العباد إلى الله بالعبودية، وإن كان لاضافته في هذا


[ 304 ]

الموضع معنى يزيد على ما ذكرناه ليست بنا حاجة إلى الكشف عنه في حجاج هؤلاء القوم. مع أن الامامية الاثني عشرية أولى به في الحقيقة من الجميع لان صاحبهم اسمه اسم رسول الله (ص)، وكنيته كنيته، وأبوه عبد من عباد الله وهم يقولون بالعصمة وجميع اصول الامامية ويمضون مع الاخبار الواردة بالنصوص على الائمة – عليهم السلام -، وينقلون فضائل من تقدم القائم – عليه السلام – من آبائه ومعجزاتهم وعلومهم التي بانوا بها من الرعية، ولا يدفعون ضرورة من موت حي، ولا يقدمون على تضليل معصوم وتكذيب إمام عدل والكيسانية بالضد مما حكيناه فلا يعتبر تعلقهم بظاهر لفظ قد تحدثه الفرق إذ المعتمد هو الحجة والبرهان ولم يأت القوم بشئ منه فيكون عذرالهم فيما صاروا إليه. وأما تعلقهم في حياته بما ادعوه من إمامته وبناؤهم على ذلك أنه القائم من آل محمد – عليهم السلام – فانا قد أبطلنا ذلك بما تقدم من مختصر القول فيه فسقط بسقوطه وبطلانه. ومما يدل أيضا على فساده تواتر الخبر بنص أبي جعفر الباقر على ابنه الصادق – عليهما السلام – بالامامة، ونص الصادق على ابنه الكاظم موسى – عليهما السلام -، ونص موسى على علي – عليهما السلام -، وتظاهر الخبر عمن ذكرناه بالعلوم الدالة على إمامتهم والمعجزات المنبئة عن حقوقهم وصدقهم مع الخبر عن النبي (ص) بالنص عليهم من حديث اللوح، وما رواه عبد الله بن مسعود ووصفه سلمان من ذكر أعيانهم وأعدادهم. وقد أجمع من ذكرناه بأسرهم والائمة من ذريتهم وجميع أهل بيتهم على موت أبي القاسم رضي الله عنه، وليس يصح أن يكون إجماع هؤلاء باطل.


[ 305 ]

ويؤيد ذلك أن الكيسانية في وقتنا هذا لا بقية لهم ولا يوجد عدد منهم يقطع العذر بنقله بل لا يوجد أحد منهم يدخل في جملة أهل العلم، بل لا نجد أحدا منهم جملة وانما تقع مع الناس الحكاية عنهم خاصة، ومن كان بهذه المنزلة لم يجز أن يكون ما اعتمده من طريق الرواية حقا لانه لو كان كذلك لما بطلت الحجة عليه بانقراض أهله وعدم تواترهم، فبان بما وصفناه أن مذهب القوم باطل لم يحتج الله به على أحد ولا ألزمه اعتقاده على ما حكيناه. قال الشيخ أيده الله تعالى: ثم لم تزل الامامية على القول بنظام الامامة حتى افترقت كلمتها بعد وفاة أبي عبد الله جعفر بن محمد – عليهما السلام -. فقالت فرقة منها: إن أبا عبد الله – عليه السلام – حي لم يمت ولا يموت حتى يظهر فيملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا لانه القائم المهدي، وتعلقوا بحديث رواه رجل يقال له عنبسة بن مصعب عن أبي عبد الله – عليه السلام – أنه قال: إن جاءكم من يخبركم عني بانه غسلني وكفنني ودفنني فلا تصدقوه، وهذه الفرقة تسقى الناووسية وإنما سميت بذلك لان رئيسهم في هذه المقالة رجل من أهل البصرة يقال له عبد الله بن ناووس. وقالت فرقة اخرى: إن أبا عبد الله – عليه السلام – توفي ونص على إبنه إسماعيل ابن جعفر – عليه السلام – وأنه الامام بعده وأنه القائم المنتظر، وأنكروا وفاة إسماعيل في حياة أبي عبد الله – عليه السلام – وقالوا إنه لم يمت وإنما لبس على الناس في أمره لامر رآه أبوه. وقال فريق منهم: إن إسماعيل قد كان توفي على الحقيقة في زمن أبيه – عليه السلام – غير أنه قبل وفاته نص على ابنه محمد فكان الامام بعده. وهؤلاء هم القرامطة وهم المباركية ونسبهم إلى القرامطة برجل من أهل السواد يقال له قرمطويه، ونسبهم إلى المباركية برجل يسمى المبارك مولى إسماعيل


[ 306 ]

ابن جعفر والقرامطة أخلاف المباركية، والمباركية سلفهم. وقال فريق من هؤلاء: إن الذي نص على محمد بن إسماعيل هو الصادق – عليه السلام – دون إسماعيل وكان ذلك الواجب عليه لانه أحق بالامر بعد أبيه من غيره، ولان الامامة لا تكون في أخوين بعد الحسن والحسين – عليهما السلام – وهؤلاء الفرق الثلاث هم الاسماعيلية وإنما سموا بذلك لادعائهم إمامة إسماعيل. وأما علتهم في النص على إسماعيل فهي أن قالوا: كان إسماعيل أكبر ولد جعفر، وليس يجوز أن ينص على غير الاكبر، قالوا: وقد أجمع من خالفنا على أن أبا عبد الله – عليه السلام – نص على إسماعيل غير أنهم ادعوا انه بدا لله فيه وهذا قول لا نقبله منهم. وقالت فرقة اخرى: إن أبا عبد الله توفي وكان الامام بعده محمد بن جعفر واعتلوا في ذلك بحديث تعلقوا به، وهو أن أبا عبد الله – عليه السلام – على ما زعموا كان في داره جالسا فدخل عليه محمد وهو صبي صغير فعدا إليه فكبا في قميصه ووقع لوجهه، فقام إليه أبو عبد الله – عليه السلام – فقبله ومسح التراب عن وجهه وضمه إلى صدره وقال: سمعت أبي يقول: إذا ولد لك ولد يشبهني فسمه باسمي، وهذا الولد شبيهي وشبيه رسول الله (ص) وعلى سنته وشبيه علي – عليه السلام -، وهذه الفرقة تسمى الشمطية بنسبتها إلى رجل يقال له يحيى بن أبي الشمط. وقالت فرقة اخرى: إن الامام بعد أبي عبد الله – عليه السلام – ابنه عبد الله بن جعفر واعتلوا في ذلك بانه كان أكبر ولد أبي عبد الله – عليه السلام – قالت: وإن أبا عبد الله – عليه السلام – قال: الامامة لا تكون إلا في الاكبر من ولد الامام، وهذه الفرقة تسمى الفطحية وإنما سميت بذلك لان رئيسا لها يقال له عبد الله بن أفطح، ويقال: إنه كان أفطح الرجلين، ويقال: بل كان أفطح الرأس، ويقال: إن عبد الله كان هو


[ 307 ]

الافطح. قال الشيخ أيده الله: فأما الناووسية فقد ارتكبت في إنكارها وفاة أبي عبد الله – عليه السلام – ضربا من دفع الضرورة وإنكار المشاهدة لان العلم بوفاته كالعلم بوفاة أبيه من قبله، ولا فرق بين هذه الفرقة وبين الغلاة الدافعين لوفاة أمير المؤمنين – عليه السلام – وبين من أنكر مقتل الحسين – عليه السلام – ودفع ذلك وادعى أنه كان مشبها للقوم، فكل شئ جعلوه فصلا بينهم وبين من ذكرناه فهو دليل على بطلان ما ذهبوا إليه في حياة أبي عبد الله – عليه السلام -. وأقا الخبر الذي تعلقوا به فهو خبر واحد لا يوجب علما ولا عملا، ولو رواه ألف إنسان وألف ألف لما جاز أن يجعل ظاهره حجة في دفع الضرورات وارتكاب الجهالات بدفع المشاهدات، على أنه يقال لهم ما أنكرتم أن يكون هذا القول إنما صدر من أبي عبد الله – عليه السلام – عند توجهه إلى العراق ليؤمنهم من موته في تلك الاحوال، ويعرفهم رجوعه إليهم من العراق ويحذرهم من قبول أقوال المرجفين به المؤدية إلى الفساد، ولا يجب أن يكون ذلك مستغرقا لجميع الازمان وأن يكون على العموم في كل حال. ويحتمل أن يكون أشار إلى جماعة علم أنهم لا يبقون بعده وأنه يتأخر عنهم، فقال: من جاءكم من هؤلا، فقد جاء في بعض الاسانيد من جاءكم منكم، وفي بعضها من جاءكم من أصحابي، وهذا يقتفي الخصوص. وله وجه آخر وهو أنه عنى بذلك كل الخلق سوى الامام القائم بعده لانه ليس يجوز أن يتولى غسل الامام وتكفينه ودفنه إلا الامام القائم مقامه إلا أن تدعو ضرورة إلى غير ذلك، فكأنه – عليه السلام – أنبأهم بأنه لا ضرورة تمنع القائم من بعده عن تولي أمره بنفسه.


[ 308 ]

وإذا كان الخصوص قد يكون في كتاب الله تعالى مع ظاهر القول للعموم وجاز أن يخص القران ويصرف عن ظواهره على مذهب أصحاب العموم بالدلائل، فلم لا جاز الانصراف عن ظاهر قول أبي عبد الله – عليه السلام – إلى معنى يلائم الصحيح ولا يحمل على وجه يفسد المشاهدات ويسد على العقلاء باب الضرورات. وهذا كاف في هذا الموضع إن شاء الله تعالى مع أنه لا بقية للناووسية ولم يكن أيضا في الاصل كثيرة ولا عرف منهم رجل مشهور بالعلم ولا قرئ لهم كتاب وإنما هي حكاية إن صحت فعن عدد يسير لم يبرز قولهم حتى اضمحل وانتقض، وفي ذلك كفاية عن الاطالة في نقضه. فصل وأما ما اعتلت به الاسماعيلية من أن إسماعيل رحمه الله كان الاكبر وأن النص يجب أن يكون على الاكبر، فلعمري إن ذلك يجب إذا كان الاكبر باقيا بعد الوالد وأما إذا كان المعلوم من حاله أنه يموت في حياته ولا يبقى بعده فليس يجب ما ادعوه، بل لا معنى للنص عليه ولو وقع لكان كذبا لان معنى النص أن المنصوص عليه خليفة الماضي فيما كان يقوم به وإذا لم يبق بعده لم يكن خليفة فيكون النص حينئذ عليه كذبا لا محالة، وإذا علم الله أنه يموت قبل الاول وأمره باستخلافه، لكان الامر بذلك عبثا مع كون النص كذبا لانه لا فائدة فيه ولا غرض صحيح، فبطل ما اعتمدوه في هذا الباب. وأما ما ادعوه من تسليم الجماعة لهم حصول النص عليه فانهم ادعوا في ذلك باطلا وتوهموا فاسدا من قبل أنه ليس أحد من أصحابنا يعترف بان أبا عبد


[ 309 ]

الله – عليه السلام – نص على ابنه إسماعيل ولا روى راو ذلك في شاذ من الاخبار ولا في معروف منها وإنما كان الناس في حياة إسماعيل يظنون أن أبا عبد الله – عليه السلام – ينص عليه لانه أكبر أولاده، وبما كانوا يرونه من تعظيمه فلما مات إسماعيل رحمه الله زالت ظنونهم وعلموا أن الامامة في غيره فتعلق هؤلاء المبطلون بذلك الظن وجعلوه أصلا وادعوا أنه قد وقع النص، وليس معهم في ذلك أثر ولا خبر يعرفه أحد من نقلة الشيعة، وإذا كان معتمدهم على الدعوى المجردة من برهان فقد سقط بما ذكرناه. فاما الرواية عن أبي عبد الله – عليه السلام – من قوله: ” ما بدا لله في شئ كما بدا له في إسماعيل ” فانها على غير ما توهموه أيضا من البداء في الامامة وإنما معناها ما روي عن أبي عبد الله – عليه السلام – أنه قال: إن الله تعالى كتب القتل على ابني إسماعيل مرتين فسألته فيه فعفا عن ذلك فما بدا له في شئ كما بدا له في إسماعيل، يعني به ما ذكره من القتل الذي كان مكتوبا فصرفه عنه بمسالة أبي عبد الله – عليه السلام – وأما الامامة فإنه لا يوصف الله فيه بالبداء، وعلى ذلك إجماع فقهاء الامامية ومعهم فيه أثر عنهم – عليه السلام – أنهم قالوا: مهما بدا لله في شئ فلا يبدو له في نقل نبي عن نبوته ولا إمام عن إمامته ولا مؤمن قد أخذ عهده بالايمان عن إيمانه. وإذا كان الامر على ما ذكرناه فقد بطل أيضا هذا الفصل الذي اعتمدوه وجعلوه دلالة على نص أبي عبد الله – عليه السلام – على إسماعيل.


[ 310 ]

فصل فاما من ذهب إلى إمامة محمد بن إسماعيل بنص أبيه عليه فانه منتقض القول فاسد الرأي، من قبل أنه إذا لم يثبت لاسماعيل إمامة في حياة أبي عبد الله – عليه السلام – لاستحالة وجود إمامين بعد النبي (ص) في زمان واحد، لم يجز أن تثبت إمامة محمد لانها تكون حينئذ ثابتة بنص غير إمام، وذلك فاسد بالنظر الصحيح. فصل وأما من ازعم أن أبا عبد الله – عليه السلام – نص على محمد بن إسماعيل بعد وفاة أبيه، فانهم لم يتعلقوا في ذلك باثر وإنما قالوه قياسا على أصل فاسد وهو ما ذهبوا إليه من حصول النص على أبيه إسماعيل، وزعموا أن العدل يوجب بعد موت إسماعيل النص على ابنه لانه أحق الناس به، وإذا كنا قد بينا عن بطلان قولهم فيما ادعوه من النص على إسماعيل فقد فسد أصلهم الذي بنوا عليه الكلام. على أنه لو ثبت ما ادعوه من نص أبي عبد الله – عليه السلام – على ابنه إسماعيل لما صح قولهم في وجوب النص على محمد ابنه من بعده لان الامامة والنصوص ليستا موروثتين على حد ميراث الاموال، ولو كانت كذلك لاشترك فيها ولد الامام، وإذا لم تكن موروثة وكانت إنما تجب لمن له صفات مخصوصة ومن أوجبت المصلحة إمامته، فقد بطل أيضا هذا المذهب.


[ 311 ]

فصل وأما من ادعى إمامة محمد بن جعفر بعد أبيه – عليه السلام – فإنهم شذاذ جدا قالوا بذلك زمانا مع قلة عددهم وإنكار الجماعة عليهم ثم انقرضوا حتى لم يبق منهم أحد يذهب إلى هذا المذهب، وفي ذلك إبطال مقالتهم لانها لو كانت حقا لما جاز أن يعدم الله أهلها كافة حتى لا يبقى منهم من يحتج بنقله. مع أن الحديث الذي رووه لا يدل على ما ذهبوا إليه لو صح وثبت، فكيف وليس هو حديثا معروفا ولا رواه محدث مذكور وأكثر ما فيه عند ثبوت الرواية له أنه خبر واحد وأخبار الاحاد لا يقطع على الله تعالى بصحتها. ولو كان صحيحا أيضا لما كان في متضمنه دليل الامامة لان مسح أبي عبد الله – عليه السلام – التراب عن وجه ابنه ليس بنص عليه في عقل ولا سمع ولا عرف ولا عادة، وكذلك ضمه إلى صدره وكذلك قوله إن أبي خبرني أن سيولد لي ولد يشبهه، وأنه أمره بتسميته وأنه أخبره أنه يكون على شبه رسول الله (ص) ولا في مجموع هذا كله دلالة على الامامة في ظاهر قول وفعل ولا في تأويله، وإذا لم يك في ذلك دلالة على ما ذهبوا إليه بان بطلانه. مع أن محمد بن جعفر خرج بالسيف بعد أبيه ودعا إلى إمامته وتسمى بإمرة المؤمنين ولم يتسم بذلك أحد ممن خرج من ال أبي طالب، ولا خلاف بين أهل الامامة أن من تسمى بهذا الاسم بعد أمير المؤمنين – عليه السلام – فقد أتى منكرا فكيف يكون هذا على شبه رسول الله (ص) لولا أن الراوي لهذا الحديث قد وهم فيه أو تعمد الكذب.


[ 312 ]

فصل وأما الفطحية فان أمرها أيضا واضح وفساد قولها غير خاف ولا مستور عمن تأمله، وذلك أنهم لم يدعوا نصا من أبي عبد الله – عليه السلام – على عبد الله وإنما عملوا على ما رووه من أن الامامة تكون في الاكبر وهذا حديث لم يرو قط إلا مشروطا وهو أنه قد ورد أن الامامة تكون في الاكبر ما لم تكن به عاهة، وأهل الامامة القائلون بامامة موسى – عليه السلام – متواترون بان عبد الله كان به عاهة في الدين لانه كان يذهب إلى مذاهب المرجئة الذين يقعون في علي – عليه السلام – وعثمان وأن أبا عبد الله – عليه السلام – قال وقد خرج من عنده: ” عبد الله هذا مرجئ كبير ” وأنه دخل عليه عبد الله يوما وهو يحدث أصحابه فلما رآه سكت حتى خرج فسئل عن ذلك فقال: ” أو ما علمتم أنه من المرجئة “. هذا مع أنه لم يكن له من العلم ما يتخصص به من العامة، ولا روي عنه شئ من الحلال والحرام، ولا كان بمنزلة من يستفتى في الاحكام، وقد ادعى الامامة بعد أبيه فامتحن بمسائل صغار فلم يجب عنها ولا تأتى للجواب فاي علة أكبر مما ذكرناه تمنع من إمامة هذا الرجل. مع أنه لو لم تكن علة تمنع من إمامته لما جاز من أبيه صرف النص عنه، ولو لم يكن قد صرفه عنه لاظهره فيه، ولو أظهره لنقل وكان معروفا في أصحابه، وفي عجز القوم عن التعلق بالنص عليه دليل على بطلان ما ذهبوا إليه.


[ 313 ]

فصل قال الشيخ أيده الله: ثم لم تزل الامامية بعد من ذكرناه على نظام الامامة حتى قبض موسى بن جعفر – عليه السلام -، فافترقت بعد وفاته فرقا قال جمهورهم بإمامة أبي الحسن الرضا – عليه السلام – ودانوا بالنص عليه وسلكوا الطريقة المثلى في ذلك، وقال جماعة منهم بالوقف على أبي الحسن موسى – عليه السلام – وادعوا حياته وزعموا أنه هو المهدي المنتظر وقال فريق منهم إنه قد مات وسيبعث وهو القائم بعده. واختلفت الواقفة في الرضا – عليه السلام – ومن قام من آل محمد بعد أبي الحسن موسى – عليه السلام – فقال بعضهم هؤلاء خلفاء – أبي الحسن – عليه السلام – وامراؤه وقضاته إلى أوان خروجه وإنهم ليسوا بأئمة وما ادعوا الامامة قط، وقال الباقون إنهم ضالون مخطئون ظالمون، وقالوا في الرضا – عليه السلام – خاصة قولا عظيما وأطلقوا تكفيره وتكفير من قام بعده من ولده. وشذت فرقة ممن كان على الحق إلى قول سخيف جدا فانكروا موت أبي الحسن – عليه السلام – وحبسه، وزعموا أن ذلك كان تخييلا للناس، وادعوا أنه حي غائب وأنه هو المهدي وزعموا أنه استخلف على الامر محمد بن بشر مولى بني أسد، وذهبوا إلى الغلو والقول بالاباحة ودانوا بالتناسخ. واعتلت الواقفة فيما ذهبوا إليه بأحاديث رووها عن أبي عبد الله – عليه السلام – منها أنهم حكوا عنه أنه لما ولد موسى بن جعفر – عليه السلام – دخل أبو عبد الله – عليه السلام – على حميدة البربرية ام موسى – عليه السلام – فقال لها: ” يا حميدة بخ بخ حل الملك في بيتك ” قالوا: وسئل عن اسم القائم فقال اسمه اسم حديدة الحلاق.


[ 314 ]

فيقال لهذه الفرقة: ما الفرق بينكم وبين الناووسية الواقفة على أبي عبد الله – عليه السلام – والكيسانية الواقفة على أبي القاسم ابن الحنفية رحمة الله عليه، والمفوضة المنكرة لوفاة أبي عبد الله الحسين – عليه السلام – الدافعة لقتله، والسبائية المنكرة لوفاة أمير المؤمنين – عليه السلام – المدعية حياته، والمحمدية النافية لموت رسول الله (ص) المتدينة بحياته. وكل شئ راموا به كسر مذاهب من عددناهم فهو كسر لمذاهبهم ودليل على إبطال مقالتهم. ثم يقال لهم فيما تعلقوا به من الحديث الاول: ما أنكرتم أن يكون الصادق – عليه السلام – أراد با لملك الامامة على الخلق وفرض الطاعة على البشر وملك الامر والنهي، وأي دليل في قوله لحميدة: ” حل الملك في بيتك ” على أنه نص على ابنه بانه القائم بالسيف أو ما سمعتم الله تعالى يقول: * (فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة واتيناهم ملكا عظيما) * (1) وإنما أراد ملك الدين والرئاسة فيه على العالمين. وأما قوله – عليه السلام – وقد سئل، عن اسم القائم فقال اسم حديدة الحلاق، فانه إن صح وثبت ذلك – على أنه غير معروف – فإنما أشار به إلى القائم بالامامة بعده ولم يشر به إلى القائم بالسيف، وقد علمنا أن كل إمام فهو قائم بالامر بعد أبيه فأي حجة فيما تعلقوا به لولا عمى القلوب. على أنه يقال لهم: ما الدليل على إمامة أبي الحسن موسى – عليه السلام – وما البرهان على أن أباه نص عليه ؟ فباي شئ تعتقوا في ذلك واعتمدوا عليه، اريناهم بمثله صحة إمامة الرضا – عليه السلام – وثبوت النص من أبيه عليه، وهذا ما لا يجدون عنه مخلصا. وأما من زعم أن الرضا – عليه السلام – ومن بعده كانوا خلفاء أبي الحسن موسى


(1) – النساء / 54 (*).

[ 315 ]

– عليه السلام – ولم يدعوا الامر لانفسهم، فانه قول مباهت لا يذكر في دفع الضرورة ولان جميع شيعة هؤلاء القوم وغير شيعتهم من الزيدية الخلص ومن تحقق النظر، يعلم يقينا أنهم كانوا ينتحلون الامامة وأن الدعاة إلى ذلك خاصتهم من الناس، ولا فصل بين هذه الفرقة في بهتها وبين الفرق الشاذة من الكيسانية فيما ادعوه من أن الحسن والحسين – عيهما السلام – كانا خليفتي محمد بن الحنفية وأن الناس لم يبايعوهما على الامامة لانفسهما، وهذا قول وضوح فساده يغني عن الاطناب فيه. وأما البشرية فان دليل وفاة أي الحسن – عليه السلام – وإمامة الرضا – عليه السلام – وبطلان الحلول والاتحاد ولزوم الشرايع وفساد الغلو والتناسخ يدل بمجموع ذلك وبآحاده على فساد ما ذهبوا إليه. فصل قال الشيخ أيده الله: ثم إن الامامية استمرت على القول باصول الامامة طول أيام أبي الحسن الرضا – عليه السلام -، فلما توفي وخلف ابنه أبا جعفر – عليه السلام – وله عند وفاة أبيه سبع سنين، اختلفوا وتفرقوا ثلاث فرق: فرقة مضت على سنن القول في الاماية ودانت بإمامة أبي جعفر – عليه السلام – ونقلت النص عليه وهم أكثر الفرق عددا. وفرقة ارتدت إلى قول الواقفة ورجعوا عما كانوا عليه من إمامة الرضا – عليه السلام -. وفرقة قالت بإمامة أحمد بن موسى – عليه السلام – وزعموا أن الرضا – عليه السلام – وصى إليه ونص بالامامة عليه. واعتل الفريقان الشاذان عن أصل الامامة بصغر سن أبي جعفر – عليه السلام –


[ 316 ]

وقالوا ليس يجوز أن يكون إمام الزمان صبيا لم يبلغ الحلم. فيقال لهم: ما سوى الراجعة إلى الوقف كما قيل للواقفة دلوا باي دليل شئتم على إمامة الرضا – عليه السلام – حتى نريكم بمثله إمامة أبي جعفر – عليه السلام -، وباي شئ طعنتم به في نقل النص على أبي جعفر – عليه السلام – فان الواقفة تطعن بمثله في نقل النص على أبي الحسن الرضا – عليه السلام – ولا فصل في ذلك. على أن ما اشتبه عليهم من جهة سن أبي جعفر – عليه السلام – فانه بين الفساد، وذلك أن كمال العقل لا يستنكر لحجج الله تعالى مع صغر السن قال الله سبحانه: * (قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا * قال إني عبد الله اتاني الكتاب وجعلني نبيا) * (1) فخبر عن المسيح – عليه السلام – بالكلام في المهد، وقال في قصة يحيى – عليه السلام -: * (وآتيناه الحكم صبيا) * (2). وقد أجمع جمهور الشيعة مع سائر من خالفهم على أن رسول الله (ص) دعا عليا – عليه السلام – وهو صغير السن ولم يدع الصبيان غيره، وباهل بالحسن والحسين – عليهما السلام – وهما طفلان، ولم ير مباهل قبله ولا بعده باهل بالاطفال، وإذا كان الامر على ما ذكرناه من تخصيص الله تعالى حججه على ما شرحناه، بطل ما تعلق به هؤلاء القوم. على أنهم إن أقروا بظهور المعجزات على الائمة – عليهم السلام – وخرق العادة لهم وفيهم، بطل أصلهم الذي اعتمدوا عليه في إنكار إمامة أبي جعفر – عليه السلام – وإن أبوا ذلك ولحقوا بالمعتزلة في إنكار المعجز إلا على الانبياء – عليهم السلام -، كلموا بما تكلم به إخوانهم من أهل النصب والضلال، وهذا المقدار يكفي بمشيئة الله في نقض ما اعتمدوه بما حكيناه.


(1) – مريم / 29 – 30. (2) – مريم / 12 (*).

[ 317 ]

فصل قال الشيخ أيده الله: ثم ثبتت الامامية القائلون بإمامة أبي جعفر – عليه السلام – باسرها على القول بامامة أبي الحسن علي بن محمد من بعد أبيه – عليهما السلام – ونقل النص عليه إلا فرقة قليلة العدد شذوا عن جماعتهم، فقالوا بإمامة موسى بن محمد أخي أبى الحسن علي بن محمد ثم إنهم لم يثبتوا على هذا القول إلا قليلا حتى رجعوا إلى الحق ودانوا بإمامة علي بن محمد – عليه السلام – ورفضوا القول بإمامة موسى ابن محمد وأقاموا جميعا على إمامة أبي الحسن – عليه السلام – فلما توفي تفرقوا بعد ذلك: فقال الجمهور منهم بإمامة أبي محمد الحسن بن علي – عليه السلام – ونقلوا النص عليه وأثبتوه. وقال فريق منهم: إن الامام بعد أبي الحسن، محمد بن علي أخو أبي محمد – عليه السلام – وزعموا أن أباه عليا – عليه السلام – نص عليه في حياته، وهذا محمد كان قد توفي في حياة أبيه فدفعت هذه الفرقة وفاته وزعموا أنه لم يمت وأنه حي وهو الامام المنتظر وقال نفر من الجماعة شذوا أيضا عن الاصل: إن الامام بعد محمد بن علي بن محمد بن علي بن موسى – عليهم السلام – أخوه جعفر بن علي وزعموا أن أباه نص عليه بعد مضي محمد وأنه القائم بعد أبيه. فيقال للفرقة الاولى: لم زعمتم أن الامام بعد أبي الحسن – عليه السلام – ابنه محمد وما الدليل على ذلك ؟ فان ادعوا النص طولبوا بلفظه والحجة عليه ولن يجدوا لفظا يتعلقون به في ذلك ولا تواتر يعتمدون عليه، لانهم في أنفسهم من الشذوذ


[ 318 ]

والقلة على حد ينفى عنهم التواتر القاطع للعذر في العدد مع أنهم قد انقرضوا ولا بقية لهم وذلك مبطل أيضا لما ادعوه. ويقال لهم في ادعاء حياته، ما قيل للكيسانية والناووسية والواقفة، ويعارضون بما ذكرناه ولا يجدون فصلا. فاما أصحاب جعفر فان أمرهم مبني على إمامة محمد، وإذا سقط قول هذا الفريق لعدم الدلالة على صحته وقيامها على إمامة أبي محمد – عليه السلام – فقد بان فساد ما ذهبوا إليه. فصل قال الشيخ أيده الله: ولما توفي أبو محمد الحسن بن علي بن محمد – عليهم السلام – افترق أصحابه بعده على ما حكاه أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي رضي الله عنه أربع عشرة فرقة: فقال الجمهور منهم بامامة ابنه القائم المنتظر – عليه السلام – وأثبتوا ولادته وصححوا النص عليه وقالوا هو سمي رسول الله ومهدي الانام، واعتقدوا ان له غيبتين إحداهما أطول من الاخرى، والاولى منهما هي القصرى، وله فيها الابواب والسفراء، ورووا عن جماعة من شيوخهم وثقاتهم أن ابا محمد الحسن – عليه السلام – أظهره لم وأراهم شخصه، واختلفوا في سنه عند وفاة أبيه فقال كثير منهم: كان سنه إذ ذاك خمس سنين لان أباه توفي سنة ستين ومائتين، وكان مولد القائم – عليه السلام – سنة خمس وخمسين ومائتين وقال بعضهم بل كان مولده سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وكان سنه عند وفاة أبيه ثماني سنين، وقالوا إن أباه لم يمت حتى أكمل الله عقله وعلمه الحكمة وفصل الخطاب وأبانه من سائر الخلق بهذه الصفة إذ كان خاتم


[ 319 ]

الحجج ووصي الاوصياء وقائم الزمان. واحتجوا في جواز ذلك بدليل العقل من حيث ارتفعت إحالته ودخل تحت القدرة، وبقوله تعالى في قصة عيسى – عليه السلام – * (ويكلم الناس في المهد) * وفي قصة يحيى – عليه السلام – * (واتيناه الحكم صبيا) * (2) وقالوا: إن صاحب الامر – عليه السلام – حي لم يمت ولا يموت ولو بقي الف عام حتى يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، وأنه يكون عند ظهوره شابا قويا في صورة ابن نيف وثلاثين سنة، وأثبتوا ذلك في معجزاته وجعلوه من جملة دلائله واياته – عليه السلام -. وقالت فرقة ممن دانت بامامة الحسن – عليه السلام – إنه حي لم يمت وإنما غاب وهو القائم المنتظر وقالت فرقة اخرى إن أبا محمد – عليه السلام – مات وعاش بعد موته وهو القائم المهدي واعتلوا في ذلك بخبر رووه أن القائم إنما سمي بذلك لانه يقوم بعد الموت. وقالت فرقة اخرى إن أبا محمد – عليه السلام – قد توفي لا محالة، وإن الامام من بعده اخوه جعفر بن علي واعتلوا في ذلك بالرواية عن أبي عبد الله – عليه السلام – إن الامام هو الذي لا يوجد منه ملجا إلا إليه، قالوا فلما لم نر للحسن – عليه السلام – ولدا ظاهرا التجأنا إلى القول بإمامة جعفر أخيه. ورجعت فرقة ممن كانت تقول بإمامة الحسن – عليه السلام – عن إمامته عند وفاته وقالوا لم يكن إماما وكان مدعيا مبطلا، وأنكروا إمامة أخيه محمد، وقالوا الامام جعفر بن علي بنص أبيه عليه، قالوا إنما قلنا بذلك لان محمدا مات في حياة


(1) – آل عمران / 46. (2) – مريم / 12 (*).

[ 320 ]

أبيه والامام لا يموت في حياة أبيه، وأما الحسن – عليه السلام – فلم يكن له عقب والامام لا يخرج من الدنيا حتى يكون له عقب. وقالت فرقة اخرى إن الامام محمد بن علي أخو الحسن بن علي – عليه السلام -، ورجعوا عن إمامة الحسن – عليه السلام – وادعوا حياة محمد بعد أن كانوا ينكرون ذلك. وقالت فرقة اخرى إن الامام بعد الحسن – عليه السلام – ابنه المنتظر وأنه علي بن الحسن، وليس كما تقول القطعية إنه محمد بن الحسن وقالوا بعد ذلك بمقالة القطعية في الغيبة والانتظار حرفا بحرف. وقالت فرقة اخرى إن القائم محمد بن الحسن – عليه السلام – ولد بعد أبيه بثمانية أشهر وهو المنتظر، وأكذبوا من زعم الله ولد في حياة أبيه. وقالت فرقة اخرى إن أبا محمد – عليه السلام – مات عن غير ولد ظاهر ولكن عن حبل من بعض جواريه والقائم من بعد الحسن محمول به، وما ولدته امه بعد وإنه يجوز أنها تبقى مائة سنة حاملا به فإذا ولدته أظهرت ولادته. وقالت فرقة اخرى إن الامامة قد بطلت بعد الحسن – عليه السلام – فارتفعت الائمة وليس في الارض حجة من آل محمد – عليهم السلام – وإنما الحجة الاخبار الواردة عن الائمة المتقدمين – عليهم السلام -، وزعموا أن ذلك سائغ إذا غضب الله على العباد فجعله عقربة لهم. وقالت فرقة اخرى إن محمد بن علي أخا الحسن بن علي – عليه السلام – كان الامام في الحقيقة مع أبيه علي – عليه السلام – وإنه لما حضرته الوفاة وصى إلى غلام له يقال له نفيس وكان ثقة أمينا، ودفع إليه الكتب والسلاح ووصاه أن يسلمها إلى أخيه جعفر فسلمها إليه وكانت الامامة في جعفر بعد محمد على هذا الترتيب. وقالت فرقة اخرى وقد علمنا أن الحسن – عليه السلام – كان إماما فلما قبض


[ 321 ]

التبس الامر علينا فلا ندري أجعفر كان الامام بعده أم غيره، والذي يجب علينا أن نقطع على أنه لابد من إمام ولا نقدم على القول بإمامة أحد بعينه حتى يتبين لنا ذلك. وقالت فرقة اخرى بل الامام بعد الحسن ابنه محمد وهو المنتظر غير أنه قد مات وسيحيى ويقوم بالسيف فيملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا. وقالت الفرقة الرابع عشرة منهم أن أبا محمد – عليه السلام – كان الامأم من بعد أبيه، وإنه لما حضرته الوفاة نص على أخيه جعفر بن علي بن محمد بن علي وكان الامام من بعده بالنص عليه والوراثة له، وزعموا أن الذي دعاهم إلى ذلك ما يجب في العقل من وجوب الامامة مع فقدهم لولد الحسن – عليه السلام – وبطلان دعوى من ادعى وجوده فيما زعموا من الامامية. قال الشيخ أيده الله: وليس من هؤلاء الفرق التي ذكرناها فرقة موجودة في زماننا هذا وهو من سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة إلا الامامية الاثنا عشرية القائلة بإمامة ابن الحسن المسمى باسم رسول الله (ص) القاطعة على حياته وبقائه إلى وقت قيامه بالسيف، حسبما شرحناه فيما تقدم عنهم وهم أكثر فرق الشيعة عددا وعلماء ومتكلمين ونظارا وصالحين وعبادا ومتفقهة وأصحاب حديث وادباء وشعراء، وهم وجه الامامية ورؤساء جماعتهم والمعتمد عليهم في الديانة. ومن سواهم منقرضون لا يعلم أحد من جملة الاربع عشرة فرقة التي قدمنا ذكرها ظاهرا بمقالة ولا موجودا على هذا الوصف من ديانته وإنما الحاصل منهم حكاية عمن سلف وأراجيف بوجود قوم منهم لا تثبت.


[ 322 ]

فصل وأما الفرقة القائلة بحياة أبي محمد – عليه السلام -، فإنه يقال لها: ما الفصل بينك وبين الواقفة والناووسية فلا يجدون فصلا، وأما الفرقة الاخرى التي زعمت أن أبا محمد – عليه السلام – عاش من بعد موته وهو المنتظر فانه يقال لها: إذا جاز ان تخلو الدنيا من إمام حي يوما فلم لا يجوز أن تخلو منه سنة وما الفرق بين ذلك وبين أن تخلو أبدا من الامام، وهذا خروج عن مذهب الامامية وقول بمذهب الخوارج والمعتزلة، ومن صار إليه من الشيعة كلم بكلام الناصبة ودل على وجوب الامامة. ثم يقال لهم: ما أنكرتم أن يكون الحسن – عليه السلام – ميتا لا محالة ولم يعش بعد وسيعيش، وهذا نقض مذاهبهم فاما ما اعتلوا به من أن القائم إنما سمي بذلك لانه يقوم بعد الموت، فإنه يحتمل أن يكون المراد به بعد موت ذكره دون أن يكون المراد به موته في الحقيقة بعدم الحياة منه، على أنهم لا يجدون بهذا الاعتلال بينهم وبين الكيسانية فرقا. مع أن الرواية قد جاءت بان القائم إنما سمي بذلك لانه يقوم بدين قد اندرس ويظهر بحق كان مخفيا ويقوم بالحق من غير تقية تعتريه في شئ منه، وهذا يسقط ما ادعوه. وأما الفرقة التي زعمت أن جعفر بن علي هو الامام بعد أخيه الحسن – عليه السلام – فانهم صاروا إلى ذلك من طريق الظن والتوهم ولم يوردوا خبرا ولا أثرا يجب النظر فيه، ولا فصل بين هؤلاء القوم وبين من ادعى الامامة بعد الحسن – عليه السلام – لبعض الطالبيين واعتمد على الدعوى المتعرية من برهان.


[ 323 ]

فأما ما اعتلوا به من الحديث عن أبي عبد الله – عليه السلام – ان الامام هو الذي لا يوجد منه ملجأ إلا إليه فإنه يقال لهم فيه: ولم زعمتم أنه لا ملجأ إلا إلى جعفر وما أنكرتم أن يكون الملجأ هو ابن الحسن – عليه السلام – الذي نقل جمهور الامام النص عليه. فإن قالوا: لا يجب أن يثبت وجود من لم يشاهد، قيل لهم: ولم لا يجب ذلك إذا قامت الدلالة على وجوده مع أنه لا يجب علينا أن نثبت الامامة لمن لا نص عليه ولا دليل على إمامته، على أن هذه العلة يمكن أن يعتل بها كل من ادعى الامامة لرجل من آل أبي طالب بعد الحسن – عليه السلام -، ويقول إنما قلت ذلك لانني لم أجد ملجأ إلا إليه. وأما الفرقة الراجعة عن إمامة الحسن – عليه السلام – والمنكرة لامامة أخيه محمد فإنها يحتج عليها بدليل إمامة الحسن – عليه السلام – من النص عليه والتواتر عن أبيه به، ويطالب بالدلالة على إمامة علي بن محمد – عليه السلام -، وكل شئ اعتمدوه في ذلك فإنه العمدة عليهم فيما أبوه من إمامة الحسن – عليه السلام – وأما إنكارهم لامامة محمد بن علي أخ الحسن – عليه السلام – فقد أصابوا في ذلك ونحن موافقوهم على صحته. وأما اعتلالهم لصوابهم في الرجوع عن إمامة الحسن – عليه السلام – وأنه ممن مضى ولا عقب له، فهو اعتماد على التوهم لان الحسن – عليه السلام – قد أعقب المنتظر – عليه السلام -، والادلة على إمامته أكثر من أن تحصى، وليس إذا لم نشاهد الامام بطلت إمامته، ولا إذا لم يدرك وجوده حسا واضطرارا ولم يظهر للخاصة والعامة، كان ذلك دليلا على عدمه. وأما الفرقة الاخرى الراجعة عن إمامة الحسن – عليه السلام – إلى إمامة محمد أخيه، فهي كالتي قبلها والكلام عليها نحو ما سلف، مع أنهم أشد بهتانا ومكابرة


[ 324 ]

لانهم أنكروا إمامة من كان حيا بعد أبيه وظهرت عنه من العلوم ما يدل على فضله على الكل وادعوا إمامة رجل مات في حياة أبيه ولم يظهر منه علم ولا من أبيه – عليه السلام – نص عليه بعد أن كانوا يعترفون بموته، وهؤلاء سقاط جدا. وأما الفرقة التي اعترفت بولد الحسن – عليه السلام – وأقرت بانه المنتظر إلا أنها زعمت أنه علي وليس بمحمد، فالخلاف بيننا وبين هؤلاء في الاسم دون المعنى والكلام لهم فيه خاصة، فيجب أن يطالبوا بالاثر في الاسم فإنهم لا يجدونه، والاخبار منتشر في أهل الامامة وغيرهم أن اسم القائم – عليه السلام – اسم رسول الله (ص) ولم يكن في أسماء رسول الله (ص) علي، ولو ادعوا أنه أحمد لكان أقرب إلى الحق، وهذا المقدار كاف فيما يحتج به على هؤلاء. وأما الفرقة التي زعمت أن القائم ابن الحسن – عليه السلام – وأنه ولد بعد أبيه بثمانية أشهر فانكروا أن يكون له ولد في حياة أبيه، فانه يحتج عليهم بوجوب الامامة من جهة العقول، وكل شئ يلزم المعتزلة وأصناف الناصبة يلزم هذه الفرقة فيما ذهبوا إليه من جواز خلو العالم من وجود إمام حي كامل ثمانية أشهر، لانه لا فرق بين ثمانية أشهر والثمانين. على أنه يقال لهم: لم زعمتم ذلك أبالعقل قلتموه أم بالسمع ؟ فان ادعوا العقل أحالوا في العقول لان العقل لا مدخل له في ذلك، وإن ادعوا السمع طولبوا بالاثر فيه ولن يجدوه وإنما صاروا إلى هذا القول من جهة الظن والرجم بالغيب، والظن لا يعتمد عليه في الدين. وأما الفرقة الاخرى التي زعمت أن الحسن – عليه السلام – توفي عن حمل بالقائم وأنه لم يولد بعد، فهي بشاركة للفرقة المتقدمة في إنكار الولادة، وما دخل على تلك داخل على هذه ويلزمها من التجاهل ما يلزم تلك لقولها إن حملا يكون مائة


[ 325 ]

سنة، إذ كان هذا مما لم تجر به عادة ولا جاء به أثر في أحد من سائر الامم ولم يكن له نظير وهو وإن كان مقدورا لله تعالى فليس يجب أن يثبت إلا بعد الدليل الموجب لثبوته. ومن اعرف به من حيث الجواز فأوجبه، يلزمه إيجاب وجود كل مقدور حتى لا يأمن لعل المياه قد استحالت ذهبا وفضة وكذلك الاشجار ولعل كل كافر في العالم إذا نام مسخه الله تعالى قردا أو كلبا أو خنزيرا من حيث لم يشعر به ثم يعيده إلى الانسانية، ولعل بالبلاد القصوى مما لا نعرف خبره نساء يحبلن يوما ويضعن في غده، وهذا كله جهل وضلال فتحه على نفسه من اعترف بخرق العادة من غير حجة واعتمد على جواز ذلك في القدرة. وأما الفرقة الاخرى التي زعمت أن الامامة قد بطلت بعد الحسن – عليه السلام – فإن وجوب الامامة بالعقل يفسد قولها وقول الله: * (يوم ندعوا كل اناس بإمامهم) * (1)، وقول النبي: ” من مات وهو لا يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية “، وقول أمير المؤمنين – عليه السلام -: ” اللهم إنك لا تخلي الارض من حجة على خلقك إما ظاهرا مشهورا أو خائفا مغمورا لئلا تبطل حججك وبيناتك “، وقول النبي (ص): ” في كل خلف من امتي عدل من أهل بيتي ينفي عن هذا الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين “. وأما تعلقهم بقول الصادق – عليه السلام -: ” إن الله لا يخلي الارض من حجة إلا أن يغضب على أهل الدنيا ” فالمعنى في ذلك أنه لا يخليها من حجة ظاهرة بدلالة ما قدمناه. وأما الفرقة التي زعمت أن محمد بن علي – عليه السلام – كان إماما بعد أبيه وأنه


(1) – الاسراء / 71 (1) (*).

[ 326 ]

وصى إلى غلام يقال له ” نفيس ” وأعطاه السلاح والكتب وأمره أن يدفعها إلى جعفر فإن الذي قدمناه على الاسماعيلية من الدليل على بطلان إمامة إسماعيل بوفاته في حياة أبيه يكسر قول هذه الفرقة، ونزيده بيانا أن وصي الامام لا يكون إلا إماما ونفيس غلام محمد لم يكن إماما، ويبطل إمامة جعفر عدم الدلالة على إمامة محمد ودليل بطلان إمامته أيضا ما ذكرناه من وفاته في حياة أبيه. وأما الفرقة التي أقرت بإمامة الحسن – عليه السلام – ووقفت بعده واعتقدت أنه لابد من إمام ولم يعينوا على أحد، فالحجة عليهم النقل الصادق بإمامة المنتظر – عليه السلام – والنص من أبيه عليه، وليس هذا موضعه فنذكره على النظام – وأما الفرقة التي أقرت بالمنتظر وأنه ابن الحسن – عليه السلام – وزعمت أنه قد مات وسيحيى ويقوم بالسيف، فإن الحجة عليها ما يجب من وجود الامام وحياته وكماله وكونه بحيث يسمع الاختلاف ويحفظ الشرع، وبدلالة أنه لا فرق بين موته وعدمه. وأما الفرقة التي اعترفت بان أبا محمد الحسن بن علي – عليه السلام – كان الامام بعد أبيه وادعت أنه لما حضرته الوفاة نص على أخيه جعفر بن علي، واعتلوا في ذلك بأن زعموا أن دعوى من ادعى النص على ابن الحسن – عليه السلام – باطل والعقل موجب للامامة فلذلك اضطروا إلى القول بإمامة جعفر فإنه يقال لهم: لم زعمتم أن نقل الامامية النص من الحسن – عليه السلام – على ابنه باطل وما أنكرتم أن يكون حقا لقيام الدلالة على وجوب الامامة وثقة الناقلين وعلامة صدقهم بصفات الغيبة والخبر فيها عما يكون قبل كونه وتكون النقلة لذلك خاصة أصحاب الحسن – عليه السلام – والسفراء بينه وبين شيعته. ولفساد إمامة جعفر لما كان عليه في الظاهر مما يضاد صفات الامامة من


[ 327 ]

نقصان العلم وقلة المعرفة وارتكاب القبائح والاستخفاف بحقوق الله في مخلفي أخيه مع عدم النص عليه ولفقد أحد من الخلق يروي ذلك أو ياثره عن أحد من ابائه أو من أخيه خاصة، وإذا كان الامر على ما ذكرناه فقد سقط ما تعلق به هذا الفريق أيضا. على أنه لا فصل بين هؤلاء القوم وبين من ادعى إمامة بعض الطالبيين واعتل بعلتهم في وجوب الامامة وفساد قول الامامية فيما يدعونه من النص على ابن الحسن – عليه السلام -، فإذا كان لا فصل بين القولين وأحدهما باطل بلا اختلاف فالاخر في البطلان والفساد مثله، فهذه وفقكم الله جملة كافية فيما قصدناه، ونحن نشرح هذه الابواب والقول فيها على الاستقصاء والبيان في كتاب نفرده بعد، والله ولي التوفيق وإياه نستهدي إلى سبيل الرشاد. فصل سئل الشيخ أيده الله فقيل له: أليس رسول الله (ص) قد ظهر قبل استتاره ودعا إلى نفسه قبل هجرته وكانت ولادته معروفة ونسبه مشهورا وداره معلومة، هذا مع الخبر عنه في الكتب الاولى والبشارة به في صحف إبراهيم وموسى – عليهما السلام – وإدراك قريش وأهل الكتاب علاماته ومشاهدتهم لدلائل نبوته وأعلام عواقبه، فكيف لم يخف مع ذلك على نفسه ولا أمر الله أباه بستر ولادته وفرض عليه إخفاء أمره كما زعمتم أنه فرض ذلك على أبي الامام لما كان المنتظر عندكم من بين الائمة والمشار إليه بالقيام بالسيف دون آبائه، فأوجب ذلك على ما ادعيتموه واعتللتم به في الفرق بين ابائه وبينه في الظهور على خبره وكتم ولادته والستر عن الانام شخصه، وهل قولكم في الغيبة مع ما وصفناه من حال النبي (ص) إلا فاسد


[ 328 ]

متناقض. جواب – يقال إن المصلحة لا تكون من جهة القياس ولا تعرف أيضا بالتوهم ولا يتوصل إليها بالنظائر والامثال، وإنما تعلم من جهة علام الغيوب المطلع على الضمائر العالم بالعواقب الذي لا تخفى عليه السرائر، فليس ننكر أن يكون الله سبحانه قد علم من حال رسول الله (ص) مع جميع ما شرحتم أنه لا يقدم عليه أحد ولا يؤثر ذلك منه إما لخوف من الاقدام على ذلك أو لشك فيما قد سمعوه من وصفه أو لشبهة عرضت لهم في الرأي فيه، فتدبير الله سبحانه له في الظهور على خلاف تدبير الامام المنتظر لاختلاف الحالين. ويدل على ما بيناه ويوضح عما ذكرناه أنه لم يتعرض أحد من عبدة الاوثان ولا أهل الكتاب ولا أحد من ملوك العرب والفرس مع ما قد اتصل بهم من البشارة بالنبي (ص) لاحد من آباء رسول الله (ص) بالاخافة، ولا لاستبراء واحدة من امهاته لمعرفة الحمل به، ولا قصدوا الاضرار به في حال الولادة ولا طول زمانه إلى أن صدع بالرسالة. ولا خلاف أن الملوك من ولد العباس لم يزالوا على الاخافة لاباء الامام وخاصة ما جرى من أبي جعفر المنصور مع الصادق – عليه السلام -، وما صنعه هارون بأبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم – عليه السلام – حتى هلك في حبسه ببغداد، وما قصد المتوكل بأبي الحسن العسكري – عليه السلام – جد الامام حتى أشخصه من الحجاز فحبسه عنده بسر من رأى، وكذلك جرى أمر أبي محمد الحسن – عليه السلام – بعد أبيه إلى أن قبضه الله تعالى. ثم كان من أمر المعتمد بعد وفاة أبي محمد – عليه السلام – ما لم يخف على أحد من حبسه لجواريه والمسألة عن حالهن في الحمل، واستبراء أمرهن عندما اتفقت


[ 329 ]

كلمة الامامية على أن القائم هو ابن الحسن – عليه السلام – فظن المعتمد أنه يظفر به فيقتله ويزيل طمعهم في ذلك فلم يتمكن من مراده وبقي بعض جواري أبي محمد – عليه السلام – في الحبس أشهرا كثيرة، فدل بذلك على الفرق بين حال النبي (ص) في مولده وبين الامام – عليه السلام – على ما قدمناه بما ذكرناه وشرحناه. وشئ آخر وهو أن الخوف قد كان مأمونا على رسول الله (ص) من بني هاشم وبني عبد المطلب وجمع أهل بيته وأقاربه، لان الشرف المتوقع له بالنبوة كان شرفهم والمنزلة التي تحصل له بذلك فهي تختص بهم، وعلمهم بهذه الحال يبعثم على صيانته وحفظه وكلاءته ليبلغ الرتبة التي يرجونها له فينالون بها أعلى المنازل ويملكون بها جميع العالم. وأما البعداء منهم في النسب فيعجزون عن إيقاع الضرر به لموضع أهل بيته ومنعهم منه وعلمهم بحالهم وأنهم أمنع العرب جانبا وأشدهم بأسا وأعزهم عشيرة، فيصدهم ذلك عن التعرض له ويمنع من خطوره ببالهم، وهذا فصل بين حال النبي (ص) فيما يوجب ظهوره مع انتشار ذكره والبشارة به، وبين الامام فيما يجوز استتاره وكتم أمر ولادته، وهذا بين لمن تدبره. وشئ آخر وهو أن ملوك العجم في زمان مولد النبي (ص) لم يكونوا يكرهون مجئ نبي يدعو إلى شرع مستأنف ولا يخافون بمجيئه على أنفسهم ولا على ملكهم لانهم كانوا ينوون الايمان به والاتباع له، وقد كانت اليهود تستفتح به على العرب وترجو ظهوره كما قال الله عزوجل: * (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به) * (1) وإنما حصل للقوم الخلاف عليه والاباء له بنية تجددت لهم عند مبعثه. ولم يجر أمر الامام المنتظر – عليه السلام – هذا المجرى بل المعلوم من حال جميع


(1) – البقرة / 89 (*).

[ 330 ]

ملوك زمان مولده ومولد آبائه، خلاف ذلك من اعتقادهم فيمن ظهر منهم يدعو إلى إمامة نفسه أو يدعو إليه داع، سفك دمه واستئصال أهله وعشيرته وهذا أيضا فرق بين الامرين. وشئ آخر وهو أن رسول الله (ص) مكث ثلاث عشرة سنة يدعو بمكة إلى دينه والاعتراف بالوحدانية وبنبوته ويسفه جميع من خالفه ويضللهم ويسب آلهتهم، فلم يقدم أحد منهم على قتله ولا رام ذلك ولا استقام لهم نفيه عن بلادهم ولا حبسه ولا منعه من دعوته، ونحن نعلم علما يقينا لا يتخالجنا فيه الشك بأنه لو ظن أحد من ملوك هذه الازمان ببعض آل أبي طالب أنه يحدث نفسه بادعاء الامامة بعد مدة طويلة، لسفك دمه دون أن يعلم ذلك ويتحققه فضلا عن أن يراه ويجده. وقد علم أهل العلم كافة أن أكثر من حبس في السجون من ولد رسول الله (ص) وقتل بالغيلة إنما فعل به ذلك على الظنة والتهمة دون اليقين والحقيقة، ولو لم يكن أحد منهم حل به ذلك إلا موسى بن جعفر – عليه السلام – لكان كافيا ومن تأمل هذه الامور وعرفها وفكر فيما ذكرناه وتبينه انكشف له الفرق بين النبي وبين الامام فيما سأل عنه هؤلاء القوم ولم يتخالجه فيه ارتياب والله الموفق للصواب. وبهذا النحو يجب أن يجاب من سأل فقال: أليس الرسول قد ظهر في أول أمره وعرفت العامة والخاصة وجوده ثم استتر بعد ذلك عند الخوف على نفسه فقد كان يجب أن يكون تدبير الامام في ظهوره واستتاره كذلك. مع أن الاتفاقات ليس عليها قياس، والالطاف والمصالح تختلف في أنفسها ولا تدرك حقائقها إلا بسمع يرد عن عالم الخفيات جلت عظمته فلا يجب أن نسلك في معرفتها طريق الاعتبار. وليس يستتر هذا الباب إلا على من قل علمه بالنظر وبعد عنه الصواب والله نستهدي إلى سبيل الرشاد.


[ 331 ]

فصل ومن حكايات الشيخ وكلامه قال الشيخ أيده الله: حضرت مجلسا لبعض الرؤساء وكان فيه جمع كثير من المتكلمين والفقفاء فألفيت أبا الحسن علي بن عيسى الرماني يكلم رجلا من الشيعة يعرف بأبي الصقر الموصلي في شئ يتعلق بالحكم في فدك ووجدته قد انتهى في كلامه إلى أن قال له: قد علمنا باضطرار أن أبا بكر قال لفاطمة – عليها السلام – عند مطالبتها له با لميراث: ” سمعت رسول الله يقول نحن معاشر الانبياء لا نورث ” فسلمت – عليها السلام – لقوله ولم ترده عليه، وليس يجوز على فاطمة – عليها السلام – أن تصبر على المنكر وتترك المعروف وتسلم للباطل لا سيما وأنتم تقولون إن عليا – عليه السلام – كان حاضرا للمجلس، ولا شك أن جماعة من المسلمين حضروه واتصل خبره بالباقين فلم ينكره أحد من الامة ولا علمنا أن أحدا رد على أبي بكر وأكذبه في الخبر، فلولا أنه كان محقا فيما رواه من ذلك لما سلمت الجماعة له ذلك. فاعترضه الرجل الامامي بما روي عن فاطمة – عليها السلام – من ردها عليه وإنكارها لروايته وخطبتها في ذلك واستشهادها على بطلان خبره بظاهر القران وأورد كلاما في هذا المعنى على حسب ما يقتضيه واتسعت له الحال. فقال علي بن عيسى: هذا الذي ذكرته شئ تختص أنت وأصحابك به، والذي ذكرته من الحكم عليها شئ عليه الاجماع وبه حاصل علم الاضطرار فلو كان ما تدعونه من خلافه حقا، لارتفع معه الخلاف وحصل عليه الاجماع كما حصل على ما ذكرت لك من رواية أبي بكر وحكمه، فلما لم يكن الامر كذلك دل


[ 332 ]

على بطلانه. فكلمه الامامي بكلام لم أرتضه، وتكرر منهما جميعا، فأشار صاحب المجلس إلي لاخذ الكلام فاحس بذلك علي بن عيسى فقال لي: إنني قد جعلت على نفسي أن لا أتكلم في مسالة واحدة مع نفسين في مجلس واحد فأمسكت عنه وتركته حتى انقطع الكلام بينه وبين الرجل. ثم قلت له: خبرني عن المختلف فيه هل يدل الاختلاف على بطلانه ؟ فظن أنني اريد شيئا غير المسالة الماضية وأنني لا أكسر شرطه فقال: لست أدري أي شئ تريد بهذا الكلام فأبن لي عن غرضك لاتكلم عليه، فقلت له: لم آتك بكلام مشكل ولا خاطبتك بغير العربية، وغرضي في نفس هذا السؤال مفهوم لكل ذي سمع من العرب إذا أصغى إليه ولم يله عنه، اللهم إلا أن تريد أن ابين لك عن غرضي فيما أجري بهذه المسألة إليه فلست أفعل ذلك باول وهلة إلا أن تلزمني في حكم النظر، والذي استخبرتك عنه معروف صحته وأنا اكرره: أتقول إن الشئ إذا اختلف العقلاء في وجوده أو صحته وفساده كان اختلافهم دليلا على بطلانه، أو قد يكون حقا وإن اختلفت العقلاء فيه ؟ فقال: ليس يكون الشئ باطلا من حيث اختلف الناس فيه ولا يذهب إلى ذلك عاقل. فقلت له: فما أنكرت الان أن تكون فاطمة – عليها السلام – قد أنكرت على أبي بكر حكمه، وردت عليه في خبره، واحتجت عليه في بطلان قضائه، واستشهدت بالقرآن على ما جاء الاثر به ولا يجب أن يقع الاتفاق على ذلك وإن كان حقا ولا يكون الخلاف فيه علامة على كذب مدعيه بل قد يكون صدقا وإن اختلف فيه على ما أعطيت في الفتيا التي قررناك عليها.


[ 333 ]

فقال: أنا لا أعتمد على ما سمعت مني من الكلام مع الرجل على الاختلاف فيما ادعاه إلا بعد أن قدمت معه مقدمات لم تحض ها، والذي أعتمد عليه الان معك أن الذي يدل على صدق أبي بكر فيما رواه عن النبي (ص) من أنه لا يورث وصوابه فيما حكم به، ما جاء به الخبر عن علي – عليه السلام – أنه قال: ” ما حدثني أحد بحديث إلا استحلفته ولقد حدثني أبو بكر وصدق أبو بكر ” فلو لم يكن عنده صادقا أمينا عادلا، لما عدل عن استحلافه ولا صدقه في روايته ولا ميز بينه وبين الكافة في خبره، وهذا يدل على أن ما يدعونه على أبي بكر من تخرص الخبر فاسد محال. فقلت له: أول ما في هذا الباب أنك قد تركت الاعتلال الذي اعتمدته بدئا ورغبت عنه بعد أن كنت راغبا فيه وأحلتنا على شئ لا نعرفه ولا سمعناه وإنما بينا الكلام على الاعتلال الذي حضرناه ولسنا نشاحك في هذا الباب لكنا نكلمك على ما استأنفته من الكلام. انت تعلم وكل عاقل عرف المذاهب وسمع الاخبار، أن الشيعة لا تروي هذا الحديث عن أمير المؤمنين – عليه السلام – ولا تصححه بل تشهد بفساده وكذب رواته، وإنما يرويه آحاد من العامة ويسلمه من دان بإمامة أبي بكر خاصة، فإن لزم الشيعة أمر بحديث تفرد به خصومهم لزم المخالفين ما تفردت الشيعة بروايته، وهذا على شرط الانصاف وحقيقة النظر والعدل فيه فيجب أن تصير إلى اعتقاد ضلالة كل من روت الشيعة عن النبي (ص) وعن علي والائمة من ذريته – عليهم السلام – ما يوجب ضلالتهم، فإن لم تقبل ذلك ولم تلتزمه لتفرد القوم بنقله دونك فكيف استجزت إلزامهم الاقرار برواية ما تفردت به دونهم لولا التحكم دون الانصاف. على أن أقرب الامور في هذا الكلام أن تتكافا الروايات ولا يلزم أحد


[ 334 ]

الفريقين منهما إلا ما حصل عليه الاجماع أو يضم إليه دليل يقوم مقام الاجماع في الحجة والبيان، وفي هذا إسقاط الاحتجاج بالخبر من أصله. مع أني اسلمه لك تسليم جدل وابين لك أنك لم توف الدليل حقه ولا اعتمدت على برهان، وذلك أنه ليس من شرط الكاذب في خبر أن يكون كاذبا في جميع الاخبار، ولا من شرط من صدق في شئ أن يصدق في كل الاخبار وقد وجدنا اليهود والنصارى والملحدين يكذبون في أشياء ويصدقون في غيرها، فلا يجب لصدقهم فيما صدقوا فيه أن نصدقهم فيما كذبوا فيه، ولا نكذبهم فيما صدقوا لاجل كذبهم في الامور الاخر ولا نعلم أن أحدا من العقلاء جعل التصديق لزيد في مقالة واحدة دليلا على صدقه في كل أخباره. وإذا كان ذلك كذلك فما أنكرت أن يكون الرجل مخطئا فيما رواه عن النبي (ص) في الميراث وأن أمير المؤمنين – عليه السلام – قد صدقه فيما رواه من الحديث الذي لم يستحلفه فيه، فيكون وجه تصديقه له وعلة ذلك أنه – عليه السلام – شاركه في سماعه من النبي (ص) فكان حفظه له عنه يغنيه عن استحلافه، ويدله على صدقه فيما أخبر به ولا يكون ذلك من حيث التعديل له والحكم على ظاهره. على أن الذي رواه أبو بكر عن النبي (ص) يدل على صحته العقل ويشهد بصوابه القرآن فكان تصديق أمير المؤمنين – عليه السلام – له من حيث العقل والقرآن لا من جهة روايته هو عن النبي (ص) ولا لحسن ظاهر له على ما قدمناه. وذلك أن الخبر الذي رواه أبو بكر هو أن قال: سمعت رسول الله يقول: ” ما من عبد يذنب ذنبا فيندم عليه ويخرج إلى صحراء فلاة فيصلي ركعتين ثم يعترف به ويستغفر الله عزوجل فيه إلا غفر الله له ” وهذا شئ قد نطق به القران، قال الله تعالى * (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما


[ 335 ]

تفعلون) * (1) وقال: * (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) * (2) والعقل يدل على قبول التوبة. وإذا كان الامر على ما وصفناه بطل ما تعلقت به وكان ذكره لابي بكر خاصة لانه لم يحدثه بحديث غير هذا، فصدقه لما ذكرناه وأخبر عن تصديقه بما وصفناه، ولم يكن ذلك لتعديله على ما ظننت، ولا لتصويبه في الاحكام كلها على ما قدمت بما شرحناه. فقال عند سماع هذا الكلام: أنا لم أعتمد في عدالة أبي بكر وصحة حكمه على الخبر وإنما جعلته توطئة للاعتماد فطولت الكلام فيه وأطنبت في معناه، والذي أعتمده في هذا الباب أني وجدت أمير المؤمنين – عليه السلام – قد بايع أبا بكر وأخذ عطاءه وصلى خلفه ولم ينكر عليه بيد ولا لسان، فلو كان أبو بكر ظالما لفاطمة – عليها السلام -، لما جاز أن يرضى به أمير المؤمنين – عليه السلام – إماما ينتهي في طاعته إلى ما وصفت. فقلت له: هذا انتقال ثان بعد انتقال أول وتدارك فائت وتلافي فارط وتذكر ما كان منسيا، وإن عملنا على هذه المجازفة انقطع المجلس بنشر المسائل والتنقل فيها والتحيز وخرج الامر عن حده وصار مجلس مذاكرة دون تحقيق جدل ومناظرة، وأنت لا تزال تعتذر في كل دفعة عندما يظهر من وهن متعمداتك بأنك لم تردها ولكنك وطأت بها، فخبرني الان هل هذا الذي ذكرته اخرا هو توطئة أو عماد ؟ فإن كان توطئة عدلنا عن الكلام فيه وسألناك عن المعتمد، وإن كان أصلا لالممناك عليه.


(1) – الشورى / 25 (*). (2) – البقرة / 222 (*).

[ 336 ]

مع أني لست أفهم منك معنى التوطئة لان كل كلام اعتل به معتل ففسد فقد انهدم ما بناه عليه ووضح فساد ما بينه إن بناه عليه، فاعتذارك في فساد ما تقدم ما بناه توطئة لا معنى له. ولكننا نتجاوز هذا الباب ونقول لك: ما أنكرت على من قال لك إن ما ادعيته من أن أمير المؤمنين – عليه السلام – بايع الرجل دعوى عرية عن برهان ولا فرق بينها وبين قولك إنه كان مصيبا فيما حكم به على فاطمة – عليها السلام – فدل على أن أمير المؤمنين – عليه السلام – قد بايع على ما ادعيت ثم ابن عليه، فإما أن تعتمد على الدعوى المحضة فإنها تضر ولا تنفع، وقولك إنه – عليه السلام – صلى خلف الرجل، فإن كنت تريد أنه صلى متاخرا عن مقامه فلسنا ننكر ذلك وليس فيه دلالة على رضاه به، وإن أردت أنه صلى مقتديا به ومؤتما فما الدليل على ذلك فإنا نخالفك فيه وعنه ندفعك، وهذه دعوى كالاولى تضر من اعتمد عليها أيضا ولا تنفع. وأما قولك إنه أخذ العطاء فالامر كما وصفت، ولكن لم زعمت أن في ذلك دلالة على رضاه بإمامته والتسليم له في حكمه، أو ليس تعلم أن خصومك يقولون في ذلك إنه أخذ بعض حقه ولم يكن يحل له الامتناع من أخذه لان في ذلك تضييعا لماله وقد نهى الله تعالى عن التضييع وأكل الاموال بالباطل. وبعد فما الفصل بينك وبين من جعل هذا الذي اعتمدت عليه بعينه حجة في إمامة معاوية، فقال: وجدت الحسن والحسن و عبد الله بن عباس و عبد الله بن جعفر وغيرهم من المهاجرين والانصار قد بايعوا معاوية بن أبي سفيان بعد صلح الحسن – عليه السلام – وأخذوا منه العطاء وصلوا خلفه الفرائض ولم ينكروا عليه بيد ولا لسان فكل ما جعلته اسقاطا لهذا الاعتماد فهو بعينه دليل على فساد ما اعتمدته حذو النعل لالنعل، فلم يأت بشئ تجب حكايته.


[ 337 ]

فصل ومن حكايات الشيخ وكلامه قال: سألني أبو الحسن علي بن نصر الشاهد بعكبرا في مسجده وأنا متوجه إلى سر من رأى فقال: أليس قد ثبت عندنا أن أمير المؤمنين – عليه السلام – كان أعلم الصحابة كلها وأعرفها بمعالم الدين وكانوا يستفتونه ويتعلمون منه لفقرهم إليه، وكان غنيا عنهم لا يرجع إلى أحد منهم في علم الدين ولا يستفيده – عليه السلام – منهم ؟ فقلت: نعم هذا قولنا وهذا الواضح الذي لا خفاء به ولا يمكن عاقل دفعه ولا يقدم أحد على إنكاره إلا أن يرتكب البهت والمكابرة. فقال أبو الحسن: فإن بعض أهل الخلاف قد احتج علي في دفع هذا بأن قال: قد وردت الرواية عن علي – عليه السلام – أنه قال: ” ما حدثني أحد بحديث إلا استحلفته عليه ولقد حدثني أبو بكر وصدق أبو بكر “، فلو كان يعلم صلوات الله عليه جميع الدين ولا يفتقر إلى غيره لما احتاج إلى استحلاف من يحدثه ولا الاستظهار في يمينه ليصح عنده علم ما أخبر به. وقد روي أيضا أنه – عليه السلام – حكم في شئ فقال له شاب من القوم: أخطأت يا أمير المؤمنين. فقال – عليه السلام – له: صدقت أنت وأخطأت فماذا يكون الجواب عن هذا الكلام وكيف الطريق إلى حله ؟ فقلت له: أول ما في هذا الكلام أن الاخبار لا تتقابل ويحكم ببعضها على بعض حتى تتساوى في الصفة فيكون الظاهر المستفيض مقابلا لمثله في الاستفاضة والمتواتر مقابلا لمثله في التواتر والشاذ مقابلا لمثله في الشذوذ. وما ذكرناه عن مولانا – عليه السلام – مستفيض قد تواتر به الخبر على التحقيق،


[ 338 ]

وما ذكره هذا الرجل عنه – عليه السلام – من الحديثين، فأحدهما شاذ وارد من طريق الآحاد غير مرضي الاسناد، والآخر ظاهر البطلان لانقطاع إسناده وعدم وجوده في نقل معروف من الثقات، وليس يجوز المقابلة في مثل هذه الاخبار بل الواجب إسقاط الظاهر منها الشاذ وإبطال المتواتر ما ضاده من الآحاد. والثاني إن لما ذكره الخصم من الحديث الاول عن أمير المؤمنين – عليه السلام – غير وجه يلائم ما ذكرناه من فضل مولانا أمير المؤمنين – عليه السلام – في العلم على سائر الانام: منها أنه – عليه السلام – إنما كان يستحلف على الاخبار لئلا يجتري مجتر على الاضافة إلى رسول الله (ص) بالسماع ما لم يسمعه منه وإنما ألقي إليه عنه فحصل عنده بالبلاغ. ومنها أنه كان يستحلف مع العلم بصدق المخبر ليتأكد خبره عند غيره من السامعين فلا يشك فيه ولا يرتاب. ومنها أنه – عليه السلام – استحلف فيما عرفه يقينا ليكون ذلك حجة له إذا حكم به على أهل العناد ولا يقول قائل منهم عند حكمه بذلك قد حكم بالشاذ. ومنها انه يكون استحلافه – عليه السلام – للخبر بما لا يتضمن حكما في الدين ويتضمن أدبا وموعظة أو لفظة حكمة أو مدحة لانسان أو مذمة فلا يجب إذا علم ذلك من غيره أن يكون فقيرا في علم الدين إليه وناقصا في العلم عن رتبته. على أن لفظ الحديث ” ما حدثني أحد بحديث إلا استحلفته ” فهذا يوجب بالضرورة أنه كان يستحلف على ما يعلم لانه محال أن يكون كل من حدثه حدثه بما لا يعلم، وإذا ثبت أنه قد استحلف على علم لاحد ما ذكرناه أو لعلة من العلل بطل ما اعتمده هذا الخصم.


[ 339 ]

وأما الحديث الثاني فظهور بطلانه أوضح من أن يخفى وذلك أنه قال فيه: إن شابا قال له: ليس الحكم فيه ذلك، فقال أمير المؤمنين – عليه السلام – على ما زعم الخصم: أصبت أنت وأخطأت، وهذا واضح السقوط على ما بيناه لانه لا يخلو – عليه السلام – أن يكون حكم بالخطأ مع علمه بأنه خطأ، أو يكون حكم بالخطأ وهو يظن أنه صواب فإن كان حكم بالخطأ على علم بانه خطأ عاند في دين الله وضل بإقدامه على تغيير حكم الله وهو – عليه السلام – يجل عن هذه الرتبة ولا يعتقد مثل هذا فيه الخوارج فضلا عمن دونهم في عداوته من الناصبة، وإن كان حكم بالخطا وهو يظن أنه صواب فكيف زال ظنه عن ذلك وانتقل عنه بقول رجل واحد لا يعضده برهان وهذا مما لا يتوهم على أحد من أهل الاديان. على أنه لو كان لهذا الحديث أصل أو كان معروفا عند أحد من أهل الاثار لكان الرجل معروفا مشهورا بالعين والنسب مشهور القبيلة والمكان، ولكان أيضا الحكم الذي جرى فيه هذا الامر مشهورا عند الفقهاء ومدونا عند أصحاب الاخبار، وفي عدم معرفة الرجل وتعيين الحكم وعدمه من الاصول دليل على بطلانه كما بيناه. على أن الامة قد اتفقت عنه – عليه السلام – أنه قال: ” ضرب رسول الله (ص) بيده على صدري وقال: اللهم اهد قلبه وثبت لسانه فما شككت في قضاء بين اثنين ” وهذا مضاد لوقوع الخطأ منه – عليه السلام – في الاحكام ومانع من دخول السهو عليه في شئ منها والارتياب. وأجمعوا أن النبي (ص) قال: ” علي مع الحق والحق مع علي يدور حيث ما دار ” وليس يجوز أن يكون من هذا وصفه يخطئ في الدين أو يشك في الاحكام. وأجمعوا أن النبي (ص) قال: ” علي أقضاكم ” وأقضى الناس لا يجوز أن يخطف


[ 340 ]

في الاحكام، ولا أن يكون غيره أعلم منه بشئ من الحكم، فدل بذلك على بطلان ما اعترض به الخصم وكشف عن وهنه على البيان وبالله التوفيق وإياه نستهدي إلى سبيل الرشاد. وأما التعلق من الخبر بقوله ” وصدق أبو بكر ” في تعديله وإثبات الامامة له، فليس بصحيح لانه قد يصدق من لا يستحق الثواب، وقد يحكم بالصدق في الخبر لمن يستحق العقاب، فلا وجه لتعلقه بذلك، مع أن الخبر باطل لا يثبت بأدلة قد ذكرناها في مواضعها والحمد لله. فصل وحضر الشيخ أبو عبد الله أيده الله بمسجد الكوفة فاجتمع إليه من أهلها وغيرهم أكثر من خمسمائة إنسان فابتدر إليه رجل من الزيدية أراد الفتنة والشناعة فقال: باي شئ استجزت إنكار إمامة زيد بن علي ؟ فقال له الشيخ: إنك قد ظننت علي ظنا باطلا، وقولي في زيد لا يخالفني فيه أحد من الزيدية فلا يجب أن يتصور مذهبي في ذلك بالخلاف لهم. فقال له الرجل: وما مذهبك في إمامة زيد بن علي ؟ فقال له الشيخ: أنا أثبت من إمامة زيد ما تثبته الزيدية وأنفي عنه من ذلك ما تنفيه فأقول: إن زيدا رحمة الله عليه كان إماما في العلم والزهد والامر با لمعروف والنهي عن المنكر، وأنفي عنه الامامة الموجبة لصاحبها العصمة والنص والمعجز وهذا ما لا يخالفني عليه أحد من الزيدية حسبما قدمت. فلم يتمالك جميع من حضر من الزيدية أن شكروه ودعوا له وبطلت حيلة الرجل فيما أراد من التشنيع والفتنة.


[ 341 ]

فصل وحضر الشيخ أبو عبد الله أيده الله بسر من رأى واجتمع عليه من العباسيين وغيرهم جمع كثير فقال له بعض مشايخ العباسيين: أخبرني من كان الامام بعد رسول الله (ص) ؟ فقال له: كان الامام من دعاه العباس إلى أن يمد يده لبيعته على حرب من حارب وسلم من سالم. فقال له العباسي: ومن هذا الذي دعاه العباس إلى ذلك ؟ فقال له الشيخ: هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب – عليه السلام – حيث قال له العباس في اليوم الذي قبض فيه رسول الله (ص) بما اتفق عليه أهل النقل: ” ابسط يدك يابن أخ أبايعك فيقول الناس عم رسول الله بايع ابن أخيه فلا يختلف عليك اثنان “. فقال له شيخ من فقهاء أهل البلد: فما كان الجواب من علي ؟ فقال له: كان الجواب أن قال له: إن رسول الله (ص) عهد إلي أن لا أدعو أحدا حتى يأتوني ولا أجرد سيفا حتى يبايعوني ومع هذا فلي برسول الله شغل. فقال العباسي: فقد كان العباس رحمه الله إذن على خطأ في دعائه له إلى البيعة. فقال له الشيخ: لم يخطئ العباس فيما قصد لانه عمل على الظاهر وكان عمل أمير المؤمنين – عليه السلام – على الباطن وكلاهما أصاب الحق ولم يخطئه والحمد لله. فقال له العباسي: فان كان علي بن أيى طالب هو الامام بعد النبي (ص) فقد أخطأ أبو بكر وعمر ومن اتبعهما وهذا أعظم في الدين.


[ 342 ]

فقال له الشيخ: لست أنشط الساعة للفتيا بتخطئة أحد وإنما أجبتك عن شئ سألت عنه، فإن كان صوابا وضمن تخطئة إنسان فلا تستوحش من اتباع الصواب، وإن كان باطلا فتكلم على إبطاله فهو أولى من التشنيع بما لا يجدي نفعا. مع أنه إن استعظمت تخطئة من ذكرت فلابد لك من تخطئة علي والعباس من قبل أنهما قد تأخرا عن بيعة أبي بكر ولم يرضيا بتقدمه عليهما، ولا عملا له ولا لصاحبه عملا، ولا تقلدا لهما ولاية ولا راهما أبو بكر وعمر أهلا أن يشركاهما في شئ من امورهما، وخاصة ما صنعه عمر بن الخطاب فإنه ذكر من يصلح للامامة في الشورى ومن يصلح للنظر في الاختيار فلم يذكر العباس في إحدى الطائفتين فقال له الشيخ: لست أنشط الساعة للفتيا بتخطئة أحد وإنما أجبتك عن شئ سألت عنه، فإن كان صوابا وضمن تخطئة إنسان فلا تستوحش من اتباع الصواب، وإن كان باطلا فتكلم على إبطاله فهو أولى من التشنيع بما لا يجدي نفعا. مع أنه إن استعظمت تخطئة من ذكرت فلابد لك من تخطئة علي والعباس من قبل أنهما قد تأخرا عن بيعة أبي بكر ولم يرضيا بتقدمه عليهما، ولا عملا له ولا لصاحبه عملا، ولا تقلدا لهما ولاية ولا راهما أبو بكر وعمر أهلا أن يشركاهما في شئ من امورهما، وخاصة ما صنعه عمر بن الخطاب فإنه ذكر من يصلح للامامة في الشورى ومن يصلح للنظر في الاختيار فلم يذكر العباس في إحدى الطائفتين ولما ذكر عليا – عليه السلام – عابه ووصفه بالدعابة تارة وبالحرص على الدنيا اخرى، وأمر بقتله إن خالف عبد الرحمان بن عوف وجعل الحق في حيز عبد الرحمان دونه وفضله عليه. هذا وقد أخذ منه ومن العباس ومن جميع بني هاشم الخمس الذي جعله الله تعالى لهم وأرغمهم فيه وحال بينهم وبينه وجعله في السلاح والكراع، فإن كنت أيها الشيخ أيدك الله تنشط للطعن على علي والعباس بخلافهما للشيخين وكراهتهما لامارتهما وتأخرهما عن بيعتهما، وترى من العقد فيهما ما – سنه الشيخان من أمرهما من التأخير لهما عن شريف المنازل والغض منهما والحط من أقدارهما، فصر إلى ذلك فانه الضلال بغير شبهة، وإن كنت ترى ولايتهما والتعظيم لهما والاقتداء بهما، فاسلك سبيلهما ولا تستوحش من تخطئة من خالفهما، وليس هاهنا منزلة ثالثة. فقال العباسي عند سماع هذا الكلام: اللهم أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون

اترك تعليقاً